الأحد، 12 يوليو 2020
رئيس التحرير
فهد محمد الخزّي

محدث عصره العلامة الألباني

✍ هشام الصباغ - باحث لغوي: انطلاقا من مقولة «الناس موتى وأهل العلم أحياء»، نسلط في ...


 

 

المتواجدون على الموقع

المتواجدون الأن

111 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

تدوينات

1527 skyl

محمد شعبان أيوب :

ارتبطت المدينة في الحضارة الإسلامية في نشأتها وتطورها بمعايير حضارية تأثّرت بتاريخ الإسلام وتطور تجربته؛ فقد أبدل الإسلام نمط الترابط والأخوة بنمط العصبيات والقبليات القديم دون نزعه تمامًا لصعوبة ذلك.

 وفي داخل المدن الجديدة كان توزيع الخِطط والإقطاعات في يد النبي r باعتباره الحاكم، وقد كان منهجه في المدينة المنورة تجميع كل قبيلة في خِطة أو منطقة خاصة بها، وتُركت حرية تقسيم الخطة للقبيلة وفقًا لظروفها وإمكاناتها في الإنشاء والتعمير، وعلى هذا الأساس سار إقطاع الخطط والمنازل في المدن الإسلامية الناشئة، ومن أمثلة ذلك مثل ما حدث في البصرة سنة 14هـ والكوفة سنة 17هـ والفسطاط سنة 21هـ والقيروان سنة 45هـ والعسكر بمصر سنة 133هـ وبغداد سنة 145هـ وسُرّ من رأى "سامراء" سنة 221هـ ـ وغير ذلك من المدن الإسلامية الأخرى، وبذلك أصبح نظام تقسيم المدينة إلى خطط تربط بين سكان كل خِطّة منها صلات مُعينة محورًا أساسيًا بين المحاور التي قامت عليها أسس تخطيط المدينة الإسلامية الناشئة[2].

ولقد روعي عند بناء المدينة الإسلامية عدة عوامل أخرى منها وجود الماء وطيب الهواء أو اعتدال المناخ، والجو الصحي، وضرورة تضمّن المدينة للسوق والمسجد الجامع والقصبة الرئيسية "الشارع العام"، فضلاً عن وجود سور يحيط بالمدينة به أبواب للدخول والخروج، فهذه أحد أهم محددات شكل المدينة الإسلامية سيرًا على ما قام به النبي r في المدينة المنورة، وما اقتضته الضرورة الزمنية، والتطور الحضاري فيما بعد.

وعن شروط اختيار المدن بصفة عامة يُشير ابن الأزرق (ت896هـ) إلى أن ما تجب مراعاته في أوضاع المدن أصلان مهمان: دفع المضار وجلب المنافع، ثم يذكر أن المضار نوعان: أرضية، ودفعها بإدارة سياج الأسوار على المدينة، ووضعها في مكان ممتنع، إما على هضبة متوعرة من الجبل، وإما باستدارة بحر أو نهر بها، حتى لا يُتوصّل إليها إلا بعد العبور على جسر أو قنطرة، فيصعبُ منالها على العدو، ويتضاعف تحصينها. والنوع الثاني من المضار سماوي، ودفعه باختيار المواضع طيبة الهواء؛ لأن ما خبث منه بركوده أو تعفّن بمجاورته مياهاً فاسدة أو منافع متعفنة أو مروجًا خبيثة يسرع المرض فيه للحيوان الكائن فيه لا محالة[4].

وأدى اللجوء لاتباع الحل المتضام في النسيج العمراني للمدينة الإسلامية لأن تكون شوراعها ضيقة متعرّجة لتفادي أشعة الشمس، وموافقة ذلك لوسائل النقل في ذلك العصر وهي الدواب والعربات اليدوية، وفي المناطق الحارة يتجه التفضيل في توجيه الشوارع من الشمال إلى الجنوب؛ لأن ذلك يُساعد في عدم تعرّض الطرق وواجهات البيوت المطلة عليها فترة طويلة للشمس، فضلاً عن اكتسابها الرياح الشمالية التي تساعد على استمرار برودتها أطول فترة ممكنة لوجود نسبة التضليل العالية في هذه الشوارع، وقد تجلت هذه الظاهرة في أروع أمثلتها في القاهرة، وسارت على هذا التخطيط مدن الصعيد وبقية المناطق الحارة في العالم الإسلامي[6].


[2] محمد عبد الستار عثمان: المدينة الإسلامية ص49.

[4] يحيى وزيري: العمارة الإسلامية والبيئة ص95. سلسلة عالم المعرفة، العدد 304 – الكويت، 2004م.

[6] يحيى وزيري: العمارة الإسلامية والبيئة ص99.

4 8 2015 8 57 07 AM

الحسن ملواني:

دخل متهالكا شاحب الوجه فاتر الأطراف، سأله الطبيب، فلم يعرف كيف يرد عليه، فهو لا يحس بأي ألم في جسده. وبعد لحظة من التردد، قال مجيبا: أيها الطبيب، أصارحك بأني لا أشكو من ألم ولا وجع، الوساوس تهاجمني بين فينة وأخرى، تارة أخال نفسي شريرا مغتصبا تحققت فيه كل صفات التوحش والنذالة بامتياز، وتارة يتبين لي استعدادي الفطري للبذل في سبيل إشاعة المودة والوئام والاحترام بين الناس، أرى قدرتي على أن أكون مرشدا بحلمي وحكمتي ونبل أخلاقي.

كان الطبيب يحدق فيه مركزا عله يعثر بين أقواله على شيء يفيده في العلاج، وحيث لم يجد شيئا قاطعه قائلا: علتك يا أخي بسيطة، لا تحتاج إلى دواء، بعد أيام سيزول عنك ما تعانيه.

