الأحد، 15 ديسمبر 2019
رئيس التحرير
فهد محمد الخزّي

الشيخ مناع القطان.. بنّاء العقول

✍ هشام الصباغ - باحث لغوي:  في البدء كانت «اقرأ».. أدرك رواد النهضة في الكويت ...


 

 

المتواجدون على الموقع

المتواجدون الأن

141 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

تدوينات

0200010

د. حسن عزوزي:

يسجل مفهوم التسامح حضوره في عمق التجربة الإنسانية من خلال مختلف الآداب الفكرية للأديان السماوية والوضعية على السواء. وقد عرفت الحضارات الإنسانية مفهوم التسامح كواحد من المفاهيم التي تندرج في إطار حقوق الإنسان مقابلا لمفاهيم العنف والتعصب واللاتسامح.

وإذا كان التعصب يشكل مظهرا من مظاهر الحياة الاجتماعية لدى كثير من شعوب العالم، فإن التسامح يعتبر فضيلة إنسانية تغيب عنها مظاهر العنف، وتنجلي فيها قيم الأمن والسلام. ولذلك، فإذا غاب التسامح فهذا يعني غياب الأمن المجتمعي ومن ثم غياب السلام.

وتجمع القواميس العربية على أن المقصود بالتسامح هو المساهلة (1) والسخاء والجود والكرم، فيقال: أسمح: إذا جاد وأعطى بكرم وسخاء. وأسمح وتسامح: إذا وافقني الآخر على المطلوب، والمسامحة هي المساهلة. أما في المعاجم الأجنبية فنجد في معجم «هاشيت» تعريفا للفظة «التسامح» بأنها «موقف يقضي باحترام حرية الآخر وطرق تفكيره وسلوكه وآرائه ومعتقداته» (2)، كما نجد في معجم العلوم الاجتماعية تعريفا قريبا لهذا الأخير, جاء فيه أن التسامح هو قبول الآخرين وسلوكهم على مبدأ الاختلاف، ويتعارض مع مفهوم السلطة والقهر والعنف، ويعد هذا المفهوم إحدى سمات المجتمع الديموقراطي (3).

لقد ترجمت لفظة «Tolérance» عربيا إلى «التسامح»، ومع ذلك لابد من الإقرار بأن المفهوم يعتبر وليد حركة الإصلاح الديني الأوروبي، حيث نشأ عن تغير في الذهنية ناتج عن علاقة جديدة هي علاقة الاعتراف المتبادل بين مختلف القوى التي استمر صراعها خلال الحروب الدينية الأوروبية.

التسامح والاعتراف بالآخر المختلف

تتضمن هذه التعريفات إذن مفاهيم تجعل من التسامح سلوكا وقيمة يتحلى بهما الشخص تجاه الآخر، خصوصا الآخر المختلف عن الذات، دينيا وفكريا، إذ لا ينبغي الاعتقاد بأن الجميع ينبغي أن يكون مشابها للذات وإلا وجب إقصاؤه ونبذه، ولقد أمر الله تعالى رسوله  " صلى الله عليه وسلم"  بأعلى درجات التسامح فقال تعالى: {فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ } (المائدة:13)، وقال أيضا: {فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ}(الحجر:85). «ومعنى العفو ترك المؤاخذة بالذنب، ومعنى الصفح ترك أثره من النفس، وكونه لم يبق أثره في النفس قمة في التسامح» (4).

من جهة أخرى، يمكن القول إن المفهوم الراهن للتسامح ينطوي على أبعاد قوية يمكن أن نجمعها في كلمة واحدة وهي «الاعتراف». فكل شخص إنساني ملزم بالاعتراف بالآخر، سواء كان مماثلا له أو مختلفا عنه، اعترافا القصد منه الإيمان بحق كل شخص في العيش وفق قناعاته في مجتمع آمن تسود فيه علاقات التفاهم والتساكن والتعايش (5).

إذن فالتسامح وسيلة الانسجام، وهو عملية تصفية لعرض الأفكار وفهم آراء الغير حتى يتنازل الإنسان عما علق برأيه من أنانية واعتداد بالرأي؛ ليحقق الانسجام مع فكر غيره. وبذلك يحقق الفعالية والاستمرارية لأجواء التفاهم والتساكن فيما بين أفراد المجتمع، في ظل الأمن الوارف، الذي يستظل بظلاله كل من ينسجم مع مجتمعه في وحدة الموقف وسمو النفس والارتفاع عن الضغائن والأحقاد.

إن هناك شيئا لا يدخل في نطاق الحقوق التي تنظمها القوانين، ويلزم بها القضاء، وتشرف على تنفيذها الحكومات، ذلك هو روح التسامح التي تتجلى أسمى مظاهرها في حسن المعاشرة، ولطف المعاملة، ورعاية الجوار، وسعة المشاعر الإنسانية، من البر والرحمة والإحسان، وهي الأمور التي يحتاج إليها الإنسان في حياته اليومية من أجل أن ينعم بالأمن المجتمعي الرغيد.

