السبت، 28 مارس 2020
رئيس التحرير
فهد محمد الخزّي

محدث عصره العلامة الألباني

✍ هشام الصباغ - باحث لغوي: انطلاقا من مقولة «الناس موتى وأهل العلم أحياء»، نسلط في ...


 

 

المتواجدون على الموقع

المتواجدون الأن

97 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

تدوينات

4 27 2015 9 01 08 AM

د. مسعود صبري:

تمثل الرواية الأدبية  في الأدب الإسلامي تحديا كبيرا ، خاصة في الروايات المقدمة للمراهقين والمراهقات، فزيارة سريعة لكبرى المكتبات لا يحصل المراهق المسلم والمراهقة المسلمة على بغيته، رغم كثرة الروايات الأدبية، وهذا الأمر يخلق تحديا كبيرا في ساحة الرواية في الأدب الإسلامي، ويمثل عقبة حقيقية تعبر عن عدم إعطاء الرواية في الأدب الإسلامي المساحة الكافية من الاهتمام والعناية، فالمتهمون بالأدب الإسلامي إنتاجهم في القصص المؤلفة والروايات قليل بالنسبة لهذا الكم الهائل من الروايات الأدبية العربية وغير العربية.

ورغم الاهتمام بما بات يعرف بـ  الأدب الإسلامي، إلا أن مساحة الشعر تنال الحظ الأوفر منها، وتحتل القصة القصيرة المرتبة التالية، بينما تتضاءل نسبة الرواية الإسلامية في الأدب الإسلامي، فعدد كتاب الرواية قليل نادر، والإنتاج الأدبي فيها قليل، وإن أخذت مساحة من الدراسات والتنظير.

لقد وقفت فتاة مسلمة في إحدى كبرى المكتبات التي لها انتشار في العالم العربي  والإسلامي في ركن الروايات، مع كون المكتبة قد خصصت مساحة كبيرة لها، لكنها لم تجد بغيتها، ورجعت غير حاصلة على مرادها إلا ما ندر من كتابات نجيب الكيلاني مع ما بها من بعض الملاحظات، وعند سؤال بعض المتخصصين عن الإنتاج في الرواية الإسلامية كانت الإجابة غير شافية، مما يدل على ما نحب أن نؤكده من أن الإنتاج الأدبي في الرواية الإسلامية قليل نادر، ولعل الخطاب يتوجه للشباب المتهم بالأدب من تكوين فريق متخصص في الرواية الإسلامية، حتى تحتل مكانتها في الرواية الأدبية، وتحويل تلك الروايات إلى أفلام ومسرحيات تزاحم فيها الروايات التي لا تراعي الضوابط الشرعية، والأعراف في المجتمعات الإسلامية.

ولسنا هنا بصدد مناقشة الحكر على التأليف في الرواية، لكننا نتحدث عن صنف واحد، وهو الرواية الإسلامية، فمن حقنا أن يكون لدينا روايات مبدعة في الأدب الإسلامي، تخاطب شريحة غير قليلة في المجتمع، بل إني أزعم أن الرواية الإسلامية ستخاطب جميع الجمهور وليس فئة بعينها.

إن الرواية الإسلامية لون من ألوان الأدب الذي حثه على الإسلام، حيث يعتبر الأدب مرآة المجتمع، ووسيلة إعلامية فعالة في نشر القيم الفاضلة، والأدب إحدى أدوات الجهاد الإعلامي، استعمله النبي صلى الله عليه وسلم في حروبه وجهاده ضد المشركين.

كما أن الرواية تعد لونا من ألوان القصص – بالمعنى العام-، ومكانة القصص في كتاب الله تعالى غير خافية على أحد، بل جاء الإسلام ليضيف للقصة وأخواتها وظائف أخرى غير التسلية والمحاكاة والترويح على النفس، مثل أن تكون أداة من أدوات الفعل الاجتماعي، وصاحبة تأثير في الأفراد والمجتمع، {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } [يوسف: 111]، كما فيها تثبيت للأرواح والقلوب أن تبقى على الحق، كما قال تعالى: {وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ } [هود: 120].

وما التحول الاجتماعي الذي حصل في المجتمعات المسلمة، وما طرأ عليه من ظواهر لا علاقة لها بالدين إلا من خلال تلك الروايات وأدواتها الفنية من الأفلام والمسارح، في الوقت الذي نادى فيه كثير من الفقهاء بحرمة تلك القوالب الفنية، كان التيار العلماني يسيطر عليه، فامتلك أدوات كبيرة في تغيير المجتمعات دينا وعقلا ومظهرا، وبقي التقليد الفقهي عقبة في طريق تطوير الأدب، حتى خرجت فتاوى أخرى تتيح المجال للفن الأدبي أن يتقدم بضوابطه الشرعية.

ورغم أن القرآن الكريم هو كتاب هداية في المقام الأول، إلا أنه حوى الإشارة إلى جميع العلوم والفنون، ومنها تلك الفنون القصصية. وتمثل سورة يوسف إحدى أهم نماذج القصص الرائعة، بما تحمل في طياتها من بلاغة الكلم، وروائع الصور، واكتمال الصورة الفنية للقصة، وتقسيمها إلى مشاهد متنوعة، ليدل القرآن الناس إلى نموذج أحسن القصص لا مجرد القصص، وقد جاء في مطلعها قوله تعالى: {نحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ } [يوسف: 3].

