الإثنين، 17 يونيو 2024
رئيس التحرير
فهد محمد الخزّي

الدكتور أحمد زكي عاكف وتأديب العلم

د. محمود صالح البيلي - دكتوراه في الأدب والنقد: قيض الله سبحانه وتعالى للعربية من الكتاب من جمع ...


 

 

المتواجدون على الموقع

المتواجدون الأن

65 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

هذا ديننا

7462212

السيد أحمد المخزنجي:

غني عن البيان أن الإسلام يوم أن جاء إلى الناس ظهر في مجتمع تعددت فيه جنسيات الأرقاء، زنجًا ورومًا وفرسًا وأحباشًا... إلخ، وأهم من ذلك تعددت فيه المصادر والروافد التي تمد «نهر الرقيق» بالمزيد والمزيد من الأرقاء، والتي تجعل هذا النهر دائم الفيضان.. فلما جاء الإسلام اتخذ من هذا «النظام الاستعبادي» الموقف المغاير والهادف إلى إلغاء الرق، ولكن بالتدريج.

  حث الإسلام المسلمين على عتق الرقاب، بأن جعله قُربة يتقربون بها إلى الله، فمن أعتق رقبة أعتق الله بكل عضو منها عضوًا من أعضاء مُعتقيه من عذاب النار. وجعل كفارة بعض الذنوب التي يرتكبها العبد عتق رقبة.

ويتصل بمبدأ كرامة الإنسان، بوصفه إنسانًا، مبدأ آخر هو أن الناس جميعًا أمة واحدة: ربهم واحد، وأصلهم واحد، قال تعالى: {يَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}.(النساء:1). وقال تعالى: {يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ }(الحجرات:13).

مما سبق يمكن القول أن مفتاح موضوع حقوق الإنسان في الإسلام هو مبدأ كرامة الإنسانية الذي قررته نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، فالله عز وجل كرم الإنسان بوصفه إنسانًا بصرف النظر عن عنصره أو لونه أو ديانته!!

ومنهج القرآن صريح في هذا المعنى، فهو لا يتحدث عن العرب أو المسلمين أو الذين آمنوا، وإنما يتحدث عن الإنسان بوصفه (ابن آدم). قال تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} (الإسراء:70).

وبنظرة فاحصة في مصادر الإسلام الأساسية- القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة- نستطيع أن نتبين أن الإسلام قد اعترف– منذ البداية- بحق الإنسان في المساواة، وحقه في الحرية، بصورة صريحة وواضحة تمامًا. واعترافه أيضًا بالحقوق الأخرى المتفرعة عن هذين الحقين. ولم يكتف الإسلام بمجرد الاعتراف للإنسان بهذه الحقوق، بل سعى إلى تأصيلها، وبيان مرتكزاتها بصورة مقنعة للعقول، بهدف ترسيخ هذه المعاني في الأذهان، وتعميقها في النفوس.

ومن العذابات التي عانى منها الإنسان في رحلته التاريخية- ولا يزال- تلك الصور من التمييز اللوني، فهناك في العالم صور لتعالي الرجل الأبيض، وتصنيف البشر إلى سادة ومنبوذين، إما بسبب لونهم أو عنصرهم، وجعل بعض الحيوانات، كالقطط والكلاب، أكثر كرامة وأوفى حقوقًا من الإنسان الملون في «حضارة الرجل الأبيض»!! «وليست نظريات التمييز العرقي والقبلي والقومي التعصبي والطائفي، بأقل هدرًا وإلغاءً لحقوق الإنسان وكرامته من التمييز اللوني والحكم الطبقي والإقطاعي والثيوقراطي وتحكم رجال الدين»! (1).

فاقتضت إرادة الله الرحيم بعباده أن ينقذهم من سقطتهم، وأن يجعل منهم خير أمة أخرجت للناس، فأرسل محمدًا  "صلى الله عليه وسلم"  رحمة للعاملين، وهاديًا للناس أجمعين، أرسله بخاتمة الرسالات الربانية لتكون دين الإنسانية عامة، وعقيدة البشرية جمعاء، قال تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ} (الجمعة:2).

«وكان الرسول  "صلى الله عليه وسلم"  لا يحكم في العاصمة، ولا يرسم سياسة المال، ولكنه كان يحكم الروابط بين قلوب المسلمين في الريف والمدن البعيدة، فتقوم بينها محبة الإسلام وتكافل الإسلام وتراحم الإسلام، في الوقت الذي كانت البيئة الزراعية المماثلة في أوروبا تقوم على علاقة السادة والعبيد.. سادة لهم الأمر كله والملك كله، وعبيد ليس لهم من الأمر شيء سوى العبودية المطلقة والانعدام الذليل»(2).

وبالمقابل نجد أن الإسلام يقدم منظورًا واقعيًا لحقوق الإنسان في تشريعاته، منسجمًا مع الفطرة الإنسانية وثابتًا في التصور، حيث حدد الحقوق بأوامره ونواهيه الشرعية، ورسم الكيفية والضمانات التي يتم بها تأكيد تلك الحقوق وإبرازها، وبيَّن الأداة التي يناط بها إقامتها.

وهذا ما أرساه الرسول الكريم في مبدأ الشورى (كحق من حقوق الإنسان في الإسلام) والذي يتبلور في إطاره الحل الأمثل والعلاج الأنجح لكل المشاكل صغيرها وكبيرها. وغني عن القول أن يوصف– مبدأ الشورى– بأنه أعظم المبادئ دستورية و«ديموقراطية» تأكدت في ظله حقوق الإنسان، وكشف للعالم المتمدين عن أروع نظام سياسي عرفته البشرية في ظل هذا المجتمع الإسلامي الذي تحكمه وحدة القيادة ويسوده العدل القضائي في دولة الإسلام العالمية(3).

ففي هذا المبدأ بين الرسول الكريم، جملة من المسؤوليات التي تقع على عاتق الحكام والمحكومين، فوضع أساسًا قيِِّمًا لمسؤولية رجال الحكم أمام الأمة، فقال عليه الصلاة والسلام: «إن الله يرضى لكم ثلاثًا ويسخط لكم ثلاثًا، يرضى لكم أن تعبدوه وحده ولا تشركوا به شيئًا وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا وأن تناصحوا من ولاَّهُ أمركمْ» (رواه مسلم وأحمد عن أبي هريرة).