التسامح.. والأمن المجتمعي

إن الإنسان إذا تسامح، أو عبر عن سلوك متسامح فمعناه أن يأخذ الآخر، الذي يعيش معه في أمان، بعين الاعتبار، ويقبل حججه. وبذلك يكون مفهوم التسامح مرتبطا ارتباطا عميقا بمفهوم الأمن والسلام، فالأمن هو لازمة طبيعية لمفهوم التسامح، وإذا كان مفهوم الأمن والسلام هو غياب الحرب والصراع ووجود الأمن المجتمعي، فإن هذا يعني وجود التسامح كضرورة حيوية لمفهوم الأمن والسلام، ويبقى العنف في النهاية هو الصيغة المقابلة لمفهوم التسامح، فالعنف التعصبي أو العدواني هو نقيض التسامح، وذلك لأن التسامح هو التصور المنافي لأي ممارسة للعنف والتسلط والعدوان.

ولاشك أنه في ظل انتشار الأمن المجتمعي تسري عدوى التسامح من الفرد إلى الفرد، ليصبح المجتمع متسامحا، سواء في المعاملات، أو في تلقي الآراء والأفكار، أو في التساكن مع مختلف الجماعات، أو الحوار مع الآخر. ومن البديهي أن يكون التسامح من طبيعة الإسلام، لأنه دين اجتماعي وليس دينا ترتكز تشريعاته على الفرد وحده باعتباره محط اهتمامه، لأنه لا يرى سعادة الفرد إلا في تلاحمه مع مجتمعه، فالمجتمع بيئة الفرد التي ينمو فيها متعاونا ومنسجما معها، ولا سبيل لسعادة الفرد إلا في مجتمع متسامح، كما لا سبيل لوجود مجتمع متسامح إلا في فرد متسامح أيضا، وهذا التسامح إنما يسود في مجتمع آمن يعتمد الاستقرار والسلام والتفاهم. وإذا كان الفرد المسلم يوجه إليه الخطاب القرآني بضمير الجماعة أكثر مما يوجه إليه بضمير المفرد، فلأن الإسلام دين اجتماعي تتحقق تعاليمه ومبادئه وقيمه بالتجاوب والتواصل داخل إطار جماعي وليس فرديا. ولو تأملنا في مبدأ الشورى، على سبيل المثال، لوجدناه في الإسلام يؤدي إلى إبراز طبيعة التسامح في شخصية الإنسان المسلم. فالشورى تقتضي وجود آراء متعددة متفاضلة لا تجد حلها إلا في التسامح الذي يذيب عوامل التصلب في الرأي والتعصب في المواقف والسير في الطريق الواحد دون الإصغاء إلى مختلف الاتجاهات، فالشورى تنازل عن بعض المواقف أو بعض جوانب الرأي، فإذا كان المسلم من طبعه التسامح سهلت عليه استساغة الرأي المعارض إذا لم يمس حقا من حقوق الله أو حقوق العباد، وإنما هو التسامح الذاتي في قبول وجهة نظر أخرى تحقق الهدف أو ما يؤدي إلى تحقيقه. فالشورى إذن هي فلسفة الاجتماع الإسلامي في الأسرة والمجتمع والدولة، وهي سبيل مشاركة الإنسان في تدبير شؤون العمران، وبها يرشد الإنسان تدبير المجتمع الذي ينتسب إليه ويشعر بالأمن الاجتماعي الذي يحققه له هذا الانتماء.

وهكذا فالتسامح يعد أرضية أساسية لبناء المجتمع المدني وإرساء قواعده. فالتعددية، والديموقراطية، وحرية المعتقد، وقبول الاختلاف في الرأي والفكر وثقافة الإنسان، وتقدير المواثيق الوطنية والدولية، واحترام سيادة القانون.. خيارات استراتيجية وقيم إنسانية لا تقبل التراجع ولا التفريط ولا المساومة. فالتسامح عامل فاعل في بناء المجتمع المدني وتعزيزه واستقراره.

قيم التسامح في التوجيهات الإسلامية

إذا كان الإسلام دين سلام وعقيدة محبة ووئام بين جميع الناس، مسلمين وغير مسلمين، فإنه أيضا نظام اجتماعي يستهدف تحقيق الأمن المجتمعي الشامل، الذي يرمي إلى أن يستظل بظلاله كل من يعيش داخل المجتمع من مسلمين وأهل ذمة وغيرهم، وهذا الأمن المجتمعي هو الذي يجمع كل هؤلاء أناسا متعارفين متحابين {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا  إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} (الحجرات:13).

إنه حتى في حالة الخصومة والشنآن يبقي الإسلام أسباب الود في النفوس بنظافة السلوك وعدالة المعاملة وسماحة الخلق، قال تعالى: {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا  اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} (المائدة:8)، وقال سبحانه: { عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً  وَاللَّهُ قَدِيرٌ  وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (7) لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ  إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8)} (الممتحنة:7-8).

فهذه بعض من تلك القواعد السامية التي جعلها الإسلام أصولا لمعاملة غير المسلمين، وهي أعدل القواعد التي تتفق مع روح هذا الدين وسماحته، وهي أساس شريعته الدولية التي تجعل حالة السلم بينه وبين الناس جميعا هي الحالة الثابتة لا يغيرها إلا وقوع الاعتداء الحربي عليه وضرورة رده.

ومن التوجيهات الإسلامية التي تحث على السماحة ومقابلة الشر بالخير والسيئة بالحسنة قوله تعالى: {ادْفَعْ بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ  نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ} (المؤمنون:96)، وقوله سبحانه: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} (فصلت:34).