كما يقدم القرآن قصة أصحاب الكهف بروعتها البلاغية، وسموها اللفظي، وحسن تعبيرها، وحبكتها الفنية المتميزة ليعيش الإنسان في أجواء قصة رائعة، لكنه مع هذا يجعل فيها العبرة في مقاصد كبرى، كحفظ الدين، بترك الفتية للكفر، ومحاربة التقليد الأعمى وتحرير العقل من الفكر غير السوي، بترك دين الآباء، وحفظ النفس، بالهرب لا المواجهة التي تؤدي إلى قتلهم، وحفظ العقل من أن يخالطوا هؤلاء الأقوام المشركين، فتتسمم عقولهم بهزيل فكرهم وفاسد عقائدهم، وحفظ المال، بما كان معهم من مال ليتقوتوا به.

وفي قصص الأنبياء التي كثرت في القرآن الكريم ، وقصص الأمم السابقة ما فيه عبرة وعظة من جهة، وفيه تأصيل لأهمية القصة والرواية ليس في الحياة الأدبية فحسب، بل في كثير من نواحي الحياة، مما يكون دافعا للعقل المسلم أن يبدع في الكتابة والتصوير والتأليف، ليقدم فنا رائعا يحتاجه الناس لمخاطبته الروح والعقل والنفس، بما يمثله من عناصر التشكيل الفني للصورة، مثل العاطفة والخيال واللغة وغيرها.

نماذج من الرواية في الأدب الإسلامي

ويعتبر نجيب الكيلاني من رواد الأدب الإسلامي المعاصر، ومن أبرز كتاباته: ليالي تركستان، وعمالقة الشمال، والظل الأسود، وقد كتب روايات مزجها بالتاريخ والثقافة الإسلامية، مثل: عمر يظهر في القدس، والطريق الطويل، وأرض الأنبياء، ونور الله، وقاتل حمزة، ونابليون في الأزهر، والنداء الخالد، ورحلة إلى الله، ومواكب الأحرار، واليوم الموعود، وحارة اليهود، ودم الفطير صهيون.

كما كتب مجموعات قصصية، مثل، مثل: العالم الضيق، ودموع الأمير، وحكايات طبيب، وفارس هوازن، وعند الرحيل، وموعدنا غدا.

ومن رواد الأدب الإسلامي أحمد باكثير، ومن أشهر مؤلفاته في الرواية:   سيرة شجاع ، ووا إسلاماه  ، والفارس الجميل  .

ومن أشهر مسرحياته: " عودة الفردوس"، و" هكذا لقي الله عمر"، و" من فوق سبع سماوات"، و" إله إسرائيل"، و" هاروت وماروت"، و" ملحمة عمر".

ومن الأعمال المعاصرة:

رواية: " على أبواب الملحمة" د.صلاح الراشد، و:" ثمانون عاما بحثا عن المخرج"، لصلاح حسن، و" غريب" لمحمد جربوعة، ورواية " وطن"، لمحمد صالح الشمراني"، ورواية كشف المحجوب"، لفريد الأنصاري، ورواية" آخر الفرسان" له أيضا، ورواية" مجنون"، لمحمد جربوعة، ورواية" خيول الشوق" لرفعت الجمال، ورواية :" شريعة خلف القضبان"، للدكتور محمد الحضيف، ورواية " أوراق طالب سعودي في الخارج"، لمحمد بن عبد العزيز الداود، ورواية :" القوقعة..يوميات متلصص"، لمصطفى خليفة، ورواية:" زوار السفارات"، لمحمد صالح الشمراني، وله أيضا: رواية" أميرة2"، ورواية " رفعت يدي"، لمحمد بن عصبي الغامدي، ورواية" شبيك لبيك"، لمحمد عبد العزيز. وغيرها من الروايات.

ولاشك أن العقل المسلم قادر على إنتاج مزيد من الروايات بما يؤهل الرواية في الأدب الإسلامي أن تنافس الروايات الأدبية بألوانها الأخرى، بل تنافس الرواية العالمية أيضا، والمأمول في الشباب الصاعد أن ينفر منه طائفة لإكمال بناء الرواية الإسلامية، وأن يكون لها انتشار في الأوساط الأدبية، والفنية، وتحويل تلك الروايات بما تحمل من معان سامية وقيمة رفيعة في عالم السينما والمسرح.

10994434 858

القاهرة - الوعي الشبابي:

أحمد شاب عادي، مثل أي شاب

لنبدأ الحكاية من البداية

أحمد يستعد للخروج.. فقد أستيقظ من النوم بعد الظهر كعادته

4 23 2015 9 29 15 AM

د. أحمد حمد أحمد:

حتى نكون موضوعيين في كتاباتنا، سنبدأ بتحديد معنى التطرف، هل يعني التطرف التمسك بالدين؟ أو هل يعني التعصب للرأي؟ أو هل يعني معاداة الفرد للمجتمع الذي يعيش فيه؟ أو هل يعني محاربة الفساد في هذا المجتمع؟ أو هل يعني مجابهة الحكومات بسبب اختلال سياستها وأنظمتها؟ أو هل يعني توجيه شديد النقد إليها، كلما حدث خطأ أو تجاوز منها؟

إن لفظة التطرف تعني الوقوف على طرف، أي أن المتطرف يقف على حافة شيء، وغالبا ما يختل توازن كل من يقف على الحافة أو الطرف، فهو مهدد دائما بالسقوط. فالتطرف إذن هو المبالغة في أي أمر، وعدم الاعتدال فيه.

