الإثنين، 04 مارس 2024
رئيس التحرير
فهد محمد الخزّي

مرزوق العمري يكتب: من أعلام الدعوة الإسلامية.. الشيخ عمر العرباوي

الجزائر – مرزوق العمري: قيض الله عز وجل لخدمة دينه والدعوة إليه رجالا تميزوا بما آتاهم الله ...


 

 

المتواجدون على الموقع

المتواجدون الأن

161 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

هذا ديننا

36332363

محمد شعبان أيوب:

لا يزال الإنسان منا تتلاطمه أمواج الحياة بشواغلها وملاهيها حتى كأنه ينسى أو يُنسيه الشيطان سبب وجوده، وغاية خلقه؛ وبينما يخلو الإنسان بنفسه بين جنبات آي القرآن الحكيم، تتكشف أمامه حقيقة نفسه، وحقيقة التاريخ البشري، ومراد الرب من العباد؛ إنك ترى في هذا القرآن الكريم ربّاً عظيمًا محيطًا قيومًا، وسع كرسيه السموات والأرض، يعلم السر وما أخفى من السرِّ، فإذا بك تتمهّل، وإذا بك تراجع نفسك مليًا، فتتذكر أخطاءك وذنوبك، وكيف تجرأت على الخالق الذي سترك يوم كذا في ساعة كذا، حينها تتيقن أن التقوى التي ذُكرت في القرآن بمشتقاتها أكثر من 170 مرة لها من المكانة ما لها.

إن كلمة التقوى كانت من المفردات القرآنية الجديدة التي لم يعتد العربُ في جاهليتهم على سماعها، مثلها مثل كلمة الهداية والنفاق وغيرها من الألفاظ الإسلامية الجديدة التي أرادت أن تؤصّل واقعًا جديدًا طاهرًا لا يتوقف عند المادة وفقط، بل يخترق النفس وأسرارها، ويبحث عن القلب، الذي هو عماد الإنسان وبصيرته وعقله ومناط هدايته، ومستودع إيمانه!

فالمتَّقون هم الموصوفون بتقوى الله عزَّ وجلَّ. وأساس التَّقوى: خشية الله. ولذلك أشار النبيّ عليه الصلاة والسلام إلى صدره، وقال ثلاث مرات: "التقوى ها هنا"[2]، فالجنة لا يدخلها إلا المتقون!

إن حقيقة التقوى فعل المأمورات واجتناب المنهيات. وأفضل ما قيل فيها، ما روي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه حيث قال: التقوى هي الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل والاستعداد للرحيل.

فمن فعل ذلك فقد اتقى الله حق تقاته، فالخوف من الجليل وهو الله سبحانه وتعالى، والعمل بالتنزيل وهو الكتاب والسنة، والاستعداد للرحيل من هذه الدنيا إلى الدار الآخرة وذلك بالعمل الصالح، وهذا كما في قوله تعالى: (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى) [البقرة:197]،  فليكن شعار المؤمن دائماً تقوى الله في السراء والضراء في حالة غيبته عن الناس وفي حالة وجوده معهم، يتق الله بترك ما حرّم الله عليه، ويفعل ما أمره الله به، ويكثر من التوبة والاستغفار عما يحصل منه من التقصير[4].

*باحث في التاريخ والتراث


[2] رواه الترمذي في صفة القيامة (2451) وقال: حسن غريب.

[4] عبد المنعم نعيمي: التقوى معيار الاحترام والمفاضلة بين الناس، مقال على موقع الألوكة.

39098649

محمود توفيق :

في كتاب الله سبحانه وتعالى فيض من تأديب الله عز وجل لنبيه  " صلى الله عليه وسلم" ، ثم لورثته من أهل العلم والدعاة إلى الله جلّ جلاله. وهداية له إلى ما يمكّنه من القيام بحق ما كلف به من الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، وإخراج الناس من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان.

ومن هذا ما جاء في سورة «الحجر»، من أمر الله سبحانه وتعالى نبيه سيدنا محمدًا  " صلى الله عليه وسلم"  بأن يصفح صفحا جميلا.

يقول الله سبحانه وتعالى: { وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ  وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ  فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (85) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (86) } (الحجر: 85- 87).

في تصدير الآية بالحقيقة الكونية: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ}، وبالحقيقة العقدية: {وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ}، من قبل التـكليف بالصفح الجميل، ثم بالحقيقة العقدية أيضا: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ}، ثم بالمنة العظمى: {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ}، في كل ذلك تثقيف للنفس، لتتلقى هذا التكليف الثقيل: {فَاصْفَحْ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ} تلقي أولي العزم من الرسل.

ذلك أن الصفح الجميل، لايتأتى إلا بعظيم من اليقين، وبعظيم من المثابرة ومن الصبر الجميل أيضا. فالنفس البشرية مفطورة على أن تنتقم لنفسها إن كانت من نفوس الدهماء، أو تنتصر للحق الذي هي عليه إن كانت من نفوس الأنبياء والعلماء والأولياء، وكل تقي ولي لله سبحانه وتعالى.

والصفح في لسان العربية هو الإعراض عن اللقيا بما لا يحب، يقال: صفح عنه أي: أعرض عن عقوبته، بل عن ملامته، وعن ذكر ذنبه، بل عن تذكره، وتلك مقامات علية متصاعدة من الصفح، ففي الصفح إقبال وبشاشة وجه، ولذا جاء منه التصافح، وهو الأخذ باليد، أي أن يضع الرجل صفح كفه في صفح كف الآخر. وهذا يقتضي إقبال الوجه على الوجه، وهذا فيه رمز إلى ما قام في القلب من القبول والإقبال، ومن هنا شرعت المصافحة بين الرجال بعضهم بعضا، وبين النساء بعضهن بعضا، إيذانا بالقبول والإقبال..

وجمال الصفح المأمور به، هو الصفح الآتي من قوة نفسية وقوة واقعية، وليس صفح العجزة والضعفاء هو الصفح الذي كان من النبي  " صلى الله عليه وسلم"  يوم الفتح: حين أطلقهم، ولم يعاقبهم (1)، وكان بملكه  " صلى الله عليه وسلم"  أن يقطع الأعناق، ولا ملامة عليه، ولكنه الحكيم، والنازل على ما أمره به الله سبحانه وتعالى، والعليم بأن فعل الصفح فيهم وفيمن يأتي من بعد أعظم وأنجع من فعل الانتصار في كل منازلة من منازلات الحرب.

هو صفح جميل من أنه خارج من فتوة نفسية وقوة عملية، وهو صفح جميل من أن أثره الجليل الجميل لا يطاول.

والصفح الجميل سجية من سجاياه  " صلى الله عليه وسلم" . روى البخاري في كتاب «التفسير» من صحيحه بسنده عن عبدالله بن عمرو ابن العاص - رضي الله عنهما - أن هذه الآية التي في القرآن {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا } (الأحزاب:45)، قال في التوراة: «يا أيها النبي، إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا وحرزا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب بالأسواق، ولا يدفع السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويصفح، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء، بأن يقولوا: لا إله إلا الله، فيفتح بها أعينا عميا، وآذانا صما، وقلوبا غلفا». (حديث رقم: 4838).

ومن الصفح الجميل ما راوه مسلم في كتاب «الجهاد والسير» من صحيحه بسنده عن أنس  "رضي الله عنه"  أن أم سليم رضي الله عنها اتخذت يوم حنين خنجرا فكان معها، فرآها أبو طلحة  "رضي الله عنه"  فقال: يا رسول الله، هذه أم سليم معها خنجر، فقال لها رسول الله  " صلى الله عليه وسلم" : «ما هذا الخنجر؟». قالت: «اتخذته إن دنا مني أحد من المشركين بقرت به بطنه». فجعل رسول الله  " صلى الله عليه وسلم"  يضحك. (2)

قالت: يا رسول الله، اقتل من بعدنا من الطلقاء. انهزموا بك. فقال رسول الله  " صلى الله عليه وسلم" : «يا أم سليم إن الله قد كفى وأحسن». (حديث 4783)

أرأيت إلى قوله  " صلى الله عليه وسلم" : «يا أم سليم إن الله قد كفى وأحسن»، هذا من الصفح الجميل الذي يؤتي من الثمر أطيبه.