ومن تلك التوجيهات أيضا أن يكون جدال الآخر بالتي هي أحسن، قال تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ   وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} (النحل:125).

ووجه الإسلام إلى مقابلة النوايا السيئة والحقد الدفين بالعفو والصفح، قال تعالى: {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ   فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى  يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ   إِنَّ اللَّهَ عَلَى  كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (البقرة:109).

أما سيرة الرسول  " صلى الله عليه وسلم"  وصحابته الكرام فتعد ترجمة واقعية لتلك التوجيهات القرآنية، حيث طبعت حياتهم بمواجهة الأذى بالصبر والحلم والثبات، أما بعد الهجرة النبوية فكان الحرص على أشده لكي تتحقق داخل المدينة المنورة ملامح الأمن المجتمعي الشامل الذي يؤنس لشيوع أجواء التسامح والتساكن السلمي. ولذلك آخى الرسول  " صلى الله عليه وسلم"  بين المهاجرين والأنصار، وعقد معاهدات كثيرة مع أعدائه، حيث عاهد  " صلى الله عليه وسلم"  أهل الكتاب من يهود المدينة وما حولها على السلم والتعاون، وعاهد المشركين في الحديبية على السلم والأمان، وتساهل معهم إلى منتهى التساهل والتسامح، لكن عن قوة وعزة لا عن ضعف وذلة، بل تجلت روح التسامح عند النبي  " صلى الله عليه وسلم"  حتى في الحرب، فقد قال لهم أيضا: «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن ألقى السلاح فهو آمن» (رواه مسلم).

والإسلام حين يحث على التسامح مع المخالفين، ومن ضمنهم أهل الكتاب، يمنع المسلمين منعا جازما من اتخاذ أولياء منهم يتعاونون معهم، فالتسامح شيء واتخاذهم أعداء الإسلام أولياء شيء آخر، قال تعالى: {لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ   وَمَنْ يَفْعَلْ ذَ لِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً} (آل عمران:28).

ومن سماحة الإسلام أنه حين يكشف للمسلمين عما تضمره لهم نفوس أعدائهم من الحقد والبغض، لا يأمرهم ولا يحرضهم على مقابلة الغل والدس والكراهية بمثلها، وإنما يحذر المسلمين ويبصرهم بحقيقة العدو، وينبههم إلى الخطر الذي يهدد الأمن المجتمعي لحماية المسلمين، ومع ذلك يحث على الصفح والعفو والجنوح إلى السلم وعدم اللجوء إلى العنف إلا عند الضرورة، كما يربي المؤمنين على أن يعاملوا الناس جميعا بسماحة الإسلام؛ منعا للفتنة وإزالة للتحديات التي تعيق استتباب الأمن والسلام والاستقرار.

الهوامش

(1) لسان العرب لابن منظور 2/490، طبعة دار صادر، بيروت، 1995، ومعجم مقاييس اللغة لابن فارس، مكتبة الخانجي بمصر، ط 3/1402.

(2) Dictionnaire Hachette ,2 ed p 1173.

(3) Lexique des sciences sociales ;dallaz- Paris 1983 p 358.

(4) الشوكاني، فتح القدير، 1/28.

(5) Hassan Azzouzi ;La question de la tolérance entre chrétiens ,Juifs et Musulmans in: AL MISBAHIA revue dela faculté des Lettres Sais – Fès ,Volume 4/ 2000 p 59

6411211

محمد السعيد:

بحديثها المتألق المتأنق، وسلوك ينبئ عن عميق الإيمان قبل أن يلوح في منطق اللسان.. أضحت حفيدته هناء هناءة خاطره وبهجة ناظره، فلديها ذائقة أدبية تجعل مسامرتهما زادا زاخرا بتحاور يثري الوجدان .. متنعما في جلستها الحنون بصوت ندي أغن، يقدمها كقدوة للجيل الجديد، وكنموذج للطموح وطيب العطاء.

لقد أبدعت في دراستها أسلوبا ذكيا، حيث تسجل ما يعن لها من كلمات ومعادلات وقوانين تحتاج إلى الحفظ، نسقتها في قصاصات.. ترددها مترنمة في غدوها ورواحها، وقد كانت المسافة طويلة بين مسكنها والمدرسة بما يوفر وقتا للمواد العملية، مما مكنها من حصولها على أعلى الدرجات في شهادة الثانوية العامة والتحاقها بكلية الصيدلة.

في زيارة جدها لتهنئتها أسعدته رؤيتها وهي تؤم زائرات لها في الصلاة، فقد عاين وضاءة روحها في وهج لا مثيل له بين قريناتها.

أقبل عليها مهنئا بالنجاح الباهر، مبشرا بمستقبل زاهر، يسائلها عن طموحها فتجيب إجابة من تبينت مسيرها ومصيرها: أن تحصل - بتوفيق الله - على أعلى شهادة بمجال الترقي في تصنيع الدواء. ويعاود مداعبتها بسؤال عن طموحها الاجتماعي، فتناغيه برفيف حديث جد رهيف، ودلال فواح معطار: أرجو الله أن يرزقني قرينا يهب الوصال قداسته، وقافا عند حدود الله.