المجتمعات الأوربية

لا يخلو أي مجتمع من وجود التطرف والمتطرفين، حتى المجتمعات الأوروبية التي يظن الكثيرون أنها مستقرة لا يعكر صفوها هذا التطرف وهؤلاء المتطرفون، ففي فرنسا مثلا توجد فئة كبيرة مشايعة لليمين المتطرف exl-reme droite، وأخرى مشايعة لليسار المتطرف، وعلى الرغم من أن الحكومة الفرنسية ذات ميول يسارية في أصل مذهبها السياسي، لكنها تحاول أن تكون حكما محايدا، لا ينحاز لأي من هذين الاتجاهين المتطرفين.

المجتمعات الإسلامية

والتطرف في المجتمعات الإسلامية يأخذ طابعا خاصا، إذ تتمحور اتجاهات التطرف وتتبلور في مدى التمسك بالفضائل المرتبطة بالعقيدة، وعدم التمسك بها، فكلما كان هناك مساس بهذه الفضائل، كان هناك مجابهة لهذا المساس، وكلما كان هناك تطرف في هذا المساس، كان هناك تطرف في هذه المجابهة.

التطرف في العبادة والدعوة:

وقد جاءت نصوص الآيات والأحاديث، لتضع المسلم في مركز التوسط والاعتدال، حتى لا تذهب به المبالغة إلى التطرف، ولاسيما في مجال العبادة والدعوة، لأن العبادة ترشيد لنفسه، والدعوة ترشيد لغيره، وهذا الترشيد لا يحقق ثمرته على الإطلاق في نطاق المبالغة والتطرف.

ففي مجال العبادة يقول الله تعالى: {ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ} (المائدة:6(

{يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ } (البقرة:185(

{وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ} (الإسراء:29)، وهذا نموذج من الآيات التي تؤكد على التوسط والاعتدال في هذا المجال. ويقول الرسول  " صلى الله عليه وسلم" : «إن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل»، «يسروا ولا تعسروا»، «من شدد شدد الله عليه»، «لا يشاد هذا الدين أحد إلا غلبه»، وهذا نموذج من الأحاديث يؤكد هذا المعنى المراد.

وفي مجال الدعوة يقول الله تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ  وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} (النحل:125)،

{فَلِذَلِكَ فَادْعُ  وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ  وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ} (الشورى:15). ويقول الرسول  " صلى الله عليه وسلم" : «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه»، «بشروا ولا تنفروا».

من أين يأتي التطرف إذن؟

أمثل علاج للتطرف هو توسيع نطاق الصالحين والمصلحين، والتضييق على الفساد والمفسدين.

يبدو أن الأحداث الخطيرة التي تنزل بمجتمعات المسلمين، أو الكوارث التي تعصف بها تدفع بالعباد والدعاة إلى أن يتشددوا، ويشددوا في الأخذ بتعاليم الدين، والتحلي بفضائله، خوفا من طغيان هذه الأحداث، واستمرار هذه الكوارث، وتهديد المجتمع بالانهيار والدمار، فإن الاعتقاد السائد أن انتشار الفساد في أي مجتمع وخاصة المجتمع الإسلامي هو سبب هذا كله، مصداقا لقولة تعالى: {وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيرًا } (الإسراء:16)

ويبدو أن محترفي الفساد وهواته يضيقون بهؤلاء العباد وهؤلاء الدعاة، ولذلك يبذلون أقصى جهودهم في استعداء السلطة عليهم، واستنهاض الأقلام والكتاب للنيل منهم وتشويه أمرهم، واستنكار أعمالهم، تمهيدا للقضاء عليهم، حتى يضمنوا لأنفسهم العيش في أمان من مخاطرهم. وتظل حلقة التشدد والتطرف بين الفريقين تنداح وتتسع أبعادها، حتى تشغل المجتمع، وتلهيه عن تحسين حاله، وتأمين مستقبله.

وما العلاج الناجع للتطرف؟

لاشك أن علاج التطرف بالذات لا يكون بمقابلته بتطرف مثله، فإن هذا كما يقال إنما هو سكب البترول على جمرة من النار، ليزيدها اشتعالا، أو أنه سيكون كعملية شد الحبل بين فريقين، يمسك كل منهما بطرف منه، وقد يكون هذان الفريقان متساويين في القوة، فتظل المغالبة بينهما إلى ما شاء الله، وقد يكون أحدهما أقوى فتكون له الغلبة، ولكن انتصاره موقوت، فإن المهزوم لن يصبر على هزيمته، وسيحتال لتقوية نفسه، كي يعود إلى الشد من جديد. ومعنى هذا أن المغالبة مستمرة، ولا يعلم إلا الله متى تنتهي، ومن سيكون فيها المغلوب إلى الأبد.

إن العلاج الأمثل هو في توسيع النطاق للصالحين والمصلحين، وتضييق الخناق على الفاسدين والمفسدين، هو في تقوية صوت الحق، وخفوت صوت الباطل، هو في جعل الفساد وبطارقته من ثانويات تكوين المجتمع، لا من أساسياته. وأقول «تضييق الخناق وخفوت صوت الباطل وجعل الفساد من الثانويات لا من الأساسيات»، لأننا لا نستطيع القضاء على الفساد مهما بذلنا من قوة، لكننا نستطيع أن نجفف الكثير من روافده، ونكشف التزوير الذي يخدع به الكثير من دعاته.

إن العلاج الأمثل إنما هو في تجلية المثل العليا، حتى لا يغشيها غبار الشهوات الدنيا، وفي الحفاظ على القيم النفيسة، حتى لا تهبط بها النفوس الخسيسة، وفي الحرص على الأخلاق الفاضلة، حتى لا تنال منها الميول السافلة.