وهذا كله بخلاف ما تقرر في الفكر الغربي الرأسمالي الذي ربط مصدر الحقوق وتشريعاتها بمبدأ الحرية، وترك الأمر لكل قادر لنيل حقوقه بناء على ما يراه من مصلحة. ثم قيدها بالقيود الخيالية، عند الاضطرار لذلك. كالتأكيد على أن الحقوق والحرية الفردية تنتهي حين تبدأ حقوق الغير، أو التأكيد على عدم تدخل الدولة إلا عند انتهاك الحريات، وجعل مسؤوليتها الرئيسية: حماية الحريات دون رعاية الشؤون. مما يجعل الحقوق في الغالب أمرًا نظريًا، لا أثر له في الواقع، نظرًا لعدم امكانية الاتفاق حول «المصلحة» ولوجود الأثرة والنزعة الأنانية لدى الكثيرين، مما يؤدي في النهاية إلى سيطرة القوي على الضعيف، وسطوة القادرين، ووضع التشريعات من قبل الرأسماليين لخدمة مصالح طبقتهم وحدها دون مراعاة سائر حقوق أفراد المجتمع.

الهوامش

1- انظر: «تقديم» عمر عبيد حسنة لكتاب: النظرية السياسية الإسلامية في حقوق الإنسان الشرعية، دراسة مقارنة، للدكتورين أحمد المفتي وسامي الوكيل، ع (25) ط/1، أخبار اليوم، القاهرة، 1990، ص 16-18.

2- قبسات من الرسول، للأستاذ محمد قطب، دار الشروق، القاهرة، ط/7، 1400هـ - 1980م، ص 10.

3- العدل والتسامح الإسلامي، تأليف السيد أحمد المخزنجي، دعوة الحق، رابطة العالم الإسلامي، مكة المكرمة، 1407هـ - 1987م، ص 14.

685441355225

د. إيهاب عبد السلام :

إن المتأمل لمشاهد السيرة النبوية يدرك جيدا أن ما صدر من الرَّسُول -صلى الله عليه وسلم- لم يكن يصدر إلَّا من نبيٍّ مرسل من الله رب العالمين، وليس من مجرد مُصْلح من المصلحين، فهناك فرق كبير بين الدوافع التي تحكم أداء المصلح دون ارتباط بمنهج سماوي، وبين النبي المرسل المكلف برسالة سماوية، وأخصُّ هنا بعض مواقفه من الكفار الذين حاربوه، ونقاط الخلاف بينهما. إن مراجعة تلك المواقف الآن تثبت لغير المؤمنين بنبوة محمد -صلى الله عليه وسلم- أنه لم يكن إلا رسولا من الله تعالى، ثم إنها تزيد المؤمنين إيمانا على إيمانهم، وأعرض هنا تأملًا لأمرين.

الأمر الأول:

لم يكن المجتمع الذي نشأ فيه محمد –صلى الله عليه وسلم- شرًّا محضًا لا خير فيه البتة، ولم يكن الرسول متضررًا من ذلك الشر ضررًا يجعله يبحث عن مخرج له ولرفاقه من سوء ذلك المجتمع إلى خير يأتي به وحي من السماء..

بل إن الرسول –صلى الله عليه وسلم- كان من المكرَمِين بين أهله وقومه قبل أن يجهر بدعوته، كما تشهد بذلك سيرته وتاريخه، وقد فتحت الدعوة عليه بابًا من الأهوال لشدَّ ما اشتدَّ، وعانى منه وأصحابه الكثير، ولم يكن النبيُّ صاحب سلطانٍ فيفرض دعوته بالقوَّة، ولم يكن فقيرًا مُعدَمًا فيقالُ: إن دعوته ثورة الفقراء.

وكان مجتمع الجاهليين في قريش عند الكعبة وما حولها مجتمعًا آمنًا، وإن لم يكن مؤمنًا، بل كان يؤمن بآلهةٍ متعدِّدَة، وقد أحبُّوها وتعلقوا بها إيمانًا منهم بأنها تقربهم إلى الله رب العالمين، وقد توارثوا تلك العقيدة عن آبائهم حتى رسخت في نفوسهم.

والكعبة هي بيت الله قبل الإسلام وبعد الإسلام، وقد اختلف زعماء القبائل فيمن ينال شرف حمل الحجر الأسود قبل أن يبعث محمد رسولًا إكرامًا لهذا الحجر، حتى قضى محمد –صلى الله عليه وسلم- بينهم بأن يحملوه جميعًا على ثوب، فحسم الخلاف وأرضى الجميع. وعندما جاء الإسلام أكرم ذلك الحجر، وجعل الطواف حول الكعبة يبدأ وينتهي به، وجعل استلامَهُ وتقبيلَهُ سُنَّةً وكرامَةً.

لقد كان ذلك المجتمع يفتقد التوحيد، ومنهجًا سماويًّا، ولكنه لم يكن يحارب دعوات الإصلاح، وسنِّ القوانين، وتنظيم الحقوق والواجبات، على نحوِ ما كان في حِلف الفضول، الذي أرسى قاعدة الدفاع المشترك وردِّ الظلم ونصرة المظلومين، خاصة الغرباء الوافدين على مكة، وقد باركت الأغلبية هذا الاتفاق، وحضره الرسول –صلى الله عليه وسلم- قبل أن يوحى إليه، وقد ذكره بالخير وامتدحه بعد أن صار نبيًّا مرسلًا.