يرشف وجدان جدها من حديثها.. أن كل ذرة في كيانها تتوهج بأشواق الحياة، ولكنها الأشواق المحصنة بالطهر والنقاء. ويمتد التحاور بينهما: هل ستقومين بعمل قصاصات لما يستحق الحفظ من مواد الكلية، كما في مرحلة الثانوية؟ فتجيب إجابة لم تكن في الحسبان، بأمتع عبارة في أنصع بيان: بعد أن أصبحت في المرحلة الجامعية.. فثراء حياتي يا جدي أن ألج رياض القرآن.. بستان الروح، ضياء الوجدان، وسأعطر وقتي ذهابا وإيابا بذكر الله، معقبة بقول الرحيم الرحمن: {وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ} (العنكبوت:64).

يرهف السمع منبهرا، تصافح جوانحه تلك الومضة الإيمانية في شوق عارم، ويعقب بقول المبدئ المعيد: {وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى  صِرَاطِ الْحَمِيدِ } (الحج:24).

بارك الله فيك ولك وعليك، فقد أضحت تلك الإجابة الميمونة نقشا فوق ذاكرته.. تصافح جوانحه بما ينبئ عن ميلاد واعد بعنقود عبقرية وعطر ونبوغ ومنظومة إبداع.. حقا حقا يا هنائي.. فإنه إذا اطمأن القلب بذكر الله استنار العقل ذكاء وتوهجت الإرادة نماء وعطاء.. فكلما سنحت فرصة فراغ يشرق طيفك ملاكا بشدوك السماوي المعطر، منيرا بحديثك الأنور «ولذكر الله أكبر».. فيلهج قلبه بذكر الله. وحينما تنفلت منه قواعد الانضباط ويصير نهجا للهواجس، يقتحم عليها عزلتها لتهدي إليه من أمارات البشر والإيناس، بخواطر تمس لباب اليقين، عبر حديثها الرائع عذب المعين.

لقد اختطت مسيرها في طريق ذي ثلاث شعب: ذكر الله، وتقديس العلم، وعشق الأدب.. وكم لها من مواقف حياتية اجتماعية تمارس حيالها ثقافة سلوكية هي أهدى سبيلا وأقوم قيلا، بيقين راسخ.. أن حسن التودد إلى الناس نصف العقل.

في ليل شديد الحلكة انتفض جيرانها على دوي صراخ وقت السحر ينبعث من بيت قريب، حيث أحرق أخ شقي لأخيه - وهو أحد جيرانها - حظيرة مواشيه ومحاصيله الزراعية بالحقل.. هب الجيران، وبين صراخ النسوة والشهقات ونشيج الأنفاس، انتحت هناء بالأسرة المصابة في منأى عن الضوضاء والغوغائية الرعناء.. تذكرهم بقول الغفور الشكور: {وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} (الشورى:43).

ولما أذن لصلاة الفجر، قامت تحث الجميع على الصلاة، مذكرة إياهم أن ركعتي سنة الفجر خير من الدنيا وما فيها، وتؤمهم للصلاة، تتلو آيات تحث على الصبر وكظم الغيظ، فالقرآن كصيدلية فيها دواء لكل داء. وعلى الرغم من فداحة الفجيعة فإنها استطاعت بالحكمة والموعظة الحسنة أن تغالب هدير التوتر، وتهدئ من نوازع الانتقام تجاه هذا الشرير الذي كان لنشأته الطفولية الكئيبة في بيته وبيئته بالغ الأثر في أن امتلأ قلبه حقدا على الحياة والأحياء، خصوصا على أخيه، الذي باركه الله، حيث تفوق أحد أبنائه (عصام) وحصل على الدكتوراه من أميركا، في حين فشل كل أبناء هذا الشقي، علميا وعمليا، وانحرفوا أخلاقيا. ويشاء الله أن ينتهي المطاف به بعد إحباطه ومعاناته من عقدة الشعور بالذنب، إلى نوع من المرض النفسي أصابه بالذهول لكل ما ومن حوله.. لم يسمع نفير عربة الشحن المتحشرج فتصدمه، وفي لحظة تخمد أنفاسه.

تصاب زوجة هذا الجار بجلطة قلبية جراء فجائية ومأساوية كارثة الحريق، كانت تلتمس وجود هناء، حيث أضحت ملاذ اطمئنان للجميع، لترطب لهيب الفاجعة في قلبها.. تهل عليها بابتسامتها الندية لتدفن أحزانها الخفية، ذاكرة لها «أن الصبر ضياء» كما يقول رسولنا  " صلى الله عليه وسلم" . وكيف يكون المرض حالة لا نستطيع إلا أن نتقبلها راضين بقضاء الله، الذي يختبر عباده تارة بالمسرات.. ليشكروا، وتارة بالمضرات.. ليصبروا، فصارت المنحة والمحنة كلتاهما ابتلاء، وتعقب بكلمات تسطع يقينا.. إننا أمة الحمادين، وإن عطاء الله بلا حدود، وكرمه فوق ما يجنح إليه أقصى خيال من فضل وجود.

تواصل هناء تفوقها، وتنهي أطروحة الماجستير بأعلى تقدير، وتتهيأ لدراسة الدكتوراه في تلك السن الباكرة.. كانت تقبض مكافآت التفوق المالية، وأول ما يخطر على بالها صلات الأرحام والتصدق على الفقراء والأيتام، تحدوها بصيرة تكلل طيب العطاء في الوقت المناسب، بالكم المناسب، وبالكيف المناسب.