نهض المريض خائبا، كان حزين القسمات مضطرب الأفكار، فالطبيب لم يقنعه بما يمكن أن يزيل عنه ما يقاسي.. كان حائرا يتساءل عن الدور الحقيقي للأطباء، فقد زار هذا وذاك، منذ خمس سنوات ولم يسمع منهم سوى الجواب نفسه، فهل الدواء ممنوع عليه وحده؟ أم أن علته لم يوجد لشفائها دواء بعد؟

انحرف بعيدا عن الشارع الرئيسي قاصدا شجرة وارفة الظل، أسند ظهره إلى جذعها، كان جاف الحلق مغرورق العينين، كان يحس أنه وحيد في زنزانة مظلمة سيختنق فيها بعد لحظة، أغلق عينيه المترهلتين ينشد سنة من النوم تخفف من الضيق الذي يطبق عليه.. فتح عينيه وإذا بشيخ وقور يربت على كتفه، فاستغرب استغرابا، واختلط لديه الحلم بالواقع.. حياه فرد عليه التحية بشفتين مرتعدتين، ابتسم الشيخ في وجهه، ثم رفع عينيه نحو الأفق وكأن شيئا لاح له من بعيد. ثم قال: اسمع يا بني، إني أتوسم في وجهك الخير والسداد، وأعرف أنك تعاني، وربما زرت أكثر من طبيب بلا جدوى.. تعجب المريض، فمن أين له أن يعرف ذلك كله؟

قال الشيخ وهو يربت على ركبته: مرضك ليس من بدنك، مرضك من قلبك، فقلبك مريض بعد أن كان سليما، وأعلم كما تعلم أنك عشت سنوات بقلب سليم يقبل الحق من صاحب الحق، كنت منيبا إلى الله متوكلا عليه، كانت حركاتك وسكناتك منقادة لأمر العبودية وطلب التقرب إليه سبحانه وتعالى.

وحين هاجرت من بلدتك الجميلة بأناسها البسطاء الطيبين حللت بتلك المدن الغريبة، فتلوثت أفكارك وتغيرت رؤيتك الصافية للعالم، ويوما بعد يوم صار قلبك مريضا، والقلب المريض حين يشتد عليه المرض يصبح بابه سهل الانفتاح لاستقبال الشبه والشكوك ووساوس الشيطان، فإن خف مرضه رجع بصاحبه إلى التفكير في الحق والعتاب على التقصير.. وبتقلب القلب المريض، يعيش المرء متاعب نفسية تفوق الوصف.

كان المريض يصغي إلى الشيخ فشعر بالطمأنينة تسري في أعماقه شيئا فشيئا، كان يقول في نفسه: الآن فقط وجدت الطبيب المعالج، الآن جاء الشفاء.

تهيأ الشيخ للانصراف ثم عاد فقال للمريض: لقد نسيت أن أخبرك أنك محظوظ لأن قلبك لم يمت بعد، فالقلب الميت أسوأ حالا من المريض، القلب الميت مرتع للشهوات بكل الأنواع، لا يردع صاحبه عنها لا العبد ولا المعبود، يتصرف وفق هواه ولا يفكر في مولاه.

أشاع قول الشيخ مزيدا من السكينة والفرح في قلبه، وشعر أنه وجد بابا نحو طريق الشفاء.. وحين هم الشيخ بالمغادرة، سأله المريض: أيها الشيخ الطيب الفاضل الحكيم، لم تصف لي دواء! قال: عليك بالرجوع إلى سيرتك الأولى، حين كنت في بلدتك تؤمن بقوله تعالى: { يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89)} (الشعراء:88-89)، كان قلبك آنذاك خاليا من كل شهوة تبعدك عن نور الله، تبحث عن الحسنات وتخاف السقوط في الزلات.

يا بني، عليك بتقوى الله وكفى.

 انصرف الشيخ.. لم يعد المريض يراه، وكان يفكر في أمر القلوب الثلاثة: سليم يطمئن صاحبه، ومريض يعذب صاحبه، وميت يميت همة وأخلاق صاحبه.

kh 1122220

تركي محمد النصر :

«إشبالي» المدينة المنبسطة، هو الاسم القديم لهذه المدينة العريقة قبل أن يعرِّبه العرب إلى «إشبيلية»، وهي مدينة كبيرة عظيمة كانت أيام المسلمين من أعظم مدن الأندلس، وتعد اليوم من أكبر وأجمل مدن إسبانيا، وهي عاصمة منطقة الأندلس.. ومحافظة إشبيلية في جنوب إسبانيا، وتقع على ضفاف نهر الوادي الكبير. 

عدد سكانها في عام 2007م حوالي 700 ألف نسمة، مما يجعلها رابع أكبر مدينة في إسبانيا في السكان، بعد مدريد وبرشلونة وفالنسيا، وينسب إليها خلق كثير من أهل العلم، تقع إلى الجنوب الغربي من قرطبة بالقرب من المحيط الأطلسي.

قال ياقوت الحموي في معجمه: «وإشبيلية .. قريبة من البحر، يطل عليها جبل الشّرف، وهو جبل كثير الشجر والزيتون وسائر الفواكه، ومما فاقت به غيرها من نواحي الأندلس زراعة القطن، فإنَّه يحمل منها إلى جميع بلاد الأندلس والمغرب، وهي على شاطئ نهر عظيم، قريب في العظم من دجْلة والنيل، متيسر فيه المراكب المثقّلة، يقال له وادي الكبير».

وقال الحميري في كتابه الروض المعطار في خبر الأقطار: «ويطل على إشبيلية جبل الشرف، وهو شريف البقعة، كريم التُّربة، دائم الخضرة، فراسخ في فراسخ طولًا وعرضًا، لا تكاد تشمس منه بقعة لالتفاف زيتونه، واشتباك غصونه.. ».

