الخميس، 23 مايو 2024
رئيس التحرير
فهد محمد الخزّي

مرزوق العمري يكتب: من أعلام الدعوة الإسلامية.. الشيخ عمر العرباوي

الجزائر – مرزوق العمري: قيض الله عز وجل لخدمة دينه والدعوة إليه رجالا تميزوا بما آتاهم الله ...


 

 

المتواجدون على الموقع

المتواجدون الأن

91 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

هذا ديننا

11 18 2014 9 48 49 AM

عبدالعلي الوالي:

إن الباحث في علاقة النبي  " صلى الله عليه وسلم"  مع أهل النفاق، ليلفيه حكيما، وطبيبا، يتقن كيفية التعامل مع الداء، وإنتاج الدواء المناسب له، حيث كان  " صلى الله عليه وسلم"  يعاملهم بأساليب مختلفة، تتفق مع أفعالهم، ومدى خطورتها على الدعوة الإسلامية، وخطورتها على المسلمين، إذ كان همه الأكبر صلوات ربي وسلامه عليه هو الحفاظ على أمن واستقرار الدولة الإسلامية الناشئة، وإليك أخي القارئ الفاضل لمحة عن أساليب معاملة النبي  " صلى الله عليه وسلم"  للمنافقين:

أولا: أسلوب الصبر وعدم الإرغام على الفعل

رغم أن بعض المنافقين كانوا يعاملون النبي  " صلى الله عليه وسلم"  بسوء أدب، وكانوا يظهرون له أحيانا بغضهم له، ولدعوته، ويرفضون تقديم أي خدمة في سبيل الدعوة إلى الله تعالى والجهاد في سبيله، فإننا وجدناه  " صلى الله عليه وسلم"  يصبر على سوء معاملتهم، ولا يجبرهم على تقديم العون المادي والمعنوي للمسلمين، وإذا تتبعنا السيرة النبوية فسنقف على مشاهد كثيرة لذلك، أكتفي بعون الله تعالى بواحد منها.

ذكر صاحب الروض الأنف أن المنافق مربع بن قيظي (1) قال للنبي  " صلى الله عليه وسلم"  حين كان عامدا لأحد: «لا أحل لك يا محمد إن كنت نبيا، أن تمر في حائطي»، بل أكثر من هذا، أخذ في يده حفنة من تراب، ثم قال: «والله لو أعلم أني لا أصيب بهذا التراب غيرك لرميتك به»، فهل كان جواب النبي  " صلى الله عليه وسلم"  على هذا الفعل: اقتلوه، أو: اقطعوا رأسه؟ لا، لم يكن رد الرسول  " صلى الله عليه وسلم"  كذلك، وإنما قال لما ابتدره البعض ليقتله: «دعوه فهذا الأعمى، أعمى القلب، أعمى البصيرة». (2)

وبالتالي فيستفاد من هذا الخبر أمران:

الأول: الصبر على هذا المنافق، وعدم معاقبته على فعله الشنيع.

الثاني: عدم إجباره على مرور جيش النبي  " صلى الله عليه وسلم"  بحائطه.

ثانيا: أسلوب الإخفاء وعدم التشهير

من الثابت أن الله تعالى أخبر النبي  " صلى الله عليه وسلم"  بأخبار المنافقين واحدا واحدا، والدليل على ذلك قول أنس في قوله تعالى: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَن لَّن يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ (29)  وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ  وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ  وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ (30) } (محمد:30)، قال أنس: «فلم يخف منافق بعد هذه الآية على رسول الله  " صلى الله عليه وسلم" ، عرفه الله ذلك بوحي أو علامة، عرفها بتعريف الله إياه» (3) .

ومن المعروف أيضا أن النبي  " صلى الله عليه وسلم"  أسر إلى حذيفة أسماء المنافقين، حتى إن عمر ناشده: أأنا من المنافقين؟ فقال: لا، ولا أزكي أحدا بعدك (4).

لكن السؤال المطروح هنا هو: لماذا لم يخبر النبي  " صلى الله عليه وسلم"  عن المنافقين صحابته الكرام، وترك ذلك سرا؟

ربما إن ذلك يرجع لحكم، منها:

ـ أن الإسلام يعلمنا كيف نحكم على ظواهر الناس، ونترك سرائرهم للخالق عزوجل.

ـ أن في سترهم تحفيزا على الاجتهاد في العمل، وترك أعمالهم الدنيئة، لأن كل واحد من الصحابة يخشى على نفسه أن يكون منهم، كما عبر عن ذلك عمر بن الخطاب  "رضي الله عنه"

ـ أن من كان خطر إظهار أمره أشد من خطر إخفائه، فالأولى ستره.

وهكذاـ والله تعالى أعلم - لو فضح النبي  " صلى الله عليه وسلم"  أمرهم، لأدى ذلك إلى فتنة عظمى، لأن هؤلاء المنافقين كانوا ينتمون إلى قبائل مختلفة، فلو كشف النبي  " صلى الله عليه وسلم"  أمرهم لعيرت كل قبيلة غيرها بمنافقيها، وربما أدى ذلك إلى نبذهم داخل المجتمع، وذلك قد يكون سببا في عدم توبتهم.

ثالثا: أسلوب الحكم على الظواهر

لقد عامل الرسول  " صلى الله عليه وسلم"  المنافقين الذين كان كفرهم أشد من الكفار الصرحاء معاملة المسلمين في أحكام الدنيا، فلم يفرق بينهم وبين غيرهم من صحابته رضي الله عنهم، على رغم أن سيرتهم كانت دالة دلالة لا لبس فيها أنهم يكفرون بالله ورسوله وباليوم الآخر، ولم يكونوا مؤمنين مطلقا.

وبهذا يعلم أن من أظهر الإسلام، ودلت القرائن على كفره، لا يعامل معاملة الكفار حتى يكون كفره صريحا.

وقد كـــان بعـــــض أصــــــحاب رسول الله  " صلى الله عليه وسلم"  يتخذون ما يبدو لهم من القرائن الدالة على خيانة بعض الأشخاص، ممن أظهروا إسلامهم، حجة على عدم إيمانهم، ويستأذنونه في قتلهم، ويصفونهم بالمنافقين، لما يظهر لهم من أن نفاقهم نفاق اعتقادي، أي إنهم كفار، وليسوا بمسلمين. فكان رسول الله  " صلى الله عليه وسلم"  يدافع عمن عرف صدقه وإيمانه، ويقبل عذره، ويذكر ما له من فضائل، كما في قصة حاطب بن أبي بلتعة  "رضي الله عنه" ، الذي كشف في رسالة له سر رسول الله  " صلى الله عليه وسلم"  من عزمه على فتح مكة أرسلها إليهم مع امـــرأة، وكان  " صلى الله عليه وسلم"  قد أخفاه ليهاجم قريشا قبل أن يستعدوا لقتاله.

فلما كشف أمر حاطب، قال عمر: يا رسول الله، دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال الرسول  " صلى الله عليه وسلم" : «إنه قد شهد بدرا، وما يدريك لعل الله اطلع على من شهد بدرا، فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم» (5).

أما من دلت القرائن على نفاقه، ولم يعلم الرسول  " صلى الله عليه وسلم"  صدقه، وترجح له أنه منافق فعلا، فلم يكن  " صلى الله عليه وسلم"  يدافع عنه ولا يثني عليه، ولكنه لا يقر أحدا على قتله، ويعلل ذلك بأنه قد أظهر للناس أنه من المسلمين، والإسلام يعصم دماء من أظهره وماله، فإذا أذن في قتله ظن الناس أن محمدا يقتل من آمن به (6).

قال الإمام الشافعي رحمه الله مبينا منهج النبي  " صلى الله عليه وسلم"  في حكمه على ظواهر المنافقين: «وفي سنة رسول الله  " صلى الله عليه وسلم"  في المنافقين دلالة على أمور، منها: لا يقتل من أظهر التوبة من كفر بعد إيمان، ومنها أنه حقن دماءهم وقد رجعوا إلى غير يهودية، ولا نصرانية، ولا مجوسية، ولا دين يظهرونه، إنما أظهروا الإسلام، وأسروا الكفر، فأقرهم رسول الله  " صلى الله عليه وسلم"  في الظاهر على أحكام المسلمين، فناكحوا المسلمين، ووارثوهم، وأسهم لمن شهد الحرب منهم، وتركوا في مساجد المسلمين» (7).

رابعا: أسلوب قبول إبداء الرأي

فيما أعلم - والله أعلم - لم يثبت عن النبي  " صلى الله عليه وسلم"  أنه منع أحد المنافقين من التعبير عن رأيه، وأحيانا كان  " صلى الله عليه وسلم"  يقبل آراءهم، ولو مكرها.

والدليل على ذلك قصة المنافق عبد الله بن أبي مع النبي  " صلى الله عليه وسلم"  في شأن بني قينقاع، فلما فعل بنو قينقاع ما فعلوا بالمرأة المسلمة، (8) وهددوا النبي  " صلى الله عليه وسلم" ، (9) حاصرهم  " صلى الله عليه وسلم"  خمس عشرة ليلة، حتى نزلوا على حكمه.

