الأربعاء، 24 يوليو 2024
رئيس التحرير
فهد محمد الخزّي

الدكتور أحمد زكي عاكف وتأديب العلم

د. محمود صالح البيلي - دكتوراه في الأدب والنقد: قيض الله سبحانه وتعالى للعربية من الكتاب من جمع ...


 

 

المتواجدون على الموقع

المتواجدون الأن

203 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

هذا ديننا

633256324

أ.د. مصطفى رجب :

تثير آيات القرآن الكريم المتشابهة لغطا كثيرا بين طلاب العلم، لاسيما الذين يهجمون على الإفتاء – منهم - بغير علم. كما أن تلك الآيات المتشابهة تستوقف القارئ أو السامع العادي الذي لم يؤت حظا من العلم بعلوم القرآن الكريم، فيفكر فيها، وربما قاده تفكيره إلى إساءة فهم المراد بتلك الآيات.

والسطور القادمة تسعى إلى كشف ما قد يكون بين بعض الآيات من تشابه، وبيان ما بينها من فروق لغوية دقيقة، ذكرها العلماء ممن رزقهم الله تعالى البصر والبصيرة فتدبروا آيات الله، ووقفوا على أسرارها، وأوضحوا ما بينها من روابط تجعل التعبير القرآني خير قدوة للقارئين والكاتبين.

< يقول الله تعالى: {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً  يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ  وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ} (المائدة:13)..

ثم قال في السورة نفسها: {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ  يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ} (المائدة:41).

فما سبب الاختلاف بين الآيتين، أو بالأحرى بين الجملتين اللتين تتحدثان عن تحريف الكلم؟ لم قال مرة: «عن مواضعه» ومرة: «من بعد مواضعه» والسورة واحدة؟.

في مثل هذه الحالات التي يبدو فيها التشابه بين الآيات قويا ملحوظا يحسن بنا أن نعود إلى السياق العام الذي وردت فيه كل من الآيتين: وسنرى أن الآية الأولى نزلت في شأن اليهود الذين حرفوا كلام الله، ونقضوا ميثاقه الذي واثقهم به، كما دلت عليه الآية السابقة للآية التي بين أيدينا، إذ تقول الآية السابقة لها:

{وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا  وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ  لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ  فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ} (المائدة: 12).

ومن المعلوم أنهم بعد هذا الميثاق تطاول بهم العهد وهم ينقضون الميثاق يوما بعد يوم، فلا عبدوا الله، ولا وقروا رسله، بل قتلوهم، ولا أقرضوا الله قرضا حسنا.. فجاءت الآية التالية مصدرة بالفاء التي تفيد التعقيب، وبالباء التي تدل على السببية في قوله: {َبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ } أي بسبب نقضهم ميثاقهم حلت عليهم اللعنة.

وهنا كان لا بد للسياق القرآني أن يستخدم «عن» في قوله: {ُيحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ}. لأن «عن» في اللغة العربية موضوعة «لما جاوز الشيء إلى غيره ملاصقا زمنه لزمنه»، أي أن تحريفهم لكلام الله ونقضهم لميثاقه لم ينتظروا به طويلا، بل حدث هذا منهم قريبا من نزول هذه التعاليم إليهم. فمجاورة زمن التحريف لزمن التكليف وقربه منه جاء بالحرف «عن» للدلالة على تجاور الزمنين.

أما الآية الثانية: {ُيُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ} فقد وردت في سياق آخر يوضحه نص الآية كاملا. إذ يقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ  وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا  سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ  يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ  يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا  وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا  أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ  لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ  وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ } (المائدة: 41).

فالسياق الكامل للآية يدل على أنها نزلت في قوم مخصوصين من اليهود على زمن نبينا محمد  " صلى الله عليه وسلم"  تحالفوا مع قوم من المنافقين ممن قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم، وقد أرسل هؤلاء وفدا للنبي  " صلى الله عليه وسلم"  يسألونه عن حكم زان محصن، وقالوا للوفد: إن أفتاكم محمد بالجلد فأقيموا الحد، وإن أفتاكم بالرجم فلا ترجموا الزاني. فجملة {ِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا }، وهي مقول قولهم لوفدهم - كما يظهر من الآية - جملة تفسيرية للجملة السابقة عليها: {ُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ} لأنهم فعلوا هذا وعندهم التوراة، فيها حكم الله معروف لهم في الجلد والرجم، فأنكروه ونصحوا وفد المستفتين نصحا يخالف ما استقر عندهم من شرع الله. فهنا جاءت «بعد» لتدل على استقرار كلام الله عندهم: أي من بعد طول عهد بهذا الكلام الذي يحرفونه عمدا. لأن «بعد» تفيد استقرار حكم ما بعدها.

< ويقول الله تعالى في شأن موسى عليه السلام: {فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ} (الأعراف:107).

وقال في موضع آخر: { تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ} (النمل:10)

قد يتوهم بعض طلاب العلم أن بين الآيتين تناقضا، وحاشا لله تعالى، فكتاب الله لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. لكن سياق الآيتين مختلف. فالآية الأولى جاءت في سياق حوار برزت فيه قمة التحدي بين رسول الله موسى عليه السلام من جهة، وفرعون وسحرته وجنوده من جهة أخرى. وكان سحرة فرعون يسترهبون الناس بتحويل عصيهم إلى ثعابين وحيات تسعى. فأوحى الله تعالى إلى موسى أن يلقي عصاه وهي – بقدرة الله تعالى - ستتحول إلى ثعبان عظيم، يلقف في جوفه كل ثعابينهم المزعومة. لتكون آيته التي سأله عنها فرعون – في السياق - من جنس آيات سحرة فرعون.