بدأت إشبيلية عصرها الجديد المشرق عندما فتحها المسلمون، وارتفعت أعلام الإسلام على الأندلس، وتقدَّمت جيوش طارق بن زياد (ت: 102هـ) تفتتح المعاقل والحصون عام 93هـ، ثم قدمت موجة أخرى من الفاتحين بقيادة موسى بن نصير عام 97هـ، فأتم فتح المدن التي لم يفتحها طارق بن زياد، وآلت إشبيلية إلى المسلمين بعد حصار دام شهورًا عدة؛ لحصانة أسوارها ومناعتها، واختارها موسى بن نصير حاضرة للأندلس لوقوعها على البحر، وارتباطها بطرق مع سائر المدن الأندلسية الأخرى، وسهولة اتصالها ببلاد المغرب، قاعدة الجيوش الإسلامية، في حالة قيام الأندلس بالثورات، ولكن إشبيلية لم تتمتع بهذا التفوق، إذ تحولت العاصمة إلى قرطبة عقب مقتل عبدالعزيز بن موسى عام 98هـ.

أصبحت البلاد مسرحًا للفتن والفوضى، بعد أن انبعث الصراع القبلي بين عدد من الولاة الأمويين، وبقي الأمر بينهم كذلك حتى دخل الأمير عبدالرحمن بن معاوية الأندلس (ت: 172هـ)، وأنقذها من الفتن التي شملتها، فقضى على مظاهر الفوضى المستحكمة بها، وكوّن دولة عربية إسلامية تعد امتدادًا للدولة الأموية.

لم يحدث كبير تغير بعد الفتح الإسلامي لإشبيلية، غير ذلك الذي حدث في الجانب الديني والاجتماعي، ووفد إلى إشبيلية عدد من العرب وسكنوها، إلا أنهم آثروا النزوح إلى العاصمة قرطبة، ولما استقر فيها جند حمص عام 124هـ، نزلت بإشبيلية قبائل عدَّة عربية مثل: بني موسى، وبني زهر، وبني حجاج، وبني الجد، وبني خلدون، وتحول كثير من النصارى إلى الإسلام؛ لحسن معاملة المسلمين لهم.

وفي عام 158هـ، اعتلى عبدالرحمن بن معاوية سرير الملك بقرطبة، فتمتعت إشبيلية في عهده- ومن خلفه من بني أمية- بازدهار شامل في حياتها، وأقام فيها أمراء بني أمية المنشآت العظيمة الخالدة، وكان عصر عبدالرحمن الأوسط العصر الذي اتصلت فيه إسبانيا الإسلامية بالمشرق العباسي لأول مرة اتصالًا مباشرًا، ذلك أن إسبانيا في عهدها الإسلامي الأول، وخاصَّة في عهد عبدالرحمن الداخل، كانت تحافظ على مُثُلِها وتقاليدها الشَّاميَّة.

استولى المعتمد بن عباد (ت: 488هـ) على مقاليد الأمور بإشبيلية عام 433هـ، وجعلها حاضرة لمملكته الصغيرة، وشهدت إشبيلية في عصر بني عباد ازدهارًا لم تشهده من قبل، ووصل بها الأمر أن أصبحت أعظم مدن إسبانيا الإسلامية، بعد أن تخلت لها قرطبة عن الزعامة، ولكن سرعان ما بدأت عظمة إشبيلية بالتلاشي، خاصة عندما توالى عليها عدد من خلفاء الموحدين الضعفاء، حتى وصل الأمر إلى دخول جيوش قشتالة إليها بعد حصار دام 17 شهرًا، كان ذلك في سنة 645هـ.

الحياة العلمية في إشبيلية

تُعدُّ إشبيلية مركزًا من مراكز الثقافة الأندلسية العريقة، حيث يوجد بها جامعة قديمة ترجع إلى قرنين من الزمان، تحتوي على كليات للآداب والحقوق والعلوم وكلية مستقلة للطب، وتدرس العربية قليلًا بكلية الآداب، وينسب إليها خلق كثير من أهل العلم.. منهم في العلوم الشرعية أبوعبدالله بن عمر بن الخطاب الإشبيلي (ت: 276هـ) وهو قاضيها، وفيها من اشتهر بالطب وتوارثوه جيلًا بعد جيل، وهم بنوزهر، وأشهرهم أبوالعلاء بن زهر بن أبي مروان (ت: 525هـ)، كان من علماء الطب بالمغرب وتُوفي بإشبيلية، وأبوبكر بن زهر الحفيد, محمد بن أبي مروان بن أبي العلاء بن زهر، ولد سنة 507هـ، وكان أوحد زمنه في صناعة الطب، وكذلك كان من أعلم أهل زمانه باللغة العربية، كما اشتهر منها من علماء الزراعة أبوالعباس أحمد بن محمد بن الخليل المعروف بابن الرومية (ت:637هـ) عالم النبات الأموي المشهور، وكان عالمًا محدثًا تلقى عنه الكثير من التلاميذ العلوم الشرعية، وأبوزكريا يحيى بن محمد بن العوام الإشبيلي (ت:575هـ)، وهو أول من عرف وحدد الترب على أساس نوعها، والنباتات التي تختص بتربة دون غيرها.

إنشاء المسجد

بلغت إشبيلية ذروة مجدها وعظمتها في عهد الموحدين، وخاصة في عهد أبي يعقوب يوسف بن عبدالمؤمن (ت: 580هـ)، وابنه أبي يوسف يعقوب المنصور (ت: 585)، وأصبحت بحق حاضرة الأندلس وازدهرت فيها الحضارة والعمارة.

ومن معالم إشبيلية الحضارية الحي العربي القديم، حيث الشوارع الضيقة التي لا تسمح إلا بمرور السيارات الصغيرة، والهدوء العجيب الذي تنعم به الشوارع نهارًا، وجداول الماء التي في أفنية البيوت، والجدران التي تحمل نقوشًا عربية منقولة بأشكالها المعروفة في القصور والمساجد، وأكثرها يكرر جملة «لا غالب إلا الله».

