الجمعة، 21 يونيو 2024
رئيس التحرير
فهد محمد الخزّي

الدكتور أحمد زكي عاكف وتأديب العلم

د. محمود صالح البيلي - دكتوراه في الأدب والنقد: قيض الله سبحانه وتعالى للعربية من الكتاب من جمع ...


 

 

المتواجدون على الموقع

المتواجدون الأن

93 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

هذا ديننا

300311121112

د. علي عفيفي :

الحضارة (Civilization) في اللغة تعني الإقامة في الحضر، والحضارة ضد البادية، ولهذا فقد تعددت تعريفات الحضارة وتنوعت تبعًا لذلك دلالاتها بتنوع تعريفاتها، فرأى بعض الباحثين أنها مدى ما وصلت إليه أمة من الأمم في نواحي نشاطها الفكري والعقلي من عمران وعلوم وفنون وما إلى ذلك، وهذا يعني أن الحضارة حسب هذا التعريف تختص بالجانب المادي فقط. وعرفها آخرون بأنها المظاهر الفكرية التي تسود أي مجتمع، وهذا يعني أن الحضارة مرادفة للثقافة ومقتصرة على الجانب الفكري أو المعنوي فقط.

وعلى هذا يمكننا أن نعرف الحضارة الإسلامية (The Islamic Civilization) بأنها: ما قدمه المجتمع الإسلامي (social Islamic) للمجتمع البشري من قيم ومبادئ، في الجوانب الروحية والأخلاقية، فضلاً عما قدمه من منجزات واكتشافات واختراعات في الجوانب التطبيقية والتنظيمية، وما يخدم المجتمع الإنساني من الوسائل والأسباب التي تمنحه سعادة التعاون والإخاء، والأمن والطمأنينة والرخاء، وتمنحه سيادة النظام والعدل والحق، وانتشار الخير والفضائل الجماعية، ويدخل في هذا أنواع التقدم الاجتماعي الشامل للنظم الإدارية، والحقوقية، والمادية، والأخلاق والتقاليد، والقيم، والعادات، وسائر طرق معاملة الناس بعضهم بعضًا في علاقاتهم المختلفة، وكل أنواع العلوم والثقافات.

فتعاليم الدين الإسلامي عالمية لأنها تُعد الإنسان لمستقبل خالد، فالاعتقاد بإله واحد، يقود إلى إذابة كل مبدأ عرقي، أو شعور قومي، من أجل ذلك كانت رسالة الحضارة الإسلامية يشترك في تحقيقها العملي وبنائها التطبيقي كل من استجاب لها من كل عرق ولون ولغة. ولهذا جدير بكل مسلم أن يفخر بتاج المجد الذي صنعه بناة الحضارة الصادقون من المسلمين في كل بلد من بلاد الإسلام، في سالف العصور الإسلامية التي استجابت للإسلام، وأحسنت تطبيق تعاليمه، فإذا كانت الحضارة الإسلامية عالمية وإنسانية فإن مقتضى ذلك أن تكون صالحة للتطبيق في كل البيئات الإنسانية، وأن تكون كذلك صالحة على مر الأزمان باعتبارها رسالة السماء الخاتمة لكل الرسالات.

ولما كانت رسالة الإسلام هي خاتمة الرسالات السماوية، وكان الرسول  "صلى الله عليه وسلم"  خاتم الرسل، فمن الضروري أن تكون الحضارة القائمة على هذه الرسالة حضارة متطورة، تستطيع أن تسع كل تطورات الحياة الإنسانية؛ وتحقق ما يخدم المجتمع الإنساني (Social Humanities) ، بحيث تواجه ما يجدّ في حياة البشر من تطورات في شتى المجالات، ولا تقف جامدة أمام متغيرات الحياة البشرية في واقعها الفردي والاجتماعي، ولذلك أقامت أساس تشريعاتها، وقوانينها، وآدابها على أصلين ثابتين هما: الكتاب والسنة، فنرى المبادئ والأصول الكلية جميعها تعود إليهما.

لقد اعتنى المسلمون بالعلوم الطبيعية؛ حيث قاموا بترجمة المؤلفات اليونانية، ولكنهم لم يكتفوا بنقلها، بل توسعوا فيها، وأضافوا إليها إضافات هامة؛ تعتبر أساس البحث العلمي الحديث، وقد قويت عندهم الملاحظة، وحب التجربة، فأضاف الأطباء المسلمون إلى ما ترجموه وورثوه عن اليونان وغيرهم، فألفوا وابتكروا منجزات جديدة من أهمها: اعتمادهم المشاهدة والتجربة، وتجريبهم المنهج التجريبي، والتشخيص، والنظر إلى تاريخ المريض الطبي، وانتباههم للعدوى، والأمراض المعدية، وبراعتهم في علم الجراحة والتشريح، واكتشافهم الدورة الدموية الصغرى.

ولهذا فقد اتفق الباحثون المنصفون على أن الحضارة الإسلامية كانت لها آثار بالغة في الحضارة الغربية، تتمثل في: تأثير مبادئ الحضارة الإسلامية تأثيرًا كبيرًا في حركات الإصلاح الدينية التي قامت في أوروبا منذ القرن السابع الميلادي حتى عصر النهضة الحديثة، فالإسلام الذي أعلن وحدانية الله في ألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته، وتنزيهه عن التجسيم والتشبيه والتعطيل، كما أعلن استقلال الإنسان في عبادته وصلته مع الله وفهمه لشرائعه دون وساطة مخلوق أيًا كانت منزلته، كان عاملاً كبيرًا في تفتيح أذهان شعوب أوروبا إلى هذه المبادئ السامية والتأثر بها مع فتوحات الإسلام في الشرق والغرب، إذ قام في القرن السابع الميلادي في الأوروبيين من ينكر عبادة الصور، ثم قام بعدهم من ينكر الوساطة بين الله وعباده، ويدعو إلى الاستقلال في فهم الكتب المقدسة بعيدًا عن سلطان رجال الدين ومراقبتهم، ويؤكد كثير من الباحثين أن «لوثر» في حركته الإصلاحية كان متأثرًا بما قرأه عن العلماء المسلمين من آراء في العقيدة والوحي، وقد كانت الجامعات الأوروبية في عصره لا تزال تعتمد على كتب العلماء المسلمين التي ترجمت إلى اللاتينية.

ولم يقتصر أثر الحضارة الإسلامية في الحضارة الأوروبية (European Civilization) على العقيدة والدين والعلوم التطبيقية واللغة، بل تعداه ليشمل مجال التشريع، حيث كان لاتصال الطلاب الأوروبيين بالمدارس والجامعات الإسلامية في الأندلس وغيرها أثر كبير في نقل مجموعة من الأفكار الفقهية والتشريعية إلى لغاتهم، ففي عهد نابليون في مصر ترجم أشهر كتب الفقه المالكي إلى اللغة الفرنسية، ومن أوائل هذه الكتب «كتاب الخليل» الذي كان نواة للقانون المدني الفرنسي، وقد جاء متشابهًا إلى حد كبير مع أحكام الفقه المالكي.

في الفترة الذهبية من تاريخ الإسلام، أنشئت المدارس والجامعات في مختلف البلاد الإسلامية شرقًا وغربًا، وكثرت المكتبات وامتلأت بالمؤلفات في شتى العلوم من طب ورياضيات وكيمياء وجغرافيا وفلك، اجتذبت هذه المدارس والجامعات والمكتبات الباحثين الأوروبيين عن المعرفة، وكانوا شديدي الإعجاب والشغف بكل ما يدرسون ويقرأون من هذه العلوم في جو من الحرية لا يعرفون له مثيلاً في بلادهم، ففي الوقت الذي كان علماء المسلمين يتحدثون في حلقاتهم العلمية ومؤلفاتهم عن دوران الأرض وكرويتها وحركات الأفلاك والأجرام السماوية، كانت عقول الأوروبيين تمتلئ بالخرافات والأوهام عن هذه الحقائق كلها، ومن ثم ابتدأت حركة الترجمة من العربية إلى اللاتينية، وغدت كتب علماء المسلمين تدرس في الجامعات الأوروبية.