علم الابن عصام، الطبيب في أميركا، بحادثة عمه الشرير، وما أصاب أمه من مرض خطير، فانتهزها فرصة بطلب اختيار عروس له لإدخال السرور على قلبها، وهي المترقبة لحظة فرح تنتزعها من قاع أحزانها.

يقع اختيار الأسرة على أعقل وأنبل وأجمل عروس.. إنها هناء، فتتماثل الأم للشفاء، وتغمر الأب أصداء فرحة وشته ثوب العافية. ويحضر الابن عصام من أميركا وتتم مراسم الخطوبة.

في أول زيارة لهناء.. يفاجأ بطلعتها كانبثاق الضياء، وقد تدرج وجهها بحمرة الحياء القانية، فتقبلها بجماع حنوه.

 في الزيارة التالية يهديها - تعبيرا عن عميق افتتانه بها، قبيل عقد القران - عقدا نضيدا رائعا، طوق أحاسيسها كما طوق جيدها بحسن زاهر أروع. واتفق على اصطحابها معه إلى أميركا لتجد مجالا أرحب لتحقيق طموحاتها العلمية.. ثم يسرع بعقد القران، بعد أن استحوذت على قلبه بتقدير «انسجام» مع مرتبة «الشوق» المغرد بالحنايا!.

2 23 2015 8 49 20 AM

محمد عباس :

الآن جئتك قاصدا نور الهدى

والليل يأكل مقلتي ويشتهي

أشقى بدرب كان يوما وجهتي

وفقدت فيه الروح عند توجهي

وبقيت نفسا لا تفيء لروحها

وتعيش ليلا شائها لا ينتهي

تلقى النهار فلا تراه بقلبها

والصبح يسفر لا يبين لتائه

ثم انتبهت لنور فجر قد بدا

ورأيت شمسا بالهداية تزدهي

والروح تفلت من براثن قيدها

والقلب ينبض بالحنين لربه

والنفس تشرق بالصفاء وبالهدى

فبكيت شوقا للإله وظله

وهتفت يا رحمن عبدك قد أتى

فارفق بقلب قد أقرّ بذنبه

ودعاك يا رحمن: جئتك تائبا

من لي سواك لكي ألوذ بعفوه

أنت الرحيم ومن لبابك قد سعى

يلقاه عفوك لا يضيق بسعيه

الآن جئتك ساعيا متبتلا

أرجو القبول فهل أفوز بنوْله

سبحان رب العالمين فما أرى

 إلا رضاه وقد رضيت بقربه

896523656

شيرين محمد:

عدما أرى إشعارا من الكمبيوتر أو من الهاتف الذكي بأن هناك رسالة جديدة في بريدي أسارع بتصفحها  ، و انظر لمحتواها بدقة للتأكد من فهمي لها و تنفيذ ما بها او إدارة ما بها بطريقة سليمة .. و لكن ليس فقط البريد الإلكتروني هو أداة النواصل الوحيدة و لكن عندما اقف مع احدي صديقاتي فانها معظم الوقت تنظر الي هاتفها الجوال لملاحظة الرسائل الواردة عبر الواتس اب  .. فمعظم حياتنا اصبحت من خلال الرسائل التي نتبادلها بين أهلنا و أصدقائنا و في عملنا ... و دفعني ذلك للتأمل والتساؤل : هل تفكرت يوما في رسائل الله لك؟ و كم كنت شغوفا علي معرفتها و التأمل فيها؟

رسائل الله (سبحانه و تعالي) تحطنا كل يوم و في كل موقف نتعرض له .. مع كل فعل و رد فعل .. و لكن الماديات التي اصبحت محور حياتنا جعلتنا لا نتحسس تلك الرسائل و لا ناخذ بضعة من الوقت لكي نتفكر فيها نتأمل معانيها و نتعلم منها و من مغزاها. أصبحت حياتنا مجردة فكل ما ندور حوله هو المادة.

فمع كل موقف نتعرض له يرسل الله رسائله لنا، فلو كان هذا الموقف أو الحدث لا نرغب في حدوثه او بمفهومنا البشري يجب الا يحدث الان نلوم كل ما حولنا و لا نلوم انفسنا و لا نحاسبها علي الرغم من ان هذا الموقف الذي تراه سيئا ما هو الا انذار او اشارة لك من المولي للتروي و التفكر في هذا الامر لكي تكون مستعدا في موقف اخر لاحق لا يعلمه سوي الله (الله يعملنا و يدربنا علي ماهو آت) ، و لو كان هذا الموقف او الحدث يوافق هوانا فننسب هذا الفضل الي مجهودنا و نتناسي فضل الله علينا و يبدأ الكبر يتسلل للنفوس و عندما ينسلب الشيء من بين أيدينا نلوم الظروف و الأحداث و لا نلقي اللوم علي أنفسنا بتاتا. فهل تفكرت في الموقفين ماهي الرسائل التي يريد الله ان يغرسها بنا؟ هل تعلمت من التجربة التي مرت بك لكي تتلاشي اخطائها في المواقف القادمة؟

رسالة من الله ممكن تأتيك من خلال صديق يخطرك بحالة يمر بها او يشكو اليك موقف ما تعرض له او اراد ان يأخذ منك نصيحة و كأنك تحدث نفسك من خلال صديقك و لكن الله اراد لك ان تخرج حلك من بين شفتيك فبعث الله لك بجند من جنوده. 

