الأربعاء، 24 يوليو 2024
رئيس التحرير
فهد محمد الخزّي

الدكتور أحمد زكي عاكف وتأديب العلم

د. محمود صالح البيلي - دكتوراه في الأدب والنقد: قيض الله سبحانه وتعالى للعربية من الكتاب من جمع ...


 

 

المتواجدون على الموقع

المتواجدون الأن

196 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

هذا ديننا

422223

د. أشرف صالح محمد :

قدمت الحضارة الإسلامية نموذجًا رائعًا للوحدة والتنوع في إثمارها الحضاري، حيث هضمت فنون الأمم السابقة، وأعادت تمثيلها بعد تشذيبها وتهذيبها، وتصحيح اعوجاجها، وإكمال نقصها، ومن ثم إخراجها في حلة قشيبة، وكل ذلك في ظل عقلية تؤمن بالتكامل المعرفي للبشرية ومبدا الأخذ والعطاء، عقلية تبغض التقليد وتمجد التجديد، عقلية ترفض الإلغاء والإقصاء، والعصبية المقيتة، والإقليمية الضيقة. وبينما كان العالم الإسلامي يموج حضارة وتمدناً خلال عصور الخلافة الراشدة والأموية والعباسية والعثمانية، كانت أوروبا تعيش في أتون الجهل والهمجية والبربرية والرق والعبودية. وهذه حقيقة لا ننكرها بل نقرها، فعلماء المسلمين في كل مشاربهم إبّان عصور حضارتنا الإسلامية التي غبرت لم يخلِّفوا لنا سوى أمجادهم وكتبهم وتراثهم الذي نهلت منه كل الروافد المعرفية العالمية، لأنه كان ثبتا اتسم بالمصداقية البحثية مما جعلهم مشاعل التنوير ودعاة الاستنارة، ومجددين ومبدعين للعلم، فظلت حضارتهم تروي الإنسانية عبر القرون الوسطى حيث كانت الهمجية تسود أوروبا.

الحضارة هي الجهد الذي يقدم لخدمة الإنسان في كل نواحي حياته، أو هي التقدم في المدنية والثقافة معًا، فالثقافة هي التقدم في الأفكار النظرية، مثل القانون والسياسة والاجتماع والأخلاق وغيرها، وبالتالي يستطيع الإنسان أن يفكر تفكيرًا سليمًا، أما المدنية فهي التقدم والرقي في العلوم التي تقوم على التجربة والملاحظة مثل الطب والهندسة والزراعة، وغيرها. وقد سميت بالمدنية، لأنها ترتبط بالمدينة، وتحقق استقرار الناس فيها عن طريق امتلاك وسائل هذا الاستقرار، فالمدنية تهدف إلى سيطرة الإنسان على الكون من حوله، وإخضاع ظروف البيئة للإنسان، ولابد للإنسان من الثقافة والمدنية معًا، لكي يستقيم فكر الأفراد وسلوكياتهم، وتتحسن حياتهم، لذلك فإن الدولة التي تهتم بالتقدم المادي على حساب التقدم في مجال القيم والأخلاق، دولة مدنية، وليست متحضرة، ومن هنا فإن تقدم الدول الغربية في العصر الحديث يعد مدنية وليس حضارة، لأن الغرب اهتم بالتقدم المادي على حساب القيم والمبادئ والأخلاق، أما الإسلام الذي كرم الإنسان وأعلى من شأنه، فقد جاء بحضارة سامية، تسهم في تيسير حياة الإنسان.

سمات الحضارة الإسلامية

لقد وصف المسلمون في العصور الوسطى بأنهم بالفعل أصحاب أعظم حضارة، والسبب في هذا أن الحضارة الإسلامية كانت عالمية المنبع والمصب، فقد استفاد المسلمون من تراث الأمم السابقة في صورة التراث اليوناني والفارسي والهندي، وخاصة اليوناني، ولم يجدوا مشكلة تعوقهم في ترجمة هذا التراث نظرا لازدهار العالم الإسلامي من الناحيتين الاجتماعية والاقتصادية.

فقد تألقت الحضارة بسبب اقتصادي، حيث وضع المسلمون أيديهم على منافذ خطوط التجارة العالمية، وسيطروا على مناطق من البحر المتوسط حتى سور الصين العظيم، والشمال الأفريقي، وجنوب غرب أوربا في صورة شبه جزيرة أيبيريا، وكذلك جزر البحر المتوسط، حيث نمت تجارة المسافات البعيدة، حتى إنه لقد صدرت البضائع من خراسان بعيدا إلى مصر وشمالي أفريقيا، وبذلك سارت في أيديهم أموال سائلة ضخمة لتمويل مشاريع الترجمة والتشييد والبناء، ومن حسن حظ المسلمين أنهم سيطروا على مراكز التراث القديم في الهند وفارس ومصر فكانت حضارتهم متألقة.

يذكر أن الحضارة الإسلامية كانت ذات بعد إنساني واضح، كما اتسمت بطابع التسامح ولم تعرف التعصب، فقد أشار كلود كاهن Claude Cahen (1909م - 1991م): إلى أن روح التسامح تلك لم تشهدها الحضارات العالمية قديما أو حديثا. ويكفي أن عظماء الأطباء كان منهم المسيحيون واليهود، ومثال ذلك:«حنين ابن إسحق» (194 – 260هـ/ 810 – 873م) الذي أجاد اليونانية والسريانية والعربية، وأيضًا «موسى ابن ميمون» (1135م – 1204م) وهو طبيب يهودي بارع وواحد من سبعة أطباء كانوا مرافقيين شخصيين للسلطان الأيوبي صلاح الدين (1138م – 1193م). وبذلك التقى الإسلام والمسيحية واليهودية في حضن حضارة واحدة عالمية قامت بمشروع حضاري في العصور الوسطى عجزت أوربا عن القيام به، وإنما قامت بمشروع متعصب في صورة الحروب الصليبية.

مدن تاريخية ومتحفية

كان ازدهار الحضارة الإسلامية من خلال ازدهار المدن كالكوفة، والبصرة، وبغداد، ودمشق، والقاهرة، والفسطاط، والعسكر، والقطائع، والقيروان، وفاس، ومراكش، والمهدية، والجزائر وغيرها، وقد انعكس هذا الازدهار على المناطق الريفية. كما خلفت الحضارة الإسلامية مدنًا متحفية تعبر عن العمارة الإسلامية كإستانبول بمساجدها، والقاهرة بعمائرها الإسلامية، وبخارى، وسمرقند، ودلهي، وحيدر أباد، وقندهار، وبلخ، وترمذ، وغزنة، وبوزجان، وطليطلة، وقرطبة، وإشبيلية، ومرسية، وسراييفو، وأصفهان، وتبريز، ونيقيا وغيرها من المدن الإسلامية. وكانت هذه المراكز في تناقض واضح بالمقارنة بالمدن البائسة للعصور المظلمة في أوربا، وخصوصًا بين القرنين الخامس إلى العاشر الميلاديين، حيث أصيبت حضارة الغرب بالانحطاط في مختلف المجالات، ولم يبق من معارف الإغريق والرومان التي ازدهرت في أوربا سوى القليل محصورًا بين الأديرة والكاتدرائيات وبلاطات الحكام، وتميزت العصور المظلمة بتفشي الجهل، والتزّمت الديني الشديد، وتعاظم دور الكنيسة في مختلف مجالات الحياة.

حركة الترجمة

لقد كانت الترجمة هي أولى مراحل الحركة العلمية الإسلامية، وبداية التأريخ للعلوم في الحضارة العربية. وقد بدأت الترجمة بداية منظمة منذ بداية الدولة الأموية؛ فقد عمل الأمير الأموي خالد بن يزيد ابن معاوية (ت 85 هـ) على نقل بعض الكتب في الطب والكيمياء إلى العربية، وقد استمر في الحكم ثلاثة شهور، ثم تخلى عن الخلافة لينصرف إلى العلم، وقد درس بعض المستشرقين جهوده، وتوصلوا إلى أنه أسهم في تاريخ العلم.

وكانت الترجمة من أهم الأنشطة العلمية طوال العصر العباسي، لاسيما في عهود أبي جعفر المنصور وهارون الرشيد والمأمون، وظهر في تلك الفترة مترجمون رواد حملوا على عاتقهم عبء نقل التراث الإنساني الموجود آنذاك إلى اللغة العربية التي كانت لغة العلم في ذلك العصر، مما حدا بالعلامة «البيروني» إلى القول: «إن الهجاء بالعربية أحب إلي من المدح بالفارسية».