أما الآية الأولى فقد وردت في سياق أول حوار وقع بين رب العزة جل شأنه وبين موسى عليه السلام، حين ناداه ربه بالوادي المقدس - للمرة الأولى – فكان اهتزاز العصا شديد الوقع على نفس موسى عليه السلام، حتى بدت له كما لو كانت جنا يهتز. وحين نقرأ الآيات كاملة، ندرك مدى الرعب الذي حاق بهذا النبي عليه السلام حين توالت عليه المفاجآت، قال تعالى:

{فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (8) يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (9) وَأَلْقِ عَصَاكَ  فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ  يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (10)} (النمل:8-10).

< يقول الله تعالى عن نبينا محمد  " صلى الله عليه وسلم" : {مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى } (النجم: 2)

وقال الله في موضع آخر مخاطبا رسوله الكريم: {وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى} (الضحى:7)

فكيف نوفق بينهما؟

والجواب أن الضلال المراد في سورة النجم هو الضلال في الدين، وفي أمور العبادة والنبوة والإخبار عما في الغيب. والغواية بمعنى اتباع الهوى. فالنفي هنا لتأكيد أمانة النبي  " صلى الله عليه وسلم"  في التبليغ عن ربه، وصدقه المطلق في كل ما يأتي به قومه من أمور الدين الموحاة إليه من ربه.

أما الضلال الوارد في سورة الضحى فالمراد به الضلال في شؤون الدنيا المضطربة آنذاك – قبل المبعث - فقد كان محمد  " صلى الله عليه وسلم"  يرى قومه – قبل المبعث - على غوايتهم يعبدون الأوثان ويعظمون شأنها. فيحار بين ولائه لقومه، وبين ما تأباه فطرته السليمة من أمور عبادتهم. فتصيبه من ذلك حيرة طال عهدها به، حتى كان يلجأ إلى الغار يتأمل السماء والنجوم، ويدرك أن لهذا الكون خالقا أعظم. فعبر عن فترة القلق والحيرة تلك بالضلال تشبيها لحاله –  " صلى الله عليه وسلم"  - أثناءها بحال السائر في الصحراء على غير هدى لا يعلم طريقه. فالضلال هنا غير الضلال هناك.

< قال تعالى: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ } (آل عمران:144).

فكيف يقول: «مات أو قتل» مع أنه أخبر في آية أخرى أنه لن يقتل، وذلك حيث يقول سبحانه {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ} (الزمر:30)

وحيث قال: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} (المائدة:67)

والجواب عن ذلك أن صدق القضية الشرطية لا يتطلب صدق جزأيها، فحين يقول الله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} (الأنبياء:22).

القضية في أصلها صادقة: أي لو وجدت آلهة أخرى لعم الفساد، لكن جزأيها كاذبان، فلا آلهة ثم ولا فساد.

فليس معنى الآية أن الارتداد على الأعقاب مرتبط بحالتي الموت أو القتل فقط. بل هو واقع لا محالة.

وقال الألوسي في هذا المضمار قولا شافيا حين قال: إن كلمة «إن» لا تجري في كلام الله تعالى على ظاهرها بإيراد الشك في علمه تعالى بالوقوع وعدم الوقوع. بل يحمل الشك على اعتبار حال السامع، أو ما يناسب المقام، وقد وردت «إن» هنا – أي في هذه الآية – لتنزيل المخاطبين منزلة المترددين فيه لعظم ما ذكر لهم. (روح المعاني: 4:77).

قال تعالى: {وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ} (آل عمران:126).

وقال في سورة الأنفال: {وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ} (الأنفال:10) قد يتوقف القارئ أو السامع أمام هاتين الآيتين، فيلاحظ أن الجار والمجرور «لكم» جاءت بعد البشرى في آل عمران، ولم ترد في الأنفال. وإن الجار والمجرور «به» قد جاءت بعد القلوب في آل عمران، وجاءت قبلها في الأنفال. فما السر؟

إن تأمل السياق الذي وردت فيه كل آية من الآيتين يدل على سر ورودها على هذا النحو. فآية آل عمران جاءت إخبارا للمؤمنين بما تحقق لهم من عون من عنده سبحانه في غزوة بدر، على نحو ما يظهر من الآيات السابقة على هذه الآية {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ}.

أما آية الأنفال فقد وردت في سياق يدل على أن المؤمنين استغاثوا وطلبوا العون من الله. حيث يقول تعالى:

{وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ} فلما جاءت «لكم» ملتصقة بالاستجابة الفورية لاستغاثتهم. أغنى ذلك عن مجيئها مع البشرى.

وأما تأخير «به» بعد «قلوبكم» فلأنه لما أخر الجار والمجرور في الكلام الأول (بشرى لكم)، وعطف الكلام الثاني عليه، أخر الجار والمجرور في الثاني كما أخره في الأول.