وما الإرهاب؟

أما الإرهاب فهو إحداث الرعب في القلوب، وليس الإرهاب مرتبطا حتما بالتطرف، فقد ـيكون التطرف دون إرهاب، وذلك عندما تكون السلطة من الحكمة بحيث تحفظ التوازن بين الفئات المتطرفة، ومن العدالة بحيث لا يميل أي متطرف إلى الإرهاب بسبب شعوره بظلم.

وإحداث الرعب أمر غير محمود في أي مجتمع، سواء أكان مصدر هذا الرعب هو الأفراد أم الحكومات، فقد يكون هذا الرعب من فرد ضد فرد، وقد يكون من فرد ضد جماعة أو حكومة، وقد يكون من حكومة ضد مواطنيها أو مواطني دولة أخرى.

الإرهاب المطلوب

وأمر الإرهاب يحتاج إلى شيء من التفصيل، فقد يكون الإرهاب مطلوبا شرعا، وذلك إذا ما كان موجها إلى أعداء الإسلام والمسلمين، فمن الواجب شرعا على كل مسلم وكل حكومة مسلمة الإعداد المستمر لهذا الإرهاب، مصداقا لقوله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ} (الأنفال:60). وهذا الإرهاب المطلوب هو الذي يتحقق به النصر على الأعداء، فإن الرعب إذا استحكم في قلوبهم خارت قوتهم، وارتعدت مفاصلهم، وسقط السلاح من أيديهم، وفروا هاربين، أو استسلموا مهزومين. ولذلك قال رسول الله  " صلى الله عليه وسلم" : «نصرت بالرعب».

الإرهاب المرفوض

والإرهاب المرفوض هو غالبا ما يتركز في طائفتين: طائفة يحركها الاعتداء المؤقت، وطائفة يحركها التخريب المبيت، فأما طائفة الاعتداء المؤقت فيسميهم الفقهاء البغاة، وقد نظم الإسلام علاقة جمهور المسلمين بهم على أساس من الإصلاح والتقويم، لا على أساس من الانتقام والتجريم، وذلك في قوله تعالى: {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا  فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ  فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا  إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ } (الحجرات:9). وقد يكون اعتداء طائفة على طائفة أخرى من المؤمنين لأسباب تافهة، لكنها على كل حال لا تضمر عداء لتعاليم الدين، ولا تبيت النية لتخريب ديار المسلمين.

أما الطائفة التي يحركها التخريب المبيت فهي طائفة الحرابة، وقد نظم الإسلام علاقة المسلمين بهم على أساس من الانتقام والتجريم، وذلك في قوله تعالى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ  ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا  وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (المائدة:33)

فالإرهاب هو إدخال الرعب بتحدي منهج الله ونظام رسوله في استقرار مجتمع المسلمين، وتأمين كل فرد فيه على نفسه وماله وعرضه، وهو إرهاب الحرابة، وهو الإرهاب الذي تجب مقاومته، وتحصين مجتمع المسلمين منه. أما الإرهاب الذي نبث به الرعب في قلوب أعداء الإسلام والمسلمين، فهو من الخصائص التي يجب أن يتميز بها مجتمع المسلمين.

عدم الخلط أسلم

وقد قمنا بتوضيح مفهوم هذه العبارات، وتحديد مواقف هذه الطوائف، حتى لا يكون هناك خلط بينها، فإن عدم الخلط بين هذه المفاهيم، أو هذه المواقف هو الأسلم في أي مجتمع مسلم. لابد أن يستعمل الدواء المر في محله، وأن يستعمل الدواء الحلو في محله، لابد أن تستعمل المبيدات والمطهرات في أماكن الحشرات والقاذورات، وأن تكون الجماليات والزينات في أماكن الأفراح والاحتفالات، لابد أن يتوفر الأمن لكل من يحرص على رقي المجتمع وتنمية مواهبه وموارده، وأن يتوجه الإرهاب إلى كل من يعمل على انحدار المجتمع، وتصفية مواهبه، وتخريب موارده.

القول الثابت

وإذا كان الكلام الذي تتداوله أو تتناوله الألسنة والأقلام في المجتمعات غير الإسلامية كلاما قد ينقصه التحديد والثبات، إذ يتعرض للتغيير والتحوير، ويقبل التبديل أو التعديل، فإن كلام الله هو المحكم الثابت الذي لا يلحقه تغيير أو تحوير، ولا يرد عليه تبديل أو تعديل، بل هو الذي تستقر عليه الأحوال، وتنتظم به الأوضاع، وتنضبط التصرفات والأعمال، ويثبت الله به قلوب المؤمنين: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ  وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ  وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ } (إبراهيم:27(

020122

حواس سلمان محمود :

تعتبر عملية اختراع النقود عملية حضارية كبرى، ولقد اهتدى الإنسان إليها منذ العصور القديمة، شأنها في ذلك شأن اختراع أحرف الكتابة، أو استكشاف كيفية إشعال النار، أو ابتكار الزراعة.