ومن رواد الترجمة حنين بن إسحاق وأولاده، ويوحنا بن ماسويه، وقسطا بن لوقا البعلبكي، وحبيش بن الحسن الدمشقي، واصطفن بن بسيل. ويذكر هنا أن العباسيين لم يتعصبوا للإسلام على نحو يجعلهم يتجنبوا التعامل مع علماء الديانات الأخرى، والدليل على التسامح حينذاك أن حركة الترجمة قامت على أكتاف العناصر المسيحية التي حققت إنجازا غير مسبوق، وفي حالة تعصب العباسيين رفضت هذه العناصر المساهمة في بناء الحضارة العربية الإسلامية.

ولم يقتصر دور العرب على الترجمة والنقل الأمين وحفظ العلوم من الضياع فقط، بل وقفوا موقف الدارس والشارح والمؤلف، فشرحوا الغامض، وصححوا الأخطاء، وأدخلوا الكثير من التعديلات والإضافات والتعليقات على أعمال الأقدمين. ولذلك فإن الحضارة الإسلامية تسمى «حضارة الجسر أو المعبر»، لأنها حملت التراث الكلاسيكي اليوناني وتراث الهند وإيران إلى أوربا، فكان التراث الإسلامي العامل الرئيس لبدء عصر النهضة الأوربية، وهذا ما اتفق عليه الكثير من مؤرخي العلم، فانتقال التراث الإسلامي -وخاصة العلوم والمعارف- إلى غرب أوربا خلال العصور الوسطى كان العامل الرئيسي لبدء عصر النهضة في أوربا وانتقالها من عصر الظلمات إلى عصر البحث والكشف العلمي.

صناعة الورق

الورق المعروف حاليًا يعود تاريخه إلى القرن الثاني الميلادي، ففي عام 105 بعد الميلاد صنع الصيني تسي آي لون ورقا من لحاء الشجر وشباك الأسماك، ثم توصل الصينيون إلى صنع الورق من عجائن لباب الشجر، فحلت بذلك مكان الحرير غالي الثمن، والغاب ثقيل الوزن اللذين قنع بهما الصينيون زمنا طويلا. وبعد ذلك طور الصينيون هذه الصنعة باستخدام مادة ماسكة من الغراء أو الجيلاتين مخلوطة بعجينة نشوية ليقووا بها الألياف، ويجعلوا الورق سريع الامتصاص للحبر.

ولكن الورق الصيني كان محدود الانتشار، ولم يذع خبره في العالم القديم أو الوسيط حتى القرن الثامن الميلادي، حين عرف العرب أسرار صناعة الورق الصيني بعد فتح سمرقند عام 93هـ/ 712م. وأسس أول مصنع للورق في بغداد عام 178هـ/ 794م، وأسسه الفضل بن يحيى البرمكي في عصر هارون الرشيد (786 – 809م)، ثم انتشرت صناعة الورق بسرعة فائقة في كل أنحاء العالم الإسلامي، فدخلت سوريا ومصر وشمال أفريقيا وإسبانيا، وكان الناس يكتبون حتى ذلك الوقت على الرق والعسب واللخاف، ثم أمر هارون الرشيد، بعد أن كثر الورق، ألا يكتب الناس إلا في الكاغد (الورق الكتاني).

ويعتبر هذا الأمر إنجازا كبيرا، لأن المسلمين في ظل حضارتهم المزدهرة في العصور الوسطى كانوا أكثر أمة استهلاكا للورق، حيث انتشرت في أسواقهم دكاكين الوراقين، وكان أفضل أنواع الورق الصحف الدمشقية.

المنهج التجريبي

لقد قام العلم الإسلامي على أساس من الملاحظة والتجربة، فالمسلمين أول من تحدث عن المنهج التجريبي في العلوم في العصور الوسطى في وقت كانت فيه أوروبا لا تدري من أمرها شيئًا، وهو منهج مخالف تمامًا لما كان عليه اليونانيون أو الهنود أو غيرهم، فهذه الحضارات كانت تكتفي في كثير من الأحيان بافتراض النظريات دون محاولة إثباتها عمليًا، فكانت في أغلبها فلسفات نظرية، لا تطبيق لها في الكثير من الأحايين، حتى وإن كانت صحيحة، وكان يؤدي هذا إلى الخلط الشديد بين النظريات الصحيحة والباطلة، إلى أن جاء المسلمون فابتكروا الأسلوب التجريبي في تناولهم للمعطيات العلمية والكونية من حولهم، وهو ما أدى إلى تأسيس قواعد المنهج العلمي التجريبي، الذي ما زال العلم المعاصر يسير على هديه.

ومن العلماء المسلمين الذين كان لهم باع طويل في هذا المجال جابر بن حيان (ت 803م)، والخوارزمي (ت 840م)، والرازي (864 – 930م)، والحسن بن الهيثم (965 – 1040م)، وابن النفيس (1213 – 1288م)، وغيرهم كثير، وهناك بعض العلماء وضعوا كتب في الرحلة، فحرصوا على أمر المعاينة والمشاهدة، ومثال ذلك الطبيب والرحالة العراقي عبد اللطيف البغدادي في كتابه «الإفادة والاعتبار في الأمور المشاهدة والحوادث المعاينة بأمر مصر»، ومعنى هذا أن البغدادي اتخذ من المعاينة وسيلة لتجربة الرحلة، لذا من حق المسلمين أن يفخروا بأنهم أوجدوا المنهج التجريبي قبل فرانسيس بيكون Francis Bacon (1561 – 1626م) وغيره من علماء الغرب.

في الواقع لقد كان للنهضة الفكرية الإسلامية أثر ملحوظ في تطور العلوم الإنسانية والتطبيقية للأمم المجاورة التي نقل إليها هذا التراث، في حين انحصر التراث العربي الإسلامي في موطنه بين القراءات النقدية التحليلية وانضواء معظم دارسيه تحت جاهزية المعطيات العلمية والفكرية، بالرغم مما يحتويه هذا التراث من زوايا علمية تفرد بها دون تراث الأمم الأخرى، لاسيما ما يملكه من تنوع وخصوبة منهجية ونقدية، وكان من بين هذه العلوم:

علم النفس

علم النفس من العلوم التي كان للمفكرين العرب دور في إبداعها وتدوينها بشكل مميز لا يخلو من الجدلية والمعاصرة الملائمة لروح العصور المختلفة، وقد أدرج ضمن الدراسات الفلسفية والحكمة والطب حيث لم يكتسب استقلاله العلمي التخصصي، بل ظهر كجزء مكمل للأبحاث الكلامية والطبية الموسعة التي قام بها الفلاسفة العرب.

كذلك بوّب العلماء المسلمون النفس ضمن مصنفاتهم الفلسفية الشاملة بعد أن ملئت شروحا وانتقادا على ما هي عليه في اليونانية، ثم أفرد بعضهم لها فصولا في المؤلفات الطبية كأبي بكر الرازي (251 هـ - 313 هـ)، وابن سينا (370 هـ - 428 هـ)، وعليه أصبح للنفس منحى نظريا في المؤلفات الفلسفية، في حين أخذت طابعا آخرا في المؤلفات الطبية التي لا تهمل الارتكازات النظرية التي دونها الفلاسفة، وأصبحت النفس مبحث علم الأخلاق، فأبو بكر الرازي الطبيب الفيلسوف كان يؤمن «بمعالجة النفوس كما تعالج الأجسام، لما لها من تأثير في صحة ومرض الأجسام، ويرى أن يكون طبيب الجسم في الوقت نفسه عالما بطب النفوس».

يعتبر كتاب «الطب الروحاني» لأبي بكر الرازي والذي يسمى بكتاب «طب النفوس» أهم المصادر التراثية لعلم النفس، حيث أفرده لدراسة النفس من منظور تخصصي، يتكون الكتاب من عشرين فصلا، ورغم صغر حجمه فقد دون فيه الكثير من المعلومات النفسية فعرف فيه ماهية النفس والانفعال، الكآبة، الجنس، الإدمان، العادة وحتى عقدة النقص.