فتدخل المنافق عبد الله بن أبي، ليجنب مواليه العقاب، فقال: «يا محمد أحسن في موالي»، فأبطأ عليه رسول الله  " صلى الله عليه وسلم" ، فقال: «يا محمد، أحسن إلى موالي»، فأعرض عنه، فأدخل يده في درع رسول الله  " صلى الله عليه وسلم" ، فقال له رسول الله  " صلى الله عليه وسلم" : «أرسلني»، وغضب حتى رأوا لوجهه ظللا، (10)، ثم قال: «ويحك! أرسلني»، قال: لا والله لا أرسلك حتى تحسن في موالي، أربعمائة حاسر (11) وثلاثمائة دارع، قد منعوني من الأحمر والأسود تحصدهم في غداة واحدة؟ إني امرؤ أخشى الدوائر، فقــــال رســـول الله  " صلى الله عليه وسلم" : «هم لك» (12).

فمن هذا الخبر نستفيد ما يلي:

ـ أن النبي  " صلى الله عليه وسلم"  لم يرفض أن يبدي هذا المنافق رأيه، فلم يقل له مثلا: اسكت أيها المنافق، لا حق لك في الكلام.

ويؤكد هذا الأمر، أنه لما اختلف الصحابة في مسألة الخروج لقريش من عدمه في غزوة أحد، كان رأي النبي  " صلى الله عليه وسلم"  موافقا لرأي المنافق ابن أبي، وهو الإقامة بالمدينة ومقاتلتهم بها (13).

ـ أنه رفض رأيه لأنه لم يكن صوابا، وربما لو كان صوابا لقبله، والدليل على هذا الرفض، إعراضه عنه.

ـ أنه قبل رأيه أخيرا مكرها، لأنه رأى في ذلك مصلحة راجحة للدولة الإسلامية الناشئة، وهي تجنيبها الفوضى والخلاف، لأن ابن أبي المنافق كان زعيما، له أنصار، وكان نفاقه لم يظهر بعد بشكل واضح، إضافة إلى أن عددا كبيرا من اليهود لايزالون بالمدينة، ومن الممكن أن يجرؤوا على أعمال مسيئة للمسلمين.

كما أن هدف النبي  " صلى الله عليه وسلم"  الأول هو إنهاء دسائس ومكر بني قينقاع، وليس قتلهم، وحتى إن فضل قتلهم، فمن أجل إخافة القبائل الأخرى المتربصة بالدولة الإسلامية الناشئة.

خامسا: أسلوب رد إرجافهم:

من أعمال المنافقين المشينة، أنهم كانوا يشككون في انتصار الإسلام، ويحاولون دائما تثبيط همم الصحابة رضوان الله عليهم، بادعائهم أن ما يقومون به مغامرات ستكون عواقبها وخيمة عليهم.

ففي غزوة الخندق لما ضيق العدو على المسلمين، وعظم البلاء عليهم، وجد بعض المنافقين ذلك فرصة لخلق البلبلة في صفوف جيش النبي  " صلى الله عليه وسلم" ، فقال: «كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط» (14).

وقال آخر: «يا رسول الله إن بيوتنا عورة من العدو، فأذن لنا أن نخرج فنرجع إلى دارنا، فإنها خارج من المدينة» (15).

فلما كثر الكلام، وتكلم المنافقون بكلام قبيح، تدخل النبي  " صلى الله عليه وسلم"  ليعالج إرجافهم، فقال: «والذي نفسي بيده ليفرجن عنكم ما ترون من الشدة والبلاء، فإني لأرجو أن أطوف بالبيت العتيق آمنا، وأن يدفع الله عز وجل مفاتح الكعبة، وليهلكن الله كسرى وقيصر، ولتنفقن كنوزهما في سبيل الله» (16).

وهكذا كان النبي  " صلى الله عليه وسلم"  يرد باطلهم، ويقوي عزائم أصحابه، حتى لا يكون لهم أثر على قلوب المؤمنين الصادقين.

سادسا: أسلوب التدرج من المسامحة إلى المواجهة:

إن أعمال المنافقين كما عرف من سيرتهم تطورت شيئا فشيئا، ففي البدايات الأولى لظهور الإسلام في المدينة المنورة، ظهرت منهم أعمال عدائية للنبي  " صلى الله عليه وسلم" ، إلا أنها كانت فردية، وكانت تظهر عبارة عن ردة فعل لواقعة ما، أو إبداء رأي في أمر ما، كما وقع في غزوة بني المصطلق حين كسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار، فقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين، فلما بلغ الخبر المنافق عبدالله بن أبي، قال: «قد نافرونا وكاثرونا في بلادنا، والله ما أعُدّنا وجلابيب قريش إلا كما قال الأول: سمن كلبك يأكلك، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل» (17).

ثم ما فتئت أعمالهم أن تطورت إلى عقد اجتماعات وترتيب لقاءات، وإعداد الخطط للكيد للمسلمين، ظهر ذلك جليا أثناء الإعداد لغزوة تبوك، حيث بلغ النبي  " صلى الله عليه وسلم"  أن ناسا من المنافقين يجتمعون في بيت سويلم اليهودي، يثبطون الناس عنه في غزوة تبوك.

وكذلك إن أمعنا النظر في ردود أفعال الرسول  " صلى الله عليه وسلم"  في وجه المنافقين، فسنجدها تدرجت حسب أفعالهم، فلما كانت أفعالهم فردية وعابرة كان  " صلى الله عليه وسلم"  لا يوليها اهتماما كبيرا، فلما أصبحت أعمالا مخططا لها، تغير أسلوبه في التعامل معهم من الصبر والصفح إلى المواجهة، فالمنافقون الذين اجتمعوا في بيت سويلم اليهودي قصد الكيد للمسلمين، أرسل إليهم طلحة بن عبيدالله في نفر من أصحابه، وأمره أن يحرق عليهم بيت سويلم، ففعل طلحة، فاقتحم الضحاك بن خليفة (18) من ظهر البيت، فانكسرت رجله، واقتحم أصحابه فأفلتوا (19).

وأمر رسول الله  " صلى الله عليه وسلم"  أيضا بهدم مسجد الضرار وتحريقه، لأنه أنشـــئ بنيـــة تفــريق جماعة المسلمين (20).

وخلاصة القول، أن تغير معاملة النبي  " صلى الله عليه وسلم"  للمنافقين من اللين إلى الشدة، ترجع إلى ما يلي:

ـ تغير طريقة المنافقين من أعمال عابرة إلى أعمال تتسم بالتخطيط والإعداد، لتقسيم الدولة الإسلامية الناشئة، أو هدمها إن أمكن.

ـ زوال المحاذير التي كانت تمنعه من مثل هذه الردود، حيث انكشف أمرهم للجميع، وظهر خبثهم لمن معهم ولمن ضدهم.

ـ محاولة النبي  " صلى الله عليه وسلم"  إبلاغهم رسالة مضمونها، أن أمرهم قد انكشف.

سابعا: أسلوب الحرمان من المناصب والمسؤوليات الحساسة في الدولة.

إن المتتبع لسيرة الرسول  " صلى الله عليه وسلم"  يدرك جيدا مدى حذره  " صلى الله عليه وسلم"  من مكائد المنافقين، ومن هذا الحذر أنه لم يول أحدا من المنافقين، قال ابن تيمية رحمه الله بهذا الصدد: «والنبي  " صلى الله عليه وسلم"  لم يول على المسلمين منافقا» (21).

وفي الأخير أسأل المولى عزوجل أن يحفظ أمتنا من كيد المنافقين ومكرهم، وأن يجنبنا هذه الخصلة المذمومة التي تجعل صاحبها في أسفل سافلين، لقوله تعالى: {إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا } (النساء:145).

الهوامش :

1- لم يزد صاحب الإصابة في ترجمته عن قوله: «والد مرارة... عد في المنافقين، ويقال: تاب». (6/ 53).

2- الروض الأنف، لابن هشام، تحقيق عمر عبدالسلام، دار إحياء التراث العربي، ط1، 4/212.

3- تفسير القرطبي، تحقيق هشام البخاري، دار عالم الكتب، ص 16/253.

4- سير أعلام النبلاء، مؤسسة الرسالة، ص 2/362.

5- السيرة النبوية لابن كثير، تحقيق مصطفى عبدالواحد، دار المعرفة، ص 3/ 538.

6- سيرة ابن هشام، دار الصحابة للتراث، ط: الأولى، ص 3/287.

7- الأم للشافعي، دار المعرفة، ص1/296.

8- سيرة ابن هشام،2/457.

9- المصدر السابق،2/456.

10- الظلل: جمع ظلة، وهي السحابة، (انظر مختار الصحاح، مادة ظلل، ص:196)، والمقصود بها هنا تغير وجه رسول الله  " صلى الله عليه وسلم" .