لقد عاش الإنسان البدائي على جني الثمار والصيد بشكل جماعي، وكان زعيم القبيلة هو الذي يوزع المنتجات بين أفرادها، وكانت العشيرة تشكل وحدة اقتصادية معلقة، ومع تطور الإنتاج أصبح الاقتصاد المعلق غير كاف لمواجهة الحياة الإنسانية ومشقاتها المتعددة، فدخلت الجماعات المتفرقة في مبادلات فيما بينهما الآخر على شكل مقايضة (مبادلة سلع مع سلع مباشرة)، وكانت المقايضة وسيلة في بادئ الأمر في مجتمعات بسيطة، ولكن مع تطور المجتمعات ظهرت حاجات جديدة وتعددت السلع وزاد الإنتاج، فأضحى التعاون بموجب المقايضة عملية عسيرة على الإنسان، وما لبث الإنسان أن توصل إلى إيجاد وحدة معيارية تقاس بها قيم مختلف السلع والخدمات، ثم أصبحت هذه الوحدة وسيطا للمبادلة، يقبلها الأفراد عموما، في الوفاء بالالتزامات. فالنقود إذن هي أي شيء يتمتع بقبول عام في الوفاء بالالتزامات، أيا كان نوعها وأيا كانت صفاتها. وأصبحت النقود، فضلا عن ذلك، أداة لاختزان القوة الشرائية، وذلك كي تستخدم عند الحاجة في المستقبل. فما دام في إمكان الفرد مبادلة أي شيء بالنقود فإنه يمكن للمرء أن يكتنز النقود، وذلك لأهمية الوظائف التي تؤديها، باعتبارها وسيطا للتبادل، ومقياسا للقيمة، ومستودعا للقيمة ومعيارا للمدفوعات الآجلة.

وكانت النقود السلعية أقدم أنواع النقود، واحتلت المعادن النفيسة، مثل الذهب والفضة، مكان الصدارة بين المعادن النقدية، وتلتهما في المنزلة معادن أخرى، مثل الحديد والنحاس والزنك والقصدير.

يذكر أن التاريخ المبكر للنقود يعود إلى الابتكار الذي حدث في الصيف (آسيا الصغرى) والنقود التي سكها الليديون من خليط معدني من الذهب والفضة، وذلك في عهد ملكهم إرديس (652 - 625 ق.م).

النقود قبل الإسلام

لم يكن للعرب نقود خاصة بهم حين ظهر الإسلام، فقد كانوا يتعاملون بالدراهم الفضية الساسانية وبالدنانير البيزنطية الذهبية، ولاشك في أن تعاملهم بنقود الفرس والبيزنطيين يرجع إلى مجاورتهم للدولتين ومستعمراتهما، وإلى رحلاتهم التجارية العديدة. ومع ذلك، فقد كانت هناك نقود عربية متداولة بين العرب في الجاهلية على نطاق محدود جدا، وكمثال على ذلك نقود اليمن الحميرية. وكذلك اقتبس الأنباط من الإغريق والروم ضرب النقود، وكان لدولة تدمر نقود على شكل نقود الإسكندرية الرومانية، وعليها كتابة ورسوم.

تجدر الإشارة إلى أنه قد اشتهر عند العرب الدينار الهرقلي، فكانت دنانير هرقل ترد على أهل مكة في الجاهلية، وكان ذهب الدينار الهرقلي من أجود أنواع الذهب، وكان شكله بديعا حسنا. كما استعمل العرب الدينار البيزنطي، إذ نقلوا اسمه من اليونانية فأطلقوا عليه اسم الدينار أو الدينر (من دون ألف)، وكان الدينار مثقالا من الذهب، أي 4265 من الغرامات، وهذا الوزن هو وزن «السوليدس»، أو الدينار البيزنطي الذي كان شائعا في بيزنطة قبل الإسلام، وكان وزن الدينار يقدر أيضا باثنتين وسبعين حبة شعير، أو ستة آلاف حبة خردل من الوسط. ويذكر المقريزي أنواعا مختلفة من الدراهم الفضية الساسانية التي شاعت عند العرب قبيل الإسلام، وكانت هذه الدراهم مختلفة الأوزان والأسماء، حيث هناك الدراهم السود الوافية والدراهم الجواز، وكانت لهم دراهم تسمى «جوراقية»، إضافة إلى الدراهم «الطبرية».

العملات والنقود في التاريخ الإسلامي

يطلق عليها لفظ «السكة»، الذي يعبر عن معان متعددة تدور كلها حول النقود التي تعاملت بها الشعوب العربية والإسلامية من دنانير ذهبية ودراهم فضية (سبق ذكرها) وفلوس نحاسية. ويقصد بلفظ «السكة» أحيانا تلك النقوش التي نزين بها هذه النقود على اختلاف أنواعها، وأحيانا أخرى يعني «قوالب السبك» التي يختم بها على العملة المتداولة، كما يطلق أيضا على الوظيفة التي تقوم على سك العملة تحت إشراف الدولة. ويقدم العلامة العربي ابن خلدون تعريفا جامعا للسكة فيقول: «السكة، هي: الختم على الدنانير والدراهم للتعامل بها بين الناس بطابع حديد، ينقش فيها صور وكلمات مقلوبة، ويضرب بها على الدينار والدرهم، فتخرج رسوم تلك النقوش عليها ظاهرة مستقيمة، إذ يعتبر عيار النقد من ذلك الجنس في خلوصه بالسبك مرة بعد أخرى وبعد تقدير أشخاص الدرهم والدينار بوزن معين يصطلح عليه، فيكون التعامل بها عددا، وإذا لم تقدر أشخاصها يكون التعامل بها وزنا. والسكة تعد مظهرا من مظاهر سلطة الخليفة أو السلطان أو الحاكم، إلى جانب كونها وثائق رسمية لا يمكن الطعن فيها، أو مصدرا من مصادر التاريخ تساعد على استنتاج الحقائق التاريخية، سواء ما يتعلق منها بالأسماء أو العبارات الدينية المنقوشة عليها، إلى جانب كونها سجلا للألقاب والنعوت التي تلقي الضوء على كثير من الأحداث السياسية، التي تثبت أو تنفي تبعية الولاة أو السلاطين للخلافة أو للحكومات المركزية في التاريخ الإسلامي. ولذلك، تعد النقود التي سكت في صدر الإسلام في دمشق وبغداد والقاهرة مستندات رسمية تؤكد على الوحدة السياسية والاقتصادية للعالم العربي».