كما أدلى الفقيه الأندلسي ابن حزم بدلوه في هذا الشأن، حيث تناول في كتابه «طوق الحمامة في الألفة والألاف» عاطفة الحب الإنسانية بالبحث والدرس، على قاعدة تعتمد على شيء من التحليل النفسي من خلال الملاحظة والتجربة، فيعالج ابن حزم في أسلوب قصصي هذه العاطفة من منظور إنساني تحليلي. والكتاب يحتوي على مجموعة من أخبار وأشعار وقصص المحبين، وقد وصف بأنه أدق ما كتب العرب في دراسة الحب ومظاهره وأسبابه، وقيل أنه توصل لأفكار تفوق ما توصل إليه عالم النفس النمساوي سيجموند فرويد (1856 – 1939م).

علم الصوت

اهتم الفلاسفة العرب بالبحث في الصوت، وألموا بالمعلومات الأساسية فيه، ولهم تصانيف في الموسيقى ضمنوها مباحث في منشأ الأصوات، وكيفية انتقالها، واختلاف بعضها عن بعض، وتناولوا كذلك بالبحث موضوعات يتناولها الآن علم الأصوات الحديث.

فقد ذكر إخوان الصفا (القرن الرابع الهجري، العاشر الميلادي) في رسائلهم موجزًا شاملا في علم الأصوات وعلم الموسيقى، وضمنوا هذه الرسائل خلاصة للآراء التي سبقتهم منذ عهد فيثاغورث (ت 503 ق.م)، عرّفوا الصوت بأنه:«قرع يحدث في الهواء من تصادم الأجرام، وذلك لأن الهواء لشدة لطافته، وسرعة حركة أجزائه، يتخلل الأجسام كلها، فإذا صدم جسم جسمًا آخر، انسل ذلك الهواء من بينهما وتدافع وتموج إلى جميع الجهات، وحدث من حركته شكل كروي، واتسع كما تتسع القارورة من نفخ الزجاج فيها، وكلما اتسع ذلك الشكل ضعفت حركته وتموجه إلى أن يسكن ويضحمل».

وقد قسموا الأصوات إلى أنواع منها الجهير، والخفيف و الحاد والغليظ، وعزوا ذلك إلى طبيعة الأجسام التي تصدر عنها هذه الأصوات، وإلى قوة تموج الأصوات بسببها، وفي اهتزاز الأوتار الصوتية وقفوا على العلاقة الكائنة بين طول الوتر وغلظه، وقوة شده أو توتره، وهذه التقسيمات التي صنفوا إليها الأصوات، تتفق وتقسيم الأصوات في العلم الحديث من حيث الجهر والهمس والشدة والرخاوة.

كما عللوا الصدى بأنه يحدث نتيجة لانعكاس الهواء المتموج من مصادمة جسم عال كحائط أو جبل أو نحوهما. وقد شرح الجلدكي (عز الدين أيدمر علي/ ت. 743هـ) هذه الظاهرة شرحًا كيفيا وليس قياسيا، فيقول في كتاب «البرهان في أسرار الميزان»: «ليس المراد منه حركة انتقالية من ماء أو هواء واحد بعينه، بل هو أمر يحدث بصدم بعد صدم، وسكون بعد سكون… والصدى يحدث عن انعكاس الهواء المتموج من مصادمة جسم عال كجبل أو حائط، ويجوز ألا يقع الشعور بالانعكاس لقرب المسافة، فلا يحس بتفاوت زماني الصوت وعكسه…».

ولعل أفضل عمل وصل من الفلاسفة العرب في الأصوات، رسالة لابن سينا (371 – 428هـ) بعنوان «أسباب حدوث الحروف»، وقد قسمها إلى ستة فصول:

الأول في سبب حدوث الصوت، والثاني في سبب حدوث الحروف، والثالث في تشريح الحنجرة واللسان، والرابع في الأسباب الجزئية لحرف من حروف العرب، والخامس في الحروف الشبيهة بهذه الحروف وليست في لغة العرب، والسادس في أن هذه الحروف من أي الحركات غير المنطقية قد تسمع. والصوت عند ابن سينا ينتج عن تموج الهواء دفعة وبقوة وسرعة، وسبب التموج عنده ما يسميه بالقرع والقلع، أي ما نسميه الآن بالتضاغط والتخلخل.

وقد وضع أحد الباحثين دراسة حديثة سجل فيها ريادة العرب في مجال علم الصوت، حيث عقد دراسة مقارنة بين نظرية الفونيم التي جاء بها العالم اللغوي الإنكليزي دانيال جونز في القرن العشرين، وبين نظرية الأصول والفروع في الأصوات عند ابن جني. وبعد عرض أصول النظريتين توصل عبر التحليل العلمي الصوتي لهما ريادة ابن جني في اكتشاف أصول نظرية الفونيم وتفاصيلها الدقيقة قبل دانيال جونز بقرون عديدة، كما تكشف الدراسة سبق الخليل بن أحمد الفراهيدي في بحث فيزيائية الصوت قبل علماء أوروبا معتمدا على حسه الصوتي المرهف وقدرته السمعية في تحليل الصوت.

علم الحيوان

علم الحيوان هو الفرع الثاني من فروع علم الحياة أو التاريخ الطبيعي، وهو علم يبحث في أحوال وخواص أنواع الحيوانات وعجائبها ومنافعها ومضارها. وموضوعه هو: جنس الحيوان البري والبحري والماشي والزاحف والطائر، وغير ذلك. والغرض منه: التداوي والانتفاع بالحيوانات، واجتناب مضارها، والوقوف على عجائب أحوالها وغرائب أفعالها.

كان اهتمام العرب بالحيوان وعنايتهم به، أمرًا طبيعيًا جبلوا عليه، خاصة أن المستأنس منها كان يمثل جزءًا لا يتجزأ من حياتهم بدوًا وحضرًا. فكانت الخيل والإبل والكلاب والشاء وغيرها عماد الحياة الاقتصادية والاجتماعية والجمالية لديهم؛ لذا عندما بدأت نهضتهم إبّان العصر العباسي، أضافوا إلى الأدب الملفوظ المحفوظ أدبيات صنفوها في كل نوع من أنواع الحيوان أليفة ووحشية، ووصفوها وصفًا دقيقًا، وبينوا صفاتها وأشكالها وطبائعها وأسماءها وأسماء أصواتها.

ومن أشهر الذين ألفوا عن الحيوان النضر بن شميل (ت 204هـ/820م). ومن آثاره كتاب الصفات في اللغة الذي يتكون من خمسة أجزاء، خصص الجزء الثالث منه للإبل، كما تناول الغنم والطير، وخلق الفرس من بين ما تناول في الجزأين الرابع والخامس. وكذلك أبو زياد بن عبدالله الكلابي (ت نحو سنة 200هـ/ 815م) وله كتاب الإبل، وهشام الكلبي (ت 204هـ/ 819م) ومن تصانيفه أنساب الخيل، وأبو عبيدة التيمي (ت 207هـ/ 823م) ومن مؤلفاته في الحيوان: كتاب الفرس، كتاب الإبل، كتاب الحيات، كتاب أسماء الخيل، كتاب البازي. والأصمعي (ت 214هـ/ 829م) ومن مصنفاته: خلق الفرس، الخيل، الإبل، الشاء، كتاب الوحوش. وابن السكيت (ت 243هـ/ 857م)، ومن تصانيفه: كتاب الوحوش، كتاب الحشرات، كتاب الإبل. والدينوري (ت 282هـ/ 895م) وله كتاب الخيل.

ومن المسائل التي سبق إليها العرب أثر البيئة في الحيوانات، فيورد الجاحظ (ت 255هـ/ 869م) عددًا غير قليل من الإشارات العلمية التي توضح فهمه لهذا الأمر، وهو أول من أشار إلى أثر الهجرة والمحيط في التغيرات التي تطرأ على حياة الحيوان، فبعضها يغير لونه أو سلوكه.

على الرغم من أن إسهام العرب في حقل الحيوان لم يكن واضحًا مثل إسهامهم في بقية العلوم، إلا أن لهم آراء سبقوا بها أفكار بعض المحدثين؛ فعلى سبيل المثال تنسب نظرية التكافل أو المشاركة الحيوانية للفيلسوف الألماني جوته (1749 – 1832م)، وقد أخذ ذلك من عبارته الشهيرة في فاوست «إن روحين يسكنان صدري». إلا أننا نجد إشارات واضحة لدى كل من الجاحظ والقزويني (605 – 682هـ)، والدميري (742 – 808هـ) لهذه النظرية التي مفادها أن بعض الحيوانات التي تعيش في بيئة مكانية واحدة، قد يربط بينها نوع من المصلحة المشتركة، لذا تنشأ بينها مودة كأن يحط طائر البقر فوق البقرة ليلتقط منها الهوام، أو كأن ينظف طائر التمساح أسنان التمساح مما علق بها من بقايا اللحوم.