وأُنشِئ في المدينة منذ تأسيسها في العصر الإسلامي مسجدان جامعان..

الأول: مسجد ابن عديس، الذي بناه الأمير عبدالرحمن الأوسط عام 213هـ، ومازالت بقاياه ظاهرة حتى اليوم، وإن كانت تقوم عليها كنيسة سان سلفادور، وكانت قد أصيبت مئذنة المسجد في عام 757هـ بأضرار جسيمة؛ نتيجة لزلزال عنيف هدم الجزء العلوي منها، وأقيم مكانها طابق النواقيس الحالي، ثم هدم المسجد بأكمله عام 1081هـ باستثناء المئذنة والبهو، وبنيت مكانه الكنيسة الجديدة.

لما ضاق مسجد ابن عديس- بعد مضي ثلاثة قرون على إنشائه- على المصلين من أهل إشبيلية، وكانوا يصلون في رحابه وأقبيته، وفي حوانيت الأسواق المتصلة به، فيبعد عنهم التكبير بالفريضة.. أمر الحاكم الموحدي أبويعقوب يوسف بن عبدالمؤمن ببناء مسجد جامع بالقصبة.

الثاني: المسجد الجامع بالقصبة الذي أسسه أبويعقوب يوسف، وهو منارتنا في هذا البحث.

عمارة الجامع

بدأ العمل المبارك في بناء هذا الصرح في شهر رمضان المبارك عام 567هـ، وعُهد إلى شيخ العرفاء أحمد بن باسة الإشبيلي- وهو من أبرز خبراء البناء والتصميم والتخطيط وتنفيذ المشاريع الموحدية الكبرى والبناءين من أهل إشبيلية ومراكش وفاس- بذلك، وقد حفر المهندسون أساسه حتى وصل الحفر إلى الماء، ثم وضع أساسه من الآجر والجير والجص والأحجار، وأسست دعائمه تحت مستوى سطح الأرض.

استمرت عملية البناء من غير توقف ولمدة أربعة أعوام، حتى وصل البناء إلى التسقيف، وشابه- إلى حد كبير- مسجد قرطبة الجامع من حيث الاتساع والفخامة، واهتم العرفاء ببناء قبة المحراب، وأودعوا فيها كل عبقريتهم.

المنبر

صُنع للمسجد منبر من أغرب ما قدر عليه من غرابة الصنعة، اتخذ من أكرم الخشب مفصلًا منقوشًا مرقشًا محكمًا بأنواع الصنعة والحكمة في ذلك، من غريب العمل، وعجيب الشكل والمثل، مرصَّعًا بالصندل، مجزَّعًا بالعاج والأبنوس، يتلألأ كالجمر بالشعل، وبصفائح من الذهب والفضة، وأشكال في عمله من الذهب الإبريز يتألق نورًا، ويحسبها الناظر لها في الليل البهيم بدورًا.

ثم أقيمت له مقصورة أحاطت بالمحراب والمنبر لصلاة الخليفة، وبني ساباك يربط بين المسجد والقصر؛ حتى يتسنى للخليفة أن يمشي فيه أثناء خروجه من قصره إلى الجامع للصلاة، وكان المسجد يشتمل على سبعة عشر رواقًا عمودية على جدار القبلة، البلاط الأوسط منها أكثر البلاطات اتساعًا، وعقود الجامع منكسرة تستند إلى دعائم من الآجر، وكان يدعم جدران الجامع الخارجية دعامات ضخمة لتدعيم الجدران، وافتتح الجامع في احتفال حضره الخليفة الموحدي أبويعقوب يوسف بن عبدالمؤمن، وولي عهده الناصر، وجميع بنيه وأشياخ الموحدين، والقاضي وأعيان المدينة، وخُطبت أول جمعة من على منبره بتاريخ 24 ذي الحجة سنة 577هـ.

المنارة الشامخة

بعد الافتتاح المبارك، أمر الخليفة الموحدي أبويعقوب يوسف بن عبدالمؤمن ببناء مئذنة شامخة للمسجد، إلا أنه تُوفي في هذه السنة فتوقف العمل، ولما تولى ابنه أبويوسف يعقوب المنصور الذي خلف أباه؛ أَمَرَ والي إشبيلية بالإشراف على إتمام مشروع أبيه، وإكمال بناء مئذنة تجاوز في ارتفاعها مئذنة قرطبة، ولم توضع اللمسات الأخيرة النهائية بتعليق التفافيح الذهبية بأعلى الصومعة إلا بعد فراغ هذا الخليفة من غزوة «الأراك» أو «الأرك» في شهر شعبان من سنة 591هـ، وارتفعت المئذنة في رشاقة مشرفة على سهول إشبيلية، لا صومعة تعدلُها في جميع مساجد الأندلس، تظهر للعين على مرحلة من إشبيلية مع كوكب الجوزاء، تثير إعجاب المسلمين والنَّصارى فيما بعد على السواء.

وصف المسجد

تخطيط الجامع هو عبارة عن مساحة مستطيلة يتبع طراز المسجد التقليدي، وهو الصحن الأوسط والأربع ظلات المحيطة به، ويُدخل إليه عبر خمسة عشر بابًا، سبعة منها في الضلعين الشرقي والغربي، والباقي في الضلع الشمالي، والباب الرئيسي يعرف بـ «باب الزعفران»، ومازال يحتفظ بمصراعيه، وصحن الجامع عرضي عرف باسم «بهو البرتقال»؛ لكثرة أشجار البرتقال المزروعة بأرضيته، ويحيط بالصحن بائكات الظلات الأربعة، وظلة القبلة تشغل ثلثي مساحة الجامع، وتتكون من سبع عشرة بلاطة تسير عقودها عمودية على جدار القبلة، أما الظلتان الجانبيتان فتتكون كل منهما من بلاطة واحدة.