11- حاسر: لا درع عليه ولا عمامة على رأسه. (انظر: لسان العرب، فصل الحاء المهملة ، 4/187).

12- سيرة ابن هشام، 2/457.

13- المصدر السابق، 3/7.

14- المصدر السابق، 3/206.

15- المصدر السابق.

16- السنن الكبرى للبيهقي، تحقيق: محمد عبدالقادر عطا، دار الكتب العلمية، ط:3 رقم: 17863، 9/54.

17- سيرة ابن هشام، 3/286.

18- روي أنه تاب وصلح حاله، وقيل: إن والد الضحاك هو الذي كان منافقا، والله أعلم. (انظر ترجمته في الإصابة: 3/ 384).

19- سيرة ابن هشام، 4/183.

20- المصدر السابق، 4/202ـ 203.

21- الفتاوى الكبرى، لابن تيمية، دار الكتب العلمية، ط، 1-1987م، 

022012200212

محمد القاضي:

إذا كان البشر هم المادة التي يتعامل الإسلام معها، فإن مزيته هي الواقعية التي حتمت أن يهتم بالفرد الواحد أيًا كانت حالته وصفاته، سمت به الحال أو قعدت، ارتقت به مواهبه وملكاته أم أحجمت، فهو مادة صالحة لعمل الإسلام، يخاطبهم خطابًا واحدًا ويناديهم بنداء واحد غايته في ذلك تكوين جماعة فاضلة يسودها الحق والفضيلة يعمل في ظلها الأفراد من غير أن يجاوز الفرد حدوده، ومن غير أن تهمل حقوقه، ولكل مجاله الذي يمكن أن يسهم به في بناء صرح المجتمع الإسلامي الصالح، ومجتمع هذا معياره الأساسي وهذا ميزانه الذي يزن به أقدار أفراده هو مجتمع مثالي يستحق الاقتداء به، وتراث المسلمين الأوائل يشهد بأنهم سادوا وعزوا وقادوا الأمم الأخرى حين أحسنوا الانضواء تحت لواء الإسلام الحق وحين طبقوا أحكام ربهم في كل شؤون حياتهم، وليس من شك في أن خلاص المسلمين مما أصيبوا به من تخاذل وضعف إنما يكون في الأخذ بأحكام الشريعة الإسلامية الغراء والصالحة لكل زمان ومكان وتحمل الخير والسعادة والفوز دينا ودنيا.

إن الأمة الإسلامية تملك من عوامل البقاء أقواها وأعتاها وما يستعصي على الفناء، إنها تملك رسالة السماء، رسالة الحق والخير، رسالة الإسلام الذي وضع للحياة نظامًا دقيقًا داعيًا إلى العمل لآخر رمق في الحياة، فالعمل سر الحياة ومبعث نشاطها حتى في أحلك الظروف وأصعب الأوقات، وفي القرآن الكريم صور حية حاثة على العمل وسعيا عليه ليكون لنا هاديا ومرشدًا، يقول الرسول [: «إذا قامت الساعة على أحدكم وفي يده فسيلة فليغرسها» وليس للعمل حد محدود أو نطاق معين سوى أن يكون وفق ما جاء به القرآن الكريم أو السنة النبوية بعيدًا عما نهى الله عنه خاليا من الغش، عملًا يبني ولا يهدم، يطهر ولا يدنس، يقوي قدرات الفرد، وما حققت الدول العظمى مبتغاها إلا بالالتزام بهذه المبادئ التي نحن أولى بها من مجتمعاتهم واليابان خير شاهد على ذلك، أين وصلت وأين هي الأمة الإسلامية من تقدمها وتطورها؟

إن المستقبل للإسلام، ما في ذلك شك ورجاله هم شباب اليوم، إنهم أمل الأمة الإسلامية بما فيهم من بذور طيبة، تؤمن بالعمل الجدي والمثمر، ليعودوا بالإسلام إلى عزته وقوته وحضارته، والله الهادي إلى سواء السبيل.

422223

د. أشرف صالح محمد :

قدمت الحضارة الإسلامية نموذجًا رائعًا للوحدة والتنوع في إثمارها الحضاري، حيث هضمت فنون الأمم السابقة، وأعادت تمثيلها بعد تشذيبها وتهذيبها، وتصحيح اعوجاجها، وإكمال نقصها، ومن ثم إخراجها في حلة قشيبة، وكل ذلك في ظل عقلية تؤمن بالتكامل المعرفي للبشرية ومبدا الأخذ والعطاء، عقلية تبغض التقليد وتمجد التجديد، عقلية ترفض الإلغاء والإقصاء، والعصبية المقيتة، والإقليمية الضيقة. وبينما كان العالم الإسلامي يموج حضارة وتمدناً خلال عصور الخلافة الراشدة والأموية والعباسية والعثمانية، كانت أوروبا تعيش في أتون الجهل والهمجية والبربرية والرق والعبودية. وهذه حقيقة لا ننكرها بل نقرها، فعلماء المسلمين في كل مشاربهم إبّان عصور حضارتنا الإسلامية التي غبرت لم يخلِّفوا لنا سوى أمجادهم وكتبهم وتراثهم الذي نهلت منه كل الروافد المعرفية العالمية، لأنه كان ثبتا اتسم بالمصداقية البحثية مما جعلهم مشاعل التنوير ودعاة الاستنارة، ومجددين ومبدعين للعلم، فظلت حضارتهم تروي الإنسانية عبر القرون الوسطى حيث كانت الهمجية تسود أوروبا.

الحضارة هي الجهد الذي يقدم لخدمة الإنسان في كل نواحي حياته، أو هي التقدم في المدنية والثقافة معًا، فالثقافة هي التقدم في الأفكار النظرية، مثل القانون والسياسة والاجتماع والأخلاق وغيرها، وبالتالي يستطيع الإنسان أن يفكر تفكيرًا سليمًا، أما المدنية فهي التقدم والرقي في العلوم التي تقوم على التجربة والملاحظة مثل الطب والهندسة والزراعة، وغيرها. وقد سميت بالمدنية، لأنها ترتبط بالمدينة، وتحقق استقرار الناس فيها عن طريق امتلاك وسائل هذا الاستقرار، فالمدنية تهدف إلى سيطرة الإنسان على الكون من حوله، وإخضاع ظروف البيئة للإنسان، ولابد للإنسان من الثقافة والمدنية معًا، لكي يستقيم فكر الأفراد وسلوكياتهم، وتتحسن حياتهم، لذلك فإن الدولة التي تهتم بالتقدم المادي على حساب التقدم في مجال القيم والأخلاق، دولة مدنية، وليست متحضرة، ومن هنا فإن تقدم الدول الغربية في العصر الحديث يعد مدنية وليس حضارة، لأن الغرب اهتم بالتقدم المادي على حساب القيم والمبادئ والأخلاق، أما الإسلام الذي كرم الإنسان وأعلى من شأنه، فقد جاء بحضارة سامية، تسهم في تيسير حياة الإنسان.

سمات الحضارة الإسلامية

لقد وصف المسلمون في العصور الوسطى بأنهم بالفعل أصحاب أعظم حضارة، والسبب في هذا أن الحضارة الإسلامية كانت عالمية المنبع والمصب، فقد استفاد المسلمون من تراث الأمم السابقة في صورة التراث اليوناني والفارسي والهندي، وخاصة اليوناني، ولم يجدوا مشكلة تعوقهم في ترجمة هذا التراث نظرا لازدهار العالم الإسلامي من الناحيتين الاجتماعية والاقتصادية.

فقد تألقت الحضارة بسبب اقتصادي، حيث وضع المسلمون أيديهم على منافذ خطوط التجارة العالمية، وسيطروا على مناطق من البحر المتوسط حتى سور الصين العظيم، والشمال الأفريقي، وجنوب غرب أوربا في صورة شبه جزيرة أيبيريا، وكذلك جزر البحر المتوسط، حيث نمت تجارة المسافات البعيدة، حتى إنه لقد صدرت البضائع من خراسان بعيدا إلى مصر وشمالي أفريقيا، وبذلك سارت في أيديهم أموال سائلة ضخمة لتمويل مشاريع الترجمة والتشييد والبناء، ومن حسن حظ المسلمين أنهم سيطروا على مراكز التراث القديم في الهند وفارس ومصر فكانت حضارتهم متألقة.

يذكر أن الحضارة الإسلامية كانت ذات بعد إنساني واضح، كما اتسمت بطابع التسامح ولم تعرف التعصب، فقد أشار كلود كاهن Claude Cahen (1909م - 1991م): إلى أن روح التسامح تلك لم تشهدها الحضارات العالمية قديما أو حديثا. ويكفي أن عظماء الأطباء كان منهم المسيحيون واليهود، ومثال ذلك:«حنين ابن إسحق» (194 – 260هـ/ 810 – 873م) الذي أجاد اليونانية والسريانية والعربية، وأيضًا «موسى ابن ميمون» (1135م – 1204م) وهو طبيب يهودي بارع وواحد من سبعة أطباء كانوا مرافقيين شخصيين للسلطان الأيوبي صلاح الدين (1138م – 1193م). وبذلك التقى الإسلام والمسيحية واليهودية في حضن حضارة واحدة عالمية قامت بمشروع حضاري في العصور الوسطى عجزت أوربا عن القيام به، وإنما قامت بمشروع متعصب في صورة الحروب الصليبية.