أقول: إن مجتمع الجاهلية لم يكن شرًّا محضًا، بل إن دعوات الإصلاح كانت لا تعدم التأييد، طالما أن ذلك الإصلاح لا يتعرض للأصنام بسوء؛ ولو كان محمد –صلى الله عليه وسلم-ذلك المصلح من ذات نفسه لدعا إلى ما دعا إليه دون حاجة إلى نسبة ذلك إلى الله رب العالمين والدعوة إلى تحطيم الأصنام، فتحطيم جميع الأصنام كان أمرًا مرفوضًا بشدة من القرشيين والرسول يدرك ذلك جيدًا، فتلك هي القضية التي شغلت كفار قريش، ولم يعترضوا على شيء اعتراضهم على التخلي عن أصنامهم.. لقد قبلوا من النبي كُلَّ شيء حتى أن يكون أغناهم وأن تكون له الرئاسة عليهم.. أمَّا ترك الأصنام فلا، والعبقرية المجرَّدَة من النبوة تستدعي ألا يستعدي الرجل القوم جملة واحدة، ونبذُه الأصنام استعداهم أيما استعداء، ولم تكن تلك الأصنام تعوق الإصلاح الذي يدعو إليه النبي، ذلك الذي يتمثل في العدل والإحسان وإيتاء ذي القربى والنهي عن الفحشاء والمنكر والبغي، فلم تكن تلك الأصنام تدعو إلى شر ولا خير، والنبي –صلى الله عليه وسلم- يدرك جيدًا أنه سيحارَب أشد الحرب إذا دعا إلى تحطيم الأصنام، فأهل مكة يدركون أنه -كما يقول الأستاذ عبد الرحمن الشرقاوي: «لئن كانت أصنام الكعبة ضلالًا حقًّا، فسينصرف العرب عن زيارة الكعبة خلال الأشهر الثلاثة الحرم، وسيحرم الأغنياء مصدرًا كبيرًا للغنى.. وسيفقدون بسقوط الأصنام كل هيبتهم وسلطانهم. سيبذلون كل ما يملكون ليكذبوه ويعذبوه ولينفوه هو من الأرض، قبل أن ينفي عنهم مبرر بقائهم سادة أغنياء.. أو لم يتوقع ورقة بن نوفل هذا كله؟!».

ولو كان الرسول –صلى الله عليه وسلم- يدعو من تلقاء نفسه لما بدأ بما يستعدي أهل مكة عليه خاصة السادة والأغنياء، بل ما احتاج إلى أن ينسب ذلك إلى الله رب العالمين، وكان سيكتفي بأن يُنَصِّبَ من نفسه صنمًا بجوار تلك الأصنام، فقد عرضوا عليه الرياسة فيما عُرِضَ من إغراءات فداءً للأصنام؛ ولكن الأمر لم يكن بيده بل أُلْقِيَ إليه إلقاءً، وكان كما وصفه القرآن الكريم: "إنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلَا" [المزمل: 5].

ولم يكن النبيُّ –صلى الله عليه وسلم- يعلم  أنه سيكون رسولًا من الله رب العالمين ولم يخطط لذلك مطلقًا، يقول الله تعالى: "وَمَا  كُنتَ تَرْجُو أَن يُلْقَى إِلَيْكَ الكِتَابُ إِلاَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِّلْكَافِرِينَ (86) وَلاَ يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ (87) وَلاَ تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ" [القصص: 86 - 88].

هكذا نجد القرآن يحذره كما يحذر غيره من الناس فما هو إلا بشر رسول مكلف بالتبليغ حتى إنه بعدما بلَّغَ ما أُمِرَ به.. قال وكأنه يتنفس الصعداء في آخر حياته: "اللهم قد بلغت، اللهم فاشهد". بل إن صورة محمد في بداية الوحي وهو المزمل المدثر الواجل الخائف الذي لا يدري ما يُصْنَع به، لتوحي إلينا بحجم المسئولية التي ألقتها عليه الأقدار دون اختيار منه أو سابق ترتيب.

الأمر الآخر:

لم يكن النبي –صلى الله عليه وسلم- يقبل مساومة من أحد في نشر دين الله، وتبليغه للناس، وكان هذا كل ما يعنيه؛ أن يسمع الناس كلامه، فما عليه إلا البلاغ، فكان يحرص على أن يقابل القبائل التي تفد إلى مكة في المواسم، فيقول لهم كما ورد في السيرة النبوية لابن هشام: «يا بني فلان، إني رسول الله إليكم، يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، وأن تخلعوا ما تعبدون من دونه من هذه الأنداد، وأن تؤمنوا بي، وتصدقوا بي، وتمنعوني، حتى أبين عن الله ما بعثني به».

وكانت أكثر القبائل لا تكتفي بالرفض، بل كانوا يردون ردًّا قبيحًا، والرسول لا يبالي إلا بأن يبلغهم.

وذات مرة، أقبل فيمن أقبل بنو عامر بن صعصعة، فعرض عليهم النبي ما يعرضه على القبائل من الإيمان، فقال رجل منهم اسمه (بيحرة بن فراس بن صعصعة): والله لو أني أخذت هذا الفتى من قريش لأكلت به العرب. ثم قال للنبي: أرأيت إن نحن بايعناك على أمرك، ثم أظهرك الله على من خالفك، أيكون لنا الأمر من بعدك..؟

إن العبقرية المجردة من النبوة تجعل الرسول –صلى الله عليه وسلم- لا يتردد في قبول ما عرضه بيحرة، فالنبي في ذلك الحين ضعيف يفتقد القوة والعزوة والحماية من البشر، وقد واتته الفرصة بأن يتبنى بنو عامر بن صعصعة دعوته وحمايته بفرسانهم وعتادهم. ولكن النبي قال له: «الأمر إلى الله يضعه حيث يشاء» ذلك رد نبي لا رد مجرد إنسان عبقري يريد شيئًا لنفسه، فهو لم يَعِدْهُ ولم يَحْرِمْهُ، وإنما ردَّ الأمر إلى الله تعالى وقد علمه الوحي ذلك؛ علمه أن يكون عزيز النفس حينما يدعو الناس إلى الله، في مثل قوله تعالى: (يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)[الحجر: 17].

لم يكن بيحرة يزن الأمور بميزان الإيمان والكفر، وإنما وزنها بميزان المصلحة الدنيوية، وكأنه أدرك بأن ذلك الفتى سينتصر بهم، ثم سيكون أمره إلى قومه بعد ذلك، فاشترط أن يكون الأمر إليهم وفيهم لا لغيرهم، ولما سمع رد النبي –صلى الله عليه وسلم-  قال له: «أفنهدف نحورنا للعرب دونك – أي نجعل رقابنا هدفًا – فإذا أظهرك الله كان الأمر لغيرنا؟! لا حاجة لنا بأمرك».

لقد رفضوا نصرته حين رفض مساومته على ما لا يملك أن يمنحه لقوم دون آخرين، فالمؤمنون جميعًا لديه سواء، وقد وعد الله المؤمنين بالنصر والعزة، إن نصروا الله وأيدوا رسوله وثبتوا على دينهم، فكيف يعد رسول الله بذلك قومًا أو قبيلة دون أخرى؟!