وهو  " صلى الله عليه وسلم"  لم يكتف بأن لم يعاقب، بل لم يعاتب الطلقاء إذ أدبروا يوم حنين، وخلفوا رسول الله  " صلى الله عليه وسلم" ، وما كان لهم أن يفعلوا، بل كان منه  " صلى الله عليه وسلم"  ما هو أجمل، اقتسم فيهم وفي المهاجرين الغنائم، ولم يمنح الأنصار شيئا، مما حاك في نفس ثلة من الأنصار، فقالت ما قلت، فكان من مكافأة النبي  " صلى الله عليه وسلم"  أن قال لهم مقالة، هي عز الدنيا وسعادة الآخرة، حين قال قالت ثلة منهم:

إذا كانت شديدة فنحن ندعى، ويعطى الغنيمة غيرنا. فبلغه ذلك، فجمعهم في قبة، فقال  " صلى الله عليه وسلم" : «يا معشر الأنصار، ما حديث بلغني عنكم؟»! فسكتوا، فقال: «يا معشر الأنصار، ألا ترضون أن يذهب الناس بالدنيا، وتذهبون برسول الله  " صلى الله عليه وسلم"  تحوزونه إلى بيوتكم؟».

قالوا بلى. فقال رسول الله:  " صلى الله عليه وسلم"  «لو سلك الناس واديا، وسلكت الأنصار شعبا لأخذت شعب الأنصار» (3)

أرأيت إلى الصفح الجميل مع الطلقاء، والحكمة الجميلة مع الأنصار؟!

ومن هذا ما رواه البخاري في كتاب «الأدب» من صحيحه بسنده عن أنس ابن مالك قال: كنت أمشي مع رسول الله  " صلى الله عليه وسلم"  وعليه برد نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي فجبذ بردائه جبذة شديدة - قال أنس: فنظرت إلى صفحة عاتق النبي  " صلى الله عليه وسلم"  وقد أثرت بها حاشية الرداء من شدة جبذته - ثم قال: «يا محمد، مر لي من مال الله الذى عندك. فالتفت إليه، فضحك، ثم أمر له بعطاء». (حديث 6088)

وجاء في كتاب «البر والصلة» من جامع الترمذي بسنده عن أبي إسحاق قال: سمعت أبا عبد الله الجدلى يقول: سألت عائشة رضي الله عنها عن خلق رسول الله  " صلى الله عليه وسلم"  فقالت: «لم يكن فاحشا ولا متفحشا، ولا صخابا في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح». (حديث رقم: 2148). قال أبوعيسى: هذا حديث حسن صحيح.

وكان  " صلى الله عليه وسلم"  يحث أصحابه على الصفح، وأن لا يسارعوا إلى العقوبة، بل ليكن العفو مبدأ أمرهم ومنتهاه، وإن وقع من بعضهم ما يستوجب الحد.

روى أحمد بن حنبل في مسنده من حديث عبدالله بن مسعود بسنده عن شعبة قال سمعت يحيى بن المجبر قال: سمعت أبا ماجد - يعني الحنفي - قال: كنت قاعدا مع عبد الله - قال - إني لاذكر أول رجل قطعه، أتي بسارق فأمر بقطعه وكأنما أسف وجه رسول الله  " صلى الله عليه وسلم"  قال: قالوا: يا رسول الله، كأنك كرهت قطعه.

قال  " صلى الله عليه وسلم" : «وما يمنعني ؟ لا تكونوا عونا للشيطان على أخيكم».

إنه ينبغى للإمام إذا انتهى إليه حد أن يقيمه.

إن الله عز وجل عفو يحب العفو {وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. (النور: 22)

وجعل الصفح عمن أساء من أفضل الفضائل، لأن في هذا دفعا للسيئة بالحسنة، كما أمر كتاب الله سبحانه وتعالى: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ  ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} (فصلت: 34)

روى أحمد بن حنبل في مسنده من حديث معاذ بن سهل  "رضي الله عنه" ، بسنده عن سهل بن معاذ بن أنس عن أبيه عن رسول الله  " صلى الله عليه وسلم"  أنه قال: «أفضل الفضائل أن تصل من قطعك, وتعطي من منعك، وتصفح عمن شتمك». (حديث:16023)

هذه الثلاثة التي هدى إليها نبي الرحمة  " صلى الله عليه وسلم"  إنما يقوم له أولو الفتوة النفسية، لأن للقيام لها فضلا عن القيام بها استحقاقات رجولية بالغة، لايلقاها إلا الصابرون صبرا جميلا.

وإن لحضورها في أي أمة فضلا عن شيوعها أثرا جليلا وجميلا في تماسك الأمة، وتحقيق سلامها الاجتماعي، فتنعم بنعمتي الأمن والكفاية. وتلك نعمة الدنيا:

روى البخاري في كتابه «الأدب المفرد»، باب: «من أصبح آمنا في سربه» بسنده عن سلمة بن عبيد الله بن محصن الأنصاري عن أبيه - عبيد بن محصن اختلف في صحبته - عن النبي  " صلى الله عليه وسلم"  قال: «من أصبح آمنا في سربه، معافى في جسده، عنده طعام يومه فكأنما حيزت له الدنيا»: (حديث: 300)، ورواه الترمذي، وابن ماجه.

ذلك هو نبي الرحمة، ونبي الحكمة  " صلى الله عليه وسلم" . فهل لنا أن نحمل من ميراث رحمته بأمته، ومن ميراث حكمته، ما يجعلنا أهلا لأن نحوز شرف وراثته في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى؟

فالصفح عمن أساء، ودفع السيئة بالحسنة عامل عظيم الأثر في تحقيق مجتمع متماسك متراحم، وهذا ما نفتقر إليه. إن هذا ما يفتقر إليه كل قائد فتي قوي مع خصومه. ولكن هذا يحتاج إلى علي الحكمة، يعرف الأرض التي ينبت فيها الصفح ويورق ويزهر ويثمر، فإن كان من الخصوم من لا يصلح معه ذلك الصفح فلا يكون، كما فعل مع بني قريظة، لما كان منهم من خيانة في غزوة الأحزاب. فمثلهم يزيدهم الصفح فجورا، فلا يكون الصفح حينئذ جميلا. لأنه سيثمر قبحا، ويزيد العتو عتوا.

فالصفح الجميل عمن يصلحه الصفح قائم لم ينسخ بالأمر بالقتال، كما ذهب إليه بعض أهل العلم. قال الطبري:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن إسرائيل، عن جابر، عن مجاهد (فاصفح الصفح الجميل) قال: هذا قبل القتال.

حدثني المثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن الزبير، عن سفيان بن عيينة، في قوله: {فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ} وقوله: {وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ} قال: كان هذا قبل أن ينزل الجهاد. فلما أمر بالجهاد قاتلهم فقال: «أنا نبي الرحمة ونبي الملحمة، وبعثت بالحصاد، ولم أبعث بالزراعة».

أما آية السيف فهي قائمة لمن لا يصلحه الصفح الجميل. وخصوم الدعوة ليسوا سواء، فلا يكون منهج التعامل معهم واحدا، فذلك منطق الحكمة في الدعوة.