وكذلك تأثر الأوروبيون وخاصة شعراء الأسبان بالأدب العربي تأثرًا كبيرًا، فقد دخل أدب الفروسية والحماسة والمجاز والتخيلات الراقية إلى الآداب الأوروبية عن طريق الأدب العربي في الأندلس على الخصوص.

من هنا يتبين أن الحضارة الإسلامية تمثل حلقة مهمة في سلسلة الحضارة الإنسانية (Civilization Humanities) التي لا يمكن بناؤها بعيدًا عن أسس ومبادئ تلك الحضارة المجيدة، فقد أسهمت في وضع أساس الحضارات الحديثة (Modern civilization) بنصيب موفور، وأن فضلها عليها واضح غير منكور، وفي الحق، إن الحضارة الإسلامية قد أحدثت ثورة علمية عَمَّ خيرها العالم الإنساني كله، وقد اعترف بذلك كثير من المفكرين المنصفين الأوروبيين.

ومن هنا تأتي أهمية هذه الدراسة التي يقدمها الدكتور خالد حربي ليتناول علوم الحضارة الإسلامية ودورها في الحضارة الإنسانية، من خلال محاولة الإجابة على مجموعة من التساؤلات التي طرحها في مقدمته وتتمثل في:

هل شهد المجتمع العلمي الإسلامي اهتمامًا بالعلوم إبان ازدهار حضارته؟ وما طبيعة هذه العلوم؟ وكيف تعامل العلماء مع تلك العلوم التي انتقل معظمها من الأمم الأخرى؟ وهل ابتكروا علومًا جديدة لم يكن لها وجود لدى أسلافهم؟ وهل قدم العلماء العرب والمسلمون إضافات أصلية في العلوم التي بحثوا فيها عملت على تطورها وتقدمها وأثرت في الحضارة اللاحقة وفي بقية الإنسانية عمومًا؟ أسئلة منهجية وجوهرية يحاول المؤلف الإجابة عليها من خلال عشرة فصول تناولت علوم الرياضيات، والفلك، والجغرافيا، والكيمياء، والطب، والطب النفسي، والميكانيكا، والهيدروليات، والتكنولوجيا، والبصريات، وعلم الطفيليات والأحياء المجهرية. 

ففي الفصل الأول الخاص بالخوارزمي كمدرسة رياضياتية أفادت الإنسانية بين الدكتور حربي كيف بدأ تكوين الخوارزمي العلمي، ومدى أثر هذا التكوين في إنجازاته العلمية، ثم وقف بصورة موجزة على التطور العلمي والتاريخي للرياضيات حتى عصر الخوارزمي، وذلك بغرض معرفة أبعاد الإنجاز الذي تم على يديه باعتباره أهم علماء الرياضيات في القرن الثالث الهجري، وقاد ذلك إلى التعرف على أبعاد إنجازات علماء المسلمين خلال عصر الخوارزمي، لكي نقف على مدى تأثر هؤلاء العلماء بالخوارزمي، واتضح أن تأثير الخوارزمي لم يمتد إلى علماء الرياضيات المسلمين في العصور اللاحقة فقط، بل امتد إلى العالم الغربي إلى الدرجة التي جعلت العلماء الأوروبيين يعترفون بأن الخوارزمي هو المسؤول بصورة أساسية عن تأسيس علم الجبر، وجاءت معرفة الغرب لكتاب الجبر والمقابلة عن طريق الترجمات اللاتينية التي وضعت له، فلقد ترجمه جيرارد الكريموني، وروبرت الشستري في القرن الثاني عشر الميلادي، ليصبح أساس لدراسات كبار علماء الرياضيات الغربيين.

ثم خصص الفصل الثاني للرياضيات بعد الخوارزمي حيث تحدث عن ستة علماء رياضيات أتوا من بعده وهم أبوكامل، ثابت بن قرة، الكوهي، أبوالوفاء البوزجاني، عمر الخيام، الكاشي، وبينت الدراسة كيف أن الحضارة الإنسانية لم تتوقف على الإفادة من الحضارة الإسلامية في الرياضيات على الخوارزمي فحسب، بل اعتبر علماء الغرب ثابت بن قرة أعظم هندسي على الإطلاق، ثم كيف استخرج أبي سهل الكوهي حلولاً للفروض التي عجز أرشميدس عن إثباتها، وكيف اعترف علماء الغرب بأن أبا الوفاء البوزجاني هو أول من وضع النسبية المثلثية، وأوجد طريقة لحساب جداول الجيب، ليؤسس ويضع بذلك الأركان التي قام عليها علم حساب المثلثات الحديث، ثم كيف توصل عمر الخيام لحلول معادلات الدرجة الثالثة ليعد في نظر علماء الغرب أول من أبدع فكرة التصنيف، ثم اتفاقهم على أن غياث الدين الكاشي هو الذي ابتكر الكسر العشري، كما وضع قانونًا خاصًا بتحديد قياس أحد أضلاع المثلث انطلاقًا من قياس ضلعيه الآخرين، وقياس الزاوية المقابلة له، وقانون خاص بمجموع الأعداد الطبيعية أو المتسلسلة العددية المرفوعة إلى القوة الرابعة، وهو قانون لا يمكن التوصل إليه إلا من شخصية تمتلك مميزات عقلية وعلمية خاصة.

وفي الفصل الثالث الذي خصصه المؤلف لعلم الفلك تناول أهم أعلام الفلك الإسلامي وأثرهم في الحضارة الإنسانية، ومنهم: الفزاري، وأبو معشر البلخي، الفرغاني، إبراهيم بن سنان، البتاني، نصير الدين الطوسي، فبين كيف أفادت الإنسانية منهم ومن علمهم، فأوضح كيف أفاد الطوسي الإنسانية باهتمامه بالهندسة اللاإقليديسية الفوقية، تلك التي تلعب دورًا حاليًا في تفسير النظرية النسبية، كما أنه برهن بكل جدارة على المصادرة الخامسة من مصادرات إقليدس، وبذلك يكون الطوسي قد وضع أساس الهندسة اللاإقليديسية الحديثة، والتي تقترن بأسماء علماء غربيين.

وأوضحت الدراسة كيف اهتم المسلمون بالفلك كعلم ينظر في حركات الكواكب الثابتة والمتحركة والمتحيزة، ويستدل من تلك الحركات على أشكال وأوضاع الأفلاك التي لزمت عنها هذه الحركات المحسوبة بطرق هندسية، وبنى علماء الفلك المراصد الفلكية، ووضعوا آلات الرصد، التي كانت تصنع بمدينة حران في العصر العباسي، ثم انتشرت صناعتها في جميع أنحاء الخلافة العباسية منذ زمن المأمون، وعكف علماء الفلك في المراصد على الدراسة والرصد والتأليف، فجاءوا بآراء ونظريات أصلية عبرت بحق عن روح الإسلام وحضارته، وأفادت منها الإنسانية جمعاء.