مدن تاريخية ومتحفية

كان ازدهار الحضارة الإسلامية من خلال ازدهار المدن كالكوفة، والبصرة، وبغداد، ودمشق، والقاهرة، والفسطاط، والعسكر، والقطائع، والقيروان، وفاس، ومراكش، والمهدية، والجزائر وغيرها، وقد انعكس هذا الازدهار على المناطق الريفية. كما خلفت الحضارة الإسلامية مدنًا متحفية تعبر عن العمارة الإسلامية كإستانبول بمساجدها، والقاهرة بعمائرها الإسلامية، وبخارى، وسمرقند، ودلهي، وحيدر أباد، وقندهار، وبلخ، وترمذ، وغزنة، وبوزجان، وطليطلة، وقرطبة، وإشبيلية، ومرسية، وسراييفو، وأصفهان، وتبريز، ونيقيا وغيرها من المدن الإسلامية. وكانت هذه المراكز في تناقض واضح بالمقارنة بالمدن البائسة للعصور المظلمة في أوربا، وخصوصًا بين القرنين الخامس إلى العاشر الميلاديين، حيث أصيبت حضارة الغرب بالانحطاط في مختلف المجالات، ولم يبق من معارف الإغريق والرومان التي ازدهرت في أوربا سوى القليل محصورًا بين الأديرة والكاتدرائيات وبلاطات الحكام، وتميزت العصور المظلمة بتفشي الجهل، والتزّمت الديني الشديد، وتعاظم دور الكنيسة في مختلف مجالات الحياة.

حركة الترجمة

لقد كانت الترجمة هي أولى مراحل الحركة العلمية الإسلامية، وبداية التأريخ للعلوم في الحضارة العربية. وقد بدأت الترجمة بداية منظمة منذ بداية الدولة الأموية؛ فقد عمل الأمير الأموي خالد بن يزيد ابن معاوية (ت 85 هـ) على نقل بعض الكتب في الطب والكيمياء إلى العربية، وقد استمر في الحكم ثلاثة شهور، ثم تخلى عن الخلافة لينصرف إلى العلم، وقد درس بعض المستشرقين جهوده، وتوصلوا إلى أنه أسهم في تاريخ العلم.

وكانت الترجمة من أهم الأنشطة العلمية طوال العصر العباسي، لاسيما في عهود أبي جعفر المنصور وهارون الرشيد والمأمون، وظهر في تلك الفترة مترجمون رواد حملوا على عاتقهم عبء نقل التراث الإنساني الموجود آنذاك إلى اللغة العربية التي كانت لغة العلم في ذلك العصر، مما حدا بالعلامة «البيروني» إلى القول: «إن الهجاء بالعربية أحب إلي من المدح بالفارسية».

ومن رواد الترجمة حنين بن إسحاق وأولاده، ويوحنا بن ماسويه، وقسطا بن لوقا البعلبكي، وحبيش بن الحسن الدمشقي، واصطفن بن بسيل. ويذكر هنا أن العباسيين لم يتعصبوا للإسلام على نحو يجعلهم يتجنبوا التعامل مع علماء الديانات الأخرى، والدليل على التسامح حينذاك أن حركة الترجمة قامت على أكتاف العناصر المسيحية التي حققت إنجازا غير مسبوق، وفي حالة تعصب العباسيين رفضت هذه العناصر المساهمة في بناء الحضارة العربية الإسلامية.

ولم يقتصر دور العرب على الترجمة والنقل الأمين وحفظ العلوم من الضياع فقط، بل وقفوا موقف الدارس والشارح والمؤلف، فشرحوا الغامض، وصححوا الأخطاء، وأدخلوا الكثير من التعديلات والإضافات والتعليقات على أعمال الأقدمين. ولذلك فإن الحضارة الإسلامية تسمى «حضارة الجسر أو المعبر»، لأنها حملت التراث الكلاسيكي اليوناني وتراث الهند وإيران إلى أوربا، فكان التراث الإسلامي العامل الرئيس لبدء عصر النهضة الأوربية، وهذا ما اتفق عليه الكثير من مؤرخي العلم، فانتقال التراث الإسلامي -وخاصة العلوم والمعارف- إلى غرب أوربا خلال العصور الوسطى كان العامل الرئيسي لبدء عصر النهضة في أوربا وانتقالها من عصر الظلمات إلى عصر البحث والكشف العلمي.

صناعة الورق

الورق المعروف حاليًا يعود تاريخه إلى القرن الثاني الميلادي، ففي عام 105 بعد الميلاد صنع الصيني تسي آي لون ورقا من لحاء الشجر وشباك الأسماك، ثم توصل الصينيون إلى صنع الورق من عجائن لباب الشجر، فحلت بذلك مكان الحرير غالي الثمن، والغاب ثقيل الوزن اللذين قنع بهما الصينيون زمنا طويلا. وبعد ذلك طور الصينيون هذه الصنعة باستخدام مادة ماسكة من الغراء أو الجيلاتين مخلوطة بعجينة نشوية ليقووا بها الألياف، ويجعلوا الورق سريع الامتصاص للحبر.

ولكن الورق الصيني كان محدود الانتشار، ولم يذع خبره في العالم القديم أو الوسيط حتى القرن الثامن الميلادي، حين عرف العرب أسرار صناعة الورق الصيني بعد فتح سمرقند عام 93هـ/ 712م. وأسس أول مصنع للورق في بغداد عام 178هـ/ 794م، وأسسه الفضل بن يحيى البرمكي في عصر هارون الرشيد (786 – 809م)، ثم انتشرت صناعة الورق بسرعة فائقة في كل أنحاء العالم الإسلامي، فدخلت سوريا ومصر وشمال أفريقيا وإسبانيا، وكان الناس يكتبون حتى ذلك الوقت على الرق والعسب واللخاف، ثم أمر هارون الرشيد، بعد أن كثر الورق، ألا يكتب الناس إلا في الكاغد (الورق الكتاني).

ويعتبر هذا الأمر إنجازا كبيرا، لأن المسلمين في ظل حضارتهم المزدهرة في العصور الوسطى كانوا أكثر أمة استهلاكا للورق، حيث انتشرت في أسواقهم دكاكين الوراقين، وكان أفضل أنواع الورق الصحف الدمشقية.

المنهج التجريبي

لقد قام العلم الإسلامي على أساس من الملاحظة والتجربة، فالمسلمين أول من تحدث عن المنهج التجريبي في العلوم في العصور الوسطى في وقت كانت فيه أوروبا لا تدري من أمرها شيئًا، وهو منهج مخالف تمامًا لما كان عليه اليونانيون أو الهنود أو غيرهم، فهذه الحضارات كانت تكتفي في كثير من الأحيان بافتراض النظريات دون محاولة إثباتها عمليًا، فكانت في أغلبها فلسفات نظرية، لا تطبيق لها في الكثير من الأحايين، حتى وإن كانت صحيحة، وكان يؤدي هذا إلى الخلط الشديد بين النظريات الصحيحة والباطلة، إلى أن جاء المسلمون فابتكروا الأسلوب التجريبي في تناولهم للمعطيات العلمية والكونية من حولهم، وهو ما أدى إلى تأسيس قواعد المنهج العلمي التجريبي، الذي ما زال العلم المعاصر يسير على هديه.

ومن العلماء المسلمين الذين كان لهم باع طويل في هذا المجال جابر بن حيان (ت 803م)، والخوارزمي (ت 840م)، والرازي (864 – 930م)، والحسن بن الهيثم (965 – 1040م)، وابن النفيس (1213 – 1288م)، وغيرهم كثير، وهناك بعض العلماء وضعوا كتب في الرحلة، فحرصوا على أمر المعاينة والمشاهدة، ومثال ذلك الطبيب والرحالة العراقي عبد اللطيف البغدادي في كتابه «الإفادة والاعتبار في الأمور المشاهدة والحوادث المعاينة بأمر مصر»، ومعنى هذا أن البغدادي اتخذ من المعاينة وسيلة لتجربة الرحلة، لذا من حق المسلمين أن يفخروا بأنهم أوجدوا المنهج التجريبي قبل فرانسيس بيكون Francis Bacon (1561 – 1626م) وغيره من علماء الغرب.