الأحجار الكريمة

يقول علماء الجيولوجيا: إن الأحجار الكريمة نوع من المعادن والعناصر النادرة، تتكون أساسا من مادة «السيليكا»، ويوجد نحو 4 آلاف نوع معروف من المعادن الشائعة والموجودة في القشرة الأرضية، غير أن وصف «الأحجار الكريمة» لا ينطبق إلا على عدد ضئيل جدا من هذه المعادن بسبب ندرتها في الغالب، وهو أمر تحدده ظروف الطبيعة في المقام الأول.

وقد عرف العرب المعادن والأحجار الكريمة، وكانت كلمة المعدن في أول الأمر تعني لديهم المنجم. وأول من استخدم الكلمة لتدل على المعنيين هو القزويني في عجائب المخلوقات، وتحدث العلماء المسلمون عن المعادن والأحجار، وعرفوا خواصها الطبيعية والكيميائية، وصنفوها ووصفوها وصفًا علميا دقيقًا، كما عرفوا أماكن وجود كل منها. واهتموا بالتمييز بين جيدها ورديئها، ولعل عطارد بن محمد الحاسب (ت 206هـ، 821م) كان أول من ألف كتابًا في الأحجار باللغة العربية. وهذا الكتاب هو كتاب «منافع الأحجار»، وفيه ذكر أنواع الجواهر والأحجار الكريمة، ودرس خواص كل منها، وقد ذكر الرازي هذا المؤلف في كتابه الحاوي. وهناك من العلماء من يعزو كتاب «الأحجار» لأرسطو إلى أصل سوري أو فارسي، وكتبت النسخة بالعربية منه في أخريات القرن الثاني الهجري، وعلى الرغم من قلة المادة العلمية فيه، إلا أنها تعكس آراء المسلمين عن المعادن في ذلك الوقت.

لعل أقدم نص احتوى على أسماء الجواهر التي تعدن من الأرض، هو ما جاء في أمالي الإمام جعفر بن محمد المسماة التوحيد، نذكر منها الجص (أكسيد الكالسيوم)، والكلس (كربونات الكالسيوم)، والمرتك (أكسيد الرصاص)، والذهب، والفضة، والياقوت، والزمرد، والقار، والكبريت، والنفط. ثم جاء جابر بن حيان تلميذ جعفر الصادق ليضيف بعض الجواهر والمعادن مثل الأسرب (نوع من الرصاص)، والمرقيشيا والياقوت الأحمر. وأضاف إخوان الصفا (31) جوهرًا جديدًا منها: (الطاليقوني، والإسرنج، والزاجات، والشبوب، وبواسق الخبز والعقيق والجزع). ثم أضاف البيروني الزفت واليشم والخارصين. وبالجملة نجد أنهم عرفوا من المعادن حتى عصر البيروني نحوًا من (88) جوهرًا مختلفًا مما يستخرج من الأرض.

وقد اهتم العرب والمسلمون باستغلال المعادن والأحجار الكريمة بالقدر نفسه الذي أولوه لدراستها، فتكلم المؤلفون عن المناجم والمحاجر التي يستخرج منها الذهب والزمرد وغيرهما. وقد كانت لصياغة الحلي والأحجار الكريمة في عهد العباسيين منزلة كبيرة، فكان الذهب، والفضة، والزمرد، وأنواع الياقوت، واللازورد، والآزوريت، واللؤلؤ يجلب من خراسان وإيران والبحرين ونيسابور وصنعاء ولبنان والهند وسيلان والسودان. ومن الأسماء التي اشتهرت بالخبرة في التعدين في أواخر الدولة الأموية والدولة العباسية: عون العبادي، وأيوب البصري، وبشر بن شاذان، وصباح جد يعقوب بن إسحاق الكندي، وأبو عبدالله بن الجصاص، وابن البهلول، وغيرهم كثيرون.

علم الأرصاد الجوية

علم الأرصاد الجوية يعنى بدراسة جو الأرض، والتغيرات الجوية، التي يتألف منها المناخ، ويقيس علماء الرصد الجوي الرياح، ودرجة الحرارة، ومدى الرؤية، والضغط الجوي، والأحوال الجوية الأخرى، وكذلك يقيسون المواد الكيميائية الموجودة في الجو والتي تؤثر على المناخ مثل الكربون، وثاني أكسيد الكربون، والأوزون. وغالبًا ما يتمكن هؤلاء العلماء من التنبؤ بالحالة الجوية، من خلال تحليل المعلومات المتوافرة عن الجو.

وقد حقق المسلمون في هذا المجال إسهامات كبيرة، فتكشف لنا كتب الرحالة والجغرافيين عن إدراك كامل لدورة الرياح، وأنواع الرياح سواء الجافة أو المطيرة، واتجاهات الرياح، سواء على مناطق اليابس أو البحار، وقد استفاد العرب من ذلك في حركة التجارة التي كانت تعتمد على السفن الشراعية، كما أدركوا أيضا تأثير القمر على حركة المد والجزر.

وهكذا ساهمت الحضارة الإسلامية في العديد من العلوم في عصر تألقها، إلا أن إسهاماتها لم تستمر على المستوى نفسه، فقد تعرضت للانتكاسات التي أتت من الهجمات الخارجية في صورة الغزو الصليبي والمغولي، فدمرت إنجازات الحضارة الإسلامية، وأصيبت في مقتل على حد قول المؤرخ الأمريكي ويل ديورانت، إلا أن الباحثين الغربيين المنصفين يؤكدون أن الحضارة الإسلامية مثلت الأساس الذي بنى عليه الغرب حضارته المعاصرة، حينما قام بنهضته الكبرى في العصور الوسطى في القرن الثاني عشر الميلادي.

7462212

السيد أحمد المخزنجي:

غني عن البيان أن الإسلام يوم أن جاء إلى الناس ظهر في مجتمع تعددت فيه جنسيات الأرقاء، زنجًا ورومًا وفرسًا وأحباشًا... إلخ، وأهم من ذلك تعددت فيه المصادر والروافد التي تمد «نهر الرقيق» بالمزيد والمزيد من الأرقاء، والتي تجعل هذا النهر دائم الفيضان.. فلما جاء الإسلام اتخذ من هذا «النظام الاستعبادي» الموقف المغاير والهادف إلى إلغاء الرق، ولكن بالتدريج.

  حث الإسلام المسلمين على عتق الرقاب، بأن جعله قُربة يتقربون بها إلى الله، فمن أعتق رقبة أعتق الله بكل عضو منها عضوًا من أعضاء مُعتقيه من عذاب النار. وجعل كفارة بعض الذنوب التي يرتكبها العبد عتق رقبة.

ويتصل بمبدأ كرامة الإنسان، بوصفه إنسانًا، مبدأ آخر هو أن الناس جميعًا أمة واحدة: ربهم واحد، وأصلهم واحد، قال تعالى: {يَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}.(النساء:1). وقال تعالى: {يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ }(الحجرات:13).

مما سبق يمكن القول أن مفتاح موضوع حقوق الإنسان في الإسلام هو مبدأ كرامة الإنسانية الذي قررته نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، فالله عز وجل كرم الإنسان بوصفه إنسانًا بصرف النظر عن عنصره أو لونه أو ديانته!!

ومنهج القرآن صريح في هذا المعنى، فهو لا يتحدث عن العرب أو المسلمين أو الذين آمنوا، وإنما يتحدث عن الإنسان بوصفه (ابن آدم). قال تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} (الإسراء:70).

وبنظرة فاحصة في مصادر الإسلام الأساسية- القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة- نستطيع أن نتبين أن الإسلام قد اعترف– منذ البداية- بحق الإنسان في المساواة، وحقه في الحرية، بصورة صريحة وواضحة تمامًا. واعترافه أيضًا بالحقوق الأخرى المتفرعة عن هذين الحقين. ولم يكتف الإسلام بمجرد الاعتراف للإنسان بهذه الحقوق، بل سعى إلى تأصيلها، وبيان مرتكزاتها بصورة مقنعة للعقول، بهدف ترسيخ هذه المعاني في الأذهان، وتعميقها في النفوس.