وجاء الفصل الرابع ليوضح أثر علماء الجغرافيا الإسلاميين في نهوض علم الجغرافيا فبين كيف أدت الفتوح الإسلامية إلى زيادة اهتمام الخلفاء بعلم الجغرافيا لمعرفة حدود خلافتهم ومدنها وقراها، والطرق المؤدية إليها، وذلك لتسهيل الاتصال والبريد بين عاصمة الخلافة المركزية وبقية أرجائها، وساعد على ذلك أيضًا انتشار ظاهرة الرحلة في طلب العلم، فضلاً عن كثرة الرحلات التجارية نتيجة للتطور الاقتصادي، كل ذلك أدى إلى التوسع في البحوث الجغرافية فنشط التأليف الجغرافي المعتمد على الدراسات الميدانية، فبرز عدد من الجغرافيين العرب أثروا في الحضارة الإنسانية، منهم: اليعقوبي، ابن خردذابة، الإصطرخي، ابن حوقل، المقدسي، البكري، الإدريسي، ابن جبير، ياقوت الحموي، القزويني، أبوالفداء، ابن بطوطة.

فقد أفاد الغرب من كتاب اليعقوبي «البلدان»، ومن كتاب «المسالك والممالك»، لابن خردذابة، والذي عد أول مصنف عربي في الجغرافيا الوصفية، ولهذا فقد أثر في الجغرافيين اللاحقين على ابن خردذابة، وامتد هذا التأثير حتى العصر الحديث، أما كتاب «المسالك والممالك»، للإصطرخي، فقد امتاز بخرائطه التي أفرد منها لكل إقليم خريطة على حده، وجاء كتاب «المسالك والممالك» لابن حوقل، ليعد من المؤلفات الجغرافية العربية التي أفادت منها الإنسانية جمعاء، وكشفت الدراسة النقاب عن أن أول معجم جغرافي عربي مرتب بحسب حروف الهجاء هو معجم «ما استعجم من أسماء البلاد والمواضع»، للبكري، والكتاب فريد لا يمكن مقارنته بشيء آخر، ويمثل مرجعًا أساسيًا لمن يبحث في الجغرافيا، وامتاز كتاب الإدريسي «نزهة المشتاق في اختراق الآفاق» بشموله لجميع أقاليم العالم، وبما احتواه من خرائط كثيرة ودقيقة موضحة للأماكن التي يتحدث عنها، ليستخرج منه أحد العلماء الغربيين خريطة جامعة للعالم كما رسمه الإدريسي.

وفي الفصل الخامس تحدث المؤلف عن جابر بن حيان كمدرسة كيميائية أفادت الإنسانية، فتناول نشأته وأثرها على توجهه العلمي، وأوضح كيف أن الفكر اليوناني، ومدرسة الإسكندرية والثقافة الإسلامية كانت بمثابة البنية المعرفية التي انطلق منها، لكنه انتهى إلى نتائج علمية جديدة مبتكرة، فأسهم في بناء المنهج التجريبي في مقابل المنهج التأملي العقلي الذي برع فيه اليونانيون، ثم أوضح بنية مدرسته التعليمية، والمبادئ والقواعد التي رأى أنها تحكم علاقة أعضاء المدرسة وتشكل البنية الأساسية التي تقوم عليها، ثم تناول منهجه البحثي وإنجازاته ومؤلفاته العلمية وأوضح أثرها في الإنسانية، فبين أثرها في الكيميائيين اللاحقين له سواء على المستوى العربي أو الغربي، وخاصة عملياته الكيميائية كالتبخير والتقطير والترشيح والتكليس والإذابة والتبلور والتصعيد، فكان أول من استحضر حامض الكبريتيك بتقطيره من الشبة، واستخرج حامض النيتريك، وأول من اكتشف الصودا الكاوية، وأول من استخرج نترات الفضة، وثاني أكسيد الزئبق، واستحضر كربونات الصوديوم، وكربونات الرصاص القاعدي، والزرنيخ، والكحل (كبريتيد الأنتيمون)، وغيرها من الإنجازات التي جعلت جابر بن حيان صاحب مدرسة كيميائية مميزة لها إنجازاتها العلمية الهامة التي كانت بمثابة الأسس التي عملت على تطور الكيمياء العربية فيما بعد عصر جابر، وساعدت على تأسيس وقيام علم الكيمياء الحديث، كدور للحضارة الإسلامية كحلقة من حلقات الحضارة الإنسانية في مجال علم الكيمياء.

ثم خُصص الفصل السابع لعلم الطب بعد الرازي حيث تحدث عن ستة أطباء أتوا من بعده وهم ابن الجزار، علي بن العباس، الزهراوي، ابن سينا، بنُو زهر، ابن النفيس، وبينت الدراسة كيف أن الحضارة الإنسانية لم تتوقف على الإفادة من الحضارة الإسلامية في الطب على الرازي فحسب، بل أثر علماء المسلمين اللاحقين على الرازي في الحضارة الغربية الحديثة، فكتاب «زاد المسافر» لابن الجزار ترجم إلى اللغات الأوروبية واستفاد منه الأطباء الغربيون، واشتهر كتاب «كامل الصناعة» لعلي بن العباس في اللاتينية بالكتاب الملكي، حتى ظهور كتاب «القانون» لابن سينا، وأوضحت الدراسة أن كتاب الزهراوي «التصريف لمن عجز عن التأليف» الموسوعة في عمليات ربط الشرايين، واستئصال حصى المثانة، وتفتيتها، والتهاب المفاصل، وشق القصبة الهوائية.

وبينت الدراسة أن كتاب «القانون في الطب» لابن سينا يعد من أهم موسوعات الطب العربي الإسلامي، وقد أفادت منه الحضارة الإنسانية في عمومها، ويدلنا على ذلك ترجماته الكثيرة، فقد ترجم في القرن الخامس عشر الميلادي أكثر من ستة عشر مرة، وعشرين مرة في القرن السادس عشر، وأفادت الحضارة الغربية الحديثة من إنجازات بني زُهر، كما قدم ابن النفيس اكتشافه للدورة الدموية الصغرى للعالم أجمع، ولم يتم الكشف عن هذا الاكتشاف إلا في بداية القرن العشرين.

أما الفصل الثامن، الذي جاء بعنوان «إبداع الطب النفسي العربي الإسلامي وأثره في الإنسانية»، فأوضح دور كل من: الرازي، وجبرائيل بن بختشيوع، وابن سينا، أوحد الزمان البلدي البغدادي، سكرة الحلبي، رشيد الدين أبوحليفة، في الإسهام في الطب النفسي، فتصدوا لمعالجة الأمراض النفسية وقدموا لها ما ساعد على شفائها، فكان الرازي أول طبيب فكر في معالجة المرضى الذين لا أمل في شفائهم، فعالج الأمراض التي اعتبرها سابقوه مستحيلة البرء، كالصرع والمنخوليا، كما عالج جبرائيل بن بختشيوع الفصام التشنجي، أو الفصام التصلبي، الذي يتميز سلوك صاحبه بالتيبس النفسي والجسمي، وكان ابن سينا أول من ربط وظائف الإحساسات والخيال والذاكرة بشروطها الفسيولوجية، وبهذا لم يسبقه أحد في إلقاء الضوء الساطع على علم النفس التجريبي، وعالج مرض الوعي بالذات، كما عالج الطبيب أوحد الزمان مرض الهلاوس، واستخدم الطبيب سكرة الحلبي نظرية العلاج المعقود على المريض، إلى غير ذلك من الأمراض النفسية التي اكتشفها وعالجها الأطباء العرب الإسلاميون، كان لها أكبر الأثر في قيام وتطور علم النفس الحديث.