ولابد من التأكيد - هنا - أن العقيدة الإسلامية قد أسهمت بقسط كبير وملموس في تطور صناعة السكة في العالم الإسلامي بفضل اهتمام الشريعة الإسلامية بالنقود، لكونها تدخل في ميدان العبادات، وتحدد المعاملات، وذلك لصلاتها المباشرة والوثيقة بالزكاة والصداق والعقود والوقف والعقوبات وغيرها. ارتبطت السكة ارتباطا وثيقا بالفنون الإسلامية، حيث تساعد نقوشها في التعرف على الكتابات الأثرية المنقوشة، ودراسة دلالاتها السياسية والتاريخية والعقائدية، إلى جانب كونها مصدرا مهما للتعرف على أسماء البلاد والأماكن التي ضربت فيها. كذلك تفيد دراسة السكة في إلقاء الضوء على حالة العالم الإسلامي الاقتصادية عبر العصور التاريخية.. من خلال التعرف على قيمة العيار في السكة، ومقدار وزنها في العصور الوسطى باسم «دار السكة» و«دار الضرب»، وهي على هيئة منشأة صناعية تتبع السلطان أو الحاكم، وتقوم بإصدار عملات نقدية ذهبية أو فضية أو نحاسية أو برونزية.

1- في عهد الرسول  " صلى الله عليه وسلم"

جاء الإسلام وكان الدرهم الساساني والدينار البيزنطي شائعين في العهد النبوي المبارك، ويشير القرآن الكريم واصفا طوائف من أهل الكتاب، ويذكر الدينار قال تعالى: {وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا} (آل عمران:75).

هذا، ولقد كان الذهب والفضة خلال هذه الفترة النبوية المباركة، يمثلان ذروة التعامل النقدي، بل إن كفار قريش تحدوا الرسول بأن يأتي بمعجزة حسية تؤكد صدق رسالته، قال تعالى: {فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ} (الزخرف:53). وبعد رسوخ الإسلام حذر المسلمين من مغبة اكتناز معدني الذهب والفضة، وعدم إخراج زكاتهما {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} (التوبة:34).

ونظرا لانشغال النبي  " صلى الله عليه وسلم"  وصحابته الأبرار بتوطيد أركان الدولة الإسلامية الناشئة، والقضاء على الشرك والكفر، أقر عليه الصلاة والسلام العملات النقدية المتداولة في عهده لتنظيم جباية الزكاة، على الرغم من أنها تحمل شعارات وصورا تتعارض مع روح الإسلام وتعاليمه، وظلت هذه النقود متداولة في معظم أرجاء الجزيرة العربية بشكل عام والحجاز بشكل خاص، حيث كان الدرهم الفضي الساساني متداولا في الحجاز، باعتباره معدنا نفيسا لا نقدا ثابتا. وكان منها (أي النقود المتداولة) الكبير والصغير والثقيل والخفيف.

والدرهم الساساني عبارة عن قطعة فضية مستديرة عليها صورة الحاكم الساساني داخل طوق من ثلاث دوائر، وأمام وجهه اسمه مكتوب باللغة الفهلوية (البهلوية)، وخارج الطوق توجد أربعة أهلة متفرقة على الجهات الأربع في وسطها نجوم سداسية، وفي خلف العملة صورة الموقد الناري للعقيدة المجوسية، وإلى جانبيه حارسا المعبد، أما الدينار البيزنطي فهو عبارة عن قطعة ذهبية مستديرة الشكل، على وجهها صورة الإمبراطور البيزنطي هرقل لوحده أو مع ولديه «هرقليوناس» و«قسطنطين»، ويحمل كل منهما صليبا ينتهي بصليب آخر، أما الوجه الآخر للعملة فيتمثل الصليب قائما على مدرجات أربعة بجانبها كتابات بالأحرف اللاتينية.

وهناك عملة ثالثة تحتل مكانة أقل من سابقتيها وهي: الفلس النحاسي البيزنطي، مطبوع على وجهه صورة للإمبراطور البيزنطي الحاكم، أما الوجه الآخر فقد حمل الحرف اللاتيني «m»، الذي يرمز إلى قيمة الفلس، ويساوي 40 نميا (30 غراما)، وقد أقره الرسول  " صلى الله عليه وسلم"  في التعامل.

لقد استعملت هذه العملات على نطاق لا بأس به في عهد الرسول  " صلى الله عليه وسلم" ، حيث فرض الإسلام الجزية على أهل الكتاب دينارا على كل بالغ، وجعل الإسلام الفضة والذهب من الأموال الباطنة، وزكاتهما ربع العشر. ونصاب الفضة مئتا درهم بوزن الإسلام، الذي وزن كل درهم منه ستة دوانق، وكل عشرة منها سبعة مثاقيل، وفيها إذا بلغت مئتي درهم خمسة دراهم هو ربع عشرها، ولا زكاة فيها إذا نقصت عن مئتين وفيما زاد عليها بحسابه.

وأما الذهب فنصابه عشرون مثقالا (أي دينارا) بمثاقيل الإسلام، ويجب فيه ربع عشره وهو نصف مثقال، وفيما زاد بحسابه، ويستوي فيه خالصه ومطبوعه، ولا تضم الفضة إلى الذهب، ويعتبر نصاب كل واحد منهما على انفراده. وأصبحت لهذه العملات النقدية قوتها الشرائية، فقد اشترى الرسول  " صلى الله عليه وسلم"  حائطا لبني النجار مساحته 4200 م2 بنى عليه مسجدا بعشرة دنانير ذهبا، دفعها من مــال أبي بكر  "رضي الله عنه" . واشترى عثمان  "رضي الله عنه"  في عهد الرسول أرضا زادها في المسجد بعشرين ألفا، أو بخمسة وعشرين ألف درهم، وقيل بعشرة آلاف درهم.