427858112

السنوسي محمد السنوسي :

في موضوع شائك كهذا، تبدو الحاجة أكثر إلحاحا إلى الوقوف قليلا مع تعريفات ومضامين المفاهيم التي نحن بصددها؛ حتى ننطلق من أرضية واضحة في المعالجة والحوار.

أما «التسامح» فهو من اللين والسهولة؛ يقال: «سمح- سمحا وسماحا وسماحة: لان وسهل، وانقاد بعد استصعاب» (1). وهو: «سعة صدر تفسح للآخرين أن يعبّروا عن آرائهم ولو لم تكن موضوع تسليم أو قبول. ولا يحاول صاحبه فرض آرائه الخاصة على الآخرين» (2).

وأمّا «التعصب»، فهو من «عصب اللحم بالكسر، أي كثر عصبه. وانعصب: اشتد. والعصب: الطي الشديد. وعصب الشيء يعصبه عصبا: طواه ولواه، وقيل: شده. وتعصب، أي شد العصابة. والعصابة: العمامة. والعصبية: أن يدعو الرجل إلى نصرة عصبته، والتألب معهم على من يناوئهم، ظالمين كانوا أم مظلومين. وفي الحديث: العصبي من يعين قومه على الظلم» (3).

وجاء في «المعجم الفلسفي»: «التعصب»، غلو في التعلق بشخص، أو فكرة، أو مبدأ، أو عقيدة؛ بحيث لا يدع مكانا للتسامح. وهو ضرب من الحماسة الشديدة التي قد تؤدي إلى العنف والاستماتة. وهو بهذا حال غير سوية على مستوى الفرد والجماعة، ويصاحبها ضيق أفق وبعد عن التعقل (4). والتعصب نقيض الحرية والتسامح. إذا ازداد التعصب قلّت الحرية، والعكس بالعكس» (5).

وهناك مصطلح يتقاطع مع التعصب وهو «الغلو». و«الغلو: تجاوز الحد. يقال ذلك إذا كان في السعر غلاء، وإذا كان في القدر والمنزلة غلو. قال تعالى: {? ? ? پ} (النساء:171). والغلواء: تجاوز الحد في الجماح؛ وبه شبه غلواء الشباب» (6).

من هذه التعريفات يمكن أن نخلص إلى أن: التسامح حالة نفسية بالأساس تستتبع موقفا فكريا؛ فمجرد العلم لا يؤدي إلى التسامح إلا إذا تحلى صاحبه بأخلاق فاضلة. والتسامح والحرية مترابطان، وإن شئت فقل: مترادفان.

أما التعصب ففيه معنى الطي واللي والشد، أي الانغلاق والانطواء؛ فالمتعصب لا يحب أن يرى أو يسمع خلاف ما يعتقد، أو يسمع سماع المعرض لا سماع من يبحث عن الحقيقة. وقد يتطور التعصب من مجرد موقف فكري إلى فعل مادي، بالعنف والقتل.

بينما الغلو هو تجاوز الحد لشيء ليس بالضرورة أن يكون خطأ، بل قد يكون صحيحا في أصله، مثل المغالاة في حب الأنبياء بعبادتهم! أو المغالاة في حب الأوطان بالعنصرية! والغلو أقرب أن يتسرب إلى الشباب؛ لأنها مرحلة عمرية تتصف بالاندفاع والحماسة وعدم الروية.

إشارات

إذا نظرنا إلى المنهج الإسلامي -كدعوة وعملية تغيير- نجد أننا أمام عدة أركان يقوم عليها هذا المنهج، وهي: «المرسِل» وهو الله سبحانه، و«الرسالة» وهي الإسلام، و«المرسَل» وهو النبي محمد  " صلى الله عليه وسلم" ، و«المرسَل إليهم» وهم المسلمون، والناس كافة.

وقد وردت إشارات في القرآن الكريم والسنة النبوية تدلنا على أي مدى أن الإسلام بهذه الأركان هو أبعد ما يكون عن إقرار التعصب، فضلا عن الدعوة إليه.

فالله سبحانه أخبرنا عن ذاته العلية بأنه لم يخلق الناس ليعنتهم ولا ليوقع بهم الحرج والمشقة؛ فقال سبحانه: {لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ} (النساء:147). { يُرِيْدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيْدُ بكم العسر} (البقرة:185).

{ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ } (الحج:78).

و«الرسالة» قال الله تعالى عنها: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ } (البقرة:256). كما قال عنها النبي  " صلى الله عليه وسلم" : «بعثت بالحنيفية السمحة» (رواه أحمد من حديث أبي أمامة).

و«الرسول  " صلى الله عليه وسلم" » قال الله تعالى عنه: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ } (آل عمران:159).

و«المسلمون» حدد لهم النبي  " صلى الله عليه وسلم"  المنهج الذي ينبغي عليهم اتباعه، فقال: «إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين» (رواه البخاري من حديث أبي هريرة).

والسؤال: إذا كانت هذه الإشارات -وغيرها كثير- قد تواترت بحق المنهج الإسلامي، فكيف تسرب التعصب إلى واقعنا، وغاب التسامح بما يستلزمه من حرية في الفكر وتعددية في المواقف والرؤى؛ حتى تطور ذلك -أو تدهور- إلى عنف مادي، أساء إلى الإسلام بما لم يسئ به أعداؤه؟!

أسباب مشتركة

التعصب؛ سواء كان فكريا، أو سياسيا، أو اجتماعيا، أو متعلقا بموقف أو بشخص، له أسباب عامة مشتركة تقف وراء هذه الظاهرة؛ أهمها:

اضطراب الأسرة: فإذا نشأ الطفل في بيئة أسرية مضطربة ممتلئة بالمشكلات، يتسلط فيها أحد الأبوين على الآخر؛ فإنه -لا شك- سينشأ منطويا أو عدوانيا تجاه الآخرين، وهو في الحالتين لن يعتد إلا برأيه، ولن يثق بغيره(7).