وعند الحديث في الفصل التاسع عن علوم الميكانيكا والهيدروليات والتكنولوجيا والبصريات، تناول بنوموسى بن شاكر كجماعة علمية أفادت الإنسانية، وكنموذج للأسر العلمية التي شهدها تاريخ العالم العربي، فبين كيف استطاع الأخوة الثلاثة أبناء موسى بن شاكر أن يكونوا جماعة علمية متآزرة نبغت في كافة هذه العلوم، فوقف في سياق البحث على أهم الأعمال العلمية النظرية والتطبيقية التي قومتها الجماعة، فقدموا منظومة علمية ومعرفية هامة شغلت مكانًا رئيسيًا في تاريخ العلم بعامة، وتاريخ التكنولوجيا بخاصة، فأرانا كيف قدمت جماعة بني موسى من خلال مؤلفاتها إسهامات جليلة في العلوم التي بحثوا فيها، ومنها: نظرية ارتفاع المياه، واختراع الساعة النحاسية الدقيقة، وقياس محيط الأرض، وتأسيس علم طبقات الجو، إلى غير ذلك من الابتكارات والاختراعات التي ضمنوها كتبهم، فأسهموا في تطور العلوم التي ألفوا فيها.

ثم أوضحت الدراسة دور علماء آخرون مثل: الحسن بن الهيثم، والبيروني، والخازن، وبديع الزمان الجزري، وكمال الدين الفارسي، فبينت أن أعظم مآثر الحسن بن الهيثم تأثيرًا في العالم نظريته في الإبصار، ثم أوضحت كيف اعترف علماء الغرب بأن البيروني أول من فكر في علم الجاذبية، وليس نيوتن، وانتهت الدراسة إلى أن أبا الفتح عبدالرحمن الخازن بحث في كتابه «ميزان الحكمة» ظاهرة الضغط الجوي قبل توريتشلي بخمسمائة عام، فكان كتابه الركيزة الأساسية في قيام العلم الطبيعي الحديث، وكذلك فعل الجزري فجمع بين العلم والعمل، ولهذا حق لعلماء الغرب أن يصفوه بأعظم المهندسين في التاريخ، وفي كتابه «تنقيح المناظر لذوي الأبصار والبصائر» درس كمال الدين الفارسي كيفية انعكاس الضوء والإبصار، ومظاهر الخداع البصري، وطور نظرية قوس قزح، فسبق ببحوثه ابن الهيثم وغيره من علماء الغرب والمسلمين، كما سبق بحوث ديكارت ونيوتن بقرون طويلة.

وفي الفصل العاشر والأخير زعم المؤلف أنه يؤصل لعلم جديد من العلوم الإبداعية المهملة في الحضارة الإسلامية، ألا وهو علم الطفيليات والأحياء المجهرية، مقدمًا من المبررات ما يعزز دعوته بأن أبا بكر الرازي يعد أول عالم في العالم يتطرق لبحث ودراسة واكتشاف مرض الجدري والحصبة، والذي يدخل في صميم علم الأحياء المجهرية الحديث، وفي القانون في الطب لابن سينا ولأول مرة في تاريخ الطب يكتشف ويعترف ويصف ابن سينا مرض الجمرة الخبيثة، والطفيل المسبب لها، وما ينتج عنها من حمى أطلق عليها الحمى الفارسية، والعجيب أن المصطلح المعبر عن الجمرة الخبيثة يعبر حرفيًا عن الاسم الذي أطلقه ابن سينا على هذه الجمرة وهو «الجمرة الفحمية»، كما قدم ابن سينا وصفًا لمرض السل ولأول مرة في تاريخ الطب في كتابه القانون، كذلك عد ابن زهر أول من اكتشف جرثومة الجرب وسماها «صؤابة» وهو اكتشاف مثير يأخذ به علم الطفيليات والأحياء المجهرية إلى اليوم.

خلاصة القول: إن العمل العلمي الذي قدم في هذا الكتاب يدل بصورة قوية على أن الحضارة الإسلامية تشغل مكانًا مرموقًا بين حضارات العالم المختلفة، وذلك بفضل ما قدمته للإنسانية من علوم أفادت منها، وكانت بمثابة الأساس القوي المتين الذي قامت عليه الحضارة الغربية الحديثة، وفي النهاية قدم المؤلف توصية للباحثين لكشف أسرار معظم هذه المؤلفات التي مازالت مخطوطة، فهي تستحق أن ننفض عنها غبار السنين بالدراسة والاستيعاب والفهم والتحقيق، لعلنا نكشف عما تحتويه من كنوز مازالت فاعلة حتى اليوم، وتلك هي النتيجة النهائية التي نبهت لها الدراسة، التي تستحق القراءة والتعمق لما قدمته من نتائج جديدة على المكتبة العربية.

36332363

محمد شعبان أيوب:

لا يزال الإنسان منا تتلاطمه أمواج الحياة بشواغلها وملاهيها حتى كأنه ينسى أو يُنسيه الشيطان سبب وجوده، وغاية خلقه؛ وبينما يخلو الإنسان بنفسه بين جنبات آي القرآن الحكيم، تتكشف أمامه حقيقة نفسه، وحقيقة التاريخ البشري، ومراد الرب من العباد؛ إنك ترى في هذا القرآن الكريم ربّاً عظيمًا محيطًا قيومًا، وسع كرسيه السموات والأرض، يعلم السر وما أخفى من السرِّ، فإذا بك تتمهّل، وإذا بك تراجع نفسك مليًا، فتتذكر أخطاءك وذنوبك، وكيف تجرأت على الخالق الذي سترك يوم كذا في ساعة كذا، حينها تتيقن أن التقوى التي ذُكرت في القرآن بمشتقاتها أكثر من 170 مرة لها من المكانة ما لها.

إن كلمة التقوى كانت من المفردات القرآنية الجديدة التي لم يعتد العربُ في جاهليتهم على سماعها، مثلها مثل كلمة الهداية والنفاق وغيرها من الألفاظ الإسلامية الجديدة التي أرادت أن تؤصّل واقعًا جديدًا طاهرًا لا يتوقف عند المادة وفقط، بل يخترق النفس وأسرارها، ويبحث عن القلب، الذي هو عماد الإنسان وبصيرته وعقله ومناط هدايته، ومستودع إيمانه!

فالمتَّقون هم الموصوفون بتقوى الله عزَّ وجلَّ. وأساس التَّقوى: خشية الله. ولذلك أشار النبيّ عليه الصلاة والسلام إلى صدره، وقال ثلاث مرات: "التقوى ها هنا"[2]، فالجنة لا يدخلها إلا المتقون!

إن حقيقة التقوى فعل المأمورات واجتناب المنهيات. وأفضل ما قيل فيها، ما روي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه حيث قال: التقوى هي الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل والاستعداد للرحيل.

فمن فعل ذلك فقد اتقى الله حق تقاته، فالخوف من الجليل وهو الله سبحانه وتعالى، والعمل بالتنزيل وهو الكتاب والسنة، والاستعداد للرحيل من هذه الدنيا إلى الدار الآخرة وذلك بالعمل الصالح، وهذا كما في قوله تعالى: (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى) [البقرة:197]،  فليكن شعار المؤمن دائماً تقوى الله في السراء والضراء في حالة غيبته عن الناس وفي حالة وجوده معهم، يتق الله بترك ما حرّم الله عليه، ويفعل ما أمره الله به، ويكثر من التوبة والاستغفار عما يحصل منه من التقصير[4].

*باحث في التاريخ والتراث


[2] رواه الترمذي في صفة القيامة (2451) وقال: حسن غريب.

[4] عبد المنعم نعيمي: التقوى معيار الاحترام والمفاضلة بين الناس، مقال على موقع الألوكة.

39098649

محمود توفيق :

في كتاب الله سبحانه وتعالى فيض من تأديب الله عز وجل لنبيه  " صلى الله عليه وسلم" ، ثم لورثته من أهل العلم والدعاة إلى الله جلّ جلاله. وهداية له إلى ما يمكّنه من القيام بحق ما كلف به من الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، وإخراج الناس من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان.