في الواقع لقد كان للنهضة الفكرية الإسلامية أثر ملحوظ في تطور العلوم الإنسانية والتطبيقية للأمم المجاورة التي نقل إليها هذا التراث، في حين انحصر التراث العربي الإسلامي في موطنه بين القراءات النقدية التحليلية وانضواء معظم دارسيه تحت جاهزية المعطيات العلمية والفكرية، بالرغم مما يحتويه هذا التراث من زوايا علمية تفرد بها دون تراث الأمم الأخرى، لاسيما ما يملكه من تنوع وخصوبة منهجية ونقدية، وكان من بين هذه العلوم:

علم النفس

علم النفس من العلوم التي كان للمفكرين العرب دور في إبداعها وتدوينها بشكل مميز لا يخلو من الجدلية والمعاصرة الملائمة لروح العصور المختلفة، وقد أدرج ضمن الدراسات الفلسفية والحكمة والطب حيث لم يكتسب استقلاله العلمي التخصصي، بل ظهر كجزء مكمل للأبحاث الكلامية والطبية الموسعة التي قام بها الفلاسفة العرب.

كذلك بوّب العلماء المسلمون النفس ضمن مصنفاتهم الفلسفية الشاملة بعد أن ملئت شروحا وانتقادا على ما هي عليه في اليونانية، ثم أفرد بعضهم لها فصولا في المؤلفات الطبية كأبي بكر الرازي (251 هـ - 313 هـ)، وابن سينا (370 هـ - 428 هـ)، وعليه أصبح للنفس منحى نظريا في المؤلفات الفلسفية، في حين أخذت طابعا آخرا في المؤلفات الطبية التي لا تهمل الارتكازات النظرية التي دونها الفلاسفة، وأصبحت النفس مبحث علم الأخلاق، فأبو بكر الرازي الطبيب الفيلسوف كان يؤمن «بمعالجة النفوس كما تعالج الأجسام، لما لها من تأثير في صحة ومرض الأجسام، ويرى أن يكون طبيب الجسم في الوقت نفسه عالما بطب النفوس».

يعتبر كتاب «الطب الروحاني» لأبي بكر الرازي والذي يسمى بكتاب «طب النفوس» أهم المصادر التراثية لعلم النفس، حيث أفرده لدراسة النفس من منظور تخصصي، يتكون الكتاب من عشرين فصلا، ورغم صغر حجمه فقد دون فيه الكثير من المعلومات النفسية فعرف فيه ماهية النفس والانفعال، الكآبة، الجنس، الإدمان، العادة وحتى عقدة النقص.

كما أدلى الفقيه الأندلسي ابن حزم بدلوه في هذا الشأن، حيث تناول في كتابه «طوق الحمامة في الألفة والألاف» عاطفة الحب الإنسانية بالبحث والدرس، على قاعدة تعتمد على شيء من التحليل النفسي من خلال الملاحظة والتجربة، فيعالج ابن حزم في أسلوب قصصي هذه العاطفة من منظور إنساني تحليلي. والكتاب يحتوي على مجموعة من أخبار وأشعار وقصص المحبين، وقد وصف بأنه أدق ما كتب العرب في دراسة الحب ومظاهره وأسبابه، وقيل أنه توصل لأفكار تفوق ما توصل إليه عالم النفس النمساوي سيجموند فرويد (1856 – 1939م).

علم الصوت

اهتم الفلاسفة العرب بالبحث في الصوت، وألموا بالمعلومات الأساسية فيه، ولهم تصانيف في الموسيقى ضمنوها مباحث في منشأ الأصوات، وكيفية انتقالها، واختلاف بعضها عن بعض، وتناولوا كذلك بالبحث موضوعات يتناولها الآن علم الأصوات الحديث.

فقد ذكر إخوان الصفا (القرن الرابع الهجري، العاشر الميلادي) في رسائلهم موجزًا شاملا في علم الأصوات وعلم الموسيقى، وضمنوا هذه الرسائل خلاصة للآراء التي سبقتهم منذ عهد فيثاغورث (ت 503 ق.م)، عرّفوا الصوت بأنه:«قرع يحدث في الهواء من تصادم الأجرام، وذلك لأن الهواء لشدة لطافته، وسرعة حركة أجزائه، يتخلل الأجسام كلها، فإذا صدم جسم جسمًا آخر، انسل ذلك الهواء من بينهما وتدافع وتموج إلى جميع الجهات، وحدث من حركته شكل كروي، واتسع كما تتسع القارورة من نفخ الزجاج فيها، وكلما اتسع ذلك الشكل ضعفت حركته وتموجه إلى أن يسكن ويضحمل».

وقد قسموا الأصوات إلى أنواع منها الجهير، والخفيف و الحاد والغليظ، وعزوا ذلك إلى طبيعة الأجسام التي تصدر عنها هذه الأصوات، وإلى قوة تموج الأصوات بسببها، وفي اهتزاز الأوتار الصوتية وقفوا على العلاقة الكائنة بين طول الوتر وغلظه، وقوة شده أو توتره، وهذه التقسيمات التي صنفوا إليها الأصوات، تتفق وتقسيم الأصوات في العلم الحديث من حيث الجهر والهمس والشدة والرخاوة.

كما عللوا الصدى بأنه يحدث نتيجة لانعكاس الهواء المتموج من مصادمة جسم عال كحائط أو جبل أو نحوهما. وقد شرح الجلدكي (عز الدين أيدمر علي/ ت. 743هـ) هذه الظاهرة شرحًا كيفيا وليس قياسيا، فيقول في كتاب «البرهان في أسرار الميزان»: «ليس المراد منه حركة انتقالية من ماء أو هواء واحد بعينه، بل هو أمر يحدث بصدم بعد صدم، وسكون بعد سكون… والصدى يحدث عن انعكاس الهواء المتموج من مصادمة جسم عال كجبل أو حائط، ويجوز ألا يقع الشعور بالانعكاس لقرب المسافة، فلا يحس بتفاوت زماني الصوت وعكسه…».

ولعل أفضل عمل وصل من الفلاسفة العرب في الأصوات، رسالة لابن سينا (371 – 428هـ) بعنوان «أسباب حدوث الحروف»، وقد قسمها إلى ستة فصول:

الأول في سبب حدوث الصوت، والثاني في سبب حدوث الحروف، والثالث في تشريح الحنجرة واللسان، والرابع في الأسباب الجزئية لحرف من حروف العرب، والخامس في الحروف الشبيهة بهذه الحروف وليست في لغة العرب، والسادس في أن هذه الحروف من أي الحركات غير المنطقية قد تسمع. والصوت عند ابن سينا ينتج عن تموج الهواء دفعة وبقوة وسرعة، وسبب التموج عنده ما يسميه بالقرع والقلع، أي ما نسميه الآن بالتضاغط والتخلخل.

وقد وضع أحد الباحثين دراسة حديثة سجل فيها ريادة العرب في مجال علم الصوت، حيث عقد دراسة مقارنة بين نظرية الفونيم التي جاء بها العالم اللغوي الإنكليزي دانيال جونز في القرن العشرين، وبين نظرية الأصول والفروع في الأصوات عند ابن جني. وبعد عرض أصول النظريتين توصل عبر التحليل العلمي الصوتي لهما ريادة ابن جني في اكتشاف أصول نظرية الفونيم وتفاصيلها الدقيقة قبل دانيال جونز بقرون عديدة، كما تكشف الدراسة سبق الخليل بن أحمد الفراهيدي في بحث فيزيائية الصوت قبل علماء أوروبا معتمدا على حسه الصوتي المرهف وقدرته السمعية في تحليل الصوت.

علم الحيوان

علم الحيوان هو الفرع الثاني من فروع علم الحياة أو التاريخ الطبيعي، وهو علم يبحث في أحوال وخواص أنواع الحيوانات وعجائبها ومنافعها ومضارها. وموضوعه هو: جنس الحيوان البري والبحري والماشي والزاحف والطائر، وغير ذلك. والغرض منه: التداوي والانتفاع بالحيوانات، واجتناب مضارها، والوقوف على عجائب أحوالها وغرائب أفعالها.

كان اهتمام العرب بالحيوان وعنايتهم به، أمرًا طبيعيًا جبلوا عليه، خاصة أن المستأنس منها كان يمثل جزءًا لا يتجزأ من حياتهم بدوًا وحضرًا. فكانت الخيل والإبل والكلاب والشاء وغيرها عماد الحياة الاقتصادية والاجتماعية والجمالية لديهم؛ لذا عندما بدأت نهضتهم إبّان العصر العباسي، أضافوا إلى الأدب الملفوظ المحفوظ أدبيات صنفوها في كل نوع من أنواع الحيوان أليفة ووحشية، ووصفوها وصفًا دقيقًا، وبينوا صفاتها وأشكالها وطبائعها وأسماءها وأسماء أصواتها.

ومن أشهر الذين ألفوا عن الحيوان النضر بن شميل (ت 204هـ/820م). ومن آثاره كتاب الصفات في اللغة الذي يتكون من خمسة أجزاء، خصص الجزء الثالث منه للإبل، كما تناول الغنم والطير، وخلق الفرس من بين ما تناول في الجزأين الرابع والخامس. وكذلك أبو زياد بن عبدالله الكلابي (ت نحو سنة 200هـ/ 815م) وله كتاب الإبل، وهشام الكلبي (ت 204هـ/ 819م) ومن تصانيفه أنساب الخيل، وأبو عبيدة التيمي (ت 207هـ/ 823م) ومن مؤلفاته في الحيوان: كتاب الفرس، كتاب الإبل، كتاب الحيات، كتاب أسماء الخيل، كتاب البازي. والأصمعي (ت 214هـ/ 829م) ومن مصنفاته: خلق الفرس، الخيل، الإبل، الشاء، كتاب الوحوش. وابن السكيت (ت 243هـ/ 857م)، ومن تصانيفه: كتاب الوحوش، كتاب الحشرات، كتاب الإبل. والدينوري (ت 282هـ/ 895م) وله كتاب الخيل.