ألا ترى أن الله سبحانه وتعالى قال لرسوله  " صلى الله عليه وسلم"  ولنا معه في سورة (النحل): {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ  وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ  إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ  وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} (النحل:125).

جعل له ثلاثة سبل إلى تحقيق الدعوة: الحكمة، والموعظة الحسنة، والجدال بالتي هي أحسن، ذلك أن الناس أربعة:

منهم من يسمع ويقبل، فهذا سبيل دعوته الحكمة، ومنهم من يسمع ويقبل، ولكنه لايقبل لما يحيط به من الشهوات الصارفة، فهذا سبيل دعوته الموعظة الحسنة. وهذان الضربان متقاربان، ولذا كان النظم القرآني المتعلق بدعوتهما واحدا {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} عطف سبيل الموعظة الحسنة على سبيل الحكمة.

ومنهم من يسمع ولا يقبل، بل يجادل ويعارض ويناكد، ولكنه لا يرفع سيفا. وهذا سبيله الجدال بالتي هي أحسن. وهذا ما حملته الآية الكريمة في سورة النحل.

وهذا الضرب ليس من باب الضربين الأولين، ولذا التفت عن النظم الذي كان للضربين الأولين، فلم يقل: ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن، فلو قال لفهم من العطف أن هذا الضرب الثالث من باب الضربين الأولين، ولكن البيان القرآني عدل عن النهج الأول في النظم والصياغة، واستفتح طريقة جديدة، فقال: {وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}، فهو عطف على فعل الأمر الذي في صدر الآية {ادْعُ} مما يفهم أن هذا السبيل ليس من باب السبيلين الأولين، إشارة إلى أن الضرب الثالث مغاير للضربين الأولين، وهذا نهج من السنة البيانية للقرآن الكريم في إفهام دقائق المعاني ولطائفها.

وكل هؤلاء الثلاثة الأضرب يصلح معهم، ويصلح من أحوالهم الصفح الجميل، وهذه الأصناف الثلاثة باقية ما بقيت الحياة. مما يجعل الأمر الإلهي للنبي  " صلى الله عليه وسلم"  ولأمته من بعده {فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ} أمرا باقيا ما بقيت الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى.

ويبقى الصنف الأخير من الناس: من يسمع، ولا يقبل ألبتة، بل يشهر سيفه ليمنع الدعوة من أن تبلغ غيره، فهو لا يكتفي بأن يعرض هو عنها، بل يسعى بسيفه وما ملكت يمينه من القوى إلى أن يحاجزها عن أن تبلغ مسامع الآخرين. فيتخذوا ما شاءوا طوعا لا قهرا، لأنه يعلم أنها إن بلغت مسامعهم، فإنها ستحرك ساكنا في كثير منهم، ومنهم من سيستمع، ويقبل، وهذا الضرب الرابع من الناس هو الذي جاء الأمر بقتاله، لا بقتله، فليست الغاية ألبتة قتله، وإن سل سيفه، بل الغاية قتاله، ليكف سيفه. فإن كفه، فلا يقاتلن فضلا عن أن يقتل. فإن الإسلام دين الحياة في سبيل الله، وليس دين الموت في سبيل الله، بل الموت في سبيل الله تعالى حين لا تتحقق الحياة للناس في سبيل الله إلا بموت ثلة من المسلمين في سبيل الله تعالى، تحقيقا لتلك الحياة للآخرين، وهذا هو منهج الإيثار، وذلك هو جليل الجود، وجميل السخاء.

الهوامش

1- تفسير الطبري: جامع البيان في تأويل القرآن، تحقيق: أحمد محمد شاكر، ط (1) 1420هـ، مؤسسة الرسالة، ج17، ص128.

2- حسنه الألباني في صحيح الأدب المفرد للبخاري.

 3- صحيح البخاري (المغازي)، حديث رقم: (4337)، ورواه مسلم في كتاب (الزكاة) رقم: (2488).

4 21 2015 9 43 20 AM

إسلام عبد التواب :

لا يزال الإسلام كل يوم يبهر كل من يطالع نصوصه وتشريعاته من المؤمنين به أو غير المؤمنين، حيث يرون في انبهار وإكبار كيف اهتم الإسلام بالقضايا الكبرى من عقائد وتشريعات وعبادات، وصراع بين الحق والباطل، ثم يرون كيف خصص في إحكام جانب من اهتمامه لقضايا يعتبرها البعض جزئية أو هامشية، أو في أحسن الأحوال متروكة لعادات الناس وطباعهم واختلافاتهم.

فكما اهتم الإسلام مثلا بقضية التوحيد، وحث المؤمنين على الصلاة والزكاة، وكما اهتم بالجهاد في سبيل الله، وسماه: ذروة سنام الإسلام، فإنه أولى اهتماما كبيرا أيضا للذوق في حياة المسلم، وحثه على مراعاة ما يجعل حياته وحياة الآخرين جميلة، ولا ينفر الناس عنه.

وقد بين العلماء أن أصول الشريعة ثلاثة: ضروريات وحاجيات وتحسينيات، والذوق الذي نتحدث عنه يدخل في باب التحسينيات التي تضفي الجمال والراحة على حياة المسلم.

فإذا نظرت إلى آية الاستئذان في سورة النور رأيت عجبا، فالإسلام يتدخل هنا في أمر قد نراه يسيرا بسيطا، وهو: كيف يدخل عليك أولادك وخدمك حجرتك، وكيف ومتى يستأذن عليك أصدقاؤك وأهلك عند زيارتهم لك، فيقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ  مِّن قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ الظَّهِيرَةِ وَمِن بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ  ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ  لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ  طَوَّافُونَ عَلَيْكُم بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ} (النور: 58).

«فالمؤمن إذا كان معه ملك يمين يستأذن عليهم، لأنه قد يكون في حالة لا يرضون أن يروا عليها، فيستأذن عليهم في هذه الأوقات، وهكذا أهل بيته يستأذن عليهم في الأوقات الثلاثة التي بينها الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة... فالخادم سواء كان مملوكا، أو كما نصت عليه الآية، أو غير مملوك من باب أولى، وهكذا من لم يبلغ الحلم من الصبيان يستأذن في هذه الأوقات الثلاثة، وغير الصبي من باب أولى، والكبير من باب أولى، والمقصود من هذا التحرز من كونه يرى أهل البيت على حالة غير مناسبة، فإذا استأذن استعدوا وحرصوا على أن يكونوا في حالة حسنة».

فهذا التشريع هو مراعاة وتنمية للذوق في نفوس المسلمين في أمر يتكرر يوميا، ويتحرج منه الكثيرون، بينما يفعله الآخرون دون إحساس بالذنب أو الخطأ؛ فجاء التشريع القرآني ليلفت الأنظار إلى أهمية مراعاة الذوق في الاستئذان على الناس في بيوتهم.

وفي مجال تناول الطعام نرى شائعا بين الناس أفعال وتصرفات، تثير اشمئزاز الجالسين، وتصرف نفوسهم عن مشاركة الآخرين هذا الطعام، وربما صرفته عن مصاحبة هذا الجليس، لعدم مراعاته الذوق في آداب تناول الطعام، ولو كان الذوق أمرا هينا لتركه الإسلام ولم يهتم به، ولكن لأهميته وجدنا هذا الحديث يوجه فيه النبي  " صلى الله عليه وسلم"  إلى بعض آداب وذوقيات تناول الطعام، فعن عمر بن أبي سلمة قال: «كنت غلاما في حجر رسول الله  " صلى الله عليه وسلم" ، وكانت يدي تطيش في الصحفة، فقال لي رسول الله  " صلى الله عليه وسلم" : «يا غلام، سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك»، فما زالت تلك طعمتي بعد».