قلة العلم: فكلما ازداد الإنسان علما أدرك أنه يجهل أكثر مما يعلم، وأنه لا يلم إلا بطرف من الحقيقة وغابت عنه أشياء، وأن ما يظنه صوابا محضا قد يكون هو الخطأ المحض! أو على الأقل قد يكون أحد أوجه الصواب. حينئذ لا يسعه إلا أن يتبع منهج الإمام الشافعي القائل: «رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب».

وإن الدارس لتاريخ الحركات التي انجرفت إلى هوة التعصب، واتخذت العنف طريقا، ليجد أنها قامت على أناس قليلي العلم، وأخذوا عن الكتب أكثر من العلماء؛ فأورثتهم قلة العلم، والطريقة الخاطئة في التلقي، فهما سقيما حسبوه الحقيقة المطلقة.

لكن المنهج الصحيح يقتضي أن ندور مع الدليل أينما دار، ونبحث عن الحق ولو لم يوافق هوانا، ونأخذ به ولو جاء ممن خالفنا في المذهب.. وندرك أن محكمات الشرع وقطعياته التي لا يجوز الخلاف بشأنها قليلة جدا، وأن ما دون ذلك كثير، والباب فيه مفتوح لتعدد الآراء والاجتهاد المنضبط؛ وهنا تكون القاعدة أنه «لا إنكار في المختلف فيه».

غياب الحريات: إن كلمة ابن خلدون الجامعة: «الظلم مؤذن بخراب العمران»، تلخص الآثار الكارثية التي تنتج عن بيئة القهر والتسلط، وعن غياب الحريات، وانعدام الأفق السياسي الذي يسمح بالتعددية والحوار، وانطلاق المواهب والأفكار من عقال الخوف والريبة.

وحين يجهر الفرعون بـ { مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَى} (غافر:29)، فإنه لن يقابل إلا بردة فعل في الاتجاه المضاد؛ لا تعترف بالحوار، ولا تؤمن بجدوى الأفكار، ولا ترى إلا ذاتها.. وهل ثمة بيئة لتفريخ التعصب والغلو أفضل من هذه؟!

الانغلاق على الذات: إن من سنن الله الثابتة، أنه لم يخلق الناس على نمط واحد، بل قرر فيهم «سنة الاختلاف» في الألسنة والألوان والأعراق، بل حتى في الشرائع والمذاهب، قال سبحانه:

{وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ } (الروم:22). وقال سبحانه أيضا:

{ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ  } (هود:118 و119).

لكن المنغلق على ذاته لا يرى إلا نفسه، ولا يسمع إلا صوته، ولا يعترف بحق الآخرين في الاختلاف والاجتهاد، بل ربما لم ير لهم حقا في الحياة أصلا! وهذه الرؤية الأحادية مخالفة لسنة الله في الكون، ومن شأنها أن تجعل صاحبها يستهين بحقوق الآخرين، ويستخف بحرماتهم.

شيء من التسامح

في مقابل ظاهرة التعصب والغلو، التي لها آثارها المفسدة للدين والدنيا، تبدو أهمية قيمة التسامح كإحدى القيم الضرورية التي لا غنى عنها لمن ينشد مجتمعا متماسكا، ويبتغي تدينا صحيحا يتساوق مع الفطر السليمة والعقول المستقيمة.

والتسامح كقيمة فكرية وموقف عملي يقتضي أن نؤكد عدة أمور:

< إن كل إنسان -فيما دون العقائد؛ إذ الدين عند الله الإسلام- يملك طرفا من الحقيقة، مثلما أن العلم لا يعرف الكلمة النهائية؛ فهناك دائما ما يدعو إلى التغير والتطور، وتجربة الإمام الشافعي في مذهبه الجديد بعد القديم، خير شاهد؛ وما قرره الفقهاء من أن الفتوى -لا الحكم- تتغير بتغير الزمان والمكان والأشخاص والأحوال، يساند هذا ويعضده.

< التسامح يعني بالضرورة وجود من يخالفنا؛ وإلا فلا معنى للإشارة إلى التسامح والتأكيد عليه لو أن ثمة إجماعا على رأي واحد!

< التسامح مع المخالف لا يعني الرضا بما يقول به، ولا التنازل عن قناعاتنا الذاتية؛ بل يعني فقط السماح بوجوده والإقرار بحقوقه.

< إذا كانت إرادة الله سبحانه قاضية باختلاف الناس وتنوعهم، فلا راد لذلك؛ ومهمتنا أن ننقل هذا الاختلاف من دائرة الصراع والمواجهة إلى دائرة التدافع والتكامل.

< علينا أن نحذر من دعوات التسامح التي توجه بطريقة ملتوية بغرض أن ينصرف أهل الحق عن التمسك بحقهم ويرضوا بما وقع من ظلم؛ فهذه الدعوات تفقد قيمتها الأخلاقية إذا أريد لها أن تكون ستارا لتسويغ الظلم وتبرير الاستسلام.

< ينبغي أن تقدم النظم السياسية نموذجا للتسامح من نفسها أولا؛ فالناس على دين ملوكهم، والشعوب تربى وتعلم؛ وإذا كان المجتمع بفئاته مطالبا بإشاعة التسامح وجعله قيمة راسخة في الحياة بمختلف اتجاهاتها، فإن من بيدهم الأمر والنهي يصبحون أكثر مسؤولية في تحقيق تلك القيمة المهمة، التي هي -بلا شك- لازمة لعمارة الدنيا واستقامة الدين.

الهوامش :

(1) مجمع اللغة العربية بالقاهرة، المعجم الوسيط، ص: 465، مكتبة الشروق الدولية، ط4، 2008م.

(2) مجمع اللغة العربية بالقاهرة، المعجم الفلسفي، ص: 44، المطابع الأميرية، من دون رقم الطبعة، 1983م.

(3) ابن منظور لسان العرب، مادة (عصب)، ص: 4/2963، تحقيق: عبد الله علي الكبير، محمد أحمد حسب الله، هاشم محمد الشاذلي، دار المعارف، من دون رقم الطبعة وتاريخ النشر.

(4) مجمع اللغة العربية، المعجم الفلسفي، ص: 49.

(5) جميل صليبا، المعجم الفلسفي 1/306، دار الكتاب اللبناني، بيروت، 1982م، من دون رقم الطبعة.

(6) الراغب الأصفهاني، المفردات في غريب القرآن 472/473، مكتبة نزار مصطفى الباز، من دون تاريخ.