ومن المسائل التي سبق إليها العرب أثر البيئة في الحيوانات، فيورد الجاحظ (ت 255هـ/ 869م) عددًا غير قليل من الإشارات العلمية التي توضح فهمه لهذا الأمر، وهو أول من أشار إلى أثر الهجرة والمحيط في التغيرات التي تطرأ على حياة الحيوان، فبعضها يغير لونه أو سلوكه.

على الرغم من أن إسهام العرب في حقل الحيوان لم يكن واضحًا مثل إسهامهم في بقية العلوم، إلا أن لهم آراء سبقوا بها أفكار بعض المحدثين؛ فعلى سبيل المثال تنسب نظرية التكافل أو المشاركة الحيوانية للفيلسوف الألماني جوته (1749 – 1832م)، وقد أخذ ذلك من عبارته الشهيرة في فاوست «إن روحين يسكنان صدري». إلا أننا نجد إشارات واضحة لدى كل من الجاحظ والقزويني (605 – 682هـ)، والدميري (742 – 808هـ) لهذه النظرية التي مفادها أن بعض الحيوانات التي تعيش في بيئة مكانية واحدة، قد يربط بينها نوع من المصلحة المشتركة، لذا تنشأ بينها مودة كأن يحط طائر البقر فوق البقرة ليلتقط منها الهوام، أو كأن ينظف طائر التمساح أسنان التمساح مما علق بها من بقايا اللحوم.

الأحجار الكريمة

يقول علماء الجيولوجيا: إن الأحجار الكريمة نوع من المعادن والعناصر النادرة، تتكون أساسا من مادة «السيليكا»، ويوجد نحو 4 آلاف نوع معروف من المعادن الشائعة والموجودة في القشرة الأرضية، غير أن وصف «الأحجار الكريمة» لا ينطبق إلا على عدد ضئيل جدا من هذه المعادن بسبب ندرتها في الغالب، وهو أمر تحدده ظروف الطبيعة في المقام الأول.

وقد عرف العرب المعادن والأحجار الكريمة، وكانت كلمة المعدن في أول الأمر تعني لديهم المنجم. وأول من استخدم الكلمة لتدل على المعنيين هو القزويني في عجائب المخلوقات، وتحدث العلماء المسلمون عن المعادن والأحجار، وعرفوا خواصها الطبيعية والكيميائية، وصنفوها ووصفوها وصفًا علميا دقيقًا، كما عرفوا أماكن وجود كل منها. واهتموا بالتمييز بين جيدها ورديئها، ولعل عطارد بن محمد الحاسب (ت 206هـ، 821م) كان أول من ألف كتابًا في الأحجار باللغة العربية. وهذا الكتاب هو كتاب «منافع الأحجار»، وفيه ذكر أنواع الجواهر والأحجار الكريمة، ودرس خواص كل منها، وقد ذكر الرازي هذا المؤلف في كتابه الحاوي. وهناك من العلماء من يعزو كتاب «الأحجار» لأرسطو إلى أصل سوري أو فارسي، وكتبت النسخة بالعربية منه في أخريات القرن الثاني الهجري، وعلى الرغم من قلة المادة العلمية فيه، إلا أنها تعكس آراء المسلمين عن المعادن في ذلك الوقت.

لعل أقدم نص احتوى على أسماء الجواهر التي تعدن من الأرض، هو ما جاء في أمالي الإمام جعفر بن محمد المسماة التوحيد، نذكر منها الجص (أكسيد الكالسيوم)، والكلس (كربونات الكالسيوم)، والمرتك (أكسيد الرصاص)، والذهب، والفضة، والياقوت، والزمرد، والقار، والكبريت، والنفط. ثم جاء جابر بن حيان تلميذ جعفر الصادق ليضيف بعض الجواهر والمعادن مثل الأسرب (نوع من الرصاص)، والمرقيشيا والياقوت الأحمر. وأضاف إخوان الصفا (31) جوهرًا جديدًا منها: (الطاليقوني، والإسرنج، والزاجات، والشبوب، وبواسق الخبز والعقيق والجزع). ثم أضاف البيروني الزفت واليشم والخارصين. وبالجملة نجد أنهم عرفوا من المعادن حتى عصر البيروني نحوًا من (88) جوهرًا مختلفًا مما يستخرج من الأرض.

وقد اهتم العرب والمسلمون باستغلال المعادن والأحجار الكريمة بالقدر نفسه الذي أولوه لدراستها، فتكلم المؤلفون عن المناجم والمحاجر التي يستخرج منها الذهب والزمرد وغيرهما. وقد كانت لصياغة الحلي والأحجار الكريمة في عهد العباسيين منزلة كبيرة، فكان الذهب، والفضة، والزمرد، وأنواع الياقوت، واللازورد، والآزوريت، واللؤلؤ يجلب من خراسان وإيران والبحرين ونيسابور وصنعاء ولبنان والهند وسيلان والسودان. ومن الأسماء التي اشتهرت بالخبرة في التعدين في أواخر الدولة الأموية والدولة العباسية: عون العبادي، وأيوب البصري، وبشر بن شاذان، وصباح جد يعقوب بن إسحاق الكندي، وأبو عبدالله بن الجصاص، وابن البهلول، وغيرهم كثيرون.

علم الأرصاد الجوية

علم الأرصاد الجوية يعنى بدراسة جو الأرض، والتغيرات الجوية، التي يتألف منها المناخ، ويقيس علماء الرصد الجوي الرياح، ودرجة الحرارة، ومدى الرؤية، والضغط الجوي، والأحوال الجوية الأخرى، وكذلك يقيسون المواد الكيميائية الموجودة في الجو والتي تؤثر على المناخ مثل الكربون، وثاني أكسيد الكربون، والأوزون. وغالبًا ما يتمكن هؤلاء العلماء من التنبؤ بالحالة الجوية، من خلال تحليل المعلومات المتوافرة عن الجو.

وقد حقق المسلمون في هذا المجال إسهامات كبيرة، فتكشف لنا كتب الرحالة والجغرافيين عن إدراك كامل لدورة الرياح، وأنواع الرياح سواء الجافة أو المطيرة، واتجاهات الرياح، سواء على مناطق اليابس أو البحار، وقد استفاد العرب من ذلك في حركة التجارة التي كانت تعتمد على السفن الشراعية، كما أدركوا أيضا تأثير القمر على حركة المد والجزر.

وهكذا ساهمت الحضارة الإسلامية في العديد من العلوم في عصر تألقها، إلا أن إسهاماتها لم تستمر على المستوى نفسه، فقد تعرضت للانتكاسات التي أتت من الهجمات الخارجية في صورة الغزو الصليبي والمغولي، فدمرت إنجازات الحضارة الإسلامية، وأصيبت في مقتل على حد قول المؤرخ الأمريكي ويل ديورانت، إلا أن الباحثين الغربيين المنصفين يؤكدون أن الحضارة الإسلامية مثلت الأساس الذي بنى عليه الغرب حضارته المعاصرة، حينما قام بنهضته الكبرى في العصور الوسطى في القرن الثاني عشر الميلادي.

7462212

السيد أحمد المخزنجي:

غني عن البيان أن الإسلام يوم أن جاء إلى الناس ظهر في مجتمع تعددت فيه جنسيات الأرقاء، زنجًا ورومًا وفرسًا وأحباشًا... إلخ، وأهم من ذلك تعددت فيه المصادر والروافد التي تمد «نهر الرقيق» بالمزيد والمزيد من الأرقاء، والتي تجعل هذا النهر دائم الفيضان.. فلما جاء الإسلام اتخذ من هذا «النظام الاستعبادي» الموقف المغاير والهادف إلى إلغاء الرق، ولكن بالتدريج.

  حث الإسلام المسلمين على عتق الرقاب، بأن جعله قُربة يتقربون بها إلى الله، فمن أعتق رقبة أعتق الله بكل عضو منها عضوًا من أعضاء مُعتقيه من عذاب النار. وجعل كفارة بعض الذنوب التي يرتكبها العبد عتق رقبة.

ويتصل بمبدأ كرامة الإنسان، بوصفه إنسانًا، مبدأ آخر هو أن الناس جميعًا أمة واحدة: ربهم واحد، وأصلهم واحد، قال تعالى: {يَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}.(النساء:1). وقال تعالى: {يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ }(الحجرات:13).