تجدر الإشارة إلى أن بعض الصحابة قد امتهن الصرافة، مثل: البراء بن عازب وزيد بن أرقم، رضي الله عنهما. وقد ورث العرب بعضا من العادات السيئة في الجاهلية، فجاء الإسلام مبطلا لها، حيث كان من عادة التجار العرب أنهم يتعاملون بوزن النقود لا بعدّها، ذلك لأن بعض الناس كانوا يقتطعون جزءا من الدرهم أو الدينار، وقد عاب القرآن هذه الصفات الذميمة في قوله تعالى: {وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ } (النمل:48)، أي قيامهم بتزييف الدراهم وغشها، وقال تعالى: {قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ} (هود:87). هذا، ولقد روى المروزي بإسناده عن علقمة ابن عبدالله عن أبيه: «أن النبي  " صلى الله عليه وسلم"  نهى عن كسر سكة المسلمين الجائزة بينهم إلا من بأس»، ولهذا يعتبر النبي  " صلى الله عليه وسلم"  صاحب أول إصلاح نقدي قام به العرب المسلمون في مجال القضاء على ظاهرتي الغش والتزوير حينما وضع لبنات الحضارة الإسلامية القائمة على العقيدة والأخلاق، وهذا مصداقا لقوله تعالى جل وعلا {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ } (الأنبياء:107).

2- في عهد الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم

بعد وفاة النبي  " صلى الله عليه وسلم"  استمر الخلفاء الراشدون، رضي الله عنهم، على نهجه في التعامل بالمسكوكات النقدية الأجنبية، وذكر الإمام أبو الحسن الماوردي أن عمر بن الخطاب  "رضي الله عنه"  وضع ماهية الدرهم الشرعي. وقد اهتم ابن خلدون في مقدمته بتحديد هذه النقود فقال: «أعلم أن الإجماع منعقد منذ صدر الإسلام وعهد الصحابة والتابعين أن الدرهم الشرعي هو الذي تزن العشرة منه سبعة مثاقيل من الذهب، والأوقية منه أربعون درهما، وهو على هذا سبعة أعشار الدينار، ووزن المثقال من الذهب اثنتان وسبعون حبة من الشعير، فالدرهم الذي هو سبعة أعشاره خمسون حبة، وخمسا حبة وهذه المقادير كلها ثابتة بالإجماع».

وتذكر بعض المراجع الحديثة نقلا عن المقريزي (من علماء القرن التاسع الهجري) أن عمر  "رضي الله عنه"  ضرب الدرهم سنة 18 للهجرة على نفس الكسروية وأشكالها وأعيانها، ولم يحاول ضرب سكة جديدة، إلا أنه أضاف إليها نقش بعض العبارات الإسلامية مثل الحمد لله، ومحمد رسول الله، ولا إله إلا الله، ولله، أو بسم الله، أو بسم الله ربي.. وهذه النقوش الموجودة في بعض العملات الكسروية الساسانية مشكوك في نسبتها إلى الخليفة عمر  "رضي الله عنه"  لعدة أمور أهمها:

1- أن المصادر الفقهية والتاريخية المتقدمة لم تذكر ذلك البتة. فعن سعيد ابن المسيب أن أول من ضرب النقود المنقوشة عبدالملك بن مروان، وكانت الدنانير والدراهم كسروية.

2- أن هذه النقود المنقوشة في عهد عمر لم يصل إلينا منها شيء حتى نسلم بصحتها، بل إن هذه الدراهم المنسوبة إلى عمر مؤرخة بسنة 20، وبعضها موجود في المتحف العراقي، فإن تاريخ سكها في الحقيقة لا يعود إلى فترة الخليفة عمر  "رضي الله عنه"  (13-23هجرية)، وقد نتج هذا الالتباس بسبب عدم التمييز بين التواريخ التي كانت تضرب بها النقود آنذاك.

3- إذا افترضنا ضرب هذه النقود في عهد عمر  "رضي الله عنه"  فأين المكان الذي سكت فيه؟!

4- أن المتأمل في شخصية عمر بن الخطاب  "رضي الله عنه"  كأحد العشرة المبشرين بالجنة، والمعروف بإيمانه القوي، وغيرته الشديدة على الإسلام، لن يقبل بوضع شعارات الإسلام الخالدة على هذه العملات الوثنية والمجوسية بما فيها من صور وطقوس تتنافى مع تحريم الإسلام لهذه الصور، قال عليه الصلاة والسلام: «من صور صورة في الدنيا كلف أن ينفخ فيها الروح وليس بنافخ». ويمكن الإشارة هنا إلى شخصية عمر بقول المصطفى  " صلى الله عليه وسلم"  فيه: «والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكا فجا إلا سلك فجا غير فجك». (صحيح البخاري).

وهكذا نرى أن هذه المسكوكات المنسوبة إلى عهد عمر  "رضي الله عنه"  ليست على الوجه الصحيح في نسبتها لعدم وجود الأدلة الكافية والبراهين الدامغة.