ومن العذابات التي عانى منها الإنسان في رحلته التاريخية- ولا يزال- تلك الصور من التمييز اللوني، فهناك في العالم صور لتعالي الرجل الأبيض، وتصنيف البشر إلى سادة ومنبوذين، إما بسبب لونهم أو عنصرهم، وجعل بعض الحيوانات، كالقطط والكلاب، أكثر كرامة وأوفى حقوقًا من الإنسان الملون في «حضارة الرجل الأبيض»!! «وليست نظريات التمييز العرقي والقبلي والقومي التعصبي والطائفي، بأقل هدرًا وإلغاءً لحقوق الإنسان وكرامته من التمييز اللوني والحكم الطبقي والإقطاعي والثيوقراطي وتحكم رجال الدين»! (1).

فاقتضت إرادة الله الرحيم بعباده أن ينقذهم من سقطتهم، وأن يجعل منهم خير أمة أخرجت للناس، فأرسل محمدًا  "صلى الله عليه وسلم"  رحمة للعاملين، وهاديًا للناس أجمعين، أرسله بخاتمة الرسالات الربانية لتكون دين الإنسانية عامة، وعقيدة البشرية جمعاء، قال تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ} (الجمعة:2).

«وكان الرسول  "صلى الله عليه وسلم"  لا يحكم في العاصمة، ولا يرسم سياسة المال، ولكنه كان يحكم الروابط بين قلوب المسلمين في الريف والمدن البعيدة، فتقوم بينها محبة الإسلام وتكافل الإسلام وتراحم الإسلام، في الوقت الذي كانت البيئة الزراعية المماثلة في أوروبا تقوم على علاقة السادة والعبيد.. سادة لهم الأمر كله والملك كله، وعبيد ليس لهم من الأمر شيء سوى العبودية المطلقة والانعدام الذليل»(2).

وبالمقابل نجد أن الإسلام يقدم منظورًا واقعيًا لحقوق الإنسان في تشريعاته، منسجمًا مع الفطرة الإنسانية وثابتًا في التصور، حيث حدد الحقوق بأوامره ونواهيه الشرعية، ورسم الكيفية والضمانات التي يتم بها تأكيد تلك الحقوق وإبرازها، وبيَّن الأداة التي يناط بها إقامتها.

وهذا ما أرساه الرسول الكريم في مبدأ الشورى (كحق من حقوق الإنسان في الإسلام) والذي يتبلور في إطاره الحل الأمثل والعلاج الأنجح لكل المشاكل صغيرها وكبيرها. وغني عن القول أن يوصف– مبدأ الشورى– بأنه أعظم المبادئ دستورية و«ديموقراطية» تأكدت في ظله حقوق الإنسان، وكشف للعالم المتمدين عن أروع نظام سياسي عرفته البشرية في ظل هذا المجتمع الإسلامي الذي تحكمه وحدة القيادة ويسوده العدل القضائي في دولة الإسلام العالمية(3).

ففي هذا المبدأ بين الرسول الكريم، جملة من المسؤوليات التي تقع على عاتق الحكام والمحكومين، فوضع أساسًا قيِِّمًا لمسؤولية رجال الحكم أمام الأمة، فقال عليه الصلاة والسلام: «إن الله يرضى لكم ثلاثًا ويسخط لكم ثلاثًا، يرضى لكم أن تعبدوه وحده ولا تشركوا به شيئًا وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا وأن تناصحوا من ولاَّهُ أمركمْ» (رواه مسلم وأحمد عن أبي هريرة).

وهذا كله بخلاف ما تقرر في الفكر الغربي الرأسمالي الذي ربط مصدر الحقوق وتشريعاتها بمبدأ الحرية، وترك الأمر لكل قادر لنيل حقوقه بناء على ما يراه من مصلحة. ثم قيدها بالقيود الخيالية، عند الاضطرار لذلك. كالتأكيد على أن الحقوق والحرية الفردية تنتهي حين تبدأ حقوق الغير، أو التأكيد على عدم تدخل الدولة إلا عند انتهاك الحريات، وجعل مسؤوليتها الرئيسية: حماية الحريات دون رعاية الشؤون. مما يجعل الحقوق في الغالب أمرًا نظريًا، لا أثر له في الواقع، نظرًا لعدم امكانية الاتفاق حول «المصلحة» ولوجود الأثرة والنزعة الأنانية لدى الكثيرين، مما يؤدي في النهاية إلى سيطرة القوي على الضعيف، وسطوة القادرين، ووضع التشريعات من قبل الرأسماليين لخدمة مصالح طبقتهم وحدها دون مراعاة سائر حقوق أفراد المجتمع.

الهوامش

1- انظر: «تقديم» عمر عبيد حسنة لكتاب: النظرية السياسية الإسلامية في حقوق الإنسان الشرعية، دراسة مقارنة، للدكتورين أحمد المفتي وسامي الوكيل، ع (25) ط/1، أخبار اليوم، القاهرة، 1990، ص 16-18.

2- قبسات من الرسول، للأستاذ محمد قطب، دار الشروق، القاهرة، ط/7، 1400هـ - 1980م، ص 10.

3- العدل والتسامح الإسلامي، تأليف السيد أحمد المخزنجي، دعوة الحق، رابطة العالم الإسلامي، مكة المكرمة، 1407هـ - 1987م، ص 14.

685441355225

د. إيهاب عبد السلام :

إن المتأمل لمشاهد السيرة النبوية يدرك جيدا أن ما صدر من الرَّسُول -صلى الله عليه وسلم- لم يكن يصدر إلَّا من نبيٍّ مرسل من الله رب العالمين، وليس من مجرد مُصْلح من المصلحين، فهناك فرق كبير بين الدوافع التي تحكم أداء المصلح دون ارتباط بمنهج سماوي، وبين النبي المرسل المكلف برسالة سماوية، وأخصُّ هنا بعض مواقفه من الكفار الذين حاربوه، ونقاط الخلاف بينهما. إن مراجعة تلك المواقف الآن تثبت لغير المؤمنين بنبوة محمد -صلى الله عليه وسلم- أنه لم يكن إلا رسولا من الله تعالى، ثم إنها تزيد المؤمنين إيمانا على إيمانهم، وأعرض هنا تأملًا لأمرين.

الأمر الأول:

لم يكن المجتمع الذي نشأ فيه محمد –صلى الله عليه وسلم- شرًّا محضًا لا خير فيه البتة، ولم يكن الرسول متضررًا من ذلك الشر ضررًا يجعله يبحث عن مخرج له ولرفاقه من سوء ذلك المجتمع إلى خير يأتي به وحي من السماء..

بل إن الرسول –صلى الله عليه وسلم- كان من المكرَمِين بين أهله وقومه قبل أن يجهر بدعوته، كما تشهد بذلك سيرته وتاريخه، وقد فتحت الدعوة عليه بابًا من الأهوال لشدَّ ما اشتدَّ، وعانى منه وأصحابه الكثير، ولم يكن النبيُّ صاحب سلطانٍ فيفرض دعوته بالقوَّة، ولم يكن فقيرًا مُعدَمًا فيقالُ: إن دعوته ثورة الفقراء.

وكان مجتمع الجاهليين في قريش عند الكعبة وما حولها مجتمعًا آمنًا، وإن لم يكن مؤمنًا، بل كان يؤمن بآلهةٍ متعدِّدَة، وقد أحبُّوها وتعلقوا بها إيمانًا منهم بأنها تقربهم إلى الله رب العالمين، وقد توارثوا تلك العقيدة عن آبائهم حتى رسخت في نفوسهم.

والكعبة هي بيت الله قبل الإسلام وبعد الإسلام، وقد اختلف زعماء القبائل فيمن ينال شرف حمل الحجر الأسود قبل أن يبعث محمد رسولًا إكرامًا لهذا الحجر، حتى قضى محمد –صلى الله عليه وسلم- بينهم بأن يحملوه جميعًا على ثوب، فحسم الخلاف وأرضى الجميع. وعندما جاء الإسلام أكرم ذلك الحجر، وجعل الطواف حول الكعبة يبدأ وينتهي به، وجعل استلامَهُ وتقبيلَهُ سُنَّةً وكرامَةً.

