السبت، 28 مارس 2020
رئيس التحرير
فهد محمد الخزّي

محدث عصره العلامة الألباني

✍ هشام الصباغ - باحث لغوي: انطلاقا من مقولة «الناس موتى وأهل العلم أحياء»، نسلط في ...


 

 

المتواجدون على الموقع

المتواجدون الأن

89 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

تدوينات

111222122

د. محمد مصطفى إبراهيم :

لقد حدثت ثورة في الطب خلال القرون الماضية، بداية من استخدام المجهر، ثم البنج والتخدير والتطعيم والمضادات الحيوية، وانتهاء بزراعة الأنسجة والأعضاء البشرية، وكذلك تقدمت وسائل التشخيص والتحليل والعلاج. ويتهيأ الطب الآن ليدخل عصرا جديدا يسمى الطب الجزيئي molecular medicine، للتعرف على مسببات الأمراض بالتفصيل، على المستوى الفيزيائي والجزيئي. ولاتزال الاكتشافات والبحوث الطبية في مجال الطب الجزيئي تشهد تطورا مستمرا.

وفي مايو عام 2012م، تمكن فريق طبي سعودي من عمل أول تحليل جيني لفيروس الإيدز، أو نقص المناعة، باستخدام جهاز تحليل الجينوم الجزيئي، الذي يتعرف على الفيروس، ويكشف نوع سلالته، ويحددها.

يولد الإنسان بمجموعة من الصفات الوراثية المسؤولة عن لون الجلد والشعر والطول ولون العينين، والخصائص الوظيفية لأعضاء الجسم اللازمة لاستمرار الحياة وبقاء الجسم سليما، وهذه الصفات محمولة على جينات موجودة على كروموسومات تمثل الجينوم البشري، الذي يشمل من 20 إلى 25 ألف جين، طبقا لما أعلنته النتائج الأخيرة لمشروع الجينوم البشري، وتم عمل الخريطة الوراثية للإنسان لمعرفة جينات كثير من الأمراض الوراثية.

يمكن تقسيم الأمراض إلى أمراض وراثية وغير وراثية: أمراض وراثية بيئية وأمراض بيئية. وقد عرف الإنسان حوالي 6 آلاف مرض وراثي بشري في شعوب العالم المختلفة. ومعظم الأمراض الوراثية سببها جينات متنحية، أو طفرات تعطل إنتاج البروتينات الطبيعية.

تشكل الأمراض الوراثية والتشوهات الخلقية نسبة عالية من أمراض المواليد الجدد، ويتوقع إحصائيا أن يصاب طفل واحد من كل 25 طفلا بمرض وراثي ناتج عن خلل في الجينات، أو بمرض له عوامل وراثية، مثل: عيب خلقي، وتأخر عقلي. وتسعة من هؤلاء المصابين بهذه الأمراض يتوفون باكرا، أو يحتاجون إلى البقاء في المستشفيات لمدة طويلة.

وفي العالم العربي تمثل الأمراض الوراثية مشكلة كبرى في مجال الصحة العامة، وتسهم عوامل عديدة في انتشارها الواسع في المنطقة، منها ارتفاع معدل زواج الأقارب. وقد أنشئ المركز العربي للدراسات الجينية في دولة الإمارات العربية من أجل تشخيص الاضطرابات الوراثية ومنعها، ووضع أسس مستقبلية للرعاية الصحية في المنطقة.

وغني عن الذكر أن المركز العربي للدراسات الجينية قد أطلق مشروعا طموحا في شهر ديسمبر 2004م من أجل وضع «الفهرس الوراثي للعرب» (CTGA)، بهدف تنوير المجتمع العلمي والجمهور وتعريفهم بالأمراض الوراثية عند العرب، واقتراح استراتيجيات للبحث في المستقبل.

وقد عقد المؤتمر العربي الخامس لعلوم الوراثة البشرية في أواخر عام 2013م تحت شعار «تطبيقات علوم الوراثة البشرية في الرعاية الصحية» بمشاركة 600 طبيب وعالم وراثة من أكثر من 15 دولة عربية وأجنبية.

وتضمنت فعاليات المؤتمر العربي جلسة عن تشخيص الاضطرابات الوراثية، وتقنيات تحديد الخصائص الوراثية للأفراد. وقد كشف المؤتمر عن وجود نحو 1600 مرض وراثي منتشر في العالم العربي، واصفا هذا العدد بأنه «كبير جدا»، ويساعد على الإصابة بالأمراض العضوية.

وقال رئيس المركز العربي للدراسات الجينية رئيس المؤتمر الدكتور نجيب الخاجة إن: «80 في المئة من الأمراض الموجودة في العالم مشتركة بين الدول، فيما تتوزع الـ 20 في المئة الباقية على الدول العربية، مع وجود خصوصية في كل دولة». وأضاف: «بالنسبة إلى دول الخليج، يبلغ متوسط الأمراض الوراثية المكتشفة 250 مرضا وراثيا، حيث يبلغ عدد الأمراض الوراثية في الإمارات 270 مرضا، وينخفض العدد في البحرين ليتجاوز 200 مرض، بينما يزيد إلى 300 مرض في سلطنة عمان، ويصل أقصاه في الكويت بـ 340 مرضا وراثيا».

تعريف العلاج الجيني

يعرف العلاج الجيني على أنه استبدال الجين السليم الذي يؤخذ من المريض نفسه أو من إنسان آخر بالجين الممرض أو المسبب للمرض الوراثي.

طرق العلاج الجيني

توجد عدة طرق أو بروتوكولات معتمدة للعلاج الجيني في عدة دول، مثل: أميركا 135 بروتوكولا، و60 في أوروبا، وواحد في الصين، وآخر في اليابان. وكلها تعتمد على الأسس التالية:

1 - التعرف على الموقع الجيني المستهدف للعلاج.

2 - إحلال أو إضافة الجين السليم مكان الجين المعطوب عن طريق الحقن المباشر، أو استخلاص الخلايا المستهدفة وعلاجها خارج الكائن الحي ثم حقنها ثانية في الجسم بطريقة غير مباشرة.

3 - نقل الجين السليم عن طريق ناقل إلى الخلايا المستهدفة، ومن أهم النواقل الفيروسات بأنواعها.