وموقف الرسول  " صلى الله عليه وسلم"  هنا ضبط سلوكيات الغلام وذوقه في تناول الطعام، وجعل سلوكه يتغير بعد ذلك إلى نهاية عمره، وهذا هو معنى تربية الإنسان على الذوق: أن يجعل الذوق سلوكا بديهيا في كافة جوانب حياته لا يتكلفه تكلفا.

وفي هذا الحديث إشارة إلى الاهتمام بالذوق في تناول الطعام عامة. ومن جوانب الذوق في تناول الطعام، والتي نوصي بتربية أبنائنا، وتوجيه شبابنا إليها: مضغ الطعام والفم مغلق، وعدم الحديث أثناء المضغ، وعدم مزاحمة الآخرين عند وجود أيديهم في الإناء.

وعندما يحثنا الإسلام على عيادة المريض، تجده يأمر بأن نفسح للمريض في الأمل؛ فعن أبى سعيد الخدري قال: قال رسول الله  " صلى الله عليه وسلم" : «إذا دخلتم على المريض فنفسوا له في الأجل، فإن ذلك لا يرد شيئا، وهو يطيب نفس المريض».

وفي معاملة الكبير والصغير يروي سهل بن سعد الساعدي أن رسول الله  " صلى الله عليه وسلم"  أتي بشراب فشرب منه، وعن يمينه غلام، وعن يساره الأشياخ، فقال للغلام: «أتأذن لي أن أعطي هؤلاء؟». فقال الغلام: والله يا رسول الله، لا أوثر بنصيبي منك أحدا، قال: فتلّه رسول الله  " صلى الله عليه وسلم"  في يده.

وفي هذا الحديث مراعاة للذوق من نواح عدة، حيث راعى رسول الله  " صلى الله عليه وسلم"  الترتيب بدءا من اليمين، ولكن هذا الترتيب كان يوجب إعطاء الغلام الصغير أولا، بينما يوجد من هم أكبر منه سنا، فاستأذنه رسول الله  " صلى الله عليه وسلم" ؛ فلما وجد من الغلام إصرارا على أن ينال شرف وكرامة أن يشرب خلفه  " صلى الله عليه وسلم"  منحه النبي  " صلى الله عليه وسلم"  الإناء ليشرب منه.

هذه الأمثلة التي سقناها وغيرها الكثير، تدل دلالة واضحة على أهمية الذوق من المنظور الإسلامي، فالحياة ليست أياما تنقضي على أية حال، وهي كذلك ليست مجرد أساسيات وضروريات نحتاجها، لنظل على قيد الحياة بأي شكل من الأشكال، وإنما لابد من تجميلها بالذوق والمعاملة الراقية التي تبهج المسلم، وتجعل حياته جميلة سعيدة هو ومن حوله.

4 15 2015 9 49 03 AM

د. مسعود صبري:

المشي من أفضل الرياضات التي تتاح للجميع، فهي رياضة الرجال والنساء، والشباب والفتيات والأطفال وكبار السن من الشيوخ والعجائز، فهي رياضة يستطيعها كل أحد دون موانع أو حواجز أو كلفة، خاصة من لا يستطيع أن يلتحق ببعض النوادي، المهم أن تكون مستعدا لهذه الرياضة.

وكثير من الشعوب تدرك أن المشي رياضة مفضلة، وتجعلها جزءا من نشاطها اليومي، غير أن هناك من الناس من يرى أنه ليس عنده وقت كاف لها، ومنهم من يتساهل في ركوب السيارات، وهو يعلم فائدة المشي، ويتمنى – مجرد أمنية- أن يمشي لكنه لا يفعل.

وهناك من الشعوب من لا يتوافر لغالبها وسائل مواصلات خاصة، فيمشون أميالا لأجل الوصول إلى مكان ركوب وسيلة نقل، وهم ناقمون على أنفسهم، وهم لا يدرون نعمة الله تعالى عليهم، مع فقرهم، فقد يكون الفقر أحيانا دافعا للرجل للحافظ على صحته وهو لا يدري، وهذا من رحمة الله تعالى.

نصائح في رياضة المشي:

هناك عدد من النصائح لمن يمارسون رياضة المشي، من أهمها:

 أولا- الأفضل التدرج في برنامج المشي، فلتكن البداية لمدة عشر دقائق إلى خمس عشرة دقيقة، ثم تزيده كل أسبوع حتى تصل إلى خمس وأربعين دقيقة في اليوم ، أو على الأقل ثلاثين دقيقة يوميا، بمعدل ثلاث مرات في الأسبوع.

ثانيا- على من يمارس رياضة المشي أن يمشي سريع الخطى لا يبطئ في مشيه، وذلك لزيادة ضربات القلب، فمن يمشي بسرعة ميلين في الساعة، فإنه يستهلك من الطاقة من معدل 120-240 سعرا حراريا في الساعة، أما عن السير بسرعة أربعة أميال في الساعة، فإن استهلاك الطاقة يرتفع إلى 360-420 سعرا حراريا في الساعة.

ثالثا: يفضل أن يكون المشي في طريق به بعض المنحدرات والمرتفعات، حتى يزيد الجهد المبذول من المشي، مما يؤدي إلى سرعة ضربات القلب. كما أنه يمكن صعود الدرج في البيوت والمؤسسات أفضل من استعمال المصعد إن كان ممكنا.

فوائد المشي:

للمشي فوائد عديدة، من أهمها:

1-  أنه علاج لأمراض القلب الوعائية، فهو يقوي عضلة القلب، وينقص الدهون الضارة والكولسترول بالجسم.

2-  أنه علاج لزيادة الوزن والبدانة، لأنه يحرق سعرات حرارية كبيرة، مما يساعد على حفظ وزن الإنسان.

3-   أنه علاج عسر الهضم والإمساك بأنواعه.

4-   يساعد على التنفس الطبيعي من خلال تقوية عضلات التنفس.

5-   ومن أهم فوائده للجسم أنه يقلل الدهون، وخفض ضغط الدم، وأنه يساعد على صلابة العظام حتى عند الكبر، كما أنه يساعد على تقوية العضلات وزيادة مرونة الجسم، وتحسين الجهاز، كما أن المشي يساعد على خفض الضغوط اليومية من خلال ممارسته، ويستخدم في حل المشاكل اليومية من خلال المشي والتفكير فيها، كما أنه يسهم في فهم الذات من خلال الفكرة الإيجابية للمشي حيث يجلب السعادة للإنسان من خلال الاهتمام بذاته.

المشي في الشريعة:

وقد اهتم الإسلام برياضة المشي، وحث تابعيه عليها، بل وجعل المشي وسيلة من وسائل العبادات، حتى يكون المشي عادة يومية للإنسان المسلم. بل علم العلماء أن المشي أحد أنواع العلاج، فقد ترجم الإمام ابن ماجة في سننه: (باب دواء المشي)

ومن مظاهر المشي في الشريعة:

المشي إلى المساجد للصلاة:

فقد جعلت الشريعة المسي للمساجد من أفضل القربات والأعمال الصالحة، فعن أبي الدرداء، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من مشى في ظلمة ليل إلى صلاة, آتاه الله نورا يوم القيامة.

وعن أبي الدرداء، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من مشى في ظلمة ليل إلى صلاة، آتاه الله نورا يوم القيامة» .

وفي سنن الترمذي (2/ 499) عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا توضأ الرجل فأحسن الوضوء ثم خرج إلى الصلاة لا يخرجه - أو قال: لا ينهزه - إلا إياها، لم يخط خطوة إلا رفعه الله بها [ص:500] درجة، أو حط عنه بها خطيئة "

المشي في اتباع الجنائز

ومما يثاب عليه المسلم مشيه في الجنائز: فعن ثوبان مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " أتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بدابة وهو مع الجنازة , فأبى أن يركبها , فلما انصرف أتي بدابة فركب " , فقيل له فقال: " إن الملائكة كانت تمشي , فلم أكن لأركب وهم يمشون , فلما ذهبوا ركبت " .