لقد كان ذلك المجتمع يفتقد التوحيد، ومنهجًا سماويًّا، ولكنه لم يكن يحارب دعوات الإصلاح، وسنِّ القوانين، وتنظيم الحقوق والواجبات، على نحوِ ما كان في حِلف الفضول، الذي أرسى قاعدة الدفاع المشترك وردِّ الظلم ونصرة المظلومين، خاصة الغرباء الوافدين على مكة، وقد باركت الأغلبية هذا الاتفاق، وحضره الرسول –صلى الله عليه وسلم- قبل أن يوحى إليه، وقد ذكره بالخير وامتدحه بعد أن صار نبيًّا مرسلًا.

أقول: إن مجتمع الجاهلية لم يكن شرًّا محضًا، بل إن دعوات الإصلاح كانت لا تعدم التأييد، طالما أن ذلك الإصلاح لا يتعرض للأصنام بسوء؛ ولو كان محمد –صلى الله عليه وسلم-ذلك المصلح من ذات نفسه لدعا إلى ما دعا إليه دون حاجة إلى نسبة ذلك إلى الله رب العالمين والدعوة إلى تحطيم الأصنام، فتحطيم جميع الأصنام كان أمرًا مرفوضًا بشدة من القرشيين والرسول يدرك ذلك جيدًا، فتلك هي القضية التي شغلت كفار قريش، ولم يعترضوا على شيء اعتراضهم على التخلي عن أصنامهم.. لقد قبلوا من النبي كُلَّ شيء حتى أن يكون أغناهم وأن تكون له الرئاسة عليهم.. أمَّا ترك الأصنام فلا، والعبقرية المجرَّدَة من النبوة تستدعي ألا يستعدي الرجل القوم جملة واحدة، ونبذُه الأصنام استعداهم أيما استعداء، ولم تكن تلك الأصنام تعوق الإصلاح الذي يدعو إليه النبي، ذلك الذي يتمثل في العدل والإحسان وإيتاء ذي القربى والنهي عن الفحشاء والمنكر والبغي، فلم تكن تلك الأصنام تدعو إلى شر ولا خير، والنبي –صلى الله عليه وسلم- يدرك جيدًا أنه سيحارَب أشد الحرب إذا دعا إلى تحطيم الأصنام، فأهل مكة يدركون أنه -كما يقول الأستاذ عبد الرحمن الشرقاوي: «لئن كانت أصنام الكعبة ضلالًا حقًّا، فسينصرف العرب عن زيارة الكعبة خلال الأشهر الثلاثة الحرم، وسيحرم الأغنياء مصدرًا كبيرًا للغنى.. وسيفقدون بسقوط الأصنام كل هيبتهم وسلطانهم. سيبذلون كل ما يملكون ليكذبوه ويعذبوه ولينفوه هو من الأرض، قبل أن ينفي عنهم مبرر بقائهم سادة أغنياء.. أو لم يتوقع ورقة بن نوفل هذا كله؟!».

ولو كان الرسول –صلى الله عليه وسلم- يدعو من تلقاء نفسه لما بدأ بما يستعدي أهل مكة عليه خاصة السادة والأغنياء، بل ما احتاج إلى أن ينسب ذلك إلى الله رب العالمين، وكان سيكتفي بأن يُنَصِّبَ من نفسه صنمًا بجوار تلك الأصنام، فقد عرضوا عليه الرياسة فيما عُرِضَ من إغراءات فداءً للأصنام؛ ولكن الأمر لم يكن بيده بل أُلْقِيَ إليه إلقاءً، وكان كما وصفه القرآن الكريم: "إنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلَا" [المزمل: 5].

ولم يكن النبيُّ –صلى الله عليه وسلم- يعلم  أنه سيكون رسولًا من الله رب العالمين ولم يخطط لذلك مطلقًا، يقول الله تعالى: "وَمَا  كُنتَ تَرْجُو أَن يُلْقَى إِلَيْكَ الكِتَابُ إِلاَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِّلْكَافِرِينَ (86) وَلاَ يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ (87) وَلاَ تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ" [القصص: 86 - 88].

هكذا نجد القرآن يحذره كما يحذر غيره من الناس فما هو إلا بشر رسول مكلف بالتبليغ حتى إنه بعدما بلَّغَ ما أُمِرَ به.. قال وكأنه يتنفس الصعداء في آخر حياته: "اللهم قد بلغت، اللهم فاشهد". بل إن صورة محمد في بداية الوحي وهو المزمل المدثر الواجل الخائف الذي لا يدري ما يُصْنَع به، لتوحي إلينا بحجم المسئولية التي ألقتها عليه الأقدار دون اختيار منه أو سابق ترتيب.

الأمر الآخر:

لم يكن النبي –صلى الله عليه وسلم- يقبل مساومة من أحد في نشر دين الله، وتبليغه للناس، وكان هذا كل ما يعنيه؛ أن يسمع الناس كلامه، فما عليه إلا البلاغ، فكان يحرص على أن يقابل القبائل التي تفد إلى مكة في المواسم، فيقول لهم كما ورد في السيرة النبوية لابن هشام: «يا بني فلان، إني رسول الله إليكم، يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، وأن تخلعوا ما تعبدون من دونه من هذه الأنداد، وأن تؤمنوا بي، وتصدقوا بي، وتمنعوني، حتى أبين عن الله ما بعثني به».

وكانت أكثر القبائل لا تكتفي بالرفض، بل كانوا يردون ردًّا قبيحًا، والرسول لا يبالي إلا بأن يبلغهم.

وذات مرة، أقبل فيمن أقبل بنو عامر بن صعصعة، فعرض عليهم النبي ما يعرضه على القبائل من الإيمان، فقال رجل منهم اسمه (بيحرة بن فراس بن صعصعة): والله لو أني أخذت هذا الفتى من قريش لأكلت به العرب. ثم قال للنبي: أرأيت إن نحن بايعناك على أمرك، ثم أظهرك الله على من خالفك، أيكون لنا الأمر من بعدك..؟

إن العبقرية المجردة من النبوة تجعل الرسول –صلى الله عليه وسلم- لا يتردد في قبول ما عرضه بيحرة، فالنبي في ذلك الحين ضعيف يفتقد القوة والعزوة والحماية من البشر، وقد واتته الفرصة بأن يتبنى بنو عامر بن صعصعة دعوته وحمايته بفرسانهم وعتادهم. ولكن النبي قال له: «الأمر إلى الله يضعه حيث يشاء» ذلك رد نبي لا رد مجرد إنسان عبقري يريد شيئًا لنفسه، فهو لم يَعِدْهُ ولم يَحْرِمْهُ، وإنما ردَّ الأمر إلى الله تعالى وقد علمه الوحي ذلك؛ علمه أن يكون عزيز النفس حينما يدعو الناس إلى الله، في مثل قوله تعالى: (يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)[الحجر: 17].

لم يكن بيحرة يزن الأمور بميزان الإيمان والكفر، وإنما وزنها بميزان المصلحة الدنيوية، وكأنه أدرك بأن ذلك الفتى سينتصر بهم، ثم سيكون أمره إلى قومه بعد ذلك، فاشترط أن يكون الأمر إليهم وفيهم لا لغيرهم، ولما سمع رد النبي –صلى الله عليه وسلم-  قال له: «أفنهدف نحورنا للعرب دونك – أي نجعل رقابنا هدفًا – فإذا أظهرك الله كان الأمر لغيرنا؟! لا حاجة لنا بأمرك».

لقد رفضوا نصرته حين رفض مساومته على ما لا يملك أن يمنحه لقوم دون آخرين، فالمؤمنون جميعًا لديه سواء، وقد وعد الله المؤمنين بالنصر والعزة، إن نصروا الله وأيدوا رسوله وثبتوا على دينهم، فكيف يعد رسول الله بذلك قومًا أو قبيلة دون أخرى؟!

427858112

السنوسي محمد السنوسي :

في موضوع شائك كهذا، تبدو الحاجة أكثر إلحاحا إلى الوقوف قليلا مع تعريفات ومضامين المفاهيم التي نحن بصددها؛ حتى ننطلق من أرضية واضحة في المعالجة والحوار.

أما «التسامح» فهو من اللين والسهولة؛ يقال: «سمح- سمحا وسماحا وسماحة: لان وسهل، وانقاد بعد استصعاب» (1). وهو: «سعة صدر تفسح للآخرين أن يعبّروا عن آرائهم ولو لم تكن موضوع تسليم أو قبول. ولا يحاول صاحبه فرض آرائه الخاصة على الآخرين» (2).