ومن هذا ما جاء في سورة «الحجر»، من أمر الله سبحانه وتعالى نبيه سيدنا محمدًا  " صلى الله عليه وسلم"  بأن يصفح صفحا جميلا.

يقول الله سبحانه وتعالى: { وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ  وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ  فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (85) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (86) } (الحجر: 85- 87).

في تصدير الآية بالحقيقة الكونية: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ}، وبالحقيقة العقدية: {وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ}، من قبل التـكليف بالصفح الجميل، ثم بالحقيقة العقدية أيضا: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ}، ثم بالمنة العظمى: {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ}، في كل ذلك تثقيف للنفس، لتتلقى هذا التكليف الثقيل: {فَاصْفَحْ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ} تلقي أولي العزم من الرسل.

ذلك أن الصفح الجميل، لايتأتى إلا بعظيم من اليقين، وبعظيم من المثابرة ومن الصبر الجميل أيضا. فالنفس البشرية مفطورة على أن تنتقم لنفسها إن كانت من نفوس الدهماء، أو تنتصر للحق الذي هي عليه إن كانت من نفوس الأنبياء والعلماء والأولياء، وكل تقي ولي لله سبحانه وتعالى.

والصفح في لسان العربية هو الإعراض عن اللقيا بما لا يحب، يقال: صفح عنه أي: أعرض عن عقوبته، بل عن ملامته، وعن ذكر ذنبه، بل عن تذكره، وتلك مقامات علية متصاعدة من الصفح، ففي الصفح إقبال وبشاشة وجه، ولذا جاء منه التصافح، وهو الأخذ باليد، أي أن يضع الرجل صفح كفه في صفح كف الآخر. وهذا يقتضي إقبال الوجه على الوجه، وهذا فيه رمز إلى ما قام في القلب من القبول والإقبال، ومن هنا شرعت المصافحة بين الرجال بعضهم بعضا، وبين النساء بعضهن بعضا، إيذانا بالقبول والإقبال..

وجمال الصفح المأمور به، هو الصفح الآتي من قوة نفسية وقوة واقعية، وليس صفح العجزة والضعفاء هو الصفح الذي كان من النبي  " صلى الله عليه وسلم"  يوم الفتح: حين أطلقهم، ولم يعاقبهم (1)، وكان بملكه  " صلى الله عليه وسلم"  أن يقطع الأعناق، ولا ملامة عليه، ولكنه الحكيم، والنازل على ما أمره به الله سبحانه وتعالى، والعليم بأن فعل الصفح فيهم وفيمن يأتي من بعد أعظم وأنجع من فعل الانتصار في كل منازلة من منازلات الحرب.

هو صفح جميل من أنه خارج من فتوة نفسية وقوة عملية، وهو صفح جميل من أن أثره الجليل الجميل لا يطاول.

والصفح الجميل سجية من سجاياه  " صلى الله عليه وسلم" . روى البخاري في كتاب «التفسير» من صحيحه بسنده عن عبدالله بن عمرو ابن العاص - رضي الله عنهما - أن هذه الآية التي في القرآن {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا } (الأحزاب:45)، قال في التوراة: «يا أيها النبي، إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا وحرزا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب بالأسواق، ولا يدفع السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويصفح، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء، بأن يقولوا: لا إله إلا الله، فيفتح بها أعينا عميا، وآذانا صما، وقلوبا غلفا». (حديث رقم: 4838).

ومن الصفح الجميل ما راوه مسلم في كتاب «الجهاد والسير» من صحيحه بسنده عن أنس  "رضي الله عنه"  أن أم سليم رضي الله عنها اتخذت يوم حنين خنجرا فكان معها، فرآها أبو طلحة  "رضي الله عنه"  فقال: يا رسول الله، هذه أم سليم معها خنجر، فقال لها رسول الله  " صلى الله عليه وسلم" : «ما هذا الخنجر؟». قالت: «اتخذته إن دنا مني أحد من المشركين بقرت به بطنه». فجعل رسول الله  " صلى الله عليه وسلم"  يضحك. (2)

قالت: يا رسول الله، اقتل من بعدنا من الطلقاء. انهزموا بك. فقال رسول الله  " صلى الله عليه وسلم" : «يا أم سليم إن الله قد كفى وأحسن». (حديث 4783)

أرأيت إلى قوله  " صلى الله عليه وسلم" : «يا أم سليم إن الله قد كفى وأحسن»، هذا من الصفح الجميل الذي يؤتي من الثمر أطيبه.

وهو  " صلى الله عليه وسلم"  لم يكتف بأن لم يعاقب، بل لم يعاتب الطلقاء إذ أدبروا يوم حنين، وخلفوا رسول الله  " صلى الله عليه وسلم" ، وما كان لهم أن يفعلوا، بل كان منه  " صلى الله عليه وسلم"  ما هو أجمل، اقتسم فيهم وفي المهاجرين الغنائم، ولم يمنح الأنصار شيئا، مما حاك في نفس ثلة من الأنصار، فقالت ما قلت، فكان من مكافأة النبي  " صلى الله عليه وسلم"  أن قال لهم مقالة، هي عز الدنيا وسعادة الآخرة، حين قال قالت ثلة منهم:

إذا كانت شديدة فنحن ندعى، ويعطى الغنيمة غيرنا. فبلغه ذلك، فجمعهم في قبة، فقال  " صلى الله عليه وسلم" : «يا معشر الأنصار، ما حديث بلغني عنكم؟»! فسكتوا، فقال: «يا معشر الأنصار، ألا ترضون أن يذهب الناس بالدنيا، وتذهبون برسول الله  " صلى الله عليه وسلم"  تحوزونه إلى بيوتكم؟».

قالوا بلى. فقال رسول الله:  " صلى الله عليه وسلم"  «لو سلك الناس واديا، وسلكت الأنصار شعبا لأخذت شعب الأنصار» (3)

أرأيت إلى الصفح الجميل مع الطلقاء، والحكمة الجميلة مع الأنصار؟!

ومن هذا ما رواه البخاري في كتاب «الأدب» من صحيحه بسنده عن أنس ابن مالك قال: كنت أمشي مع رسول الله  " صلى الله عليه وسلم"  وعليه برد نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي فجبذ بردائه جبذة شديدة - قال أنس: فنظرت إلى صفحة عاتق النبي  " صلى الله عليه وسلم"  وقد أثرت بها حاشية الرداء من شدة جبذته - ثم قال: «يا محمد، مر لي من مال الله الذى عندك. فالتفت إليه، فضحك، ثم أمر له بعطاء». (حديث 6088)

وجاء في كتاب «البر والصلة» من جامع الترمذي بسنده عن أبي إسحاق قال: سمعت أبا عبد الله الجدلى يقول: سألت عائشة رضي الله عنها عن خلق رسول الله  " صلى الله عليه وسلم"  فقالت: «لم يكن فاحشا ولا متفحشا، ولا صخابا في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح». (حديث رقم: 2148). قال أبوعيسى: هذا حديث حسن صحيح.

وكان  " صلى الله عليه وسلم"  يحث أصحابه على الصفح، وأن لا يسارعوا إلى العقوبة، بل ليكن العفو مبدأ أمرهم ومنتهاه، وإن وقع من بعضهم ما يستوجب الحد.

روى أحمد بن حنبل في مسنده من حديث عبدالله بن مسعود بسنده عن شعبة قال سمعت يحيى بن المجبر قال: سمعت أبا ماجد - يعني الحنفي - قال: كنت قاعدا مع عبد الله - قال - إني لاذكر أول رجل قطعه، أتي بسارق فأمر بقطعه وكأنما أسف وجه رسول الله  " صلى الله عليه وسلم"  قال: قالوا: يا رسول الله، كأنك كرهت قطعه.