النهاية الحزينة

لما سقطت إشبيلية في يد «فرناندو الثالث» ملك قشتالة سنة 646هـ، قام بتحويل المسجد الشامخ إلى كنيسة أسماها كنيسة «سانتا ماريا»، وحفظت بها رفات فرناندو الثالث ملك قشتالة، وشُيّد بالجامع قبر للرحالة «كريستوفر كولومبس» مكان مربع المحراب، وظل المسجد قائمًا على تلك الحال دون أن تصيب عمارته أضرار جسيمة، وتلاحقت عليه بعد ذلك المصائب على إثر الزلازل التي ضربت البلاد، فاضطر المجلس الكنسي بإشبيلية إلى اتخاذ قرار بهدمه وبناء كاتدرائية إشبيلية مكانه، وبالفعل هدمت الجهة القبلية للجامع، ووضع حجر الأساس في البناء الجديد عام 804هـ، وظل بهو الجامع المعروف بـ «بهو البرتقال» محتفظًا بسلامته إلى حد كبير، حتى تهدمت مجنبته الغربية عام 1026هـ. ولم يتبق من جامع الموحدين إلا دعامات البائكتين الشمالية والشرقية المطلة على الصحن، وعدة عقود تطل على بهوه من جهتي الشمال والشرق، ومن بين هذه العقود عقد الباب المعروف بـباب الغفران، ومصراعا الباب المصفح بالبرونز وكتاباته الكوفية.

أما المئذنة فقد تحولت بعد سقوط إشبيلية إلى برج للأجراس ملحق بالكنيسة، ثم أزالت إحدى الصواعق الجزء العلوي من المئذنة عام 899هـ، كما سقط جزء آخر منها في زلزال عام 909هـ، وأقام الإسبان مكان هذا الطابق العلوي طابقًا جديدًا من البناء عام 974هـ، نُصب في أعلاه تمثال من البرونز يدور مع الرياح، ومن هنا أطلق عليه اسم «خيرالدة» أو «دوارة الهواء»، وتحول هذا الاسم إلى «خيرالدا»، وأصبح يطلق منذ أوائل القرن الثامن عشر على البرج بأكمله، ولا يخفى على الزَّائر أنَّ «الخيرالدا» اليوم هي إحدى معالم إشبيلية الخالدة، لدرجة أنَّها جرت في وجدان وتراث الإشبيليين، حتَّى كادت تضاهي سمعة نهرها (الوادي الكبير) الذي يحمل اللفظ العربي نفسه.

خاتمة

سقطت قرطبة عاصمة الخلافة القديمة، وكبرى قواعد الأندلس، ومثوى العلوم والآداب.. بعد أن ملكها المسلمون أكثر من خمسمائة عام، وكان سقوطها عام 633هـ ضربة قاسية، وكارثة جسيمة في العالم الإسلامي كله، وعُدَّ سقوطها نذيرًا مهددًا بخضوع معظم البلاد إما عاجلًا وإما آجلًا، وتبعها بالسقوط بلنسية عام 636هـ، ودانية عام 641هـ، وجيان عام 643هـ، وشاطبة ومرسية عام 664هـ، وإشبيلية عام 646هـ.

استولى النصارى على آخر المدن الإسلامية (غرناطة)، وخفق علم النصرانية فوق مآذن جوامعها، وطُويت صفحة الأمجاد والبطولات بأصابع الخيانة والذل، وانتشرت أخبار مذابح الصليبيين في الممالك الإسلامية، وقد وصف الشاعر أبوالفداء الرندي (ت: 684هـ) أفعالهم بقصيدته المعروفة:

لكلِّ شيء إذا ما تم نقصانُ

فلا يُغرُّ بطيب العيش إنسان

هي الأمور كما شاهدتها دُولٌ

من سره زمن ساءته أزمان

فاسأل بلنسيةً ما شأنُ مرسيةٍ

وأين شاطبةٌ أم أين جيَّان

وأين قرطبة دار العلوم فكم

من عالم قد سما فيها له شان

حيث المساجد قد صارت كنائسَ

ما فيهم إلا نواقيسٌ وصلبانُ

حتى المحاريبُ تبكي وهي جامدةٌ

حتى المنابرُ ترثي وهي عيدان

وتقف مئذنة مسجد إشبيلية الجامع، ويبدو الشموخ عليها واضحًا رغم وضع الأجراس فوقها، وكأنها تقول: «هأنا مازلت مسلمة، وسيرجع إليَّ المسلمون في يوم ما، ليملأوا سمائي نورًا وتكبيرًا».

غربت شمس الإسلام عن بلاد الأندلس، بعد أن أنارت هذه البلاد لقرون، أقاموا خلالها أروع حضارة عرفها الغرب، وكان من أثر حضارة الإسلام أن فتحوا أدمغة الغرب إلى العلم والحضارة، وأحيوا فيه إنسانيته، بعد أن عاش تحت الأوهام والخرافات قرونًا.

وبقيت حضارة المسلمين شاهدة وناطقة على المجد التليد الذي شيده المسلمون، فهاهو جامع إشبيلية وجامع قرطبة وقصر الحمراء والزهراء، معالم حضارية تحكي قصة المسلمين في الأندلس المفقود، قال أحدهم متألمًا:

وقفتُ بالزهراءِ مستعبرًا

معتبرًا أندب أشتاتًا

فقلت: يا زهراء ألا فارجعي

قالت: هيهات وهل يرجع من ماتَ؟!

فلم أزل أبكي وأبكي بها

هيهات يُغني الدمع هيهاتا

المراجع:

1- المسجد الجامع بقصبة إشبيلية، د.عماد عجوة.

2- معجم البلدان لياقوت الحموي.

3- العمارة الإسلامية في المغرب الإسلامي، د.محمد محمد الكحلاوي.

4- العمارة الإسلامية في المغرب والأندلس، د.أحمد التوني رستم.

5- لماذا غربت شمس الإسلام عن الأندلس، د. أبو النور أحمد الزعبي.