رسالة من الله تأتيك في شخص بسيط لا تعرفه و لا يعرفك و لكنه يتحسس رضا الله و حبه بمنتهي البساطة و العفوية من خلال تعاملاته مع عباد الله و كائناته فتتعلم كيف ترفق و ترحم.

رسالة من الله تأتيك من أناس أخفياء يعملون في صمت لا يرغبون في الشهرة و لكنهم أحبوا العمل عنده سبحانه بمنتهي التواضع و الرقي ، فتعلمك الا يتسلل الكبر لقلبك و روحك فهناك الكثير الذين يعملون أضعاف مضاعفة و لكنهم غير معروفين بين أهل الأرض و لكنهم يقينا معروفين بين أهل السماء.

رسائل الله لنا لا تنتهي و لكنها تحتاج  منا ان نختلي بأنفسنا معه لكي نتفكر في كل هذه المواقف و نتعلم منها لكي نتأهل لما هو قادم و نكون قادرون عليه .. فهل تلقيت رسالة جديدة اليوم؟

press19-6-3

د. سعاد الناصر :

حين نقول السلوك الحضاري أو السلوك المدني تأتي إلى أذهاننا مجموعة من المعاني والدلالات، كلها تصب في هاتين الكلمتين، فنجد السلوك الذي يعني ما يقوم به الفرد الواحد من ممارسة في المجتمع، داخل الأسرة، داخل المدرسة، مع الأصدقاء، في المجتمع ككل. وهذا السلوك أو الممارسة هي التي تقيم الشخص، وتترجم مستويات مختلفة من القيم والأفكار الموجهة لذلك السلوك. أما معنى المدني فيحيل على مفهوم التحضر، وهو مجموعة من المفاهيم والقوانين المرتبطة بتنظيم الحياة العامة في مجتمع من المجتمعات. وقد حدد بعض الباحثين السلوك المدني في معنيين يعكسان تطور المفهوم: «معنى عام يشمل واجبات المواطن ومسؤولياته في علاقته بالدولة من جهة وبالمواطنين من جهة ثانية، ومعنى عام يحدد الفضائل الضرورية الواجبة في تنشئة المواطن الصالح المتمتع بالجس المدني والانضباط والإخلاص للمجموعة الوطنية»(1)،

فالسلوك المدني يمكن اعتباره معيارا أخلاقيا لضبط العلاقة بين النزوعات الفردية من سلوكات ومواقف وبين متطلبات الهيئة الاجتماعية التي ينتمي إليها الأفراد، الغاية منه توجيه السلوك الفردي من جهة، وتنظيم الحياة الاجتماعية من جهة ثانية. وهنا يجب الإشارة إلى أن الوعي بأهمية السلوك المدني وعي متأخر، كان يجب الالتفات إليه منذ زمان، وهو تأخر نتج عن غياب القيم الأخلاقية والإنسانية التي نجد معالمها مبثوثة في ديننا. وعلى هذا لا يمكن أن يكون تحضر وتمدن وعلم بدون قيم أخلاقية وإنسانية.

وهناك من يطلق على السلوك المدني التربية على المواطنة كي تترسخ علاقات مسؤولة بين الأفراد ومؤسسات الدولة والمجتمع، وتمتين روابط انتماء الفرد على المجتمع المؤسسة على احترام حقوق وحريات الإنسان والالتزام بآليات الديموقراطية المكتسبة عبر التربية والتكوين. بناء على كل هذا يمكن القول إن السلوك المدني أو التربية على المواطنة هو التطبيق العملي لمجموعة من المعارف والمهارات والخبرات والأخلاق التي يكتسبها الفرد داخل منظومة تربوية أو اجتماعية محددة تؤهله ليقوم بأدواره داخل مجتمعه. فهو يندرج في إطار يستند إلى رؤية أخلاقية واجتماعية تسعى في جملة ما تسعى إليه، إلى جعل المدرسة أداة للتحرر، أي مؤسسة تربي الإنسان على قيم وأخلاق تجعله يشعر بكرامته وحريته وإنسانيته، وتحفز طاقاته على العمل والإبداع. إن الإنسان الذي يرغب أن يحقق ذاته ووجوده، ولا يكون مجرد صفر من الأصفار، ينبغي عليه أن يحدد هدفه من الحياة. لا نتحدث هنا عن الهدف الذي يشترك فيه كل البشر وهو الذي عينه الخالق جل وعز في قوله: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون}(الذاريات:56) وإنما أقصد الهدف الخاص بكل إنسان، ما الذي يريد أن يكونه في الحياة؟ من هو الإنسان الذي تشرف به ذاته هو وأسرته ومجتمعه وأمته؟. إذا وضعنا هدفا لنا ولحياتنا سيسهل علينا تكوين شخصية لها استعداد للاستجابة إلى تربية مدنية تحقق طموحه وهدفه، وتحقق أمل وهدف المجتمع الذي ينتمي إليه. من هنا يجب أن نتعلم من ديننا أن التركيز يجب أن ينصب على بناء الإنسان الصالح، وتشكيل شخصيته بما يؤهله لأخذ مكانه داخل المجتمع وتأدية دوره فيه، وهذا ما يهدف إليه السلوك المدني. فما هي القيم الأساسية التي يجب عليه أن يكتسبها لتحقيق هدفه؟ وما هو أساس السلوك المدني وسبل تنميته؟ أولا: اكتساب القيمة الأخلاقية والإنسانية وتعويد النفس عليها، لكن ماذا نعني بالأخلاق؟ الأخلاق هي مجموعة من القواعد والمبادئ المنظمة للسلوك الإنساني، التي لا تقوم على نظريات مذهبية، أو مصالح فردية، وهي ثابتة لا يمكن استبدالها تحت أي ظرف ولا في أي مكان، فهي ليست ثوبا يرتديه الإنسان لموقف ثم ينزعه متى يشاء، كما أن جوهر الرسالات السماوية كلها هي الأخلاق. وها هو رسولنا (صلى الله عليه وسلم) يقول: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»(صححه الألباني) فالغرض من بعثته ­(صلى الله عليه وسلم) ­ هو إتمام الأخلاق، والعمل على تقويمها، وإشاعة مكارمها بين الناس. وحين تتشكل شخصيتنا بالقيمة الأخلاقية فإنها ستنعكس إيجابا على سلوكياتنا وتصرفاتنا في المجتمع انطلاقا من البيت والمدرسة وانتهاء بالمجتمع والوطن الذي نعيش فيه.. ولذا نجد أن أي مجتمع من المجتمعات الإنسانية لا يستطيع أفراده أن يعيشوا متفاهمين سعداء ما لم تربط بينهم روابط متينة من الأخلاق الكريمة.