وأما تقديم «به» في الآية الثانية فلأن نفوس المؤمنين - وهم في حال كرب واستغاثة - أحوج ما تكون إلى التثبيت والطمأنينة.

والضمير في «به» عائد على إنزال الملائكة الذي هو موضوع البشرى. فتقديم الجار والمجرور هنا – وهو ساد مسد المفعول به – أدعى لتهدئة تلك النفوس المتطلعة إلى نصره وعونه.

والله تعالى أعلم.

896523656

د.خالد راتب :

العبودية لله تحتم على العباد السعي نحو تحقيق صلاح الدنيا والآخرة، فالمسلم الحق من يمشي في مناكب الأرض بجسده، وروحه معلقة في السماء، يغذي جانبه المادي مما خلق منه وهو الطين { إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن طِينٍ } (ص:71)، وجانبه الروحي من الجانب العلوي بنور السماء { وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي} (الحجر: 29 )، وهذه هي التوازنية والوسطية في التعامل مع غذاء البدن والروح، وبهذا التوازن عبر التاريخ استطاع المسلمون أن يجدوا لهم مكانا في مسار الحضارات، وأجبروا العالم كله أن يقف وقفة المتعلم من الحضارة الإسلامية الباهرة، تلك الحضارة التي انطلقت من {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً  }(البقرة:30).

ومعنى استخلاف الله للبشر، وخلافتهم عن الله في الأرض يتطلب إطاعة المستخلف إطاعة كاملة، ولأن السيطرة على الأرض بتمكين الله للبشر تقتضي استغلال كل أوجه الخير فيها، من استنبات الزرع، وإحياء الضرع، وتشجير الأشجار، واستخراج المعادن والزيوت، واستثمار المناجم والمحاجر والمقالع، وإقامة المساكن والمصانع والقرى والمدن، حتى يعرف بكل ذلك ونحوه عظمة الله وقدرته، لأنه هو مانح الحياة لكل الموجودات.

فالخلافة الحقيقية هي التي تجمع بين تعمير القلوب والأبدان وتعمير الأكوان، بمنهج الله وفق سننه التي لا تتغير ولا تتبدل، ومن تلك السنن المطردة التي تغافل عنها كثير من الأجيال، أن السعي في الأرض والأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل على الله، بل إن السعي الباب الأول الذي يدخل منه البشر على التوكل، ولا توكل بدون أخذ بالأسباب عند التمكن منها، قال تعالى: {وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}(المائدة: 23)، وقوله سبحانه: { وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ}(يونس: 84)، فجعل الله التوكل على الله شرطا في الإيمان، وكلما قوي الإيمان قوي التوكل والعكس، فالتوكل أصل مراتب الدين، لأنه يشمل الإيمان والإسلام والإحسان.

وأما الآثار الظاهرة للتوكل فيأتي في مقدمتها صحة التعامل مع الأسباب دون الاعتماد عليها أو التعلق بها، فهي وسيلة من وسائل الامتثال والطاعة لرب العالمين ؛ وذلك لأن الله قدر مقدورات مربوطة بأسباب، وأمر عباده بتعاطي هذه الأسباب، ولم ينف عنهم التوكل عليه، قال تعالى: { فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (الجمعة: 10)، كما أن الأخذ بالأسباب من قدر الله، والإيمان بالقدر ركن من أركان الإيمان، ولو نقص هذا الركن من أبجديات الإيمان لنقص مخزون الإيمان, ولو فقد لفقد الإنسان الإيمان كله. اتخاذ السبب عبادة بالطاعة وتحقق النتيجة قدر من الله مستقل عن السبب لا يقدر عليه إلا الله، وبذلك يتحرر شعور المؤمن من التعبد للأسباب والتعلق بهذا، وفي الوقت ذاته هو يستوفيها بقدر طاقته لينال ثواب طاعة الله في استيفائها.

14177225

فاطمة الحناوي :