4 - يجب أن يصل الجين إلى عدد كاف من الخلايا المستهدفة؛ ليستقر بها ويعبر عن نفسه.

تقسيمات العلاج الجيني

يمكن تقسيم العلاج الجيني إلى عدة تقسيمات حسب طريقة إدخال الجين إلى خلايا الجسم، أو طبقا للخلايا المستهدفة للعلاج (in vivo داخل الكائن ex vivo/ خارج الكائن الحي أو خلايا جسمية أو جنسية).

استخداماته في علاج الأمراض المختلفة

مازالت المعالجة الجينية للأمراض تحت التجارب على الحيوان، وهناك تجارب محدودة على الإنسان بداية من سنة 1995م، حيث بدأ العالم أندرسون في معهد الصحة الأميركي تجاربه على سرطان المخ، وحقق بعض النجاح، ومازالت الأبحاث مستمرة. كما أعلن في الصحف سنة 2007م عن نجاح علاج العمى الوراثي بالعلاج الجيني في أحد مستشفيات لندن لأول مرة على حيوانات التجارب.

ومن أهم الأمراض المرشحة للعلاج: أمراض السرطان والأمراض الوراثية، مثل: أمراض التليف الكيسي، وأمراض الدم، مثل: الهيموفيليا بأنواعها. كذلك يمكن استخدامه في أمراض الأيض، أو التمثيل الغذائي الناتجة عن خلل في وظائف أجهزة الجسم.

أهم الصعوبات التي تواجه تطبيقه

 يعتبر العلاج الجيني من التقنيات الحديثة التي تحتاج إلى خبرة وإلمام كامل بطرق العلاج والبروتوكولات المعتمدة والمطبقة في كثير من الدول المتقدمة، كذلك من أهم الصعوبات عدم ثبات الجين المنقول، ومشاكل الجهاز المناعي، والأمراض متعددة الجينات، واحتمال تنشيط الجينات الضارة، مثل: جينات الأورام، نتيجة الدمج الخاطئ للجينات السليمة في غير أماكنها المستهدفة، بالإضافة إلى النواحي اللاخلاقية والدينية. ويمكن في المستقبل التغلب على هذه الصعوبات ونشر تطبيقه في معظم دول العالم. ويتنبأ العلماء أنه بحلول عام 2020م يمكن التعرف على معظم جينات الأمراض الوراثية وعلاج الأمراض الخطيرة، مثل: السرطان والإيدز وغيرهما، ونحن في انتظار الوعود الحالمة لهذه التقنيات الحديثة ومدى إمكانية تطبيقها في البلدان النامية. هذا الذي سوف نراه في المستقبل القريب، إن شاء الله.

132863103410001

خلف أحمد أبوزيد :

كانت المساجد، وستظل، محور الحياة الدينية في العالم الإسلامي. ولقد أقيم أول مسجد في الإسلام من قبل النبي  " صلى الله عليه وسلم"  في المدينة المنورة، وكان من البساطة بحيث لم يتجاوز في بدايته حجم قاعة لإقامة الصلاة، ومكانا يجتمع فيه النبي الكريم بأصحابه. وعلى هذا النمط البسيط أقيمت مساجد كثيرة في مختلف المدن والبلدان، التي أشع عليها نور الإسلام بعد ذلك. ولكي يتعرف المسلمون على الجهة الصحيحة للقبلة أثناء الصلاة وضع المحراب؛ ليكون وجهتهم الصحيحة للصلاة نحو الكعبة المشرفة. هذا المحراب الذي أمسى رمزا للصلاة، وموقعا جوهريا يذكر الناس بعبادة الله عزوجل. وتبارى الناس في تفخيمه، والتركيز على شكله، حتى صار تحفة معمارية تنطق بالجمال والإبداع، وتعبر في الوقت نفسه عن الروح المبدعة، التي تحلى بها المعماري والفنان والمسلم.

تعريف المحراب

والمحراب عنصر معماري، أكثر ما يوجد في المساجد والجوامع والزوايا والمدارس. وهو التجويف أو الحنية الموجودة في حائط القبلة. وقد قيل أيضا إنه «الغرفة، الموضع العالي، صدر البيت، أرفع مكان في المسجد، أشرف الأماكن، أشرف المجالس، وقد أطلق عليه أيضا القبلة» (1). والمحراب لا يتسع إلا لشخص واحد هو الإمام، يؤدي فيه الصلاة خلال وقت الذروة، وفي الأعياد والمواسم، وازدياد عدد المصلين، فيكون وجود الإمام داخل تجويف المحراب متيحا فرصة لتكوين صف كامل من المصلين، مما يوفر في المكان. أما في الأحوال العادية، فإن الإمام غالبا يقف بعيدا عنه، وذلك يعطي انطباعا بأن عمل المحراب لا يزيد على كونه علامة بارزة لتحديد اتجاه القبلة، وبذلك يعتبر هذا العمل الرئيسي للمحراب.

المحراب في القرآن الكريم

ورد ذكر المحراب في أكثر من موضع من آيات القرآن الكريم، قال تعالى: {فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا} (مريم:11). ونلحظ هنا أن التوجه بالتسبيح صباحا ومساء كان لوجوده في المحراب، أي إن المحراب هو موضع لائق لذكر الله والتسبيح والتبتل إليه سبحانه، { وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا  كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا  قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا  قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ  إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ  بِغَيْرِ حِسَابٍ} (آل عمران:37). والمحراب هنا «غرفة عبادتها في بيت المقدس» (2). {فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ} (آل عمران:39)، أي إن المحراب للصلاة ومناجاة الله وذكره سبحانه. كما وردت كلمة المحراب في القرآن الكريم بمعنى المكان العالي المكرم في المنزل، قال تعالى: {وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ } (ص:21)، «أي اعتلوا سور مصلاه ونزلوا إليه» (3). كما جاءت لفظة محراب في القرآن الكريم بصيغة الجمع «محاريب»، في قوله تعالى: {يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ} (سبأ:13)، وفسرت محاريب في هذه الآية الكريمة بالقصور والمساجد يتعبد فيها.

ومحاريب المساجد في الإسلام تنقسم إلى نوعين: محاريب مسطحة، ومحاريب مجوفة.