 ولتأخذ مثالا على قيمة أخلاقية يجب اكتسابها. الحب، حب الله تعالى ورسوله، حب الوالدين، حب المعلم والأستاذ، حب الأصدقاء والأصحاب، حب الوطن، حب الناس جميعا، حب الخير، حب الدراسة والعلم، حب العمل والتفاني فيه. حين نتعلم أن نحب فعلا تفيض هذه القيمة على من حولنا، وتتغلب المصلحة العامة على المصلحة الخاصة، لأن الذي يحب لا يمكن أن يظلم، لا يمكن أن يعتدي على نفسه بالغش مثلا، أو بالكذب على والديه أو أصدقائه، لا يمكن أن يقترف أي عمل أو سلوك فيه إساءة أو فساد مهما كان، لأن نشر الفساد واستشراءه في المجتمع، والإساءة إلى الناس هدر لكل القيم الأخلاقية والإنسانية، بل تضييع الطاقة الإنتاجية في الإنسان، وقد كثر الحديث عن هذه القيمة في الكتاب العزيز، وبين لنا الحق سبحانه أصناف البشر الذين يحبهم، فهو يحبّ المحسنين، الذين يحسنون إلى الناس ويحرصون على عدم الإساءة إليهم، ويحبّ التوّابين، ويحبّ المتقين، ويحبّ الصابرين، ويحبّ المتطهرين، وفي مقابل ذلك فهو تعالى لا يحب المعتدين، ولا يحب الظالمين، ولا يحب المفسدين، ولا يحب المستكبرين. وهاهو نبينا يعلن أمرا خطيرا يقول: «والذي نفسي بيده لن تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولن تؤمنوا حتى تحابوا» (رواه مسلم). وهذا مدعاة إلى إبعاد كل مشاعر الكره والحسد والخيانة والعنف وسوء المعاملة وغيرها واحتضان المحبة والإيثار والتسامح وغير ذلك. ثانيا: الحرص على الهوية والمواطنة: الهوية بشكل مبسط هي معرفة أصل الإنسان وانتمائه، أي التعرف على ذاتي، من أكون؟ من تكون؟. وحين نقترب من مكونات الهوية، نجدها متعددة، كمكون اللغة والدين والعرق والوطن وغير ذلك، وهذا يعني انتماء الفرد إلى الجماعة الإنسانية أولا ثم انتماؤه إلى مجموعة معينة. وهذا الإحساس بالانتماء الاجتماعي يرسخ في الذهن والوجدان الاعتزاز بالهوية وبقيمة المواطنة، ويمنحها حصانة وقوة. وترتبط الهوية والمواطنة بوعي الإنسان باعتباره ينتمي إلى جماعة يشترك معها في أشياء عدة كالتاريخ والدين واللغة وغير ذلك، فالتاريخ هو الذاكرة المشتركة التي تجمعنا على القوة والتوحد. الدين هو الرابطة التي تدفعنا، بالإضافة إلى القوة والتوحد، إلى التسامح والتكافل واحترام الاختلاف. وهكذا.. والهوية هي حافز للتشبع بالمواطنة. والمواطنة باختصار من أعمق المشاعر الإنسانية التي تضفي على الفرد قيمة واعتزازا. تكتسب دلالاتها من مفاهيم الحرية والحق والعدل والخير، وتتحدد أبعادها بوصفها مجموعة من القوانين التنظيمية والسلوكية تحدّد موقع الإنسان في وطنه، وموقفه من وطنه. أما موقعه فيحرص على ترسيخ وجوده فيه من خلال مجموعة من الحقوق كالحق في مؤسسات وقوانين ديموقراطية، الحق في المساواة وتكافؤ الفرص، الحق في المشاركة والتدبير واتخاذ القرارات وتحمل المسؤوليات، الحق في حرية التعبير، الحق في الأمن، في الصحة والتعليم والخدمات الأساسية العمومية، وغير ذلك من الحقوق التي يجب أن يكون واعيا بها، أهلا للتمتع لها. لكن هنا يبرز تساؤل: كيف يمكن أن أتمتع بحقي في المواطنة؟ يكون ذلك بالالتزام بمجموعة من الواجبات، والتي من أهمها: احترام النظام العام، عدم خيانة الوطن، الحفاظ على الممتلكات العمومية، الدفاع عن الوطن كلما دعت الحاجة إلى ذلك، التعلّق بأرضه التكافل والوحدة الوطنيين، المساهمة في بناء وازدهار الوطن. الاعتزاز بمنجزاته الحضارية، واحترام تاريخه وتراثه، التعاطف مع آلام شعبه وآماله، والوعي بالخطوط المتداخلة بين الحقوق والواجبات. هذا بصفة عامة، أما بصفة خاصة، فكل مواطن له واجبات يجب عليه أن يقوم بها من أجل التمتع بحقوق المواطنة، فبالنسبة لأبنائنا أهم واجب يجب أن يضعوه نصب أعينهم، هو الانضباط، والاهتمام بالوقت، الهندام النظيف، احترام المؤسسة التعليمية والحفاظ عليها وتشكيل لجان نظافتها وتزيينها، احترام المعلم والأستاذ واعتباره قيمة حضارية لا يجوز المس بها، وقدوة ورمزا للعدل والمسؤولية والعطاء والإخلاص، وقبل هذا وبعده، الحرص كل الحرص على الدراسة والعلم والتفوق فيهما. أي باختصار تمثل القيم الوطنية والقيم الأخلاقية، وتطبيقها عمليا من خلال السلوك والعلاقات.