الشباب هم روح الأمة، وعنوان حيويتها، وطاقتها البانية، وليس هناك مجتمع أخذ بأسباب التقدم،  ولم يجعل لشبابه الموقع الأول من اهتمامه، فهم معين الحياة الذي لا ينضب، ولم تُعرف أمة من الأمم أولت لشبابها الاهتمام والرعاية ما أولته لهم الأمة المحمدية، بقيادة مربيها وقائدها الفذ، خاتم الأنبياء وسيد المرسلين، محمد بن عبدالله  "صلى الله عليه وسلم"  ، يقول سيد قطب: «إن المبادئ وحدها لا تعيش إلا أن تكون سلوكًا، ومن ثم جعل الرسول "صلى الله عليه وسلم"   هدفه الأول أن يصنع رجالًا، لا أن يلقي مواعظ، وأن يصوغ ضمائر، لا أن يدبج خطبًا، وأن يبني أمة، لا أن يقيم فلسفة» فأبدع  "صلى الله عليه وسلم"   في بناء الإبداع في شباب أمته، حيث ضرب "صلى الله عليه وسلم"   المثل الأعلى في رعاية الموهوبين، وصقل كفاءاتهم، بالرعاية والتدريب، والتشجبع والمتابعة، ثم فوق هذا، نمى الجانب الإيماني الروحي في كل عمل ونشاط، وفي كل فكرة وشعور، فالعبادات وما يتبعها من أثر روحاني عميق توجه النفس الإنسانية نحو السمو والصلاح، والإيمان النقي روح كل نفس إنسانية متكاملة، وهو أساس متين لتربية مضمونة النتائج، لذا اهتم الرسول "صلى الله عليه وسلم"   بترسيخ هذا الجانب في الشباب، لتغدو منطلقاته الحياتية إيمانية الجذر، ربانية الصبغة، إلى جانب هذا اهتم  "صلى الله عليه وسلم"   ببناء الشباب بناء نفسيًّا صحيحًا سليمًا، قائمًا على بث شعور الحب، والانسجام مع النفس والأسرة والمجتمع، واهتم بإعدادهم للحياة، حتى يؤهلهم لتجاوز كثير من الأزمات والصعوبات في مستقبل حياتهم، ويضمن لهم رغد العيش دنيا وآخرة، ويرصف بهم مستقبل الأمة الوليدة، ولأنه يريد أن يوجد الفرد القادر على تحمل المسؤولية، والقيام بواجب الأمانة والاستخلاف في الأرض، غرس  "صلى الله عليه وسلم"   في الشباب وحدة الأمة، ووحدة القيادة، وربط طاعة الأمير بطاعته  "صلى الله عليه وسلم"  ، وطاعته  "صلى الله عليه وسلم"   طاعة لله عز جل، ولو اكتفى  "صلى الله عليه وسلم"   بهذا لكفى، لكنه فجر كل طاقة كامنة فيهم، وصقل كل موهبة لديهم، فحري بكل معلم أن ينهج نهج الرسول  "صلى الله عليه وسلم"   في استكشاف مواهب الطلاب.

أما الإمام علي بن أبي طالب، كرم الله وجهه، فقد كان موهوبًا في أكثر من مجال، كيف لا؟ وهو ربيب بيت النبوة، فقد نهل من شريعتها وهو غض العود، وقد برزت موهبته في أكثر من واقعة، فتراه  "صلى الله عليه وسلم"   يعتمد عليه في معظم المهام التي تحتاج إلى قوة وجلد، وكان خير الفتيان يوم بدر وأحد وحنين، أما في خيبر فيقول ابن هشام – نقلاً عن ابن إسحاق: «... يقول سلمة: فخرج والله بها– أي الراية التي أعطاها له سيد الخلق  "صلى الله عليه وسلم"   يأنح– يهرول هرولة - وإنا خلفه نتبع أثره، حتى ركز رايته في رضم من حجارة تحت الحصن».

ويقول أيضًا: «قال ابن إسحاق: حدثني عبدالله بن الحسن عن أبي رافع مولى رسول الله "صلى الله عليه وسلم"   قال: خرجنا مع علي بن أبي طالب حين بعثه رسول الله "صلى الله عليه وسلم"   برايته، فلما دنا من الحصن خرج إليه أهله فقاتلهم، فضربه رجل من يهود، فطاح ترسه من يده، فتناول علي بابا كان عند الحصن، فترس به عن نفسه، فلم يزل في يده وهو يقاتل، حتى فتح الله عليه، ثم ألقاه من يده حين فرغ، فلقد رأيتني في نفر سبعة معي، أنا ثامنهم، نجهد على أن نقلب ذلك الباب فما نقلبه».

وإن كانت سيرته "صلى الله عليه وسلم"   مع شباب أمته، كلها شذى وعبير، فقد اكتفيت هنا بذكر اليسير لعل اللبيب يستنير، وينهج مع تلامذته نهج الخبير، ولا يولي عنها وجهًا ولا يستشير.

images1221

أ.د. أمان عبد المؤمن قحيف :

الأمن المجتمعي خاصية تتصف بها المجتمعات المتحضرة والأمم المتقدمة، فأنت لا تجد أمة متخلفة علميًّا وتكنولوجيًّا تنعم بتوافر الأمن والهدوء لأفراد مجتمعاتها، تمامًا مثلما يعز عليك أن تجد أمة نجحت في ارتياد آفاق التحضر والرقي وتعاني في الوقت نفسه من غياب الأمن المجتمعي الذي يحقق السكينة لكل أفرادها، وتعد المجتمعات الأوروبية والأميركية المتقدمة وبعض المجتمعات الأفريقية المتخلفة علميًّا أوضح الأمثلة على ذلك.

ولما كانت العبادة السليمة لا تتحقق، شأنها شأن عمارة الأرض، إلا في ظل جو من الأمن المجتمعي فقد حرص الإسلام الحنيف أشد الحرص على أن يتوفر للناس أمنهم، ويتوفر لهم الجو المناسب الذي يضمن فيه الإنسان صيانة ماله وعرضه وولده من التلف أو التعرض للمخاطر.

ويتبين للمدقق في تعاليم الإسلام الحنيف وتشريعاته أنها تصب في النهاية في مصلحة أن يعيش الناس في جو من السكينة والاطمئنان النفسي والروحي، فالله تعالى عندما حرم الزنا- مثلا- أراد من ذلك ألا يحدث أي نوع من التطاول أو الاعتداء على أعراض الناس، لأن ذلك يؤدي إلى اندلاع الخلافات والمشاحنات بينهم، ويؤدي أيضًا إلى ضياع الأنساب وانتشار الأمراض المستعصية- كالإيدز- مثلًا، ذلك المرض الذي انتشر في الحضارات التي لا تعيش حياتها وفقا للتعاليم والتشريعات الدينية التي تحض على فضائل الأعمال وتؤكد القيم الأخلاقية السامية.