3- في العهدين الأموي والعباسي

أمر عبدالملك بن مروان الحجاج بن يوسف بنشر الدراهم الجديدة في القسم الشرقي من الدولة الإسلامية، وبمنع تداول الدراهم السابقة، وبإقناع الناس بجلب الدراهم القديمة إلى دار الضرب لطبعها من جديد، وسار الخلفاء الأمويون بعد عبدالملك بن مروان على سياسته في ضرب النقود، فكان الخلفاء يتشددون في عيار الدينار الذهب، وكان الذهب خالصا بقدر ما كانت تساعدهم طرق التصفية. وقيس عيار دينار للرشيد وآخر للمطيع فكان عيارهما 97.9 في المئة، أي 23.5 من القراريط (حبة)، باعتبار أن الذهب الخالص 24 قيراطا (حبة).

كذلك تشدد الخلفاء بعد عبدالملك في صحة الوزن وتخليص الفضة، فضرب عمر بن هبيرة (والي العراق) للخليفة الأموي يزيد بن عبدالملك، دراهم أجود من دراهم الحجاج على عيار ستة دوانق، ولما ولى الخليفة هشام بن عبدالملك خالد بن عبدالله القسري العراق اشتد في النقود أكثر من ابن هبيرة. وذهب خلفه في ولاية العراق يوسف بن عمر، وكان أبعد منه في تخليصها والدقة في العيار، فكانت الدراهم «الهيبرية» و«الخالدية» و«اليوسفية» أجود نقوش بني أمية. ولم يكن الخليفة العباسي أبوجعفر المنصور يقبل في الخراج من نقود بني أمية غيرها، ولهذا سميت الدراهم الأولى «المكرهة». وفي العصر العباسي كان الخلفاء يضربون الدراهم والدنانير، وكانوا ينفقون أحيانا وزن الدراهم، فضرب أبوالعباس السفاح الدراهم بالأنبار ونقصها حبة واحدة، ثم نقصها حبتين. وفي خلافة المنصور أصبح النقص ثلاث حبات، ولم يصبح للدراهم وزن ثابت، مما جعل الناس يتعاملون بها بالوزن. ولما قتل جعفر البرمكي فوض هارون الرشيد أمر دار الضرب إلى السندي بن شاهك، فاعتنى بتخليص الذهب والفضة في النقد، وضرب الدرهم على العيار الصحيح، لكن الأمر لم يثبت على حال بعد ذلك.

أما وزن الدينار العباسي فكان بوزن الدينار الأموي وهو 4265 من الغرامات، أي 66 حبة، وهذا هو الوزن الشرعي للدينار أو المثقال. واستمرت كلمة دينار تنقش على جميع النقود الذهبية للدولة العباسية والدول التي نشأت في عهدها وانفصلت عنها، وكان هارون الرشيد أول خليفة يذكر اسمه على الدينار، وضرب العباسيون من الدنانير ما كان أكثر من المثقال إلى أربعة مثاقيل، وذلك للتعامل بها، وضربوا عدا عن هذا أنواعا من الدنانير الكبيرة الحجم والوزن، وذلك لكنزها أو للصلة والإهداء في مناسبات معينة، كالأعياد والأفراح، أو للتصدق بها، وأطلقوا عليها اسم دنانير الصلة، وذلك لكي يصلوا بها أحباءهم وندماءهم والفقراء.

المراجع

ـــــ محمد عودة العودان، «النقود في الحضارة الإسلامية»، مجلة الخفجي، ربيع الأول - يونيو 1999م، ص22.

ـــ سامي عبدالله المغلوث، «العملات النقدية المستخدمة في عهد الرسول  " صلى الله عليه وسلم"  والخلفاء الراشدين»، مجلة الخفجي، ربيع الآخر 1420هجرية – يوليو 1999م، ص12.

ـــ سالم الشيحاوي، «النقود عبر التاريخ»، صحيفة تشرين السورية، 23 ديسمبر2000م، ص9.

ـــ جون كينث جالبريت، ترجمة أحمد فؤاد بلبع، «تاريخ الفكر الاقتصادي.. الماضي صورة الحاضر»، عالم المعرفة – الكويت، عدد261، سبتمبر2000م، ص157.

ــــ د. ناهض عبدالرزاق، المسكوكات، أبو عبيد ابن سلام، الأموال.

 ــــ  مقال بعنوان «العملات والنقود الإسلامية»، موقع «سوق السبت»، 7 أبريل 2008م.

Antiquities museum big 

القاهرة – أيسل محمد:

هو بالتأكيد ليس عملاقا المتحف الذي تسابق مصر الزمن على الانتهاء من تشييده على مقربة من الأهرامات ليكون أحد أكبر متاحف العالم، كما أنه ليس كما المتحف المصري العتيق الذي يتوسط قلب القاهرة وفي ميدانها الأشهر "التحرير"، لكنه متحف قزم، اتخذ من جدران مكتبة الإسكندرية الحديثة ركنا يتحصن به، وينتسب إلى كيان ثقافي عالمي يزيد من زخم المدينة الشاطئية الأشهر في مدن البحر المتوسط..

الملا وفهد ناصر يكرمان بطل العالم يوسف العبدالرزاق

  الكويت – الوعي الشبابي: كرم د.صقر الملا نائب المدير العام للرياضة التنافسية، ورئيس ...

لا للضيق من الصغار

✍ د. محمد عباس عرابي - باحث تربوي:    من الظواهر المتفشية في مجتمعاتنا من المحيط ...

الطوفان الرقمي.. يكشف خبايا الشبكة العنكبوتية

 القاهرة – عبد الحليم حفينة: بالتأكيد إنك أحد مستخدمي الشبكة العنكبوتية طالما شرعت في ...

اتصل بنا

  • صندوق البريد: 23667 الصفاة 13097 - الكويت
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
  • 22467132 - 22470156

عندك سؤال