قال  " صلى الله عليه وسلم" : «وما يمنعني ؟ لا تكونوا عونا للشيطان على أخيكم».

إنه ينبغى للإمام إذا انتهى إليه حد أن يقيمه.

إن الله عز وجل عفو يحب العفو {وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. (النور: 22)

وجعل الصفح عمن أساء من أفضل الفضائل، لأن في هذا دفعا للسيئة بالحسنة، كما أمر كتاب الله سبحانه وتعالى: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ  ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} (فصلت: 34)

روى أحمد بن حنبل في مسنده من حديث معاذ بن سهل  "رضي الله عنه" ، بسنده عن سهل بن معاذ بن أنس عن أبيه عن رسول الله  " صلى الله عليه وسلم"  أنه قال: «أفضل الفضائل أن تصل من قطعك, وتعطي من منعك، وتصفح عمن شتمك». (حديث:16023)

هذه الثلاثة التي هدى إليها نبي الرحمة  " صلى الله عليه وسلم"  إنما يقوم له أولو الفتوة النفسية، لأن للقيام لها فضلا عن القيام بها استحقاقات رجولية بالغة، لايلقاها إلا الصابرون صبرا جميلا.

وإن لحضورها في أي أمة فضلا عن شيوعها أثرا جليلا وجميلا في تماسك الأمة، وتحقيق سلامها الاجتماعي، فتنعم بنعمتي الأمن والكفاية. وتلك نعمة الدنيا:

روى البخاري في كتابه «الأدب المفرد»، باب: «من أصبح آمنا في سربه» بسنده عن سلمة بن عبيد الله بن محصن الأنصاري عن أبيه - عبيد بن محصن اختلف في صحبته - عن النبي  " صلى الله عليه وسلم"  قال: «من أصبح آمنا في سربه، معافى في جسده، عنده طعام يومه فكأنما حيزت له الدنيا»: (حديث: 300)، ورواه الترمذي، وابن ماجه.

ذلك هو نبي الرحمة، ونبي الحكمة  " صلى الله عليه وسلم" . فهل لنا أن نحمل من ميراث رحمته بأمته، ومن ميراث حكمته، ما يجعلنا أهلا لأن نحوز شرف وراثته في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى؟

فالصفح عمن أساء، ودفع السيئة بالحسنة عامل عظيم الأثر في تحقيق مجتمع متماسك متراحم، وهذا ما نفتقر إليه. إن هذا ما يفتقر إليه كل قائد فتي قوي مع خصومه. ولكن هذا يحتاج إلى علي الحكمة، يعرف الأرض التي ينبت فيها الصفح ويورق ويزهر ويثمر، فإن كان من الخصوم من لا يصلح معه ذلك الصفح فلا يكون، كما فعل مع بني قريظة، لما كان منهم من خيانة في غزوة الأحزاب. فمثلهم يزيدهم الصفح فجورا، فلا يكون الصفح حينئذ جميلا. لأنه سيثمر قبحا، ويزيد العتو عتوا.

فالصفح الجميل عمن يصلحه الصفح قائم لم ينسخ بالأمر بالقتال، كما ذهب إليه بعض أهل العلم. قال الطبري:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن إسرائيل، عن جابر، عن مجاهد (فاصفح الصفح الجميل) قال: هذا قبل القتال.

حدثني المثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن الزبير، عن سفيان بن عيينة، في قوله: {فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ} وقوله: {وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ} قال: كان هذا قبل أن ينزل الجهاد. فلما أمر بالجهاد قاتلهم فقال: «أنا نبي الرحمة ونبي الملحمة، وبعثت بالحصاد، ولم أبعث بالزراعة».

أما آية السيف فهي قائمة لمن لا يصلحه الصفح الجميل. وخصوم الدعوة ليسوا سواء، فلا يكون منهج التعامل معهم واحدا، فذلك منطق الحكمة في الدعوة.

ألا ترى أن الله سبحانه وتعالى قال لرسوله  " صلى الله عليه وسلم"  ولنا معه في سورة (النحل): {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ  وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ  إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ  وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} (النحل:125).

جعل له ثلاثة سبل إلى تحقيق الدعوة: الحكمة، والموعظة الحسنة، والجدال بالتي هي أحسن، ذلك أن الناس أربعة:

منهم من يسمع ويقبل، فهذا سبيل دعوته الحكمة، ومنهم من يسمع ويقبل، ولكنه لايقبل لما يحيط به من الشهوات الصارفة، فهذا سبيل دعوته الموعظة الحسنة. وهذان الضربان متقاربان، ولذا كان النظم القرآني المتعلق بدعوتهما واحدا {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} عطف سبيل الموعظة الحسنة على سبيل الحكمة.

ومنهم من يسمع ولا يقبل، بل يجادل ويعارض ويناكد، ولكنه لا يرفع سيفا. وهذا سبيله الجدال بالتي هي أحسن. وهذا ما حملته الآية الكريمة في سورة النحل.

وهذا الضرب ليس من باب الضربين الأولين، ولذا التفت عن النظم الذي كان للضربين الأولين، فلم يقل: ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن، فلو قال لفهم من العطف أن هذا الضرب الثالث من باب الضربين الأولين، ولكن البيان القرآني عدل عن النهج الأول في النظم والصياغة، واستفتح طريقة جديدة، فقال: {وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}، فهو عطف على فعل الأمر الذي في صدر الآية {ادْعُ} مما يفهم أن هذا السبيل ليس من باب السبيلين الأولين، إشارة إلى أن الضرب الثالث مغاير للضربين الأولين، وهذا نهج من السنة البيانية للقرآن الكريم في إفهام دقائق المعاني ولطائفها.

وكل هؤلاء الثلاثة الأضرب يصلح معهم، ويصلح من أحوالهم الصفح الجميل، وهذه الأصناف الثلاثة باقية ما بقيت الحياة. مما يجعل الأمر الإلهي للنبي  " صلى الله عليه وسلم"  ولأمته من بعده {فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ} أمرا باقيا ما بقيت الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى.

ويبقى الصنف الأخير من الناس: من يسمع، ولا يقبل ألبتة، بل يشهر سيفه ليمنع الدعوة من أن تبلغ غيره، فهو لا يكتفي بأن يعرض هو عنها، بل يسعى بسيفه وما ملكت يمينه من القوى إلى أن يحاجزها عن أن تبلغ مسامع الآخرين. فيتخذوا ما شاءوا طوعا لا قهرا، لأنه يعلم أنها إن بلغت مسامعهم، فإنها ستحرك ساكنا في كثير منهم، ومنهم من سيستمع، ويقبل، وهذا الضرب الرابع من الناس هو الذي جاء الأمر بقتاله، لا بقتله، فليست الغاية ألبتة قتله، وإن سل سيفه، بل الغاية قتاله، ليكف سيفه. فإن كفه، فلا يقاتلن فضلا عن أن يقتل. فإن الإسلام دين الحياة في سبيل الله، وليس دين الموت في سبيل الله، بل الموت في سبيل الله تعالى حين لا تتحقق الحياة للناس في سبيل الله إلا بموت ثلة من المسلمين في سبيل الله تعالى، تحقيقا لتلك الحياة للآخرين، وهذا هو منهج الإيثار، وذلك هو جليل الجود، وجميل السخاء.

الهوامش

1- تفسير الطبري: جامع البيان في تأويل القرآن، تحقيق: أحمد محمد شاكر، ط (1) 1420هـ، مؤسسة الرسالة، ج17، ص128.