المحاريب المسطحة

هي مجرد رمز يعين اتجاه بيت الله الحرام على هيئة رسم مسطح أو غائر أو بارز. وتذكر المصادر التاريخية أنه «لم يكن المحراب في مسجد النبي  " صلى الله عليه وسلم"  مجوفا، بل مسطحا تسطح الجدار نفسه، ولكنه كان محددا أو معلما، وظل في مكانه بعد توسعة المسجد في حياة النبي  " صلى الله عليه وسلم" ، في السنة السابعة بعد الهجرة، وكان جراء ذلك أنه صار أقرب إلى الجدار الشرقي منه إلى الجدار الغربي، ذلك لأن توسعة المسجد نحو الغرب كانت أطول من توسعته نحو الشرق. وفي خلافة عمر بن الخطاب  "رضي الله عنه" ، نقل جدار القبلة نحو الجنوب بمقدار خمسة أمتار تقريبا، ومن ثم نقل مكان المحراب نحو الجدار الجديد، ولكن على نفس المحور، وحدث الشيء نفسه في خلافة عثمان بن عفان  "رضي الله عنه" ، حيث نقل جدار القبلة إلى الجنوب خمسة أمتار أخرى، وبذلك صار في موضعه الحالي» (4). وقد ظل المحراب في العهد الإسلامي الأول مسطحا. أما عن المادة التي صنعت منها المحاريب المسطحة، فكانت من الجص على حائط القبلة. ومن أمثلة المحاريب المسطحة الباقية إلى اليوم محراب قبة الصخرة المسطح في المغارة تحت الأرض، كما يوجد في مسجد ابن طولون في القاهرة خمسة من المحاريب الجصية المسطحة، التي يعود بعضها إلى العصر الفاطمي، والبعض الآخر صنع في العصر المملوكي.

المحاريب المجوفة

تتخذ المحاريب المجوفة هيئة بنائية، وكيانا معماريا فريدا، ولا يعرف على وجه التحديد مكان أول محراب مجوف في المساجد الإسلامية، غير أن بعض المصادر ترجع إنشاء أول محراب مجوف إلى توسعة المسجد النبوي في عهد الوليد بن عبدالملك، زمن ولاية عمر بن عبدالعزيز على المدينة، «الذي جعل للمسجد محرابا مجوفا، وموقعه في الروضة الشريفة، أمام مصلى النبي  " صلى الله عليه وسلم" ، فكان هذا أول محراب مجوف في المسجد» (5). وقد انقسمت المحاريب المجوفة إلى نوعين: المحاريب المجوفة ذات المسقط المتعامد الأضلاع، والتي ترجع إلى القرنين الأول والثاني الهجريين، خصوصا في شرق العالم الإسلامي، خلال العصر العباسي كما في «محراب قصر الإخيصر، ومحراب أقدم مسجد باق على أرض فارس، ويعرف باسم طريق خانه» (6). أما خلال النصف الأخير من القرن الثاني الهجري، فقد كانت الغلبة للمحراب المجوف ذي المسقط نصف الدائري، والذي نجده بكثرة في العمائر الأموية، كما في المسجد الأموي بدمشق، وجامع قصر الحلايات، ومسجد خان الزبيب، ومسجد أبو الوليد، والمحراب الصغير في قصر المشتى وقصر الطوبة، وجميعها في منطقة الشام. وسرعان ما انتشر هذا النوع من المحاريب المجوفة في بناء المساجد في شرق العالم الإسلامي وغربه على حد سواء. وقد قيل الكثير من الآراء بشأن الحكمة من المحراب المجوف، منها أنه يفيد في تعيين اتجاه القبلة، وفي تحديد مكان الإمام عند الصلاة، وفي توسيع المسجد بما يقرب من صف من المصلين في الصلاة الجامعة، ويساعد على تجميع صوت الإمام وتكبيره وإيصاله إلى المصلين، الذين يوليهم ظهره أثناء الصلاة، لاسيما قبل اختراع مكبرات الصوت.

مواد المحاريب

لقد نال المحراب المجوف عناية كبيرة من مؤسسي المساجد من حيث الاهتمام بعمارته وزخرفته، ونوعية المواد التي يغشى بها تجويفه. ونتوقف هنا مع أهم المواد التي صنع منها تجويف المحاريب.

الجص

يعد الجص من أقدم المواد التي صنع منها تجويف المحاريب في المساجد الإسلامية. ويعد المحراب القديم في جامع أحمد ابن طولون، في مدينة القاهرة، أقدم مثل في مصر على استخدام الجص في تشييد المحاريب، حيث استخدم الجص في تشييد محراب المسجد، وذلك من ناحية جداره المجوف وعقود واجهته، وما حولها من زخارف جصية كلها تعود إلى فترة ابن طولون «ما عدا الكسوة (الطاقية) التي من الخشب، والتي زخرفت بالألوان، فهي من أعمال السلطان لاجين المملوكي، وكذلك الشريط المزخرف بالفسيفساء والكسوة من الحشوات والأشرطة الرخامية، التي تغطي سطح تجويف المحراب» (7).

الرخام

كان الرخام من المواد المفضلة في تغشية محاريب المساجد. ومن أشهر المحاريب الرخامية القديمة المحراب الذي عثر عليه في جامع الخاصكي ببغداد، ويعتقد أنه كان في الأصل قد عمل لجامع المنصور، الذي بناه لقصره في وسط بغداد، وهو عبارة عن قطعة من الرخام، وهناك أيضا محراب جامع عقبة ابن نافع في القيروان، والذي زود على أيدي حكام إفريقيا من الأغالبة، وهو من حشوات رخامية من المرمر المزخرف، ومحراب مسجد الناصر قلاوون في مدينة القاهرة، والذي يعد من أكبر المحاريب في مصر وأفخمها، «يكتنفه ثلاثة أعمدة رخامية ذات تيجان كأسية، وفي تجويف المحراب فسيفساء من الرخام، والصدف متعددة الألوان» (8). وأيضا في محراب مسجد السلطان حسن «المكسو بالرخام الملون المحلى بنقوش ذهبية، والذي يكتنفه أربعة أعمدة من الرخام، وعلى يمين المحراب المنبر، وهو من الرخام الأبيض، وبابه من الخشب المصفح بالنحاس المنقوش» (9). كما زاوج المسلمون في المغرب والأندلس في عمل المحاريب وزخرفتها بين استخدام الجص والرخام في عبقرية فنية فريدة، تفصح عن نفسها في محراب جامع قرطبة الكبير، ومحراب مدرسة يوسف في غرناطة.