6- الأعلام، لخير الدين الزركلي.

7- ابن العوام الإشبيلي، د.محمد هشام النعسان.

9- المساجد والقصور في الأندلس، د.عبدالعزيز سالم.

4 2 2015 11 48 05 AM

محمد علي الدراوي :

لا يدرك الكثيرون أهمية اللغة في حياة الشعوب، ولا يدركون أن حفظ اللغة وضمان استمراريتها يكون بقدر محافظتنا عليها كأفراد ناطقين بها. إن عدم إدراك هذا الأمر كان سببا في انقراض كثير من اللغات واللهجات في العالم. وبانقراض تلك اللغات انقرضت وتلاشت معرفتنا بشعوبها وأقوامها وثقافاتها.

إن كل شعب من الشعوب يتمسك بلغاته الأصلية، ويحرص على استمراريتها، ويعتبرها اللغات الرسمية التي لا يمكن التنازل عن التخاطب بها، حتى وإن كانوا على دراية بلغات أخرى.

إن علاقة الإنسان باللغة علاقة قوية ووطيدة، فلا يمكن تصور الإنسان بدون لغة، إذ إن هذه الأخيرة قد رافقته منذ أن وجد على ظهر هذه البسيطة، ولأنها هي التي تترجم ما في مكنون نفسه، وتعبر عن مراده و مقصوده ، وتحول واقعه إلى كلمات، ولأنه كذلك، هي التي تؤسس لمفهوم «الأنا»، كما قال إميل بنفنيست (1)، وهي من تؤكد وجوده، وتبرز ذاته أمام الآخر، فقد ربط معها علاقة روحية خاصة، لهذا فأينما وجد الإنسان وجدت اللغة، وأينما انعدمت اللغة فقد الإنسان.

لكن واقع الجالية العربية في أوروبا لا يعكس ذلك تماما، إذ إننا قلما نجد أحدا من أبناء العرب في أوروبا يتقن اللغة العربية قراءة وكتابة وتعبيرا. بل إنها أصبحت لغة مهجورة عندهم، فهم لا يتواصلون بها حتى فيما بينهم. وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على عدم وعيهم بأهمية اللغة، ودورها في الحفاظ على هويتهم، وعلاقتها القوية بدينهم الإسلامي.

فلماذا يا ترى لا يهتم أبناء جاليتنا في المهجر بلغتهم الأم؟ وما هي أهم العقبات التي تواجههم في تعلم اللغة العربية في بلاد المهجر؟

قبل الإجابة عن هذه الأسئلة، لابد بداية من الإشارة إلى التحول الذي عرفه قطاع تدريس اللغة العربية للجالية العربية المقيمة بالخارج، إذ إنه انتقل من تعليم تحكمه فكرة «حتمية الرجوع» إلى البلاد الأصل، والتي سادت في السبعينيات، إلى تعليم يرتكز على فرضية البقاء التي أصبحت واقعا، خاصة مع ارتفاع وتيرة الهجرة في إطار التجمع العائلي. ويهدف إلى الاندماج في المجتمع المستقبل، مع الحفاظ على الهوية (2).

وفي ظل هذا التحول، تغيرت وجهة المهتمين بتعليم اللغة العربية من أداة تخدم فكرة الرجوع إلى وسائل البحث عن سبل توطيد الاندماج والتوازن النفسي والثقافي للمهاجرين، خصوصا في صفوف الشباب.

ورغم الجهود التي تقوم بها الجهات المكلفة بالجالية والجمعيات بديار المهجر، فإن تدريس اللغة العربية يبقى جد محدود، ويواجه مجموعة من المشاكل، وقفت عليها شخصيا، انطلاقا من الدراسة الميدانية التي أنجزتها بفرنسا (باريس ونواحيها تحديدا) صيف 2008م، والتي اعتمدت فيها على ثلاثة أنواع من استمارات (3)، وحوارات مع أساتذة ومؤطرين.

وقد قمت بدراسة ميدانية في إطار بحث الماستر لأهم التحديات التي تواجه تدريس اللغة العربية في المهجر، وتناولتها من ثلاث زوايا مختلفة:

< التحديات من وجهة نظر الأبناء.

< التحديات من وجهة نظر الآباء.

< التحديات من وجهة نظر الجمعيات.

وسأقتصر، بحول الله وقوته، في هذه المداخلة على المعوقات والتحديات التي تواجه الأبناء فقط.

معوقات تعلم اللغة العربية في فرنسا بالنسبة للأبناء.

في إشارة مهمة، وجب الوقوف عندها كثيرا وبنوع من المسؤولية، فإن نسبة 100% من أبناء الجالية في فرنسا، والذين شملتهم الدراسة، أكدوا اهتماهم بتعلم اللغة العربية. إذ تعتبر نسبة كبيرة منهم اللغة العربية لغتهم الأصل (63.7%)، في حين يعتبرها البعض الآخر لغة الدين (30.3%)، بينما قلة لم تتجاوز 6% فقط اعتبروها اللغة الثانية.

إلا أن مستواهم في تحصيل اللغة العربية ونسبة تمكنهم من الكتابة والقراءة يعكس غير ذلك.

وهذه الإحصائيات التي بين أيدينا، تؤكد جليا أن هذه الرغبة الشديدة في تعلم اللغة العربية؛ باعتبارها مكونا أساسيا من مكونات الهوية الإسلامية والثقافة الأصلية - لا شك - أنها تصطدم بمجموعة من العراقيل تجعل أكثر من 62% من الأبناء لا يتقنون اللغة العربية. فما هي يا ترى الأسباب الكامنة وراء هذا؟

كشفت النتائج الميدانية، النتائج التالية:

انطلاقا من تحليل النتائج السابقة، يتبين أن 55% من التلاميذ يجدون صعوبة في تعلم اللغة العربية، وهذا في حقيقة الأمر راجع إلى جملة أمور أهمها:

ـ  عدم وجود رغبة كافية لدى الطالب، مما يشكل عائقا نفسيا أمامه لتعلم هذه اللغة.