هكذا يتأكد لدينا أن تحريم الإسلام للفاحشة يعد هو الآخر طريقًا نحو تمهيد الفضاء المجتمعي للأمة كي تعيش في حالة من الأمن والاستقرار والتوافق بين مكونات المجتمع التي تشكل بنيته العامة .

من هذا المنطلق يتبين لنا أن الإسلام كان حريصًا على أمن المجتمع واستقراره عندما حرم الزنا، ويقاس على ذلك تحريمه للكذب، والغيبة، والنميمة، وقتل النفس بغير الحق، والخداع، وسب الآخرين أو لعنهم، أو التطاول عليهم...إلخ من الأمور والمسائل التي حرمتها الشريعة الإسلامية، بهذا يكون التشريع قد جاء ليؤكد في الكثير من المواضع على حرص الإسلام الحنيف على توفير الأمن المجتمعي للناس جميعًا، الأمر الذي يفيد أن من يتطاول على الناس، أو يتسبب في ترويعهم، أو قض مضاجعهم، أو الإساءة إليهم بالقول أو الفعل، أو من يتسبب في إرهابهم وتخويفهم، كل من يفعل هذا أو يقدم عليه تتعارض سلوكاته تلك من حيث المعنى والمضمون مع ما أمرت به الشريعة وأقره الدين الحنيف.

إن الشريعة الإسلامية التي جعلت تبسم الإنسان في وجه أخيه صدقة لا يمكن أن توافق أو تبيح بحال من الأحوال لإنسان أن يتسبب في إرهاب الناس أو تخويفهم أو ترويعهم أيا ما كان هؤلاء الناس، وأيًا ما كانت مذاهبهم ومللهم وعقائدهم، لأن الله عز وجل أرسل نبيه ص رحمة للعالمين جميعًا سواء من آمن منهم به أو من لم يؤمن به، قال تعالى في محكم التنزيل: {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} (الأنبياء: 107)، ومعلوم أن النبي ص هو المثل والقدوة والأسوة الحسنة للمسلمين، كل المسلمين، قال تعالى: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرًا} (الأحزاب: 21)، من هنا كان على المؤمن أن يكون داعية خير ورسول سلام أينما كان وحيثما كان، لا فرق في ذلك بين وجوده في دار الإجابة أو في دار الدعوة، فالمؤمن لا يخيف الآخرين، ولا يرعبهم، ولا يقض مضجعهم، ولا يقلق أمنهم العام.

ولقد أراد الإسلام الحنيف من الناس أن يتعاملوا برباطة جأش وقوة إرادة مع الملمات التي قد تتعرض لها الأمم والشعوب في مراحل حياتها وتطورات تاريخها، فلا يجب الجزع، أو الهلع، أو الخوف، أو الانهيار النفسي عند حدوث طارئ ما، بما يؤثر سلبًا على حالة المجموع، ويؤدي إلى شيوع وإشاعة الرعب بين الناس، إذ يجب من الناحية الشرعية مواجهة الأمور بحزم وعزم ورباطة جأش، وهنا يشير الإسلام إلى ضرورة الاستفادة ممن يمتلك القدرة على توجيه الأمور نحو الوجهة الصحيحة والسليمة، بمعنى أنه لابد من أن يوسد الأمر إلى أهله، حتى يتمكن المجموع من النجاة من الملمات التي قد تصيب الناس على مختلف طوائفهم ومذاهبهم، قال تعالى: {وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلًا} (النساء: 83).

والإسلام الذي جعل من قواعده الأساسية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ينهى عن ترويع الناس، كل الناس، ذلك لأننا إذا قسمنا الأمور إلى «منكر ومعروف» فإن المرء لا يتردد للحظة واحدة في أن يضع مسألة ترويع الناس وتخويفهم ضمن المنكر الذي جاء الإسلام الحنيف لينهى كل الناس عن إتيانه أو الإقدام عليه، بل إن ديننا الحنيف جعل خيرية هذه الأمة تكمن في أمور عدة من أوائلها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والأكثر من ذلك أنه ذهب إلى أن شرط تحقق خيرية هذه الأمة يكمن في كونها تمارس الدعوة إلى الخير وتنهى عن المنكر والشرور، بعد إيمانها بالله تبارك وتعالى، قال عز وجل في هذا المعنى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله} (آل عمران:110).

ونظرًا لتأكيد الأسلام على أهمية الأمن المجتمعي للحياة البشرية فقد جعله الله تبارك وتعالى بمنزلة إحدى المكافآت الكبرى التي يتحصل عليها المؤمنون جزاء إيمانهم بربهم والتزامهم بالمنهج السماوي في حياتهم الخاصة والعامة، أو في عباداتهم ومعاملاتهم، فالله تبارك وتعالى عندما يستخلف المؤمنين في الأرض، ويمكن لهم دينهم الذي ارتضاه لهم ويبدل الخوف في حياتهم أمنا، ويجعلهم يعيشون في طمأنينة وأمان، فإن ذلك كله يأتي كنتيجة لكونهم من أهل الإيمان والطاعة الخالصة الذين لا يرتدون إلى الكفر والفسوق، قال تعالى في محكم كتابة الكريم: {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئًا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون } (النور: 55).