مما سبق يمكن القول أن مفتاح موضوع حقوق الإنسان في الإسلام هو مبدأ كرامة الإنسانية الذي قررته نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، فالله عز وجل كرم الإنسان بوصفه إنسانًا بصرف النظر عن عنصره أو لونه أو ديانته!!

ومنهج القرآن صريح في هذا المعنى، فهو لا يتحدث عن العرب أو المسلمين أو الذين آمنوا، وإنما يتحدث عن الإنسان بوصفه (ابن آدم). قال تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} (الإسراء:70).

وبنظرة فاحصة في مصادر الإسلام الأساسية- القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة- نستطيع أن نتبين أن الإسلام قد اعترف– منذ البداية- بحق الإنسان في المساواة، وحقه في الحرية، بصورة صريحة وواضحة تمامًا. واعترافه أيضًا بالحقوق الأخرى المتفرعة عن هذين الحقين. ولم يكتف الإسلام بمجرد الاعتراف للإنسان بهذه الحقوق، بل سعى إلى تأصيلها، وبيان مرتكزاتها بصورة مقنعة للعقول، بهدف ترسيخ هذه المعاني في الأذهان، وتعميقها في النفوس.

ومن العذابات التي عانى منها الإنسان في رحلته التاريخية- ولا يزال- تلك الصور من التمييز اللوني، فهناك في العالم صور لتعالي الرجل الأبيض، وتصنيف البشر إلى سادة ومنبوذين، إما بسبب لونهم أو عنصرهم، وجعل بعض الحيوانات، كالقطط والكلاب، أكثر كرامة وأوفى حقوقًا من الإنسان الملون في «حضارة الرجل الأبيض»!! «وليست نظريات التمييز العرقي والقبلي والقومي التعصبي والطائفي، بأقل هدرًا وإلغاءً لحقوق الإنسان وكرامته من التمييز اللوني والحكم الطبقي والإقطاعي والثيوقراطي وتحكم رجال الدين»! (1).

فاقتضت إرادة الله الرحيم بعباده أن ينقذهم من سقطتهم، وأن يجعل منهم خير أمة أخرجت للناس، فأرسل محمدًا  "صلى الله عليه وسلم"  رحمة للعاملين، وهاديًا للناس أجمعين، أرسله بخاتمة الرسالات الربانية لتكون دين الإنسانية عامة، وعقيدة البشرية جمعاء، قال تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ} (الجمعة:2).

«وكان الرسول  "صلى الله عليه وسلم"  لا يحكم في العاصمة، ولا يرسم سياسة المال، ولكنه كان يحكم الروابط بين قلوب المسلمين في الريف والمدن البعيدة، فتقوم بينها محبة الإسلام وتكافل الإسلام وتراحم الإسلام، في الوقت الذي كانت البيئة الزراعية المماثلة في أوروبا تقوم على علاقة السادة والعبيد.. سادة لهم الأمر كله والملك كله، وعبيد ليس لهم من الأمر شيء سوى العبودية المطلقة والانعدام الذليل»(2).

وبالمقابل نجد أن الإسلام يقدم منظورًا واقعيًا لحقوق الإنسان في تشريعاته، منسجمًا مع الفطرة الإنسانية وثابتًا في التصور، حيث حدد الحقوق بأوامره ونواهيه الشرعية، ورسم الكيفية والضمانات التي يتم بها تأكيد تلك الحقوق وإبرازها، وبيَّن الأداة التي يناط بها إقامتها.

وهذا ما أرساه الرسول الكريم في مبدأ الشورى (كحق من حقوق الإنسان في الإسلام) والذي يتبلور في إطاره الحل الأمثل والعلاج الأنجح لكل المشاكل صغيرها وكبيرها. وغني عن القول أن يوصف– مبدأ الشورى– بأنه أعظم المبادئ دستورية و«ديموقراطية» تأكدت في ظله حقوق الإنسان، وكشف للعالم المتمدين عن أروع نظام سياسي عرفته البشرية في ظل هذا المجتمع الإسلامي الذي تحكمه وحدة القيادة ويسوده العدل القضائي في دولة الإسلام العالمية(3).

ففي هذا المبدأ بين الرسول الكريم، جملة من المسؤوليات التي تقع على عاتق الحكام والمحكومين، فوضع أساسًا قيِِّمًا لمسؤولية رجال الحكم أمام الأمة، فقال عليه الصلاة والسلام: «إن الله يرضى لكم ثلاثًا ويسخط لكم ثلاثًا، يرضى لكم أن تعبدوه وحده ولا تشركوا به شيئًا وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا وأن تناصحوا من ولاَّهُ أمركمْ» (رواه مسلم وأحمد عن أبي هريرة).

وهذا كله بخلاف ما تقرر في الفكر الغربي الرأسمالي الذي ربط مصدر الحقوق وتشريعاتها بمبدأ الحرية، وترك الأمر لكل قادر لنيل حقوقه بناء على ما يراه من مصلحة. ثم قيدها بالقيود الخيالية، عند الاضطرار لذلك. كالتأكيد على أن الحقوق والحرية الفردية تنتهي حين تبدأ حقوق الغير، أو التأكيد على عدم تدخل الدولة إلا عند انتهاك الحريات، وجعل مسؤوليتها الرئيسية: حماية الحريات دون رعاية الشؤون. مما يجعل الحقوق في الغالب أمرًا نظريًا، لا أثر له في الواقع، نظرًا لعدم امكانية الاتفاق حول «المصلحة» ولوجود الأثرة والنزعة الأنانية لدى الكثيرين، مما يؤدي في النهاية إلى سيطرة القوي على الضعيف، وسطوة القادرين، ووضع التشريعات من قبل الرأسماليين لخدمة مصالح طبقتهم وحدها دون مراعاة سائر حقوق أفراد المجتمع.

الهوامش

1- انظر: «تقديم» عمر عبيد حسنة لكتاب: النظرية السياسية الإسلامية في حقوق الإنسان الشرعية، دراسة مقارنة، للدكتورين أحمد المفتي وسامي الوكيل، ع (25) ط/1، أخبار اليوم، القاهرة، 1990، ص 16-18.

2- قبسات من الرسول، للأستاذ محمد قطب، دار الشروق، القاهرة، ط/7، 1400هـ - 1980م، ص 10.

3- العدل والتسامح الإسلامي، تأليف السيد أحمد المخزنجي، دعوة الحق، رابطة العالم الإسلامي، مكة المكرمة، 1407هـ - 1987م، ص 14.

685441355225

د. إيهاب عبد السلام :

إن المتأمل لمشاهد السيرة النبوية يدرك جيدا أن ما صدر من الرَّسُول -صلى الله عليه وسلم- لم يكن يصدر إلَّا من نبيٍّ مرسل من الله رب العالمين، وليس من مجرد مُصْلح من المصلحين، فهناك فرق كبير بين الدوافع التي تحكم أداء المصلح دون ارتباط بمنهج سماوي، وبين النبي المرسل المكلف برسالة سماوية، وأخصُّ هنا بعض مواقفه من الكفار الذين حاربوه، ونقاط الخلاف بينهما. إن مراجعة تلك المواقف الآن تثبت لغير المؤمنين بنبوة محمد -صلى الله عليه وسلم- أنه لم يكن إلا رسولا من الله تعالى، ثم إنها تزيد المؤمنين إيمانا على إيمانهم، وأعرض هنا تأملًا لأمرين.

الأمر الأول:

لم يكن المجتمع الذي نشأ فيه محمد –صلى الله عليه وسلم- شرًّا محضًا لا خير فيه البتة، ولم يكن الرسول متضررًا من ذلك الشر ضررًا يجعله يبحث عن مخرج له ولرفاقه من سوء ذلك المجتمع إلى خير يأتي به وحي من السماء..

بل إن الرسول –صلى الله عليه وسلم- كان من المكرَمِين بين أهله وقومه قبل أن يجهر بدعوته، كما تشهد بذلك سيرته وتاريخه، وقد فتحت الدعوة عليه بابًا من الأهوال لشدَّ ما اشتدَّ، وعانى منه وأصحابه الكثير، ولم يكن النبيُّ صاحب سلطانٍ فيفرض دعوته بالقوَّة، ولم يكن فقيرًا مُعدَمًا فيقالُ: إن دعوته ثورة الفقراء.

وكان مجتمع الجاهليين في قريش عند الكعبة وما حولها مجتمعًا آمنًا، وإن لم يكن مؤمنًا، بل كان يؤمن بآلهةٍ متعدِّدَة، وقد أحبُّوها وتعلقوا بها إيمانًا منهم بأنها تقربهم إلى الله رب العالمين، وقد توارثوا تلك العقيدة عن آبائهم حتى رسخت في نفوسهم.

والكعبة هي بيت الله قبل الإسلام وبعد الإسلام، وقد اختلف زعماء القبائل فيمن ينال شرف حمل الحجر الأسود قبل أن يبعث محمد رسولًا إكرامًا لهذا الحجر، حتى قضى محمد –صلى الله عليه وسلم- بينهم بأن يحملوه جميعًا على ثوب، فحسم الخلاف وأرضى الجميع. وعندما جاء الإسلام أكرم ذلك الحجر، وجعل الطواف حول الكعبة يبدأ وينتهي به، وجعل استلامَهُ وتقبيلَهُ سُنَّةً وكرامَةً.