المشي لزيارة المريض:

ومن حق المسلم على أخيه مما يثاب عليه المرء من العمل الصالح عيادة المرضى، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يستحب أن يعود المرضى ماشيا غير راكب، فعن جابر، قال: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يعودني ليس براكب بغل ولا برذون. سنن الدارمي.

المشي لصلاة العيد:

ومن آداب صلاة العيد عند المسلم أن يمشي إلى الصلاة في طريق، وأن يرجع من طريق آخر، ففي سنن الترمذي عن علي، قال: من السنة أن تخرج إلى العيد ماشيا، وأن تأكل شيئا قبل أن تخرج. قال الترمذي:هذا حديث حسن. والعمل على هذا الحديث عند أكثر أهل العلم:يستحبون أن يخرج الرجل إلى العيد ماشيا. وأن لا يركب إلا من عذر.

طريقة المشي:

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم الصحابة طريقة المشي، فيمشي أحيانا ببطء، ويمشي أحيانا بسرعة، وذلك حسب الحاجة، ومن مواطن مشيه بسرعة، ما أخرجه البخاري في الأدب المفرد عن ابن عباس قال: أقبل نبي الله صلى الله عليه وسلم مسرعا ونحن قعود، حتى أفزعنا سرعته إلينا، فلما انتهى إلينا سلم، ثم قال: «قد أقبلت إليكم مسرعا، لأخبركم بليلة القدر، فنسيتها فيما بيني وبينكم، فالتمسوها في العشر الأواخر».

وكان يعلمهم أن يمشوا ببطء أحيانا،  ففي صحيح البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا سمعتم الإقامة، فامشوا إلى الصلاة وعليكم بالسكينة والوقار، ولا تسرعوا، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا»

ومن آداب المشي ألا يمشي متبخترا، ففي صحيح مسلم (3/ 1653)عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بينما رجل يمشي قد أعجبته جمته وبرداه، إذ خسف به الأرض، فهو يتجلجل في الأرض حتى تقوم الساعة».

إن لم يكن المشي من نشاطك اليومي، فاجعله من اليوم نشاطا لك، واستعن به في عمل بعض الطاعات والأعمال الصالحة، كزيارة المرضى، وزيارة الإخوان في الله، والسعي في قضاء الحوائج، وإعانة المحتاج، وغيرها مما حث الشرع على فعله، فتحفظ بدنك، وتزيد من حسناتك.

tlp1367507

الدكتور محمد بن محمد الحجوي:

{وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا}

(سورة الإسراء: 70).

تكريم الإنسان وإعطاؤه المكانة التي تليق به وتفضيله على كثير من المخلوقات ظاهرة متميّزة في الآيات البينات، وقد اكتسب الإنسان هذه المكانة لكونه تحمّل المسؤولية، وخصه الله بصورة مميّزة في خلقته، وفي قدراته العقلية والنفسية، التي مكنته من استيعاب حقيقة الرسالات السماوية، ومن أداء واجبه الديني والعملي والإصلاحي بوعي تامّ.

وكان الخطاب في الآيات البينات للناس جميعا بدون تمييز بين جنسهم ولونهم ولغتهم ووضعهم الاجتماعي، فكلهم مطالبون بالالتزام بما جاء فيها، يعبدون الله وحده ويقرّون بما أنعم عليهم من نعم ظاهرة وخفية، وبما رزقهم من الطيبات، ولا يعيثون في الأرض فسادًا، ولا يحرّمون ما أحلّ الله ولا يحلّون ما حرَّم، ولا يرتكبون الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا يقتلون النفس التي حرَّم الله إلا بالحق.

وهذه الإشارات لها دلالة قوية في كون الإنسان مخلوق مكرّم ومفضّل، فقد صوَّره الله في أحسن صورة وأمر الملائكة بالسجود له، وأسكنه فسيح جنّاته قبل أن ينزل إلى هذه الأرض، وجعل له عقلا، وسخَّر له كل ما في الأرض من طيبات وأرسل له الرسل، قال الله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ}(سورة الأعراف: 10). والسجود لآدم هنا ليس عبادة له، وإنما هو تكريم وتبجيل لمخلوق له خصائص فكرية وبيولوجية ونفسية لا توجد في مخلوقات أخرى، وحينما امتنع إبليس عن السجود فلأنه لم يدرك الخصائص التي ركّبها الله في الإنسان معتبرا نفسه أفضل ممن خلق من طين.

ويظهرتكريم الإنسان في أسمى تجلياته وكماله في أن الله جلّ جلاله جعل المخلوقات مسخّرة لخدمته ولتوفير حاجياته وتخفيف المشاق عنه، فالنجوم والأقمار والشمس والسحب والأرض والجبال والبحار والأنهار والنباتات والحيوانات الأليفة وغير الأليفة وجدت لتوفر للإنسان التوازن المطلوب لاستمرار حياته على هذه الأرض بشكل طبيعي، قال الله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (32) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (33) وَآَتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (34)}(سورة إبراهيم:34-34) وهذه بعض مظاهر تكريم الإنسان كما أوضحتها الآيات البينات.

أولا: في الهيئة التي خلق الله عليها الإنسان إن أفضال الله ونعمه التي لا تعد ولا تحصى على الإنسان تبدأ من تسويته وخلقته على الصورة التي هو عليها في أتم كمالها وبهائها، إنها صورة تليق بآدميته وبالتكريم الذي حظي به من خالقه، صورة في أبهى وأجمل هيئة وأحسن خلق، لقد خلقه الله من طين وتدرج في التكوين من نطفة فعلقة ثم مضغة، لتتحول المضغة إلى عظام ثم تكسى لحما، هكذا تستوي صورة الإنسان في أتم خلق بجميع أعضائه وحواسه وعقله، وبهذا الاكتمال يكون قادرا على أداء ما يطلب من عبادات وأعمال صالحة، {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (12) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (13) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آَخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ}(سورة المؤمنون: 12-14).

إنها القدرة الإلهية التي لا يعجزها شيء في الأرض ولا في السماء، إذا أراد الله شيئا فإنما يقول له كن فيكون، وكل ما في هذا الوجود أحسن خلقه وأبدعه بالصورة التي أرادها لمخلوقاته {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ}(سورة السجدة: 6).

إن الإنسان حينما ينظر في تركيب أعضائه الظاهرة والباطنة يشعر بهذه النعمة العظيمة والتكريم الذي خصه به خالقه، فلولا تلك النعمة لما استطاع القيام بالأعمال التي يمارسها بسهولة في حياته، فهو يسخّر الأشياء الكبيرة والصغيرة لخدمته ويتفنن في تطويرالصناعة والزراعة وشق الطرق، وتخطيط المدن وجلب كل ما يحتاجه، ألا يشعر هذا المخلوق بأن هذا تكريم من خالقه وتفضيل له على مخلوقات كثيرة لا تستطيع فعل ذلك، إن ما وهبه الله من تناسب تام في الأعضاء والحواس وفي القدرات العقلية والنفسية هو الذي مكّنه من فعل كل ذلك بسهولة {وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ}(سورة المؤمنين: 79).

إن الإنسان مأمور بالعبادة مثل سائر المخلوقات، لكنه يمتاز عليها بتحمّل مسؤولية كبيرة هي إصلاح الأرض وإعمارها والحفاظ على البيئة بكل ما فيها من مخلوقات {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ}(سورة المائدة: 34).

إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي دعيت إليه أمّة الإسلام في قوله تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}(سورة آل عمران: 104)، هو دعوة إلى الإصلاح الشامل والحفاظ على البيئة في جميع مظاهرها، ونشر العدل والأمن والسلام، واجتناب الفساد بجميع أشكاله وأنواعه {وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ}(سورة المائدة: 66)، {وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}(سورة الأعراف: 84).

إن الإنسان موجود في هذه الحياة الدنيا لعبادة الله وللعمل في كل المجالات التي تسعده وتسعد مجتمعه، أعمال يرضى عنها الله ورسوله، فهو مخلوق ذو طموح يسعى دوما لبلوغ أعلى المراتب اجتماعيا وفكريا، وأسمى الفضائل ومكارم الأخلاق التي تحقق الاستقرار لمجتمعه، وهذه الطموحات لا تسعى إليها مخلوقات أخرى، وفي هذا يكمن سر تكريمه وتفضيله.

لقد وهبه الله عقلا يفكر به، ونطقا يتواصل به، وأعضاء يبني بها ويشيد، فتمكن من صنع حضارة تميزت بالابتكار والتجديد والبناء والإعمار، ولم يصل إلى كل هذا إلا بفضل ما وهبه الله من قدرات وطاقات وما سخّر له في هذه الحياة الدنيا {إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (3) وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آَيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (4) وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آَيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}(سورة الجاثية: 2-4)، {أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً}(سورة لقمان: 19)، {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}(سورة الأنعام: 98).

إن الله العليم بخلقه الحكيم في تدبير الأمور لم يخلق الكائنات الحية في البر والبحر والسماء عبثا، وإنما لغايات نبيلة كلها خير وفضائل، ولعلّ من هذه الغايات إسعاد الإنسان وتوفير حاجياته وإحداث توازن وجمال في الكون {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}(سورة البقرة: 116)، لقد أراد الله لهذا الكون أن يكون بديعا ومتناسقا ومحكما للدلالة على إحكام صنعه وبديع خلقه وقدرته المطلقة، وليتدبر الإنسان هذا الصنع العجيب الذي لا يقدر على إيجاده مخلوق مهما أوتي من قوة: {تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا}(سورة الفرقان: 61).

إن الله وهب للإنسان العقل والإحساس والشعور ليدرك الغاية من وجوده، وليتأمل ما في هذا الكون من أسرار وبدائع هي آية في الجمال والاكتمال، فلا ينبغي أن يعطل فكره ووجدانه وشعوره وحواسه فيتساوى مع مخلوقات أدنى منه: {لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ}(سورة الأعراف: 179)، إن كل ما في هذا الكون يهدي إلى الإيمان بالله القوي القادر، والإيمان يهدي إلى الحق واليقين والرضا الذي يجعل الإنسان يسير في طريق آمن من الزلل والعثرات وبذلك يستحق التكريم والتفضيل.

ثانيا: نعمة العقل

وهذه نعمة جليلة من الله عزّ وجلّ على الإنسان، فبالعقل والإحساس الواعي، والشعوراليقظ تطورت المجتمعات البشرية عن باقي الكائنات الحية في المعاملات والسلوك، وأسلوب الحياة ونمط التفكير، وما نرى من تطور هائل في العلوم والصناعات والمواصلات والتقنيات الحديثة هو نتيجة من نتائج التفكير العقلي، والعمل الجادّ الذي بذله الإنسان منذ أن أوجده الله في هذه الأرض، فلم يترك شيئا في السماء ولا في الأرض ولا في البحار إلا واستغله استغلالا عقليا من أجل رفاهيته، وسلامته وتحسين عيشه، كما أن الإنسان بفضل هذه النعمة الإلهية تحمَّل المسؤولية في كل ما يصدر منه من أعمال وأقوال وسلوك، لأن له القدرة على التمييز بين الخير والشر، والنافع والضار، فاختياره يكون عن وعي وإدراك لما يقدم عليه، ومن هنا جاءت مسؤوليته عن إعمار الأرض والحفاظ على البيئة والكائنات الحية، وهذا التكليف هو تشريف وتكريم للإنسان، ولذلك خاطبته الرسالات السماوية وأمرته بعبادة الله وحده، ونهج السبيل الذي يقرّبه من طاعة الله في كل ما يصدر منه من أعمال وأقوال وسلوك، فكيف أبرزت الآيات البينات أثر نعمة العقل على حياة الإنسان؟

إن الآيات البينات أوضحت بشكل جلي نعمة العقل في مواضع لا يمكن عدها أو حصرها في كتاب الله، سواء باللّفظ الصريح أو بالعبارات الدالّة على ذلك، وهذه الكثرة لها دلالة قوية في كون هذه النعمة من أجلّ النعم التي توجب الشكر: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا}، وتاريخ الإنسان على هذه الأرض شاهد على ما حقق من منجزات بفضل العقل، فمنذ أن خلقه الله لم يقف لحظة عن تطوير حياته نحو الأفضل في عيشه وفي علاقاته الاجتماعية، وظروفه الاقتصادية، ومنجزاته العلمية، فقد عمَّر الأرض وأصلحها، وبنى وشيَّد وطوَّر الصناعة والفلاحة وتربية المواشي، وقرَّب المسافات بينه وبين الآخرين مهما بعدت الشقّة بتطوير المواصلات بمختلف أنواعها، وما اخترع من تقنيات حديثة لم تبق معها حدود وفواصل؛ كل هذا كان يقوم به وهو يفكِّر في كل ما يسهل له معيشته ويجنبه الأوبئة والأمراض والكوارث الطبيعية، وما كان للإنسان أن يحقق كل هذه الإنجازات الهائلة لولا عقله الذي أنار له السبيل ومكَّنه من حفظ حضارته وإرثه الثقافي والفكري، ولذلك فإن كتاب الله يجعل العقل والحكمة من أجلّ وأفضل النعم على الإنسان، قال الله تعالى:{وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا} (سورة البقرة: 268)، وقوله عزّ وجلّ: {وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآَتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ} (سورة ص:20)، فبالحكمة يعلو شأن الإنسان وتصبح له القدرة على الاختيار السليم، والتنظيم المحكم والعيش في ظروف تسعده وتسعد الآخرين.

والآيات البينات التي أشارت إلى نعمة العقل ذكَّرت الإنسان بأهمية هذه الهبة الربّانية، وطلبت منه أن يحافظ على عقله ويستخدمه في كل ما هو بين يديه وما يشاهده بعبارات تدل على أن أصحاب العقول ملزمون بالتفكير المتأني الذي يقود إلى النتيجة السليمة، ولذلك فإن أفضل الطرق للدعوة إلى الله ينبغي أن تكون بالعقل والحكمة والموعظة الحسنة، وفصل الخطاب الذي يجعل ذوي الألباب يتفكرون بحكمة فيما يشاهدونه: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} (سورة النحل: 124)، بل إن الله تعالى جعل من يعطّل عقله بإرادته أو باستعمال ما يفسده من مسكرات ومخدرات في مرتبة الدوابّ الصمّاء البكماء الذين هم شر الدوابّ عند الله: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُون} (سورة الأنفال: 2)، ولا يوجد سبب يجعل الإنسان يعطّل عقله، فقد أعطاه الله كل ما يعينه على استخدامه وبخاصة الحواس التي تعينه على تبليغ المعلومات للعقل بالمشاهدة واللّمس والشمّ والإحساس: {لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} (سورة الأعراف: 179)، وقوله تعالى: {أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (8) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ (9) وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} (سورة البلد: 8-10)، كل هذا تذكير للإنسان بوجوب استعمال كل ما وهبه الله من أعضاء وحواس من أجل إسعاد نفسه في الحياة الدنيا ونجاته من عذاب الله يوم لقائه.