الخزف

وإلى جانب الجص والرخام، برع الفنان المسلم في استخدام مختلف أنواع البلاطات الخزفية، لتغشية المحاريب، وكان أول ظهور لبلاطات الخزف ذات البريق المعدني، في صنع المحاريب، في سامراء بالعراق، ثم أرسلت ليزدان بها محراب مسجد عقبة بن نافع في القيروان، وهي باقية إلى يومنا هذا (10). وقد تنافس الغرب الإسلامي مع المشرق الإسلامي، من حيث الشغف باستخدام الخزف لزخرفة المحاريب، ففي بلاد المغرب والأندلس، خصوصا في عصر دولة الموحدين، استخدم الزليج بزخارفه الهندسية الدقيقة والمتعددة الألوان على نطاق واسع، حتى بات من مميزات الفن الإسلامي الرئيسية هناك، كما أثبت الخزافون في المشرق الإسلامي جدارتهم بريادة هذا الفن، من خلال استخدام بلاطات الخزف ذي البريق المعدني، والخزف ذي اللون الأزرق الفيروزي، لتغشية وزخرفة حنايا المحاريب، وذلك بتجميل محاريب البلاطات الخزفية بالكتابات النسخية، التي تحوي آيات من القرآن الكريم، إلى جانب الزخارف النباتية المعروفة بالتوريق أو الأرابسك، واستخدمت المقرنصات الخزفية أيضا لتزيين طواقي المحاريب، مثلما نرى في محراب جامع يزد، ومحراب جامع قلبان في بخارى. وقد لحق الأتراك العثمانيون بركب المحاريب الخزفية، فنراهم يستخدمون بلاطات الخزف المنتجة في أزتيك، ليس فقط لتغشية المحاريب، بل لكسوة جدران المساجد من الداخل بها.

المحاريب المتنقلة

عرف المسلمون المحاريب المتنقلة، أو غير الثابتة، وهي محاريب يمكن نقلها من مكان إلى آخر عند الضرورة، وكانت هذه المحاريب تصنع من الخشب، وكان يعنى بزخرفتها، حيث كان يستخدم بعضها لإقامة الصلاة في القصور الخاصة بالخلفاء والأمراء. وقد عرفت هذه المحاريب المتنقلة أيضا في منطقة الموصل بالعراق، وما وقع شمالها من أرض الأكراد، وذلك بغرض استخدامها في المصلى الصيفي للمساجد التي تقع في المناطق القارية، التي يتسم مناخها بالبرودة الشديدة شتاء، والحرارة الشديدة صيفا، الأمر الذي دفع بالمسلمين في هذه المناطق إلى تقسيم المسجد إلى قسمين، أحدهما مغلق للصلاة في أوقات الشتاء، والآخر مفتوح لاستخدامه في فصل الصيف. ولما كان المحراب الرئيسي يشيد في الجزء المغلق، فقد كان الاحتياج شديدا لاستخدام المحاريب المتنقلة في المصليات الصيفية. ومن أمثلة هذه المحاريب المتنقلة الباقية إلى اليوم «محراب السيدة رقية، بمتحف الفن الإسلامي بالقاهرة، والذي يعود تاريخه إلى عام 533م» (11).

وفي النهاية نقول: رغم اختلاف العلماء بين مؤيد ومعارض للمحراب المجوف، فإنه يمثل عنصرا فنيا ومعماريا مهما، يؤكد على الطراز الفريد للعمارة الإسلامية، ويمثل في الوقت نفسه أحد الملامح المعبرة عن جماليات الفن الإسلامي.

الهوامش

1 - مختار الصحاح، مادة «م ح ب»، ص 128.

2 - كلمات القرآن.. تفسير وبيان، للشيخ حسنين محمد مخلوف، ص 37.

3 - المصدر السابق، ص 262.

4 - موسوعة المفاهيم الإسلامية، المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بالقاهرة، وزارة الأوقاف المصرية، الفصل الخاص بالمحاريب (نسخة إلكترونية).

5 - وكالة الرئاسة العامة لشؤون المسجد النبوي، محاريب المساجد.

6 - الفن الإسلامي، أبوصالح الألفي، ص 168.

7 - المصدر السابق، ص 169.

8 - المصدر السابق، ص 198.

9 - جامع السلطان حسن وما حوله، د. حسن عبدالوهاب، ص 18.

10 - الفن الإسلامي، مصدر سابق، ص 175.

 11 - موسوعة العمارة والآثار والفنون الإسلامية، د. حسن الباشا، المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، (نسخة إلكترونية).

 

25652245221

الكويت رائدة في تجربة الصّناديق الوقفيَّة الحديثة التي تجمع بين أصالة الوقف الإسلامي وحداثة التّنظيمات العلميَّة والفنّيَّة المعاصرة

القاهرة – ياسر سليم :

في كثير من الدول ، يتم تخصيص جزء كبير من ميزانية الدولة لصالح دعم البحث العلمي والتقني ، ذلك لأن هذه الدول توقن أن البحث العلمي هو مفتاح التقدم علي كل المستويات حتي ولو لم يمثل مردودا مباشراً بحسبة الأوراق والأقلام .

 وفي الإسلام ، هناك نظام أكثر تطوراً وتأثيراً رغم أنه قديم اسمه الوقف ، يعتمد علي أن يخصص فرد ما أو مؤسسة أو حتي الدولة نتاج مشروع ما ، رابح وناجح ، لصالح جهود أخري لها مردود علي مجموع الأمة علي المدي البعيد ، حيث كان يتم وقف حدائق ومزارع علي تعليم طلبة أهل العلم الشرعي ، مما أثمر عن ولادة عقول عربية الأصل اسلامية الهوي ، لاتزال تدرس كتبها ونظرياتها إلي اليوم في جامعات أوربا .