وأمّا «التعصب»، فهو من «عصب اللحم بالكسر، أي كثر عصبه. وانعصب: اشتد. والعصب: الطي الشديد. وعصب الشيء يعصبه عصبا: طواه ولواه، وقيل: شده. وتعصب، أي شد العصابة. والعصابة: العمامة. والعصبية: أن يدعو الرجل إلى نصرة عصبته، والتألب معهم على من يناوئهم، ظالمين كانوا أم مظلومين. وفي الحديث: العصبي من يعين قومه على الظلم» (3).

وجاء في «المعجم الفلسفي»: «التعصب»، غلو في التعلق بشخص، أو فكرة، أو مبدأ، أو عقيدة؛ بحيث لا يدع مكانا للتسامح. وهو ضرب من الحماسة الشديدة التي قد تؤدي إلى العنف والاستماتة. وهو بهذا حال غير سوية على مستوى الفرد والجماعة، ويصاحبها ضيق أفق وبعد عن التعقل (4). والتعصب نقيض الحرية والتسامح. إذا ازداد التعصب قلّت الحرية، والعكس بالعكس» (5).

وهناك مصطلح يتقاطع مع التعصب وهو «الغلو». و«الغلو: تجاوز الحد. يقال ذلك إذا كان في السعر غلاء، وإذا كان في القدر والمنزلة غلو. قال تعالى: {? ? ? پ} (النساء:171). والغلواء: تجاوز الحد في الجماح؛ وبه شبه غلواء الشباب» (6).

من هذه التعريفات يمكن أن نخلص إلى أن: التسامح حالة نفسية بالأساس تستتبع موقفا فكريا؛ فمجرد العلم لا يؤدي إلى التسامح إلا إذا تحلى صاحبه بأخلاق فاضلة. والتسامح والحرية مترابطان، وإن شئت فقل: مترادفان.

أما التعصب ففيه معنى الطي واللي والشد، أي الانغلاق والانطواء؛ فالمتعصب لا يحب أن يرى أو يسمع خلاف ما يعتقد، أو يسمع سماع المعرض لا سماع من يبحث عن الحقيقة. وقد يتطور التعصب من مجرد موقف فكري إلى فعل مادي، بالعنف والقتل.

بينما الغلو هو تجاوز الحد لشيء ليس بالضرورة أن يكون خطأ، بل قد يكون صحيحا في أصله، مثل المغالاة في حب الأنبياء بعبادتهم! أو المغالاة في حب الأوطان بالعنصرية! والغلو أقرب أن يتسرب إلى الشباب؛ لأنها مرحلة عمرية تتصف بالاندفاع والحماسة وعدم الروية.

إشارات

إذا نظرنا إلى المنهج الإسلامي -كدعوة وعملية تغيير- نجد أننا أمام عدة أركان يقوم عليها هذا المنهج، وهي: «المرسِل» وهو الله سبحانه، و«الرسالة» وهي الإسلام، و«المرسَل» وهو النبي محمد  " صلى الله عليه وسلم" ، و«المرسَل إليهم» وهم المسلمون، والناس كافة.

وقد وردت إشارات في القرآن الكريم والسنة النبوية تدلنا على أي مدى أن الإسلام بهذه الأركان هو أبعد ما يكون عن إقرار التعصب، فضلا عن الدعوة إليه.

فالله سبحانه أخبرنا عن ذاته العلية بأنه لم يخلق الناس ليعنتهم ولا ليوقع بهم الحرج والمشقة؛ فقال سبحانه: {لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ} (النساء:147). { يُرِيْدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيْدُ بكم العسر} (البقرة:185).

{ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ } (الحج:78).

و«الرسالة» قال الله تعالى عنها: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ } (البقرة:256). كما قال عنها النبي  " صلى الله عليه وسلم" : «بعثت بالحنيفية السمحة» (رواه أحمد من حديث أبي أمامة).

و«الرسول  " صلى الله عليه وسلم" » قال الله تعالى عنه: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ } (آل عمران:159).

و«المسلمون» حدد لهم النبي  " صلى الله عليه وسلم"  المنهج الذي ينبغي عليهم اتباعه، فقال: «إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين» (رواه البخاري من حديث أبي هريرة).

والسؤال: إذا كانت هذه الإشارات -وغيرها كثير- قد تواترت بحق المنهج الإسلامي، فكيف تسرب التعصب إلى واقعنا، وغاب التسامح بما يستلزمه من حرية في الفكر وتعددية في المواقف والرؤى؛ حتى تطور ذلك -أو تدهور- إلى عنف مادي، أساء إلى الإسلام بما لم يسئ به أعداؤه؟!

أسباب مشتركة

التعصب؛ سواء كان فكريا، أو سياسيا، أو اجتماعيا، أو متعلقا بموقف أو بشخص، له أسباب عامة مشتركة تقف وراء هذه الظاهرة؛ أهمها:

اضطراب الأسرة: فإذا نشأ الطفل في بيئة أسرية مضطربة ممتلئة بالمشكلات، يتسلط فيها أحد الأبوين على الآخر؛ فإنه -لا شك- سينشأ منطويا أو عدوانيا تجاه الآخرين، وهو في الحالتين لن يعتد إلا برأيه، ولن يثق بغيره(7).

قلة العلم: فكلما ازداد الإنسان علما أدرك أنه يجهل أكثر مما يعلم، وأنه لا يلم إلا بطرف من الحقيقة وغابت عنه أشياء، وأن ما يظنه صوابا محضا قد يكون هو الخطأ المحض! أو على الأقل قد يكون أحد أوجه الصواب. حينئذ لا يسعه إلا أن يتبع منهج الإمام الشافعي القائل: «رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب».

وإن الدارس لتاريخ الحركات التي انجرفت إلى هوة التعصب، واتخذت العنف طريقا، ليجد أنها قامت على أناس قليلي العلم، وأخذوا عن الكتب أكثر من العلماء؛ فأورثتهم قلة العلم، والطريقة الخاطئة في التلقي، فهما سقيما حسبوه الحقيقة المطلقة.

لكن المنهج الصحيح يقتضي أن ندور مع الدليل أينما دار، ونبحث عن الحق ولو لم يوافق هوانا، ونأخذ به ولو جاء ممن خالفنا في المذهب.. وندرك أن محكمات الشرع وقطعياته التي لا يجوز الخلاف بشأنها قليلة جدا، وأن ما دون ذلك كثير، والباب فيه مفتوح لتعدد الآراء والاجتهاد المنضبط؛ وهنا تكون القاعدة أنه «لا إنكار في المختلف فيه».

غياب الحريات: إن كلمة ابن خلدون الجامعة: «الظلم مؤذن بخراب العمران»، تلخص الآثار الكارثية التي تنتج عن بيئة القهر والتسلط، وعن غياب الحريات، وانعدام الأفق السياسي الذي يسمح بالتعددية والحوار، وانطلاق المواهب والأفكار من عقال الخوف والريبة.

وحين يجهر الفرعون بـ { مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَى} (غافر:29)، فإنه لن يقابل إلا بردة فعل في الاتجاه المضاد؛ لا تعترف بالحوار، ولا تؤمن بجدوى الأفكار، ولا ترى إلا ذاتها.. وهل ثمة بيئة لتفريخ التعصب والغلو أفضل من هذه؟!

الانغلاق على الذات: إن من سنن الله الثابتة، أنه لم يخلق الناس على نمط واحد، بل قرر فيهم «سنة الاختلاف» في الألسنة والألوان والأعراق، بل حتى في الشرائع والمذاهب، قال سبحانه:

{وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ } (الروم:22). وقال سبحانه أيضا:

{ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ  } (هود:118 و119).

لكن المنغلق على ذاته لا يرى إلا نفسه، ولا يسمع إلا صوته، ولا يعترف بحق الآخرين في الاختلاف والاجتهاد، بل ربما لم ير لهم حقا في الحياة أصلا! وهذه الرؤية الأحادية مخالفة لسنة الله في الكون، ومن شأنها أن تجعل صاحبها يستهين بحقوق الآخرين، ويستخف بحرماتهم.