وكتاب الله فصلت آياته البينات للعقلاء والعلماء وأصحاب الألباب، الذين يتدبّرون الأمور بحكمة ولا يصدرون حكما على شيء مَا إلا بعد العلم والتفقه فيه، فلذلك جاء بلسان القوم المخاطبين حتى لا يتعلّلوا بعدم فهمه: {كِتَابٌ فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} (سورة فصلت:2)، إنهم كانوا يعلمون ما في هذه الآيات من معان ودلالات، وقد جاءتهم مفصَّلة ومبيّنة لأحكام الدين ولما ينبغي أن يتّبعوه في علاقاتهم الاجتماعية، فتدبّرها بحكمة وروية واجب لمعرفة عظمة الخالق والغاية من خلق هذا الكون المتناسق في كل مظاهره، وما يجب فعله في العلاقات الاجتماعية، وليتأمل كل إنسان قوله تعالى: {وَفِي الْأَرْضِ آَيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (20) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (21) وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ} (سورة الذاريات: 21)، وقوله تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ} (سورة الحجر: 75)، وقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} (سورة يونس: 5)، وقوله تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ} (سورة يس: 35)، وقوله تعالى: {وَآَيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (33) وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (34) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ} (سورة يس: 32-34)، وقوله تعالى: {إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (3) وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آَيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (4) وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آَيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} (سورة الجاثية: 2-4).

هذه الآيات البينات تذكير للإنسان بأن أفضل ما يسعى إليه في هذه الحياة الدنيا هو طلب العلم الذي يقرّبه من خالقه وينير عقله، فيسلك المسالك التي تسعده في الدارين، قال الله تعالى: {وَقُل رَّبِّي زِدْنِي عِلْمًا} (سورة طه: 111). لأن العلم الذي يدرك به المخلوق عظمة خالقه يجعله أكثر تقربًا لله وأشد خشية منه: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ} (سورة فاطر: 28)، والعلماء هم الذين أوتوا الحكمة التي تقودهم إلى طاعة الله ورسوله: {وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} (سورة البقرة: 268)، وهم الذين يبيّنون أحكام الشريعة للناس لأنهم الأقدر على فهمها واستنباط الأحكام منها: {وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} (سورة سبأ: 6).

إن دلالات هذه الآيات البينات تبيّن أن الله وهب الإنسان العقل وجعله مصدر المعرفة، وكان مجيء الرسالات السماوية من أجل الزيادة في تنويرالعقول، ومعرفة الأمور الغيبية على حقيقتها دون تخبّط أو تأويل غير سليم، ولذلك كان الخطاب في كل الرسالات السماوية لأصحاب العقول وذوي الألباب، فهم الذين يدركون عظمة الله وقدرته وسر خلق هذا الكون.

وإذا كان الله قد زوَّد الإنسان بالعقل والحواس، وأرسل له الرسل مبشرين ومنذرين فلكي تقوم الحجّة عليه ولا يجد سببا يجعله يتهرّب من المسؤولية فيدعي أنه لم يكن على علم بخالقه ولم يرسل إليه الرسل ليبيّنوا له الحقائق، ولم يعنه بالآلة التي تسهِّل عليه فهم أحكام الشريعة: {إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ} (سورة الزمر: 38)، وقوله عزّ وجلّ: {الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} (سورة غافر: 16)، والعلماء مطالبون بتوضيح الحقائق وعدم كتمانها وعقابهم يكون أشدّ وأفظع إذا لم يبلّغوا الحقائق كما بيَّنها الله في كتابه وبلَّغها رسوله الأمين، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (سورة آل عمران: 76).

هذه هي مكانة العقل في الإسلام، فالعقلاء هم الذين يستوعبون حقيقة الرسالات السماوية ويقدّرون عظمة الخالق، ويدركون الغاية من إيجاد المخلوقات، ويسيرون في الطريق الذي ينجيهم من غضب الله.

وبهذه الآيات البينات نرد على كل من يدّعي أن الإسلام دين لا يخاطب العقل وهذا ما جعل المسلمين يتأخرون ويتقدم غيرهم، فلذلك نادوا بفصل الدين عن كل مرافق الحياة كما فعل الغرب الذي حقق نهضته العلمية والفكرية التي نشهدها الآن بهذا النهج. إن هذا الكلام مجرد هراء وتغطية على الحقائق، ودعوى لا أساس لها من حقيقة هذا الدين، إن لإسلام لم يغلق الباب أمام الناس لاستعمال عقلهم في كل شيء يطور حياتهم نحو الأفضل شريطة الالتزام بشرع الله، وبالعدالة والمساواة بين جميع الناس، وهذه مبادئ وفضائل إنسانية لا ينكرها عاقل، فشرع الله جاء لتنظيم حياة الناس ودعوتهم للعمل وإصلاح دينهم ودنياهم بطرق لا ظلم فيها للمستضعفين، وإذا كان الغرب قد ثار على الدين فلأن لهم الأسباب الموضوعية التي دعتهم إلى ذلك، فالكل يعلم تسلّط رهبان الكنيسة في العصور الوسطى على عقول الناس ونهب أموالهم، وسوقهم كما تساق البهائم والأنعام للحروب من أجل تحقيق أطماع الكنيسة، فإذا انتفضوا على دينهم وعلى رهبانهم فلأن لهم ما يبرِّر ذلك، أما الإسلام فلا توجد فيه وصاية أحد على آخر، فالمسلم مطالب باتباع ما جاء في الكتاب والسنة وفي أثر السلف الصالح الذين التزموا بشرع الله وبما دعاهم إليه عقلهم النير الذي هداهم لإصلاح البلاد والعباد، فنالوا رضا الله ورضا الناس وأصبحت سيرتهم نهجا يتّبع لكل من أراد أن يسلك مسالك الخير، وبهذا لا يستطيع جاحد أن ينكر دور العقل في الإسلام على مستوى العبادة والعمل والتفكيروأسلوب الحياة، إن هذه الرسالة التي ختم الله بها سائر الرسالات جاءت بقوانين وتشريعات تقوم على أساس العدل والمساواة والتكافل الاجتماعي والتضامن والحرية والكرامة، فدعتهم لاستعمال عقولهم لتحقيق ذلك واختيار الأصلح منها، فلا يستطيع أحد مهما بلغ نضج فكره أن ينكر الفضائل التي دعا إليها الإسلام، أو يشك في أثرها على سعادة الناس وأمنهم واستقرارهم.