والسؤال الذي يطرح نفسه الآن : لماذا لم يتم التوسع في هذا النظام مع الحاجة الملحة والشديدة للوقف للإنفاق علي الأبحاث التقنية التي أصبحت عصب الحياة والتطور في عالم اليوم ؟

تجارب الدول العربية في هذا الصدد ، تنوعت تنوعاً كبيراً ، ليس فقط وفقاً للقدرة المالية لبعض الدول ، ولكن أيضاً وفقاً لاتجاهات المسئولين ونزوع المواطنين لعمل الخير .

من أهم الدراسات البحثية التي وقفت علي هذه الاتجاهات في الدول العربية وأثرها ، كانت دراسة بعنوان "الوقف على المؤسّسات التّعليميَّة ـ كليَّة التّكنولوجيا نموذجاً ـ وقام بها الدكتورحسن محمد الرفاعي الأستاذ في الاقتصاد الإسلامي وفقه المعاملات المالية والمصرفية في جامعات: الإمام الأوزاعي، والجنان ،وطرابلس بلبنان ، والتي أشاد فيها بتجربة الكويت باعتبارها الأكثر ثراء.

خلص البحث إلي أن التَّعليم التكنولوجي هو مفتاح تحقيق التّنمية بصورها المختلفة ؛ خصوصاً التنمية الاقتصاديَّة، ولا يخفى على أحد أنّ القسم الأعظم من دول العالم العربي والإسلامي يعاني من مشكلة التخلّف الاقتصادي، وأنّ مفتاح معالجة تلك المشكلة ـ حسب رأي كتاب التنمية الاقتصادية ـ يبدأ بنشر التّعليم التكنولوجي، وامتلاك عناصر الثقافة التكنولوجيّة.

ويضيف الباحث : يتمّ نشر التّعليم التكنولوجي من خلال إيجاد المؤسّسات التعليميّة التكنولوجيَّة ؛ لكنّ تكلفتها مرتفعة ، خصوصاً في مجال تأمين مراكز البحوث العلميَّة المخبريَّة ، ومن خلال النّظر إلى أرض الواقع نجد أنّ المؤسّسات التعليميَّة التكنولوجيَّة الرسميَّة والخاصّة غير فاعلة ؛ بسبب ندرة توافر رؤوس الأموال التي يكون لها دور في تفعيلها وتطويرها، خصوصاً في البلاد الإسلاميَّة الفقيرة.

ويُضاف إلى الذي تقدّم أنّه لا يوجد حتى ساعة إعداد هذه الدّراسة ـ حسب علم الباحث ـ مؤسَّسة تعليميَّة تكنولوجيّة وقفيَّة، على مساحة العالم العربي والإسلامي.

ويوضح أنه بما أنَّ تكلفة التّعليم التكنولوجي مرتفعة ، فإنّ هناك إمكانيّة لتمويله من خلال الوقف على إيجاد مؤسّساته ، لذلك جاءت هذه الدّراسة تحت عنوان : الوقف على المؤسّسات التعليميَّة ـ كليَّة التكنولوجيا نموذجاً.

تجربة الكويت

ولقد تعرّض الباحث في دراسته إلى الواقع المعاصر للعالم العربي والإسلامي وصلته بالتكنولوجيا، ثمَّ تحدّث بعد ذلك عن واقع مؤسّساته التعليميَّة وصلتها بالتكنولوجيا، ثمَّ اقترح آليّة معيَّنة لتمويل كليَّة التكنولوجيا الوقفيّة، وتحدث أخيراً عن النّتائج التي نحصل عليها من خلال الوقف على كليَّة التكنولوجيا.

وقال إنه تعتبر الصّناديق الوقفيَّة من الصُّور المعاصرة للوقف النّقدي الجماعي، وكانت دولة الكويت الرّائدة في هذا المجال، حيث سبقت غيرها في هذه التجربة الوقفيَّة الحديثة التي تجمع بين أصالة الوقف الإسلامي وحداثة التّنظيمات العلميَّة والفنّيَّة المعاصرة

حوت هذه الدّراسة أربعة أقسام. تناول القسم الأوّل الحديث عن واقع العالم العربي الإسلامي والتكنولوجيا، وتبيّن أنّه يعاني من عِدّة أمورٍ، يتمثّل أهمّها بالآتي: التبعيَّة التكنولوجيَّة، وهجرة العقول والكفاءات، وضعف المعلومات المرتبطة بالتكنولوجيا، وضعف الرّوابط بين مؤسّسات البحث العلمي وجهات الاستفادة والتّطبيق.

أمّا القسم الثاني والذي جاء تحت عنوان: المؤسّسات التَّعليميَّة والتكنولوجيا، فلقد تحدّث فيه الباحث عن العلاقة بين القاعدة العلميَّة والتكنولوجيا، وعن ضرورة نشر وتطوير المؤسّسات التَّعليميَّة التكنولوجيَّة، ثمَّ أعطى نماذج عن المؤسّسات التَّعليميَّة التكنولوجيَّة.

والقسم الثالث الذي جاء تحت عنوان: آليّة تمويل كليّة التكنولوجيا الوقفيَّة، ذكر فيه الباحث عدّة صورٍ لتمويلها، يتمثل أهمّها بالآتي: إصدار الأسهم الوقفيَّة، وتكوين الصّندوق الوقفي، والوقف على رواتب الأساتذة، ووقف «العمل المؤقت» لبعض الأساتذة، والوقف على المكتبات، والوقف على البحث العلمي وأدواته (وقف المختبرات)، والوقف على طلاب العلم (وقف الأقساط).

أمّا القسم الرابع والأخير والذي جاء تحت عنوان: «نتائج الوقف على كليّة التكنولوجيا»، فلقد ذكر فيه الباحث نتائج إيجاد تلك الكلّيَّة، ويتمثَّل أهمّها بالآتي: تخريج الجيل التكنولوجي، واستعادة العقول التكنولوجيَّة المهاجرة، وتطوير التكنولوجيا المحليَّة، والإسهام في توطين التكنولوجيا المستوردة، وأخيراً نقل المجتمع من حالة التخلّف إلى حالة النّموّ.