 ثالثا: اكتساب جماليات السلوك المدني: كثيرا ما نسمع ونردد قول المصطفى(صلى الله عليه وسلم) «إن الله جميل يحب الجمال»(صحيح مسلم)، وهذا يعني أن هذه القيمة متأصلة في حضارتنا. فماذا نعني بالجمال؟ الجمال هو انطباع في النفس والروح بسبب تذوق دلالات التناسق والتنظيم والإبداع والإتقان يؤدي إلى البهجة والانتشاء والراحة. والقرآن الكريم ينص في مختلف الآيات على تذوق الجمال في الكون وفي الإنسان من خلال التركيز على ارتقاء الذوق الى مستوى التصرف والممارسة، وهو يجعل من الجمال سلوكا وجدانيا يقترن بالعبادة، فمثلا في الصلاة حين يقول تعالى: {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر}(العنكبوت:45) نكون نمارس شعيرة جميلة، تخرج المصلي من إطار أي قبح كقبح الفحشاء والمنكر إلى فضاء الجمال والفضيلة، وهكذا في كل ممارسة أو تصرف أو علاقة ينبغي التركيز على الدلالات الجمالية سواء من خلال الإتقان أو الإخلاص ليرتقي إلى درجة العبادة. وهذا الارتقاء نجد تطبيقاته في قدوة نبينا محمد (صلى الله عليه وسلم): يقول تعالى: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة}(الأحزاب:21). وإذا كنا نسمع بأن المجتمعات المدنية مثل أمريكا وأوروبا تحرص على تربية أفرادها على جمالية السلوك المدني من مثل الحرص على النظافة، نظافة الطرقات والأماكن العمومية، عدم تكوم الشباب في الطرق والأزقة دون فائدة مما يشوه المكان والإنسان، عدم إزعاج الجار لجاره، لا يمد الرجل يده ابتداء للسلام على المرأة حتى تمد هي يدها، إذا كنا نسمع مثل هذه الجماليات في السلوك المدني ويخيل إلينا أنها مكتسبات غربية، فإننا نقول إن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كان ينبوعا رقراقا من جماليات السلوك المدني فهو فيض لا ينضب من الحبّ والحنان ورقة المشاعر والرفق، وهو رمز للتسامح والنظافة والعطاء. وإذا أردنا أن نتربى على السلوك المدني فعلينا بقراءة سيرة نبينا محمد (صلى الله عليه وسلم)، والغوص في استشراف دلالاتها الإنسانية الرائعة، كما علينا التحلي بأخلاقه وجماليات سلوكه وعلاقاته، لتنمية سلوكنا المدني، حتى نقدم من أنفسنا نماذج حضارية تبني ولا تهدم، تتسامح ولا تحقد، تعدل ولا تظلم، تحب ولا تكره، تتقن ولا تهمل، تتحاور ولا ترهب، تبدع ولا تتبع.

المتسابق عبدالله الفاضل يحرز المركز الثاني في بطولة تايلند العالمية للدراجات المائية

الكويت – الوعي الشبابي: حقق المتسابق عبدالله الفاضل من فريق نادي الرياضات البحرية المركز ...

أهمية الألوان والرسم للأطفال

 ✍ محمود أحمد حسانين - قاص وباحث:      أثبتت بعض الدراسات فوائد ...

"ستانلي.. ترنيمة الحب والحرب والحياة".. حكايات الإسكندرية

القاهرة- جنا حماد: انتهت الكاتبة والروائية والسيناريست وعضو اتحاد كتاب مصر ريم أبو عيد من كتابة ...

اتصل بنا

  • صندوق البريد: 23667 الصفاة 13097 - الكويت
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
  • 22467132 - 22470156

عندك سؤال