ـ  طرق التدريس التي تعتمدها المؤسسات المهتمة بتعليم اللغة العربية، خاصة المساجد، والتي تعتبر تقليدية تعتمد التلقين المباشر، مما يجعل عملية اكتساب اللغة مسألة صعبة ومعقدة عند الطالب.

ـ اعتماد المناهج التعليمية المستوردة من البلاد العربية، والتي لا تتلاءم والمستوى المعرفي للطالب في أوروبا من جهة، ولا تراعي الواقع الذي يعيش فيه من جهة أخرى.

ـ  ملاحظة مهمة وأساسية: وهي أن أبناء الجيل الثاني والثالث جلهم لا يتقنون اللغة العربية، وعند البحث في الأسباب نجد بأن المدارس والمساجد التي تعنى بتعليم اللغة العربية لم تكن آنذاك بالشكل الذي هي عليه حاليا، ففي الضواحي الباريسية مثلا، لم يكن فيها في الثمانينيات والتسعينيات ما عدا المسجد الأكبر بباريس. في حين نجد اليوم عددا كبيرا من هذه المؤسسات، ولله الحمد، وهذا سيكون له وقع إيجابي على الجيل الرابع ومن سيليه.

skhaj

من مقر حكم الدولة الكثيرية إلى مركز شرطة ثم مقر لهيئة الآثار وأخيرًا متحف سيئون

اليمن - مياسة النخلاني :

 كثيرة هي المحن التي تمر على اليمن ككل، وعلى تفاصيلها الضاربة في القدم كما قصر سيئون، لكن ورغم ضراوة هذه المحن، إلا أنها تمضي ويبقى اليمن، وتبقى تفاصيله تُعاند من أجل البقاء ، واستقبال إشراقة شمس كل صباح تعكس شموخ هذا القصر العتيد بوادي حضرموت في جنوب اليمن، على بعد 165 كم تقريبًا من ساحل البحر العربي باتجاه الداخل، ويبدأ الوادي من رملة السبعتين غربًا إلى أن يلتحق بوادي المسيلة شرقًا حيث تصب مياهه في البحر العربي، ورغم أن وادي حضرموت حافل بالعديد من المواقع الأثرية والمعالم التاريخية التي تعد نموذجًا للعمارة الطينية، إلا أن قصر السلطان الكثيري بمدينة سيئون أو كما يطلق عليه الأن اسم " قصر سيئون" هو الأكثر شموخًا.

ووفقًا لعديد من المؤرخين اكتسب القصر شهرته منذ استخدامه كمقر لحكام الدولة الكثيرية الأولى في حضرموت منذ تأسيسها عام 814 ه / 1411م, وعندما تولى السلطان بدر بن عبدالله الكثيري المشهور بأبي طويرق عرش الدولة الكثيرية عام 927ه / 1521م اتخذه مقرًا رئيسًا لإقامته، وقام بتجديد عمارته وبنا به مسجدًا في الجهة الشمالية. 
وفي العام 1274ه / 1857م قام السلطان غالب بن محسن الكثيري (1223 - 1287هـ) مؤسس الدولة الكثيرية الثانية بتجديد عمارة القصر ثم أكملها ابنه المنصور بن غالب الكثيري (1287 - 1347هـ) ثم قام علي بن منصور الكثيري (1347 - 1357هـ) بطلاء القصر من الخارج بالنورة (الجص) وإتمام العمارة بالشكل الذي يبدو عليه اليوم وكان الانتهاء من ذلك في العام 1355هـ/ 1936م.

وبنجاح الثورة التي اندلعت في جنوب اليمن من طرد الاستعمار البريطاني وإسقاط الدولة الكثيرية عام 1386هـ/ 1967م أطلق على القصر اسم قصر الثورة واستخدم مركزًا للشرطة ومقرًا للمؤسسات الأمنية.. وفي عام 1393هـ/ 1984م صار مقرًا للهيئة العامة للآثار والمتاحف، ومن ثم مقرًا لمتحف سيئون.

عمارة الطين

الفريد في الأمر أن القصر بُني من الطين، حيث ازدهرت في وادي حضرموت العمارة الطينية إلى اليوم، وذلك لانسجامها مع جو الوادي الذي يتميز بالحرارة والجفاف، ويذكر المؤرخون ـ في هذا الصدد ـ أنه استغرق خمسة عشر عامًا لإتمام بنائه نظرًا للخصوصية التي يتطلبها بناء القصر من الطين - حيث كانوا كلما بنوا طابقًا أو جزءًا منه تركوه لفترة طويلة يتعرض للرياح والشمس كي تجف منه الرطوبة، ويتمكن الطين من إفراز أملاحه قبل أن يتم طلاؤه بالقضاض والنورة، وهذا أيضًا يحتاج فترة طويلة يتعرض خلالها للشمس.

ويتربع القصر على تل في قلب السوق العام متوسطًا مدينة سيئون بارتفاع 25 مترًا فوق التل، و45 مترًا عن مستوى سطح الأرض، ويتكون من خمسة أدوار (طوابق) وغرفتان علّويتان وسطوح, وتبلغ مساحة الطابق السفلي 60 × 60 ذراع.

ويحتوي القصر على (3 بوابات, 20 سطح, 183 باب, 214 نافذة, مسجد ومصليين, 4 سلالم, 23 حمام, 14 مستودع, 55 غرفة صغيرة, 41 غرفة كبيرة(.