(7) ذكر د. طارق حجي في كتابه «تجربتي مع الماركسية»- الفصل الأول: الماركسية والماركسيون والأخلاق- أن الجماعات اليسارية المتطرفة كان يلاحظ انحدار شبابها من أسر مضطربة، وأنهم يعانون انحرافات نفسية وأخلاقية جعلتهم حانقين على المجتمع. كما ذكر أن هذا كان رأي الأستاذ عباس محمود العقاد أيضا.

2000200

د. إبراهيم الهدهد: المشكلة تبدأ من البيت والمدرسة.. ومنهما أيضا يبدأ الحل

د. هاشم بحري: عودة التنشئة الأسرية واحترام آدمية المواطن أولى خطوات العلاج

خبيرة إتيكيت: ضغوط الحياة والتفريط في الدين أفرزا هذه السلبيات

خبيرة اجتماعية: لابد من تربية النشء على السلوكيات القويمة واحترام الآخرين

إسلام لطفي ومحمد عبدالعزيز:

    تموج مجتمعاتنا الإسلامية اليوم بالعديد من السلوكيات السلبية، التي لا تمت إلى قيم دين الرحمة والتكافل والاحترام والنظافة والأخلاق الحميدة بصلة. ولا تبدأ هذه السلوكيات المرفوضة من علو الصوت والشجار في الطرقات والبصق فيها وحشوها بالنفايات، مرورا بالتحرش والتطاول وانتهاك الحرمات، والتنابز بالألفاظ والألقاب، وعدم الالتزام بآداب المرور والجيرة، وصولا إلى التخلي عن احترام الكبير وتوقيره، وفقدان المعلم هيبته وتطاول التلاميذ عليه، وكذا السخرية من علماء الدين وغياب توقيرهم.. كلها من السلوكيات المرفوضة التي جاء الإسلام بضدها.. سألنا عددا من العلماء عن هذه السلوكيات وكيفية علاجها، فإلى ما قالوا:

نبدأ مع دراسة لاستشارية الطب النفسي د. رضوى سعيد، أكدت أن السبب الرئيسي في تدهور السلوكيات المجتمعية هو المشكلات التي تتفاقم داخل المجتمع، لافتة إلى أن هناك علاقة بين المشاكل المجتمعية وسلوكيات الأفراد، فكلما ازدادت هذه المشكلات تدنت سلوكيات الأفراد.

وأوضحت أن الجهل والازدحام والتكدس السكاني والضوضاء تعد عوامل تقلل من قدرة الجهاز العصبي على التحمل، وبالتالي ينفعل الشخص، ثم يتجاوز، ومن هنا يظهر سوء سلوكياته. لذلك، نجد أن سلوكيات الأشخاص الذين يعيشون في الأماكن التي تمتاز بالطبيعة النظيفة والأقل ازدحاما تكون أفضل من سلوكيات من يقيمون في بيئة غير صحية.

حلقة مترابطة

بينما أشار تقرير للجمعية الوطنية للدفاع عن الحقوق والحريات، إلى أن هناك ظواهر غريبة طارئة على المجتمع المصري أصبحت في تنام وازدياد، ويجب على الدولة والمجتمع أخذ زمام المبادرة بمواجهتها. وأكد التقرير أنه إذا لم تتم مواجهة هذه السلوكيات فإنها سوف تنتشر كما النار في الهشيم، وهي سلوكيات مشينة ترقى إلى مستوى الجرائم مثل «التحرش، هتك العرض، زنا المحارم، الاغتصاب».

وطالب التقرير بضرورة مواجهة هذه السلوكيات بحسم وعدم دفن الرؤوس في الرمال، مشيرا إلى العديد من المظاهر السلبية الأخرى، مثل حالة الفوضى التي يمر بها الشارع، وانتشار البطالة والمخدرات والموبايلات الصينية الرخيصة الثمن، التي أصبحت وسيلة في أيدي المراهقين يتداولون من خلالها مقاطع الفيديوهات الجنسية المقززة، والتي تشكل جميعها حلقة مترابطة من السلوكيات السلبية التي ينبغي التصدي لها.

ابتزاز تكنولوجي

كما رصد تقرير آخر لمركز تنمية مهارات المرأة أبرز السلبيات التي جدت على المجتمع، وذكر منها مساوئ استخدام التكنولوجيا بطريقة خاطئة تسيء إلى الآخرين وتقتحم خصوصيتهم أو تمارس ضدهم الابتزاز. كما تطرق إلى سلبيات اجتماعية تتكرر يوميا، مثل إلقاء المخلفات والقمامة المنزلية من شرفات المنازل وأبواب السيارات في الشارع، أو وضع هذه المخلفات في أوعية أمام الشقق السكنية من دون غطاء، وإلقاء بقايا الطعام وقشور الفاكهة من وسائل المواصلات المختلفة أثناء السير، إضافة إلى التدخين داخل وسائل النقل والمواصلات وفي الأماكن العامة.

الأسرة هي الأساس

إلى ذلك، أكد نائب رئيس جامعة الأزهر د. إبراهيم الهدهد، أن رسول الله  " صلى الله عليه وسلم"  كما صح في الحديث الشريف عن أبي سعيد الخدري عن النبي  " صلى الله عليه وسلم"  قال: «إياكم والجلوس في الطرقات». قالوا: يا رسول الله، ما لنا بد من مجالسنا نتحدث فيها. قال رسول الله  " صلى الله عليه وسلم" : «فإذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه». قالوا: وما حقه؟ قال: «غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر». فإعطاء الطريق حقه من آداب الذوق العام التي يجب أن يكون المسلمون عليها في تصرفهم في الملتقيات العامة والشوارع.

وأضاف: كف الأذى هنا مبدأ عام.. المراد منه كف الأذى قولا وفعلا، والذي يحدث الآن في الطرقات أمور تقشعر لها الأبدان، حيث يكثر فيها الأذى بالقول أو الفعل، فنرى كثيرا انتهاك الآداب العامة والاعتداء على الذوق العام، فيستغل الإنسان ما أمام بيته أو متجره مما لا يحل له من حق لعامة المسلمين في الشوارع، ويضيق عليهم الطرقات.