2- حسنه الألباني في صحيح الأدب المفرد للبخاري.

 3- صحيح البخاري (المغازي)، حديث رقم: (4337)، ورواه مسلم في كتاب (الزكاة) رقم: (2488).

4 21 2015 9 43 20 AM

إسلام عبد التواب :

لا يزال الإسلام كل يوم يبهر كل من يطالع نصوصه وتشريعاته من المؤمنين به أو غير المؤمنين، حيث يرون في انبهار وإكبار كيف اهتم الإسلام بالقضايا الكبرى من عقائد وتشريعات وعبادات، وصراع بين الحق والباطل، ثم يرون كيف خصص في إحكام جانب من اهتمامه لقضايا يعتبرها البعض جزئية أو هامشية، أو في أحسن الأحوال متروكة لعادات الناس وطباعهم واختلافاتهم.

فكما اهتم الإسلام مثلا بقضية التوحيد، وحث المؤمنين على الصلاة والزكاة، وكما اهتم بالجهاد في سبيل الله، وسماه: ذروة سنام الإسلام، فإنه أولى اهتماما كبيرا أيضا للذوق في حياة المسلم، وحثه على مراعاة ما يجعل حياته وحياة الآخرين جميلة، ولا ينفر الناس عنه.

وقد بين العلماء أن أصول الشريعة ثلاثة: ضروريات وحاجيات وتحسينيات، والذوق الذي نتحدث عنه يدخل في باب التحسينيات التي تضفي الجمال والراحة على حياة المسلم.

فإذا نظرت إلى آية الاستئذان في سورة النور رأيت عجبا، فالإسلام يتدخل هنا في أمر قد نراه يسيرا بسيطا، وهو: كيف يدخل عليك أولادك وخدمك حجرتك، وكيف ومتى يستأذن عليك أصدقاؤك وأهلك عند زيارتهم لك، فيقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ  مِّن قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ الظَّهِيرَةِ وَمِن بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ  ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ  لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ  طَوَّافُونَ عَلَيْكُم بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ} (النور: 58).

«فالمؤمن إذا كان معه ملك يمين يستأذن عليهم، لأنه قد يكون في حالة لا يرضون أن يروا عليها، فيستأذن عليهم في هذه الأوقات، وهكذا أهل بيته يستأذن عليهم في الأوقات الثلاثة التي بينها الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة... فالخادم سواء كان مملوكا، أو كما نصت عليه الآية، أو غير مملوك من باب أولى، وهكذا من لم يبلغ الحلم من الصبيان يستأذن في هذه الأوقات الثلاثة، وغير الصبي من باب أولى، والكبير من باب أولى، والمقصود من هذا التحرز من كونه يرى أهل البيت على حالة غير مناسبة، فإذا استأذن استعدوا وحرصوا على أن يكونوا في حالة حسنة».

فهذا التشريع هو مراعاة وتنمية للذوق في نفوس المسلمين في أمر يتكرر يوميا، ويتحرج منه الكثيرون، بينما يفعله الآخرون دون إحساس بالذنب أو الخطأ؛ فجاء التشريع القرآني ليلفت الأنظار إلى أهمية مراعاة الذوق في الاستئذان على الناس في بيوتهم.

وفي مجال تناول الطعام نرى شائعا بين الناس أفعال وتصرفات، تثير اشمئزاز الجالسين، وتصرف نفوسهم عن مشاركة الآخرين هذا الطعام، وربما صرفته عن مصاحبة هذا الجليس، لعدم مراعاته الذوق في آداب تناول الطعام، ولو كان الذوق أمرا هينا لتركه الإسلام ولم يهتم به، ولكن لأهميته وجدنا هذا الحديث يوجه فيه النبي  " صلى الله عليه وسلم"  إلى بعض آداب وذوقيات تناول الطعام، فعن عمر بن أبي سلمة قال: «كنت غلاما في حجر رسول الله  " صلى الله عليه وسلم" ، وكانت يدي تطيش في الصحفة، فقال لي رسول الله  " صلى الله عليه وسلم" : «يا غلام، سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك»، فما زالت تلك طعمتي بعد».

وموقف الرسول  " صلى الله عليه وسلم"  هنا ضبط سلوكيات الغلام وذوقه في تناول الطعام، وجعل سلوكه يتغير بعد ذلك إلى نهاية عمره، وهذا هو معنى تربية الإنسان على الذوق: أن يجعل الذوق سلوكا بديهيا في كافة جوانب حياته لا يتكلفه تكلفا.

وفي هذا الحديث إشارة إلى الاهتمام بالذوق في تناول الطعام عامة. ومن جوانب الذوق في تناول الطعام، والتي نوصي بتربية أبنائنا، وتوجيه شبابنا إليها: مضغ الطعام والفم مغلق، وعدم الحديث أثناء المضغ، وعدم مزاحمة الآخرين عند وجود أيديهم في الإناء.

وعندما يحثنا الإسلام على عيادة المريض، تجده يأمر بأن نفسح للمريض في الأمل؛ فعن أبى سعيد الخدري قال: قال رسول الله  " صلى الله عليه وسلم" : «إذا دخلتم على المريض فنفسوا له في الأجل، فإن ذلك لا يرد شيئا، وهو يطيب نفس المريض».

وفي معاملة الكبير والصغير يروي سهل بن سعد الساعدي أن رسول الله  " صلى الله عليه وسلم"  أتي بشراب فشرب منه، وعن يمينه غلام، وعن يساره الأشياخ، فقال للغلام: «أتأذن لي أن أعطي هؤلاء؟». فقال الغلام: والله يا رسول الله، لا أوثر بنصيبي منك أحدا، قال: فتلّه رسول الله  " صلى الله عليه وسلم"  في يده.

وفي هذا الحديث مراعاة للذوق من نواح عدة، حيث راعى رسول الله  " صلى الله عليه وسلم"  الترتيب بدءا من اليمين، ولكن هذا الترتيب كان يوجب إعطاء الغلام الصغير أولا، بينما يوجد من هم أكبر منه سنا، فاستأذنه رسول الله  " صلى الله عليه وسلم" ؛ فلما وجد من الغلام إصرارا على أن ينال شرف وكرامة أن يشرب خلفه  " صلى الله عليه وسلم"  منحه النبي  " صلى الله عليه وسلم"  الإناء ليشرب منه.

هذه الأمثلة التي سقناها وغيرها الكثير، تدل دلالة واضحة على أهمية الذوق من المنظور الإسلامي، فالحياة ليست أياما تنقضي على أية حال، وهي كذلك ليست مجرد أساسيات وضروريات نحتاجها، لنظل على قيد الحياة بأي شكل من الأشكال، وإنما لابد من تجميلها بالذوق والمعاملة الراقية التي تبهج المسلم، وتجعل حياته جميلة سعيدة هو ومن حوله.

4 15 2015 9 49 03 AM

د. مسعود صبري:

المشي من أفضل الرياضات التي تتاح للجميع، فهي رياضة الرجال والنساء، والشباب والفتيات والأطفال وكبار السن من الشيوخ والعجائز، فهي رياضة يستطيعها كل أحد دون موانع أو حواجز أو كلفة، خاصة من لا يستطيع أن يلتحق ببعض النوادي، المهم أن تكون مستعدا لهذه الرياضة.

وكثير من الشعوب تدرك أن المشي رياضة مفضلة، وتجعلها جزءا من نشاطها اليومي، غير أن هناك من الناس من يرى أنه ليس عنده وقت كاف لها، ومنهم من يتساهل في ركوب السيارات، وهو يعلم فائدة المشي، ويتمنى – مجرد أمنية- أن يمشي لكنه لا يفعل.