أمّا بالنّسبة للنتائج، فإنّ الباحث توصَّل إلى أنَّ الواقع التكنولوجي للقسم الأعظم من دول العالم الإسلامي غير مُرْضٍ، وسبب ذلك يرجع إلى عِدّة أمور؛ منها ندرة وجود المؤسّسات التَّعليميَّة التكنولوجيَّة الفاعلة، وندرة وجود العقول التكنولوجيّة المتخصّصة على أراضيه، بسبب هجرتها للعمل في الخارج، وندرة وجود الرساميل المطلوبة لإيجاد مؤسّسات تعليميَّة تكنولوجية جديدة أو لتفعيل القديم منها، خصوصاً في دول العالم العربي والإسلامي الفقيرة. وأنّ هناك إمكانيّة لأن يصار إلى تمويل إيجاد تلك المؤسّسات وتفعيلها من خلال الوقف، وإذا  وجدت ـ تلك المؤسّسات ـ فإنّ لها دوراً في معالجة ظاهرة التخلّف الاقتصادي تمهيداً للوصول إلى مرحلة النّموّ الاقتصادي من خلال البدء بعمليّة التَّنمية.

ويؤكد الباحث أن كليَّة التّكنولوجيا تحتاج إلى عدّة مستلزمات يجب تأمينها لكي ترى النّور في أرض الواقع وتمارس رسالتها، لكنّ تلك المستلزمات تحتاج إلى من يؤمِّنها، الأمر الذي يستدعي تأمين المال اللازم لتحقيق ذلك، وهنا يظهر دور وقف رأس المال المساهم في إيجاد تلك الكلّيَّة، والذي يأخذ عِدّة صُوَرٍ.

توصيات

أوصي الباحث العلماء وأهل الاختصاص بإعادة إحياء فكرة الوقف عند الواقف بما يخدم مصلحة المجتمع، وذلك من خلال حثّهم على دعم إحياء مؤسّسات التّعليم التكنولوجي الوقفيَّة من خلال الوقف عليها.

 كما أوصي الباحث إدارات المؤسّسات التربويَّة الوقفيَّة الاهتمام بالتّعليم التكنولوجي؛ من خلال افتتاح فروعه المختلفة التي تحتاجه مجتمعاتهم، أو من خلال تفعيل ما هو موجود منها.

 أيضاً يوصي الباحث إدارات الأوقاف العامَّة والخاصَّة ببثِّ الأفكار المرتبطة بدعم مؤسّسات التَّعليم التكنولوجي الوقفيَّة، من خلال اعتماد جميع الوسائل المتاحة لذلك، وتأتي وسائل الإعلام في طليعتها بأنواعه المختلفة (التلفاز والمذياع، والصّحف والمجلات، والنّشرات واللوحات الإعلانيَّة المنشورة على الطرقات...).

ويؤكد الباحث أنه علي أصحاب الرّساميل الخاصَّة من شركات ومؤسسات وأفراد ميسورين بالوقف العيني والنّقدي على إيجاد وإحياء المؤسّسات التّعليميّة التكنولوجيَّة.

ويطالب الباحث أصحاب الاختصاص في الميدان التكنولوجي من المقيمين والمهاجرين بدعم تلك المؤسّسات بجهدهم إن كانوا عاجزين عن دعمها بأموالهم، كذلك يوصي العقول التكنولوجيَّة المهاجرة بالعودة إلى بلادها للعمل في تلك المؤسّسات.

 كما يوصي الباحث المؤسّسات الوقفيَّة التي تعمل على مساحة العالم العربي والإسلامي بتبنِّي فكرة هذا البحث، والسَّعي الجادّ لإيجادها، ويأتي البنك الإسلامي للتّنمية في طليعة تلك المؤسّسات؛ لكونه تبنّى عدّة برامج تدعم التَّعليم التكنولوجي بشكل خاص؛ من خلال اعتماد المنحة الدراسيّة (القرض الحسن)  للطلاب والباحثين الرّاغبين في متابعة دراستهم، كما أنّه تبنّى في أحد برامجه إنشاء المعاهد الفنيّة من خلال ما يقدّمه من دعمٍ ماليّ؛ حيث تبيّن له أنَّ نسبة المعاهد الفنيّة إلى المدارس هي 40%.

1209212

محمد شعبان أيوب:

لقد بدأ العهد الراشدي بالتشديد على ضرورة طلب العلم، واستيفاد المعلمين والمؤدبين الأكفاء، فقد كان هناك "ثلاثة معلمون بالمدينة يعلمون الصبيان، وكان عمر بن الخطاب t يرزق كل واحد منهم خمسة عشر درهمًا كل شهر"([2]).

كما استقدم سعد بن أبي وقاص t رجلاً من العراق يعلم أبناءهم الكتاب بالمدينة ويعطونه الأجر([4]).

أما طريقة التعليم في هذه المكاتب (المدارس)؛ فقد كانت متنوِّعة وجميلة؛ فقد كان "سليم بن عامر (من كبار التابعين) ممن سباه خالد بن الوليد من حاضر حلب. قال: فلما قدمنا على أبي بكر t جعلني في المكتب، فكان المعلم يقول لي: اكتب الميم. فإذا لم أحسنها قال لي: دورها، اجعلها مثل عين بقرة([6])؛ فهذا نظام تربوي وتعليمي جديد ابتكره الصحابي الجليل أبو الدرداء t، وقد استمرَّ بعد ذلك ليصل إلى ما نلمسه ونراه الآن في الجامعات والمدارس.

وحُرِصَ في هذه المكاتب على الأدب التام في التعامل مع القرآن الكريم خاصة، حتى وصل هذا الأدب في الحبر الذي تُكتَبُ به الألواح؛ فقد قيل لأنس t: كيف كان المؤدبون على عهد الأئمة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله تعالى عنهم؟ قال: كان المؤدب له إجّانة (إناءٌ)، وكل صبي يأتي كل يوم بنوبته (بدوره) ماءً طاهرًا فيصبُّونه فيها، فيمحون به ألواحهم. قال أنس: ثم يحفرون حفرة في الأرض، فيصبون ذلك الماء بها فينشف([8]) قال: إني لأول مولود وُلِدَ بحمص، وأول مولود فرض له وبيدي كتف([10]) إلى الكُتَّاب([12])، وكان t يُرَبِّيهم على الأذكار والتعوُّد عليها منذ هذه السن الصغيرة؛ فقد كان t يطلب من الصبيان الاستغفار، ويقول: إنَّكم لم تُذنبوا. وكان أبو هريرة يقول لغلمان الكُتَّاب: قولوا: اللهمَّ اغفر لأبي هُريرة. فيؤمِّن على دعائهم([14]). وعلَّق العلامة ابن حجر العسقلاني (ت852هـ) على كلام عمر t بقوله: "وذكر أبو عبيد أن المراد بالصغر في هذا صغر القدر، لا صغر السن. والله أعلم".