من ثم فإن من يعكر صفو المجتمع بتهديد الأمن فيه يعد فاعلًا للمنكر لا محالة، وهو منفلت من تعاليم الإسلام الشرعية التي حرصت على المحافظة على حياة الناس وأموالهم وأنفسهم، ومعلوم أن تلك الأمور من المقاصد العامة للشريعة الإسلامية الغراء.

ولقد اشتملت سيرة رسول الله ص على العديد من المواقف التي تؤكد حرصه ص قبل البعثة وبعدها، على أن يكون الأمن المجتمعي متحققًا في أهله وقومه إلى أبعد مدى ممكن، فالثابت من كتب السير أن الناس هرعوا في صباح يوم من الأيام على سماع أصوات وجلبة حول مكة مما حرك مخاوفهم وأزعج نفوسهم، فهرعوا الى خارج مكة يتساءلون: ما الخطب؟ واذا بهم يرون رسول الله ص قد سبقهم الى استكشاف الأمر، وعاد ليطمئنهم جميعا بأنه لا شيء يدعو للخوف ولا للهلع أو التوتر، وهذا الأمر يكشف من جهة عن شجاعته وشهامته ص ويكشف في نفس الوقت عن حرصه على ان يكون مجتمعه الذي يعيش فيه ويحيا بين جنباته آمنا مستقرًّا طوال الوقت، أما بعد بعثته فقد كان ص من أحرص الناس على إشاعة الطمأنينة في النفوس وتكريس الأمن في المجتمع، لدرجة أنه ص لم يكن يحب أو يقبل أن يحدث أي نوع من أنواع التوتر في العلاقات بين الذوات الإنسانية المفردة من بني قومه، فضلاً عن حرصه على المجتمع ككل متكامل.

ولقد حرص الرسول ص على شيوع الأمن بين الأفراد والأسر داخل بنية المجتمع الواحد حتى في أبسط الأمور، لذلك كان يأمر المسلمين بأن من أعد مرقًا فعليه أن يكثر منه ليعطي جيرانه من هذا المرق، وأكثر من توصيتهم بالجيران خيرًا، ونقل لهم أن جبريل \ مازال يوصيه بالجار حتى ظن النبي ص أن الشرع سيعطي للجار حقًا أو جزءًا من الميراث.

كل هذه مسائل كانت تهدف ضمن ما تهدف إليه إلى تحقيق درجة عالية من التآخي، والتواصل، والتعاون، والتكافل بين أبناء المجتمع الواحد، تلك الأمور التي تصب في النهاية في تكريس الأمن والأمان للذوات الإنسانية المقررة، بل للمجتمع بشكل عام.

إن حرص الإسلام على استتباب الأمن يرجع إلى أمور عدة نذكر منها ما يلي:

أولًا: إن من مقاصد الشريعة الإسلامية المحافظة على حياة الناس وأموالهم، ومعلوم أن استتباب الأمن يحافظ على الحياة والأموال، لأن افتقاد المجتمع للأمن يؤدي بالتالي إلى تعرض جميع الأنفس والممتلكات للتهلكة، والنهب، والتدمير، بهذا يأتي الحرص على الأمن المجتمعي في صدارة ما يأمر به الإسلام وما تهدف إليه مختلف القوانين الأخرى.

ثانيًا: إن الشريعة الإسلامية حريصة كل الحرص على تقليم أظافر أولئك الأفراد الذين يعيثون في الأرض فسادًا، حتى وإن ادعوا أنهم من أصحاب القلوب الطيبة والأفئدة النقية، ومعلوم أن انتشار الفساد في أي مجتمع من المجتمعات يؤدي بالضرورة إلى افتقاده للأمن، الأمر الذي يتيح لهؤلاء الأفراد الخارجين على الدين والقانون أن ينشطوا في الإفساد في الأرض، وهذا على خلاف مراد الله تبارك وتعالى في الكون، لذلك توعد الله عز وجل هذا الصنف من الناس بجهنم وبئس المصير، قال تعالى في هذا المعنى: {ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام. وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد. وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد} (البقرة: 204-206).

ثالثًا: المحافظة على إيجاد جو عام يناسب ممارسة العبادة والدعوة إلى الله تبارك وتعالى، لأن كلا من العبادة والدعوة في حاجة ماسة وضرورة إلى أجواء هادئة ومستقرة، يكون من شأنها اتاحة الفرصة للدعاة إلى الله أن يمارسوا عملهم في سكينة وروية، ويسهم في مساعدتهم في الأخذ بيد الأمة نحو الالتزام بالمبادئ الدينية والقيم الأخلاقية، الأمر الذي يهيئ المجتمع كله لتلقي جزاء الله تعالى وثوابه والفوز بالسعادة لكل فرد من أفراده، لأنه إذا مارست مجموعة معينة من الناس بعض الأفعال السلبية والخاطئة فإن الأمور قد تعود بالضرر على مختلف أفراد المجتمع وجميع أبنائه، وصدق الله العظيم القائل: {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة} (الأنفال: 25)، فالفتن أو السلوكات الشاذة تجلب على المجتمع كله ما لا يرضاه من المسائل والأمور، على النحو الذي يحذر منه الرسول ص في حديثه الذي جاء فيه: «مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها، وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقًا ولم نؤذ من فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا، ونجوا جميعًا» (رواه البخاري).