وهناك من الشعوب من لا يتوافر لغالبها وسائل مواصلات خاصة، فيمشون أميالا لأجل الوصول إلى مكان ركوب وسيلة نقل، وهم ناقمون على أنفسهم، وهم لا يدرون نعمة الله تعالى عليهم، مع فقرهم، فقد يكون الفقر أحيانا دافعا للرجل للحافظ على صحته وهو لا يدري، وهذا من رحمة الله تعالى.

نصائح في رياضة المشي:

هناك عدد من النصائح لمن يمارسون رياضة المشي، من أهمها:

 أولا- الأفضل التدرج في برنامج المشي، فلتكن البداية لمدة عشر دقائق إلى خمس عشرة دقيقة، ثم تزيده كل أسبوع حتى تصل إلى خمس وأربعين دقيقة في اليوم ، أو على الأقل ثلاثين دقيقة يوميا، بمعدل ثلاث مرات في الأسبوع.

ثانيا- على من يمارس رياضة المشي أن يمشي سريع الخطى لا يبطئ في مشيه، وذلك لزيادة ضربات القلب، فمن يمشي بسرعة ميلين في الساعة، فإنه يستهلك من الطاقة من معدل 120-240 سعرا حراريا في الساعة، أما عن السير بسرعة أربعة أميال في الساعة، فإن استهلاك الطاقة يرتفع إلى 360-420 سعرا حراريا في الساعة.

ثالثا: يفضل أن يكون المشي في طريق به بعض المنحدرات والمرتفعات، حتى يزيد الجهد المبذول من المشي، مما يؤدي إلى سرعة ضربات القلب. كما أنه يمكن صعود الدرج في البيوت والمؤسسات أفضل من استعمال المصعد إن كان ممكنا.

فوائد المشي:

للمشي فوائد عديدة، من أهمها:

1-  أنه علاج لأمراض القلب الوعائية، فهو يقوي عضلة القلب، وينقص الدهون الضارة والكولسترول بالجسم.

2-  أنه علاج لزيادة الوزن والبدانة، لأنه يحرق سعرات حرارية كبيرة، مما يساعد على حفظ وزن الإنسان.

3-   أنه علاج عسر الهضم والإمساك بأنواعه.

4-   يساعد على التنفس الطبيعي من خلال تقوية عضلات التنفس.

5-   ومن أهم فوائده للجسم أنه يقلل الدهون، وخفض ضغط الدم، وأنه يساعد على صلابة العظام حتى عند الكبر، كما أنه يساعد على تقوية العضلات وزيادة مرونة الجسم، وتحسين الجهاز، كما أن المشي يساعد على خفض الضغوط اليومية من خلال ممارسته، ويستخدم في حل المشاكل اليومية من خلال المشي والتفكير فيها، كما أنه يسهم في فهم الذات من خلال الفكرة الإيجابية للمشي حيث يجلب السعادة للإنسان من خلال الاهتمام بذاته.

المشي في الشريعة:

وقد اهتم الإسلام برياضة المشي، وحث تابعيه عليها، بل وجعل المشي وسيلة من وسائل العبادات، حتى يكون المشي عادة يومية للإنسان المسلم. بل علم العلماء أن المشي أحد أنواع العلاج، فقد ترجم الإمام ابن ماجة في سننه: (باب دواء المشي)

ومن مظاهر المشي في الشريعة:

المشي إلى المساجد للصلاة:

فقد جعلت الشريعة المسي للمساجد من أفضل القربات والأعمال الصالحة، فعن أبي الدرداء، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من مشى في ظلمة ليل إلى صلاة, آتاه الله نورا يوم القيامة.

وعن أبي الدرداء، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من مشى في ظلمة ليل إلى صلاة، آتاه الله نورا يوم القيامة» .

وفي سنن الترمذي (2/ 499) عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا توضأ الرجل فأحسن الوضوء ثم خرج إلى الصلاة لا يخرجه - أو قال: لا ينهزه - إلا إياها، لم يخط خطوة إلا رفعه الله بها [ص:500] درجة، أو حط عنه بها خطيئة "

المشي في اتباع الجنائز

ومما يثاب عليه المسلم مشيه في الجنائز: فعن ثوبان مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " أتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بدابة وهو مع الجنازة , فأبى أن يركبها , فلما انصرف أتي بدابة فركب " , فقيل له فقال: " إن الملائكة كانت تمشي , فلم أكن لأركب وهم يمشون , فلما ذهبوا ركبت " .

المشي لزيارة المريض:

ومن حق المسلم على أخيه مما يثاب عليه المرء من العمل الصالح عيادة المرضى، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يستحب أن يعود المرضى ماشيا غير راكب، فعن جابر، قال: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يعودني ليس براكب بغل ولا برذون. سنن الدارمي.

المشي لصلاة العيد:

ومن آداب صلاة العيد عند المسلم أن يمشي إلى الصلاة في طريق، وأن يرجع من طريق آخر، ففي سنن الترمذي عن علي، قال: من السنة أن تخرج إلى العيد ماشيا، وأن تأكل شيئا قبل أن تخرج. قال الترمذي:هذا حديث حسن. والعمل على هذا الحديث عند أكثر أهل العلم:يستحبون أن يخرج الرجل إلى العيد ماشيا. وأن لا يركب إلا من عذر.

طريقة المشي:

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم الصحابة طريقة المشي، فيمشي أحيانا ببطء، ويمشي أحيانا بسرعة، وذلك حسب الحاجة، ومن مواطن مشيه بسرعة، ما أخرجه البخاري في الأدب المفرد عن ابن عباس قال: أقبل نبي الله صلى الله عليه وسلم مسرعا ونحن قعود، حتى أفزعنا سرعته إلينا، فلما انتهى إلينا سلم، ثم قال: «قد أقبلت إليكم مسرعا، لأخبركم بليلة القدر، فنسيتها فيما بيني وبينكم، فالتمسوها في العشر الأواخر».

وكان يعلمهم أن يمشوا ببطء أحيانا،  ففي صحيح البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا سمعتم الإقامة، فامشوا إلى الصلاة وعليكم بالسكينة والوقار، ولا تسرعوا، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا»

ومن آداب المشي ألا يمشي متبخترا، ففي صحيح مسلم (3/ 1653)عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بينما رجل يمشي قد أعجبته جمته وبرداه، إذ خسف به الأرض، فهو يتجلجل في الأرض حتى تقوم الساعة».

إن لم يكن المشي من نشاطك اليومي، فاجعله من اليوم نشاطا لك، واستعن به في عمل بعض الطاعات والأعمال الصالحة، كزيارة المرضى، وزيارة الإخوان في الله، والسعي في قضاء الحوائج، وإعانة المحتاج، وغيرها مما حث الشرع على فعله، فتحفظ بدنك، وتزيد من حسناتك.

جامعة ولاية سونورا بالمكسيك تمنح عبد الوهاب زايد الدكتوراه الفخرية

سونورا – الوعي الشبابي: منحت جامعة ولاية سونورا بالولايات المتحدة المكسيكية شهادة الدكتوراه ...

حسن بن محمد يكتب: العيد.. وتعزيز القيم الأسرية

حسن بن محمد - كاتب وباحث - تونس: يعتبر العيد مناسبة للفرح والاحتفال لدى كل العائلات المسلمة، وهو ...

مواجهة الإلحاد بالعلم والعقل والدين.. كتاب جديد للدكتور خالد راتب

القاهرة – الوعي الشبابي: أصدر الدكتور خالد محمد راتب، مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر ...

اتصل بنا

  • صندوق البريد: 23667 الصفاة 13097 - الكويت
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
  • 22467132 - 22470156

عندك سؤال