وتابع: الأمر الآخر من الذوق العام أيضا المنافي للآداب، هو عدم احترام الصغير للكبير في أثناء جلوسه على قارعة الطريق، سواء كان جالسا أو قائما، حيث مرور الإناث أو الذكور، فليس هناك غض للبصر أو عفة في اللسان، ولا مراعاة لحق الكبير.. مع أن شريعة الإسلام في ذلك واضحة، حيث صح عن النبي  " صلى الله عليه وسلم"  في حديث عبدالله بن عمرو: «ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويعرف حق كبيرنا»، وفي الحديث الذي صححه الألباني: «ليس منا من لم يجل كبيرنا، ويرحم صغيرنا، ويعرف لعالمنا حقه»؛ فهذه أمور وسلبيات كثيرة جدا في المجتمع المسلم ما كان ينبغي أن يأتيها أحد من المسلمين، فمثلا صار من الأمور المعتادة جدا في الطرقات أن يمر كبار السن بينما الصغار من الشباب والغلمان يضعون قدما على أخرى ويتلفظون بألفاظ قبيحة، مع مد أرجلهم في الشارع بحيث لا يستطيع الشيخ الطاعن المرور في الطريق، وإذا استنكر الشيخ الأمر ناله شيء من الألفاظ القبيحة.. كل هذا يعتبر من الأمور التي تعد اعتداء على الذوق العام ولا يرضاها الإسلام.

وأكد أن الأمثلة كثيرة، فمن حفر حفرة أمام بيته ولم يقم بردمها وإصلاح الطريق كما كان، وترتب على ذلك أن يصاب أحد من المارة بسوء، فعليه ذنب وعقاب حسب الواقعة التي تحدث، فمعالم الشريعة واضحة في هذا الأمر. كذلك من المخالفة للذوق العام كسر قواعد المرور، لأنها من الأمور التي تنظم العلاقات في الشارع بين الأفراد والسيارات، فأي مخالفة من هذا القبيل هي مخالفة لشرع الله، وإن القانون يأتي لمصالح الناس كافة، فالناس جميعا في الحق سواء. ونرى كثيرا من المشاجرات التي تحدث، والتكدس جراء ذلك، وهو سوء سلوك من الأفراد، وعدم احترام الذوق العام.

وعن إلقاء القمامة في الشارع، أكد الهدهد أن الرسول  " صلى الله عليه وسلم"  قال: «طهروا أفنيتكم فإن اليهود لا تطهر أفنيتها»، والأمر ينطبق على الشارع أيضا، فالنظافة من الإيمان، ومعنى هذا أن الإسلام يربط النظافة بالإيمان؛ أيضا النبي  " صلى الله عليه وسلم"  علمنا أن من رفع شوكا أو عظما أو ما إلى ذلك من الطريق يعد بمنزلة صدقة فقال  " صلى الله عليه وسلم" : «الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة، فأفضلها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان». فالإسلام يدفعنا إلى أن ننظف شوارعنا، وكل الممتلكات العامة التي يستخدمها المواطنون.

وأشار إلى أن المصطفى  " صلى الله عليه وسلم" ، تحدث عن أن الإيمان يأمر بالنظافة، وأنه لابد من غسل اليدين، مع وضع اليدين على الفم عند التثاؤب أو العطس.. وكل ذلك المقصود منه في الإسلام عدم إيذاء الآخر، فكل ما فيه إيذاء للآخر وخدش لمشاعره هو من المنهي عنه شرعا، مما هو قائم الآن وما قد يستجد حتى قيام الساعة، لأن هناك أناسا يعانون من حساسية من هذه التصرفات، فربما لو رأى أحدا يبصق أو يدخن في الشارع ترتب عليه أذى، حتى في الصلاة، وكذا عادة التجشؤ التي تؤذي الآخرين، فقد ورد عن النبي  " صلى الله عليه وسلم"  أنه قال لرجل تجشأ: «كف عنا جشاءك، فإن أكثرهم شبعا في الدنيا أطولهم جوعا يوم القيامة».

وعن الأسباب التي أدت إلى ظهور هذه السلوكيات السلبية في المجتمعات المسلمة، قال الهدهد: الأسباب ترجع إلى التنشئة، لأن البيت هو الأساس في هذا الأمر، وترجع بعد ذلك إلى المدارس التي يتعلم فيها النشء الصغار، فنحن في بيوتنا لا ننتبه إلى الآداب العامة، مع أن الإسلام يأخذ بيد الإنسان ويعلمه كل شيء، فالنبي  " صلى الله عليه وسلم"  علم الأمة في أحاديث صحيحة كل شيء، حتى دخول الحمام والخروج منه، فالإسلام لم يترك هذه الآداب العامة، إنما فصلها تفصيلا، وعندنا في تراث المسلمين كتب في آداب السفرة والطعام، مع نصوص واضحة من الإسلام تعلم النشء هذا السلوك القويم العالي المستوى، الذي يرفع وضع الإنسان أمام الآخرين، إلا أن البيوت شغلتها شواغل أخرى كثيرة، وأصبح هم كل واحد أن يشتغل بلقمة العيش ثم لا يشتغل بتنشئة من يطعمه، فيكون ذلك الفساد الأعظم.

وعن العلاج، قال: يبدأ من البيوت والمدارس، ولابد من أن تكون لدينا مقررات دراسية للآداب العامة في مراحل التعليم المختلفة، خصوصا في المرحلة الابتدائية والإعدادية والثانوية، وأن توضع الآداب المناسبة لكل مرحلة عمرية؛ فنحن نفتقد الآداب التي يجب أن يتحلى بها الأبناء مع آبائهم، لأن الآباء أنفسهم افتقدوا الآداب المفروض أن يعلموها هم لأبنائهم، فذلك الأمر تعاوني، ولابد من أن يكون هناك تعاون بين الأسرة، مع وجود برامج توعية، وأن يكون هذا اتجاها عاما للدول الإسلامية، لأن التنشئة إذا كانت صحيحة تتحلى بالآداب العامة فكل ذلك يعود بالخير الوفير جدا على المجتمع. نحن الآن نرى الطفل في الشارع يمسك بزجاجة ويضربها في الحائط ويملأ أرض الشارع بالزجاج المكسور، مما يترتب عليه إيذاء الآخرين، فترسيخ الآداب العامة يعود بالخير على المجتمع والدولة والأسرة، لكن الناس لا يفطنون إلى هذا ويفطنون إلى كل شيء يحتاج إليه أبناؤهم من الناحية المادية فقط.