متحف ومزار سياحي

أما القصر اليوم فقد أصبح متحفًا للآثار، يرتاده يوميًا عديد من الزوار من داخل اليمن وخارجه, ويحتوي على عدد من الآثار والنقوش التي تعود إلى عهد الممالك اليمنية القديمة, ويحتوي أيضًا على آثار تعود إلى العصر الإسلامي كما منابر المساجد الخشبية والتي يعود تاريخ أقدمها إلى عام 673هـ/ 1274م, ويضم أيضًا أثار لعهد الدولة الكثيرية كعلم الدولة ووثائقها الرسمية كالجوازات والرخص المختلفة، وكذا أنواع من العملات التي يعود بعضها إلى الدول الإسلامية التي قامت في اليمن والبعض الآخر عملات استخدمت في عهد الدولة الكثيرية كريال الإمبراطورية النمساوية الذي يحمل صورة ماريا تريزا والذي سك في عام 1195هـ/1780م وعملة شيخ الكاف التي سكت عام 1315هـ/ 1897م وعملة حسين بن سهل التي سكت عام 1258هـ/ 1842م وعملة صالح بن عبدات التي سكت في عام 1344ه /1925م وغيرها من العملات الأخرى.

كما يضم المتحف أنواعًا من الأسلحة التي كانت تستخدم في عهد الدولة الكثيرية ابتداء من بندقية أبو فتيلة أول سلاح ناري يدخل إلى حضرموت مع الجنود العثمانيين الذين استعان بهم السلطان بدر أبو طويرق عام 926هـ/ 1520م وكان ذلك قبل توليه عرش الدولة الكثيرية, كما يشمل المتحف قسمًا خاصًا للموروث الشعبي الذي تزخر به حضرموت، بينما تزين جدرانه الصور الفوتوغرافية التي التقطتها عدسات الرّحالة الأوربيين كالهولندي فان دير مولين والانجليزية فريا ستارك.

تعاقب السنون وتبدل الأداور

   ويكشف الأستاذ عبدالرحمن بن حسن بن عبيدالله السقاف- مدير الهيئة العامة للآثار والمتاحف بوادي حضرموت في تصريح خاص لـ"الوعي الشبابي" الستار عن حالة القصر الحالية فيقول: كان القصر في عهد السلطنة الكثيرية يشهد تحسينات وإعادة للطلاء في كل المناسبات الوطنية والأعياد الدينية و المناسبات الرسمية والخاصة بالأسرة السلطانية كالأعراس وهي مناسبات تتكرر في السنة الواحدة عدة مرات، كما هو التقليد الشعبي متبع لدي المواطنين في تزيين بيوتهم في المناسبات.

وأضاف: في الثاني من أكتوبر سنة 1967 غادرة الأسرة السلطانية قصر سيئون وصار مقرًا لبعض مكاتب السلطة الجمهورية الجديدة واستخدم القصر استخدامات بعضها مناسبة وبعضها غير مناسبة لطبيعة المبنى كمقر للشرطة والمحكمة واحتلت الإذاعة المحلية أحد الدوار العليا من القصر، وكانت الشرطة تنفذ أعمال التحقيق والتوقيف المؤقت داخل جدرانه، وبتعدد الجهات المسؤولة توقفت أعمال الصيانة لخمسة عشر سنة، فتهدمت بعض السقوف ولحق بالمبنى أضرار كبيرة.

يأبى الاندثار والانكسار

وتابع عبدالرحمن مسترسلا: في العام 1982م صدر القرار الحكومي بتحويل قصور السلطنات في كل البلاد إلى مقرات للأنشطة الثقافية والسياحية، فتسلمت المبنى وزارة السياحة ونفذت أعمال ترميم استهدفت تأهيله إلى مقر لمكاتب حكومية ذات صفة ثقافية وسياحية، لكن للأسف لم تراعي عمليات الترميم هذه المبادئ العلمية الدقيقة لترميم المباني الأثرية والتاريخية، فتم إزالة بعض الملحقات بالمبنى وبناء صالة كبير هي اليوم صالة عرض الآثار بالمتحف.

وبعد انتهاء أعمال الترميم تهيأ القصر ليستوعب المكاتب الثقافية ومتحف سيئون والمكتبة العامة للمدينة، وفي العام 1990 تم تنفيذ أعمال صيانة محدودة استهدفت معالجة بعض الأضرار وتجديد الطلاء الخارجي، ثم في العام 2000 أجريت عمليات صيانة وأعمال ترميم إنقاذية بعد أن وصلت الحالة المعمارية إلى حد حرج يهدد المبنى بأضرار كبيرة، وفي العام 2002 تم العمل على توفير صالة عرض للمكتشفات الأثرية فتم توسيع صالة عرض الآثار من خلال مشروع صغير من تمويل السفارة الهولندية بصنعاء. ثم أعقب ذلك تنفيذ مشروع رصف ساحات القصر بتمويل من صندوق الأشغال العامة بالمحافظة، إذ أن المبنى مع تقادمه وثقل كتلته بحاجة إلى صيانة سنوية وعندما تتأخر معالجة الأضرار فإنها تستفحل وتكون معالجتها أكثر تكلفة.

وهكذا، ورغم خفوق بريق القصر أحيانًا نتيجة التسيب وسوء التوظيف في حقب سابقة، يظل صامدا في وجه المحن، مختزلا في ممراته وجدرانه تاريخ عريق يأبى الإندثار أو الانكسار.

الملا وفهد ناصر يكرمان بطل العالم يوسف العبدالرزاق

  الكويت – الوعي الشبابي: كرم د.صقر الملا نائب المدير العام للرياضة التنافسية، ورئيس ...

أطفالنا والصيام

  نهى الفخراني أطفالنا شديدو الذكاء والملاحظة.. فتراهم يلحظون متى ننشغل عنهم وإن بدا أننا ...

الطوفان الرقمي.. يكشف خبايا الشبكة العنكبوتية

 القاهرة – عبد الحليم حفينة: بالتأكيد إنك أحد مستخدمي الشبكة العنكبوتية طالما شرعت في ...

اتصل بنا

  • صندوق البريد: 23667 الصفاة 13097 - الكويت
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
  • 22467132 - 22470156

عندك سؤال