ثالثا: نعمة الاجتماع والتآلف

وهذه من النعم التي كرَّم الله بها الإنسان إذ جعله مخلوقا يميل إلى الاجتماع والتآلف، وفي ذلك مصلحة كبيرة لتأمين عيشه وتوفيراستقراره الاجتماعي والنفسي، وخصلة التآلف والاجتماع أوجدها الله في كل الحيوانات لحماية نفسها من أعدائها، ولتأمين الطعام لنفسها ولصغارها لكن شتّان بين صفة التآلف عند الحيوانات وعند الإنسان، فالإنسان لا يكتفي بتوفير الأمن والعيش فقط وإنما يسعى إلى أبعد من ذلك من أجل إيجاد أفضل السبل للعيش الكريم والأمن الدائم وتطوير المجتمع نحو الأفضل حيث يسترشد بشريعة الله، وبما يضع من أنظمة وقوانين تنظم حياة الأفراد والجماعات في علاقاتهم ومعاملاتهم التي تتعدد صنوفها وأشكالها في التجارة والصناعة والسكن والتعليم والمنازعات، وغيرها من القضايا الاجتماعية التي هي جزء من حياة الناس، والناظر في الشرائع والقوانين التي تتعامل بها المجتمعات البشرية سماوية كانت أو وضعية يلاحظ أن تلك القوانين لم تهمل صغيرة أو كبيرة في العلاقات الاجتماعية، وفي السلوك والأخلاق، والاقتصاد والتجارة والعدل، وهذه العلاقات تتشابك وتتفرّع حتى إننا نجد فقهاء الشريعة والقانون الوضعي لا يقفون لحظة عن الاجتهاد في خلق القوانين ووضع التشريعات ومناقشة النوازل التي تظهر بحكم تطور المجتمعات، وهذا يدل على أن البشرية لها نمط مضبوط ومقنّن في علاقاتها الاجتماعية والنفسية والخلقية، إن خرجت عليها اختلّ توازنها، بخلاف الحيوانات التي تعيش دوما في صراع تكون فيه الغلبة للقوي، قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}(سورة الحجرات: 13)، يحمل هذه الدلالات القويّة في نظام الاجتماع والتآلف والروابط التي ينبغي تحقيقها في المجتمعات البشرية، فالتعارف هو لقاء وودّ ومحبة، وبحث عن المصالح من أجل العيش في سلام وأمن واستقرار، ولذلك كان الخطاب في الآية الكريمة للناس جميعا، لا فرق بينهم في العرق واللّون والجنس، إن التعاون لفعل الخير والبر والإحسان واجب إنساني إذا كان يسعد البشرية جمعاء، وحتى الذين نختلف معهم في العقيدة يجب أن نستفيد من علومهم وخبراتهم وتجاربهم إذا كان ذلك في صالح الأمّة.

ونلاحظ هذا النهج الذي دعت إليه الآية الكريمة في المعاملات من أجل المصلحة الإنسانية هو الذي يسود في عصرنا الحاضر بين جميع الأمم في البحث العلمي والمناهج التربوية، وفي التجارة والصناعة والفلاحة والمواصلات والتقنيات الحديثة، وهذا هو النهج السليم، فالمجتمعات الإسلامية في المرحلة الراهنة من واجبها أن تبحث في كل ما يمكن أن يسعدها ويطوّرحياتها نحو الأفضل بالعلم وباكتساب الخبرات والتجارب التي سبقتها بها الأمم المتقدمة.

ولو تأمّل كل فرد ما في نعمة الاجتماع والتعارف على تأمين حياته وتوفير أمنه واستقراره لقدَّر هذه النعمة حق قدرها وشكر الله عليها مثل سائر نعمه التي لا تعدّ ولا تحصى، ولينظر الإنسان إلى أثر هذه النعمة في ميدان واحد فقط وهو تربية النشء ورعايتهم وتوجيههم إلى ما يسعدهم ويصلح أحوالهم في المستقبل، إن تربيتهم وتكوينهم وتعليمهم يحتاج إلى جهود من أطراف عديدة تبدأ من الأسرة ثم المدرسة والمعاهد والجامعات والمجتمع المدني، المتمثّل في الجمعيات الثقافية والحقوقية والرياضية، وكل هذه الميادين تتوفّر على مربين وخبراء وتقنيين وفنيين اكتسبوا تجارب وخبرات في التربية والتكوين والسلوك النفسي، والنشء لكي يحصل على توجيه سليم يحتاج إلى جهود وخبرات كل هؤلاء في مراحل نظمتها المجتمعات، ولايتم ذلك على الوجه الصحيح إلا بالتآلف والاجتماع والتعاون.

رابعا: نعمة إرسال الرسل والأنبياء

وهذه نعمة من نعم الله على الإنسان ومظهر من مظاهر تكريمه وتفضيله، لقد أرسل الله له الرسل على فترة من الزمن مبشرين ومنذرين وحملوا لهم شريعة الله وقوانينه التي ينبغي أن يلتزموا بها ليسعدوا في دنياهم وأخراهم، وهذه رحمة من الله بعباده، فالإنسان برغم ملكته العقلية لا يستطيع أن يتوصّل بمفرده لمعرفة الغيبيات والحقائق التي فوق قدراته العقلية، ولا يمكنه أن يضع شرائع وقوانين مضبوطة تنظم العلاقات والسلوك والمعاملات التي تحفظ حقوق الأفراد والجماعات بلا مظلم، فالقوانين الوضعية هي اجتهادات بشرية قد يصيب فيها واضعها أو يخطئ، أو قد تضعها جهة تريد المصلحة لنفسها أو عشيرتها، أما قوانين الرسالات السماوية فهي رحمة للناس كافّة، تعصمهم جميعا من الخطأ وتبيّن لهم الأحكام الصائبة وتساوي بينهم، فلا يفضل أحدهم على الآخر إلا بالتقوى والعمل الصالح، كما أن الرسالات السماوية حجة على الإنسان أمام الله، فلا يستطيع إنكار ما جاء به الرسل: {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} (سورة النساء: 164)، والقرآن الكريم الذي جاء به خير ولد آدم عليه الصلاة والسلام جاء بلسان عربي مبين، وهي لغة القوم الذين خاطبهم الرسول الأمين عليه الصلاة والسلام: {وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا} (سورة طه: 110)، وهو عليه الصلاة والسلام من صميم القوم وأشرفهم، يعرفون نسبه وأخلاقه وسيرته، وقد ذكر الله فضل الرسول الأمين عليه الصلاة والسلام على قومه، فقال عزّ وجلّ: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} (سورة آل عمران: 164).

لقد أرسله الله بالهدى ودين الحق لقومه وللناس جميعا في كل زمان ومكان حتى لا يكون للناس حجة على الله: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآَمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} (سورة النساء: 169)، وقوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} (سورة سبأ: 28).

والمسلمون مطالبون بتبليغ هذا الدين في كل زمان ومكان بالحكمة والموعظة الحسنة، فلا إكراه في الدين بعدما تبيّن الرشد من الغيّ، لأن كل ما جاء به رسول الله عليه الصلاة والسلام من ربّه وما دعا إليه في أقواله وأفعاله وتقريراته هو صدق ينبغي أن يلتزم به المسلم ويبلّغه بأمانة {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} (سورة الأحزاب: 21).

فلينظر الإنسان وليتأمل بعقله لكي يقدّر كل نعم الله عليه، فلم يتركه للأهواء والظنون ولا لعقله المحدود، فالله الخبير العليم بكل الأمور يعلم أن الإنسان خلق ضعيفا في قدراته الجسمية والعقلية والنفسية، فاقتضت رحمته الواسعة الأخذ بيده ليسلك طريق الخير التي يبيّنها له الرسل والأنبياء، فكان الوعد والوعيد وبيان ما حاق بالأمم الظالمة التي سبقت عبرة لكل من يتذكر وينيب إلى الله: {أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آَخَرِينَ} (سورة الأنعام: 7).

هذا جزء بسيط من رحمة الله الواسعة بعباده وفضله وكرمه عليهم، وتفضيله على كثير من المخلوقات، فلينظر الإنسان إلى هذه الرحمة وهذا التفضيل بتأمل ويشكر الله على ما أعطاه وسخّر له.

جامعة ولاية سونورا بالمكسيك تمنح عبد الوهاب زايد الدكتوراه الفخرية

سونورا – الوعي الشبابي: منحت جامعة ولاية سونورا بالولايات المتحدة المكسيكية شهادة الدكتوراه ...

محمد حسني عمران يكتب: الحنان وأثره في تربية الطفل

القاهرة – محمد حسني عمران: الأطفال هم مستقبل الأمة الواعد، وهم العناصر الفاعلة في المجتمع، ...

مواجهة الإلحاد بالعلم والعقل والدين.. كتاب جديد للدكتور خالد راتب

القاهرة – الوعي الشبابي: أصدر الدكتور خالد محمد راتب، مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر ...

اتصل بنا

  • صندوق البريد: 23667 الصفاة 13097 - الكويت
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
  • 22467132 - 22470156

عندك سؤال