رابعًا: المحافظة على إيجاد جو عام مناسب للعمل والانتاج وعمارة الأرض، فالله تبارك وتعالى كلف الإنسان بالسعي في الأرض وإعمارها لكي يأكل منها حلالًا طيبًا، قال عز وجل: {فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور} (الملك: 15).. وغني عن البيان أن الإشارة إلى المشي في مناكب الأرض يفيد معنى الاجتهاد في الأخذ بأسباب طلب الرزق الحلال، تلك الأمور التي لا تتحقق إلا في ظل جو عام يتسم بالأمن والطمأنينة والهدوء.

ويجب أن ندرك جميعًا أن تحقيق الأمن المجتمعي ليس مسؤولية الدول والحكومات وحدها، بل هو قضية يجب أن تسهم فيها كل قطاعات الشعوب من أفراد ومؤسسات المجتمع المدني، بجانب الهيئات والمؤسسات الحكومية، ومختلف القوى والفعاليات التي يتشكل منها البناء العام للأمة والمجتمع.

252252

د. إيهاب عبد السلام :

لعل موقف التخيير الذي تعرض له محمد -صلى الله عليه وسلم- يبرز لنا الدوافع الحقيقية وراء دعوته، وذلك التخيير ما عرضه عليه عمه نقلًا عن كفار قريش بأن يجعلوا له الرياسة أو ما يشاء من أموال مقابل أن يكف عن دعوته؛ إن المستقرئ لهذا الحدث لا يجد أي تقارب بين وجهتي النظر أو دوافع كل طرف حتى إن الأمر كان مساومة من طرف واحد فقط، ولو أن هدف محمد -صلى الله عليه وسلم- كان الإصلاح من تلقاء نفسه بفكر بشرىٍّ ليس إلَّا؛ لكانت العبقرية تقتضي أن يقبل الرياسة عليهم، ثم يأمرهم بالإصلاح الذي ينشده لهم، ويوافق هذا الأمر هواه، ولكن محمدًا حسم الأمر بصرامة، توحي بأن القضية ليست في يده، ولا نابعة منه هو، ولا يملك التفاوض حولها، فقطع عليهم جميع السبل، وأخبرهم أنهم لو وضعوا الشمس والقمر في يديه – وهيهات ذلك – ما أجابهم إلى ما يريدون، وأخبرهم أنه بين خيارين لا ثالث لهما وهما أن يوفقه الله في إظهار دعوته ونجاحها أو أن يموت في سبيل ذلك.

يقول الدكتور محمد سعيد البوطي: "وإذن، فإن محمدًا -صلى الله عليه وسلم- لم يقدم نفسه إلى العالم زعيمًا سياسيًّا، أو قائدا وطنيًّا، أو رجل فكرة ومذهب، أو مصلحًا اجتماعيًّا.. بل لم يتخذ لنفسه، خلال حياته كلها، أي سلوك قد يوحي بأنه يسعي سعيًا ذاتيًّا إلى شيء من ذلك."

 الأمر إذن لم يكن الدنيا وما فيها، ولا بعض مبادئ الإصلاح التي يريدها محمد -صلى الله عليه وسلم- منهم، وإنما هو أمر من الله ما عليه إلا أن يؤديه كما يريده الله، فلا مجال إذن للتفاوض حوله، ولمَ لا يفعل ذلك والوحي الذي يأتيه يقول له: "يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ  لاَ  يَهْدِي القَوْمَ الكَافِرِينَ". [المائدة: 67]

موقف آخر يجعلنا ندرك أن محمدًا -صلى الله عليه وسلم- لم يكن يحاور أعداءه بما يمليه عليه فكره وعقله، بل لم يكن لديه ما يرد به إلا ما يرد به الوحي على لسانه في أغلب المواقف؛ ذلك الموقف عندما أقبل عليه عتبة بن ربيعة يفاوضه في أمر الدعوة، وقد كان عتبة سيدًا في قومه فقال لهم وهو جالس في نادي قريش، ومحمد وحده في المسجد: يا معشر قريش، ألا أقوم إلى محمد فأكلمه وأعرض عليه أمورًا لعله يقبل بعضها فنعطيه أيها شاء، ويكف عنا؟ ... فقالوا: بلى يا أبا الوليد، قم إليه فكلمه. فقام إليه عتبة حتى جلس إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا ابن أخي، إنك منا حيت علمت من السطة في العشيرة، والمكان في النسب، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم فرقت به جماعتهم، وسفهت به أحلامهم، وعبت به آلهتهم ودينهم، وكفرت به من مضى من آبائهم، فاسمع مني أعرض عليك أمورًا تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضها، فقال رسول الله-صلى الله عليه وسلم-: «قل يا أبا الوليد، أسمع» قال: يا ابن أخي، إن كنت تريد بما جئت به من هذا الأمر مالًا، جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالًا، وإن كنت تريد به شرفًا سوَّدْناك علينا، حتى لا نقطع أمرًا دونك، وإن كنت تريد به ملكًا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيًا – أي من الجن – تراه لا تستطيع رده عن نفسك، طلبنا لك الطب وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه... حتى إذا فرغ عتبة قال له رسول الله-صلى الله عليه وسلم-: «أقد فرغت يا أبا الوليد؟» قال: نعم. قال: «فاسمع مني» قال: أفعل. فقال محمد-صلى الله عليه وسلم-: "حم (1) تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (2) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (3) بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ  لاَ  يَسْمَعُونَ (4) وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ (5) قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ" [فصلت: 1 - 6].