لقد كان ذلك المجتمع يفتقد التوحيد، ومنهجًا سماويًّا، ولكنه لم يكن يحارب دعوات الإصلاح، وسنِّ القوانين، وتنظيم الحقوق والواجبات، على نحوِ ما كان في حِلف الفضول، الذي أرسى قاعدة الدفاع المشترك وردِّ الظلم ونصرة المظلومين، خاصة الغرباء الوافدين على مكة، وقد باركت الأغلبية هذا الاتفاق، وحضره الرسول –صلى الله عليه وسلم- قبل أن يوحى إليه، وقد ذكره بالخير وامتدحه بعد أن صار نبيًّا مرسلًا.

أقول: إن مجتمع الجاهلية لم يكن شرًّا محضًا، بل إن دعوات الإصلاح كانت لا تعدم التأييد، طالما أن ذلك الإصلاح لا يتعرض للأصنام بسوء؛ ولو كان محمد –صلى الله عليه وسلم-ذلك المصلح من ذات نفسه لدعا إلى ما دعا إليه دون حاجة إلى نسبة ذلك إلى الله رب العالمين والدعوة إلى تحطيم الأصنام، فتحطيم جميع الأصنام كان أمرًا مرفوضًا بشدة من القرشيين والرسول يدرك ذلك جيدًا، فتلك هي القضية التي شغلت كفار قريش، ولم يعترضوا على شيء اعتراضهم على التخلي عن أصنامهم.. لقد قبلوا من النبي كُلَّ شيء حتى أن يكون أغناهم وأن تكون له الرئاسة عليهم.. أمَّا ترك الأصنام فلا، والعبقرية المجرَّدَة من النبوة تستدعي ألا يستعدي الرجل القوم جملة واحدة، ونبذُه الأصنام استعداهم أيما استعداء، ولم تكن تلك الأصنام تعوق الإصلاح الذي يدعو إليه النبي، ذلك الذي يتمثل في العدل والإحسان وإيتاء ذي القربى والنهي عن الفحشاء والمنكر والبغي، فلم تكن تلك الأصنام تدعو إلى شر ولا خير، والنبي –صلى الله عليه وسلم- يدرك جيدًا أنه سيحارَب أشد الحرب إذا دعا إلى تحطيم الأصنام، فأهل مكة يدركون أنه -كما يقول الأستاذ عبد الرحمن الشرقاوي: «لئن كانت أصنام الكعبة ضلالًا حقًّا، فسينصرف العرب عن زيارة الكعبة خلال الأشهر الثلاثة الحرم، وسيحرم الأغنياء مصدرًا كبيرًا للغنى.. وسيفقدون بسقوط الأصنام كل هيبتهم وسلطانهم. سيبذلون كل ما يملكون ليكذبوه ويعذبوه ولينفوه هو من الأرض، قبل أن ينفي عنهم مبرر بقائهم سادة أغنياء.. أو لم يتوقع ورقة بن نوفل هذا كله؟!».

ولو كان الرسول –صلى الله عليه وسلم- يدعو من تلقاء نفسه لما بدأ بما يستعدي أهل مكة عليه خاصة السادة والأغنياء، بل ما احتاج إلى أن ينسب ذلك إلى الله رب العالمين، وكان سيكتفي بأن يُنَصِّبَ من نفسه صنمًا بجوار تلك الأصنام، فقد عرضوا عليه الرياسة فيما عُرِضَ من إغراءات فداءً للأصنام؛ ولكن الأمر لم يكن بيده بل أُلْقِيَ إليه إلقاءً، وكان كما وصفه القرآن الكريم: "إنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلَا" [المزمل: 5].

ولم يكن النبيُّ –صلى الله عليه وسلم- يعلم  أنه سيكون رسولًا من الله رب العالمين ولم يخطط لذلك مطلقًا، يقول الله تعالى: "وَمَا  كُنتَ تَرْجُو أَن يُلْقَى إِلَيْكَ الكِتَابُ إِلاَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِّلْكَافِرِينَ (86) وَلاَ يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ (87) وَلاَ تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ" [القصص: 86 - 88].

هكذا نجد القرآن يحذره كما يحذر غيره من الناس فما هو إلا بشر رسول مكلف بالتبليغ حتى إنه بعدما بلَّغَ ما أُمِرَ به.. قال وكأنه يتنفس الصعداء في آخر حياته: "اللهم قد بلغت، اللهم فاشهد". بل إن صورة محمد في بداية الوحي وهو المزمل المدثر الواجل الخائف الذي لا يدري ما يُصْنَع به، لتوحي إلينا بحجم المسئولية التي ألقتها عليه الأقدار دون اختيار منه أو سابق ترتيب.

الأمر الآخر:

لم يكن النبي –صلى الله عليه وسلم- يقبل مساومة من أحد في نشر دين الله، وتبليغه للناس، وكان هذا كل ما يعنيه؛ أن يسمع الناس كلامه، فما عليه إلا البلاغ، فكان يحرص على أن يقابل القبائل التي تفد إلى مكة في المواسم، فيقول لهم كما ورد في السيرة النبوية لابن هشام: «يا بني فلان، إني رسول الله إليكم، يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، وأن تخلعوا ما تعبدون من دونه من هذه الأنداد، وأن تؤمنوا بي، وتصدقوا بي، وتمنعوني، حتى أبين عن الله ما بعثني به».

وكانت أكثر القبائل لا تكتفي بالرفض، بل كانوا يردون ردًّا قبيحًا، والرسول لا يبالي إلا بأن يبلغهم.

وذات مرة، أقبل فيمن أقبل بنو عامر بن صعصعة، فعرض عليهم النبي ما يعرضه على القبائل من الإيمان، فقال رجل منهم اسمه (بيحرة بن فراس بن صعصعة): والله لو أني أخذت هذا الفتى من قريش لأكلت به العرب. ثم قال للنبي: أرأيت إن نحن بايعناك على أمرك، ثم أظهرك الله على من خالفك، أيكون لنا الأمر من بعدك..؟

إن العبقرية المجردة من النبوة تجعل الرسول –صلى الله عليه وسلم- لا يتردد في قبول ما عرضه بيحرة، فالنبي في ذلك الحين ضعيف يفتقد القوة والعزوة والحماية من البشر، وقد واتته الفرصة بأن يتبنى بنو عامر بن صعصعة دعوته وحمايته بفرسانهم وعتادهم. ولكن النبي قال له: «الأمر إلى الله يضعه حيث يشاء» ذلك رد نبي لا رد مجرد إنسان عبقري يريد شيئًا لنفسه، فهو لم يَعِدْهُ ولم يَحْرِمْهُ، وإنما ردَّ الأمر إلى الله تعالى وقد علمه الوحي ذلك؛ علمه أن يكون عزيز النفس حينما يدعو الناس إلى الله، في مثل قوله تعالى: (يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)[الحجر: 17].

لم يكن بيحرة يزن الأمور بميزان الإيمان والكفر، وإنما وزنها بميزان المصلحة الدنيوية، وكأنه أدرك بأن ذلك الفتى سينتصر بهم، ثم سيكون أمره إلى قومه بعد ذلك، فاشترط أن يكون الأمر إليهم وفيهم لا لغيرهم، ولما سمع رد النبي –صلى الله عليه وسلم-  قال له: «أفنهدف نحورنا للعرب دونك – أي نجعل رقابنا هدفًا – فإذا أظهرك الله كان الأمر لغيرنا؟! لا حاجة لنا بأمرك».

لقد رفضوا نصرته حين رفض مساومته على ما لا يملك أن يمنحه لقوم دون آخرين، فالمؤمنون جميعًا لديه سواء، وقد وعد الله المؤمنين بالنصر والعزة، إن نصروا الله وأيدوا رسوله وثبتوا على دينهم، فكيف يعد رسول الله بذلك قومًا أو قبيلة دون أخرى؟!

جامعة ولاية سونورا بالمكسيك تمنح عبد الوهاب زايد الدكتوراه الفخرية

سونورا – الوعي الشبابي: منحت جامعة ولاية سونورا بالولايات المتحدة المكسيكية شهادة الدكتوراه ...

حسن بن محمد يكتب: العيد.. وتعزيز القيم الأسرية

حسن بن محمد - كاتب وباحث - تونس: يعتبر العيد مناسبة للفرح والاحتفال لدى كل العائلات المسلمة، وهو ...

مواجهة الإلحاد بالعلم والعقل والدين.. كتاب جديد للدكتور خالد راتب

القاهرة – الوعي الشبابي: أصدر الدكتور خالد محمد راتب، مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر ...

اتصل بنا

  • صندوق البريد: 23667 الصفاة 13097 - الكويت
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
  • 22467132 - 22470156

عندك سؤال