بل كان في بعض الأحيان يُصَحِّح أخطاء الطلاب وقرَّاء القرآن من الصبيان والأطفال؛ فقد مرَّ t بغلام وهو يقرأ في المصحف: {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم}. فقال: يا غلام، حُكَّها (أي الخطأ). قال: هذا مصحف أُبَيٍّ. فذهب إليه فسأله، فقال: إنه كان يلهيني القرآن، ويلهيك الصفق بالأسواق([16]).

ومن الآداب التربوية التي حثَّ عليها عمر t العالمَ والمتعلمَ:

1- إخلاص النية لله U في طلب العلم، وابتغاء وجهه دون الأغراض الدنيوية، والجد في طلب العلم، وعدم الزهد فيه والرغبة عنه لأي سبب كان؛ قال t: لا يُتَعَلَّم العلم لثلاث، ولا يُترك لثلاث؛ لا يُتعلم ليمارَى به، ولا ليُباهى به، ولا ليُراءى به، ولا يُترك حياء من طلبه، ولا زهادة فيه، ولا رضًا بالجهل منه(

([1])رواه ابن أبي الدنيا: الصمت ص83، حسن.

2- تحرِّي الحق والصواب عند تلقِّي العلم ونشره: فقد حذَّر عمر t طالب العلم ومتلقيه أن يُحَدِّث بكل ما سمعه من غير تروٍّ وتوثُّق من صحة ما سمعه وصوابه وموافقته للحق. قال t: بحسب المرء من الكذب أن يُحَدِّث بكل ما سمع([18]).

*باحث في التاريخ والتراث


([2])أحمد بن محمد الصاوي: حاشية الصاوي على الشرح الصغير 4/35.

([4]) أحمد بن محمد الطحاوي: شرح معاني الآثار 3/50 ح4112,

([6]) ابن الجزري: غاية النهاية في طبقات القراء 1/ 606- 607، وأكرم ضياء العمري: عصر الخلافة الراشدة ص298.

([8])توفي في خلافة عبد الملك بن مروان (ت86هـ).

([10]) أي أذهب.

([12]) البخاري: الأدب المفرد ص359 ح1044. وصححه الألباني.

([14]) قال ابن حجر رحمه الله: "وفي مصنف قاسم بن أصبغ بسند صحيح عن عمر فساد الدين..." الأثر. فتح الباري 13/301، 302.

([16])رواه ابن أبي الدنيا: الصمت ص83، حسن.

([18]) البخاري: الأدب المفرد ص302، ابن أبي الدنيا: الصمت ص93.

3 18 2015 9 05 29 AM

الوعي الشبابي – خاص :

تستطيع أن تشتم رائحة التاريخ في كل بقعة من بقاع قبرص التركية، بل تشهده في ملامح أهلها الطيبين المسالمين الذين مزجوا بين القديم والحديث، والأصيل والمعاصر.

في شمال قبرص مدينة ساحلية صغيرة تسمى «كارينيا» «Girne» ، بها مساجد صغيرة عدة، منها مسجد أغا جعفر باشا (Aga Cafer Pasa (1589 القائم قريبًا من المرفأ الساحر، تصعد إلى ساحته عبر سلم قليل الدرجات، وتدخله لترى المسابح معلقة بمسامير على الواجهة، أما المؤذن ومقيم الصلاة فيقف داخل إطار خشبي منخفض، لا يرتفع عن الأرض سوى نصف متر تقريبًا، ويظل في مكانه يصلي خلف المصلين وبجانبه آخر. 

الأتراك والسوريون هما الجنسيتان الغالبتان هناك، ومع أهل البلاد من القبارصة اليونانيين والزائرين المسلمين يملأون المساجد وقت الصلوات الخمس.. كنا في رمضان الماضي هناك، ولمسنا شوق كل أولئك إلى الدروس الدينية والمواعظ الحسنة، كما لمسنا غياب الحجاب عن معظم العابرات في الشوارع اللهم إلا واحدة فقط بدت مع بناتها ممتثلة لأمر دينها.

في نيقوسيا المسلمة

وهنا في ليفكوشة أو نيقوسيا حيث المنطقة الخضراء- التي تقسم العاصمة بين القبارصة اليونانيين والقبارصة الأتراك- يقع مسجد لالا مصطفى باشا بعمارته القوطية الغائرة في التفاصيل، واتساعه المميز المستوعب لكل هذه الجنسيات التي أتت منبهرة بالمكان، متلمسة عبق التاريخ في الزمان.

تدخله «الوعي الإسلامي» وتتحدث مع أحد عماله، رفعت السوري، الذي يحكي لنا كيف يحتاج المسلمون هنا إلى كل دعم توعوي؟ وكيف تحتاج قبرص إلى وقفة عربية مساندة تقاوم الجحود العالمي لهذا الكيان الوليد الذي ظهر للنور عام 1983 بعد مجازر شهدتها الجزيرة، وراح ضحيتها القبارصة المسلمون الأتراك، ولم تتوقف إلا بعد إنزال تركيا لقوات مسلحة أمنت الناس على حياتهم، وفصلت بين الشمال ذي الأغلبية المسلمة والأصول التركية والجنوب ذي الأغلبية المسيحية والأصول اليونانية.. يقول: أستغرب تجاهل الناس لنا وكأننا أجرمنا حين طالبنا باستقلالنا.

نلمح في المسجد صفحات من القرآن الكريم، محفوظة من القرن السادس عشر داخل صندوق زجاجي بجوار المنصة التي يقف خلفها رفعت وزملاؤه، وفوقها عدة ساعات منضبطة على توقيت الصلوات الخمس والإمساك عن الصيام.