ومضى محمد -صلى الله عليه وسلم- يتلو سورة فصلت حتى إذا وصل إلى موضع السجدة سجد، وقد استمع عتبة إلى السورة جيدًا، ثم قال له محمد-صلى الله عليه وسلم-: «قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت فأنت وذاك».

فقام عتبة إلى أصحابه، فقال بعضهم لبعض: نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به. فلما جلس إليهم قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟ فقال لهم: ورائي أني سمعت قولًا والله ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشعر، ولا بالسحر، ولا بالكهانة، يا معشر قريش، أطيعوني واجعلوها بي، وخلوا بين هذا الرجل وما هو فيه فاعتزلوه، فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم، فإن تصبه العرب، فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم، وعزه عزكم، وكنتم أسعد الناس به.

قالوا: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه.

فقال: هذا رأيي فيه فاصنعوا ما بدا لكم.

إن الكفار لم يكونوا يستمعون إلى القرآن، وحرصوا على ذلك وتواصوا به، فقد أدركوا بالتجربة أنه سلاح محمد الوحيد، بل إنه سلاح قوي لم يجسروا على مواجهته، ولذلك انتهز محمد -صلى الله عليه وسلم- الفرصة عندما أقبل عليه أحد كبار الكفار وسادتهم، وقَبِلَ أن يسمع منه، فلم يسمعه غير القرآن، وكان ذلك كافيًا بأن يخسر عتبة تلك الجولة من التفاوض، فخرج على قومه بذلك الرأي الحكيم، ولعل عتبة عندما بادر بالذهاب إلى محمد وحده لم يكن في حسبانه أنه سيستمع إلى القرآن، ولو توقع ذلك لما ذهب إليه، لقد ذهب نائبًا عن الدنيا متحدثًا باسمها، ويظن أنه سيفاوض الدنيا أيضًا، فوجد نفسه لا يفاوض غير الله – تعالى – فقد تنحى محمدٌ جانبًا، ليرد الله تعالى على عتبة  من خلال آيات سورة فصلت، التي يتوعد فيها الكافرين بمصير كمصير عاد وثمود، وبخطاب قوي وشديد، يجعل لمحمد العزة والقوة ولأعدائه الخزي والهوان؛ ففي السورة بعد ذكر مصير عاد وثمود: "وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا  لاَ  تَسْمَعُوا لِهَذَا القُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (26) فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (27) ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ" [فصلت: 26 - 28]، وفيها من التعزية والتسرية لمحمد -صلى الله عليه وسلم- ما يجعل عتبة يدرك تمامًا أنه لا جدوى من المساومة وذلك كالآية: "مَا يُقَالُ لَكَ إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ" [فصلت: 43].

ولعل عتبة قد أدرك في قرارة نفسه أن المعركة مع محمد -صلى الله عليه وسلم- خاسرة لا محالة، فآثر أن يربأ بنفسه وقومه عنها، وإن لم يؤمن عتبة بصدق محمد، فقد آمن أنه يحارب قوة يجهلها، وقد تطرق الشك إلى نفسه بأن محمدًا رسول الله حقًّا، أو قل: تطرق الإيمان إلى نفسه لولا عنجهية الكفر. إنه أراد من قومه أن يتركوا محمدًا للعرب فإمَّا يغلبوه وإمَّا يغلبهم، وأهل مكة في الحالين غالبون، ولكن أن ينتصر محمد على العرب سيكون خيرًا لأهل مكة لأن أمره إليهم؛ أي سيرثون حكم العرب بعده.

نعم، لقد حلل عتبة موقف قريش من محمد ودعوته تحليلًا سياسيًّا واقتصاديًّا فقط، وليس دينيًّا وإيمانيًّا، ويبدو أن ذلك المنحى لم يكن مطروحًا لديه، فقد كان من الذين غُلِّقَت قلوبهم.  

جامعة ولاية سونورا بالمكسيك تمنح عبد الوهاب زايد الدكتوراه الفخرية

سونورا – الوعي الشبابي: منحت جامعة ولاية سونورا بالولايات المتحدة المكسيكية شهادة الدكتوراه ...

تربية إبداعية لأبنائك.. كيف؟

رويدا محمد - كاتبة وباحثة تربوية: يعرف الإبداع بأنه النشاط الإنساني المختلف عن المألوف، والذي يؤدي ...

مواجهة الإلحاد بالعلم والعقل والدين.. كتاب جديد للدكتور خالد راتب

القاهرة – الوعي الشبابي: أصدر الدكتور خالد محمد راتب، مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر ...

اتصل بنا

  • صندوق البريد: 23667 الصفاة 13097 - الكويت
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
  • 22467132 - 22470156

عندك سؤال