ولفت إلى أن هناك تأثيرات عدة على المجتمع، فبناء الأسرة أصبح متهالكا، وكثر العقوق، وتفكك الأسر، وتقطعت الأرحام. والتأثير الثاني هو على الدولة، فأصبحت الدول تتكلف كثيرا جدا بسبب تنظيف شوارعها. والتأثير الثالث على الفرد نفسه، لأنه يصبح بلا وعي لهذه الآداب، مما يجعله فردا مفسدا في المجتمع.

حياة آدمية

من جانبه، أوضح رئيس قسم الطب النفسي في جامعة الأزهر د. هاشم بحري، أنه لابد من عودة دور الأسرة في تنشئة أبنائها على سلوكيات مستمدة من الدين، وكذا ضرورة إصلاح التعليم، لأنه يعطي للإنسان ثقة في نفسه، واحتراما لذاته، حتى لا يدخل في مرحلة الانهيار. علاوة على أن تتحمل الدولة مسؤولياتها في توفير فرص العمل، وتهيئة البيئة المعيشية المناسبة التي توفر القدر المناسب من الحياة الآدمية لمواطنيها.

وأكد أن العنف من أبرز الممارسات السلبية الدخيلة على المجتمعات العربية، وهو نوع من تصريف الغضب، ويأتي على شكلين: إما الاعتداء على الآخرين وهو ما نراه في العنف في الشوارع أو التحرش، أو الاعتداء على النفس كما في حالات الإدمان. والحل يكمن في احترام النفس والشعور بقيمتها، فلو شعر الإنسان بقيمته لا يمكن له أن يعتدي على الآخرين أو على نفسه.

وأشار إلى أهمية مبدأ الثواب والعقاب للحد من هذه الظاهرة، وضرورة أن يبادر المجتمع إلى علاجها منذ الصغر.

أساسيات الفطرة

أما خبيرة الإتيكيت وفن التعامل ماجي الحكيم فقالت: كان المجتمع الشرقي يمتاز بصفات أصيلة، مثل الشهامة واحترام الصغير للكبير، لكن مؤخرا تراجعت هذه القيم نتيجة ضغوط الحياة، فتخلت الأسرة عن التربية في ظل انشغالها بالعمل، وبالتالي نشأت الأجيال خالية من أساسيات الذوق على الرغم من أنها من أساسيات دين الفطرة الإسلام.

وأضافت: الأصل في الإتيكيت هو التعليم الإسلامي، ونحن بطبيعتنا شعوب متدينة، وإذا لم يتعلم المسلم أساسيات دينه، مثل النظافة والحفاظ على الغير وخصوصياتهم وغض البصر، فلن يكون لديه أي صفة من أصول الإتيكيت. فالإشكالية الآن أن الناس ابتعدوا عن دينهم، ونحن في حاجة إلى العودة إلى أصولنا أكثر من التعلم، ويجب علينا أن نعامل الآخرين كما نحب أن يعاملونا.

ثواب وعقاب

بينما ترى الخبيرة في المركز القومي المصري للبحوث الجنائية والاجتماعية د. سوسن فايد، أن المسألة تعود إلى عوامل كثيرة، أهمها في الأساس التربية والتعليم من خلال الأسرة أولا، ثم من خلال المؤسسات التعليمية، حيث إنه في التنشئة يجب تعويد الطفل وتعليمه الطرق الصحيحة للتعامل مع الآخرين.

وأضافت: الثقافة العامة والضوابط واللوائح التي نضعها في المرور والنظافة والتعاملات على أي مستوى من المؤسسات، لابد من وجود قواعد ولوائح، وأن يكون هناك ثواب وعقاب، لكن في حالة عدم ضبطها تكون الفوضى، مثل ما نمر به الآن، لأنه لا يوجد ثواب وعقاب ومثل أعلى.

وشددت على أنه لابد من وجود هدف مشترك لدى جميع المؤسسات لمناقشة القواعد والضوابط التي تخلق المناسب للالتزام والابتعاد عن المظاهر السلبية. ومعظم الناس يريدون أن يكونوا صورة من المجتمعات المنظمة، لكن غياب المسؤولية والرقابة والمحاسبة تسبب في الوضع السيئ الذي نشهده.

 وعن أبرز المظاهر السلبية التي تثير استياءها، قالت إنها تكمن في الشوارع المكدسة بالسيارات وكأنها أصبحت «جراج»، فهناك بعض من يمتلكون سيارات لكنهم لا يستخدمونها، مما يحدث أزمة مرورية، علاوة على أن عدم إعطاء الطريق حقه من مظاهر الفوضى، كما طالبت النساء بأن يلتزمن بالزي الإسلامي، مؤكدة أن هناك أزمة ثقة متبادلة بين الذكور والإناث، ولكي يكون الالتزام كاملا علينا فهم الدين بحق.

20 01

القاهرة – الوعي الشبابي:

يذكر عن جابر بن عبدالله أنه قال: رأى عمر بن الخطاب لحمًا معلقًا في يدي فقال: ما هذا يا جابر؟ قلت اشتهيت لحمًا فاشتريته. فقال عمر: أو كلما اشتهيت اشتريت يا جابر؟! ما تخاف الآية "أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا".

جامعة ولاية سونورا بالمكسيك تمنح عبد الوهاب زايد الدكتوراه الفخرية

سونورا – الوعي الشبابي: منحت جامعة ولاية سونورا بالولايات المتحدة المكسيكية شهادة الدكتوراه ...

حسن بن محمد يكتب: العيد.. وتعزيز القيم الأسرية

حسن بن محمد - كاتب وباحث - تونس: يعتبر العيد مناسبة للفرح والاحتفال لدى كل العائلات المسلمة، وهو ...

مواجهة الإلحاد بالعلم والعقل والدين.. كتاب جديد للدكتور خالد راتب

القاهرة – الوعي الشبابي: أصدر الدكتور خالد محمد راتب، مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر ...

اتصل بنا

  • صندوق البريد: 23667 الصفاة 13097 - الكويت
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
  • 22467132 - 22470156

عندك سؤال