نخرج من المسجد لنصعد درج قلعة بحرية تطل على ميناء تجاري سفنه محرومة من الإقلاع إلا إلى مرافئ تركيا فقط لا غير! بينما ميناء الشق الجنوبي من الجزيرة معترف به دوليًّا، وتبحر سفنه إلى أي مكان في العالم، بعد أن نالت قبرص الجنوبية (اليونانية) اعتراف الأمم المتحدة بها كدولة، والاتحاد الأوروبي كعضو مستقل.

احتفال السلام

نتأمل المدينة التي بدأت تزدحم بالمحتفلين ومعلقي الزينات.. كانوا يحتفلون بمرور 38 عامًا على يوم السلام، ويشرح لنا مرافقنا «حسن تونا» «Hasan Tuna» كيف نزلت القوات التركية إلى مرفأ بقبرص لحمايتهم من هجمة عرقية تعرضوا لها، باعتبارهم قبارصة مسلمين ذوي أصول تركية، من إخوانهم وجيرانهم القبارصة ذوي الأصول اليونانية.

يلتقي الإعلاميون بالرئيس القبرصي التركي درويش «أُروغلوا» Dervis» Eroglu» الذي يشرح باختصار الموقف الدولي الحالي من بلاده آملًا في تقدم المباحثات مع الجار الجنوبي وكسر الحصار قريبًا عن شعبه.

نتجه إلى الجنوب الغربي للوقوف على قبور 80 ضحية كل جريمتهم أنهم مسلمون ينتمون إلى 3 قرى قبرصية.

لقد قرر أفراد من القبارصة اليونانيين المتطرفين أنها قرى تحل لهم دمًا ونساء ومالًا فحاصروها، وقبضوا على رجالها بحجة أنهم يريدون أن يأمنوا شرهم، ثم مضوا بهم- كما حكى لنا شاهد عيان هو الناجي الوحيد من أفراد عائلته- وأعدموهم بالرصاص، ثم ألقوا بجثثهم بواسطة الجرافات في حفرة طبيعية وأحرقوها، ثم تفرغوا للنساء والأطفال فصنعوا فيهم ما صنعوا.

وقفت على الحفرة المتسعة التي أصبحت مزارًا تاريخيًّا أتخيل المشهد ثم عدت مع الإخوان إلى حيث نصب تذكاري مسجل على رخامه أسماء كل من قضوا في هذه الحرب العرقية الشرسة.. كل قطعة رخام تحمل أسماء عائلة من العائلات المسلمة التي عثروا على جثثها، والأعمار المدونة تشير إلى الهمجية وانعدام الشفقة، فهي تبدأ من 4 أشهر حتى 95 عامًا.

يقول الرجل الحزين الذي ألف كتيبًا بعنوان «عالمي المظلم» كاميل مريتش Kamil Meric: كنت صبيًّا عام 1974م عندما قررت تركيا حماية القبارصة المسلمين الأتراك، فأنزلت جزءًا من قواتها في الميناء، لكن حرب الإبادة التي بدأت لم تكن لتتوقف فورًا، واستغلت بعض القوات من القبارصة اليونانيين عدم وصول القوات التركية بعد إلى الجنوب حيث نحن الآن، فهجمت علينا وفعلت ما فعلت.

سألته إن كان قد رأى بأم عينيه عملية الإبادة؟ فقال: لا، لقد هربت، لكني حين عدت بعدها بأشهر وجدت المأساة مرسومة على أطلال قريتي، لكن كثيرًا من المراسلين الأجانب غطوا الأحداث، ورأوا بأعينهم ما جرى في قرانا.

متحف الهمجية

عودة إلى نيقوسيا مرة أخرى، حيث نزور الآن متحف البربرية 2 شارع عرفان بك منطقة كومسال، بالقرب من المنطقة الحدودية أو الخط الأخضر.. هذا هو بيت الدكتور نهاد إيلهان، كان ميجورا يخدم في الوحدة القبرصية التركية في عام 1963.

تحكي لنا المرافقة القبرصية «أسو مختار الله» «Asu Muhtaroglu» أنه في أثناء الاضطرابات بين الطوائف من ديسمبر من نفس العام، هاجم المتطرفون من القبارصة اليونانيين منزل هذا الطبيب، ولم يرحموا أحدًا من أهله، حتى أطفاله الثلاثة أطلقوا عليهم النيران في حمام البيت فسقطوا داخل المغطس غارقين في الدماء الذكية، وسرعان ما لحقت الأم بأطفالها.

نتأمل على الجدران صور قتل وتعذيب للمسلمين القبارصة، وفي نهاية الردهة على اليسار نجد الحمام المغلق بباب زجاجي حيث يمكنك تخيل مشهد المغطس وقد ألقيت فيه جثث الأطفال وأمهم.. على الجدران كذلك نجد مقتطفات من الجرائد الأجنبية التي غطت الحدث في حينه، جاء تقرير جريدة لوفيجارو (باريس) بتحرير المراسل كلوس ماكس، في 25و26 يناير 1964، كالتالي: لقد رأيت جثث الأم وأطفالها الثلاثة الصغار في حوض الاستحمام، فقط بسبب أن رب الأسرة ضابط تركي.

أما مقتطف صحيفة هيرالد (لندن)، في 1 يناير 1964 فكان: ليلة من الرعب.. مقتل 350 قرويًّا من الرجال والنساء والأطفال، وكانوا جميعًا من الأتراك.

الملا وفهد ناصر يكرمان بطل العالم يوسف العبدالرزاق

  الكويت – الوعي الشبابي: كرم د.صقر الملا نائب المدير العام للرياضة التنافسية، ورئيس ...

لا للضيق من الصغار

✍ د. محمد عباس عرابي - باحث تربوي:    من الظواهر المتفشية في مجتمعاتنا من المحيط ...

الطوفان الرقمي.. يكشف خبايا الشبكة العنكبوتية

 القاهرة – عبد الحليم حفينة: بالتأكيد إنك أحد مستخدمي الشبكة العنكبوتية طالما شرعت في ...

اتصل بنا

  • صندوق البريد: 23667 الصفاة 13097 - الكويت
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
  • 22467132 - 22470156

عندك سؤال