شيء من التسامح

في مقابل ظاهرة التعصب والغلو، التي لها آثارها المفسدة للدين والدنيا، تبدو أهمية قيمة التسامح كإحدى القيم الضرورية التي لا غنى عنها لمن ينشد مجتمعا متماسكا، ويبتغي تدينا صحيحا يتساوق مع الفطر السليمة والعقول المستقيمة.

والتسامح كقيمة فكرية وموقف عملي يقتضي أن نؤكد عدة أمور:

< إن كل إنسان -فيما دون العقائد؛ إذ الدين عند الله الإسلام- يملك طرفا من الحقيقة، مثلما أن العلم لا يعرف الكلمة النهائية؛ فهناك دائما ما يدعو إلى التغير والتطور، وتجربة الإمام الشافعي في مذهبه الجديد بعد القديم، خير شاهد؛ وما قرره الفقهاء من أن الفتوى -لا الحكم- تتغير بتغير الزمان والمكان والأشخاص والأحوال، يساند هذا ويعضده.

< التسامح يعني بالضرورة وجود من يخالفنا؛ وإلا فلا معنى للإشارة إلى التسامح والتأكيد عليه لو أن ثمة إجماعا على رأي واحد!

< التسامح مع المخالف لا يعني الرضا بما يقول به، ولا التنازل عن قناعاتنا الذاتية؛ بل يعني فقط السماح بوجوده والإقرار بحقوقه.

< إذا كانت إرادة الله سبحانه قاضية باختلاف الناس وتنوعهم، فلا راد لذلك؛ ومهمتنا أن ننقل هذا الاختلاف من دائرة الصراع والمواجهة إلى دائرة التدافع والتكامل.

< علينا أن نحذر من دعوات التسامح التي توجه بطريقة ملتوية بغرض أن ينصرف أهل الحق عن التمسك بحقهم ويرضوا بما وقع من ظلم؛ فهذه الدعوات تفقد قيمتها الأخلاقية إذا أريد لها أن تكون ستارا لتسويغ الظلم وتبرير الاستسلام.

< ينبغي أن تقدم النظم السياسية نموذجا للتسامح من نفسها أولا؛ فالناس على دين ملوكهم، والشعوب تربى وتعلم؛ وإذا كان المجتمع بفئاته مطالبا بإشاعة التسامح وجعله قيمة راسخة في الحياة بمختلف اتجاهاتها، فإن من بيدهم الأمر والنهي يصبحون أكثر مسؤولية في تحقيق تلك القيمة المهمة، التي هي -بلا شك- لازمة لعمارة الدنيا واستقامة الدين.

الهوامش :

(1) مجمع اللغة العربية بالقاهرة، المعجم الوسيط، ص: 465، مكتبة الشروق الدولية، ط4، 2008م.

(2) مجمع اللغة العربية بالقاهرة، المعجم الفلسفي، ص: 44، المطابع الأميرية، من دون رقم الطبعة، 1983م.

(3) ابن منظور لسان العرب، مادة (عصب)، ص: 4/2963، تحقيق: عبد الله علي الكبير، محمد أحمد حسب الله، هاشم محمد الشاذلي، دار المعارف، من دون رقم الطبعة وتاريخ النشر.

(4) مجمع اللغة العربية، المعجم الفلسفي، ص: 49.

(5) جميل صليبا، المعجم الفلسفي 1/306، دار الكتاب اللبناني، بيروت، 1982م، من دون رقم الطبعة.

(6) الراغب الأصفهاني، المفردات في غريب القرآن 472/473، مكتبة نزار مصطفى الباز، من دون تاريخ.

(7) ذكر د. طارق حجي في كتابه «تجربتي مع الماركسية»- الفصل الأول: الماركسية والماركسيون والأخلاق- أن الجماعات اليسارية المتطرفة كان يلاحظ انحدار شبابها من أسر مضطربة، وأنهم يعانون انحرافات نفسية وأخلاقية جعلتهم حانقين على المجتمع. كما ذكر أن هذا كان رأي الأستاذ عباس محمود العقاد أيضا.

2000200

د. إبراهيم الهدهد: المشكلة تبدأ من البيت والمدرسة.. ومنهما أيضا يبدأ الحل

د. هاشم بحري: عودة التنشئة الأسرية واحترام آدمية المواطن أولى خطوات العلاج

خبيرة إتيكيت: ضغوط الحياة والتفريط في الدين أفرزا هذه السلبيات

خبيرة اجتماعية: لابد من تربية النشء على السلوكيات القويمة واحترام الآخرين

إسلام لطفي ومحمد عبدالعزيز:

    تموج مجتمعاتنا الإسلامية اليوم بالعديد من السلوكيات السلبية، التي لا تمت إلى قيم دين الرحمة والتكافل والاحترام والنظافة والأخلاق الحميدة بصلة. ولا تبدأ هذه السلوكيات المرفوضة من علو الصوت والشجار في الطرقات والبصق فيها وحشوها بالنفايات، مرورا بالتحرش والتطاول وانتهاك الحرمات، والتنابز بالألفاظ والألقاب، وعدم الالتزام بآداب المرور والجيرة، وصولا إلى التخلي عن احترام الكبير وتوقيره، وفقدان المعلم هيبته وتطاول التلاميذ عليه، وكذا السخرية من علماء الدين وغياب توقيرهم.. كلها من السلوكيات المرفوضة التي جاء الإسلام بضدها.. سألنا عددا من العلماء عن هذه السلوكيات وكيفية علاجها، فإلى ما قالوا:

نبدأ مع دراسة لاستشارية الطب النفسي د. رضوى سعيد، أكدت أن السبب الرئيسي في تدهور السلوكيات المجتمعية هو المشكلات التي تتفاقم داخل المجتمع، لافتة إلى أن هناك علاقة بين المشاكل المجتمعية وسلوكيات الأفراد، فكلما ازدادت هذه المشكلات تدنت سلوكيات الأفراد.

وأوضحت أن الجهل والازدحام والتكدس السكاني والضوضاء تعد عوامل تقلل من قدرة الجهاز العصبي على التحمل، وبالتالي ينفعل الشخص، ثم يتجاوز، ومن هنا يظهر سوء سلوكياته. لذلك، نجد أن سلوكيات الأشخاص الذين يعيشون في الأماكن التي تمتاز بالطبيعة النظيفة والأقل ازدحاما تكون أفضل من سلوكيات من يقيمون في بيئة غير صحية.

حلقة مترابطة

بينما أشار تقرير للجمعية الوطنية للدفاع عن الحقوق والحريات، إلى أن هناك ظواهر غريبة طارئة على المجتمع المصري أصبحت في تنام وازدياد، ويجب على الدولة والمجتمع أخذ زمام المبادرة بمواجهتها. وأكد التقرير أنه إذا لم تتم مواجهة هذه السلوكيات فإنها سوف تنتشر كما النار في الهشيم، وهي سلوكيات مشينة ترقى إلى مستوى الجرائم مثل «التحرش، هتك العرض، زنا المحارم، الاغتصاب».

وطالب التقرير بضرورة مواجهة هذه السلوكيات بحسم وعدم دفن الرؤوس في الرمال، مشيرا إلى العديد من المظاهر السلبية الأخرى، مثل حالة الفوضى التي يمر بها الشارع، وانتشار البطالة والمخدرات والموبايلات الصينية الرخيصة الثمن، التي أصبحت وسيلة في أيدي المراهقين يتداولون من خلالها مقاطع الفيديوهات الجنسية المقززة، والتي تشكل جميعها حلقة مترابطة من السلوكيات السلبية التي ينبغي التصدي لها.

ابتزاز تكنولوجي

كما رصد تقرير آخر لمركز تنمية مهارات المرأة أبرز السلبيات التي جدت على المجتمع، وذكر منها مساوئ استخدام التكنولوجيا بطريقة خاطئة تسيء إلى الآخرين وتقتحم خصوصيتهم أو تمارس ضدهم الابتزاز. كما تطرق إلى سلبيات اجتماعية تتكرر يوميا، مثل إلقاء المخلفات والقمامة المنزلية من شرفات المنازل وأبواب السيارات في الشارع، أو وضع هذه المخلفات في أوعية أمام الشقق السكنية من دون غطاء، وإلقاء بقايا الطعام وقشور الفاكهة من وسائل المواصلات المختلفة أثناء السير، إضافة إلى التدخين داخل وسائل النقل والمواصلات وفي الأماكن العامة.

الأسرة هي الأساس

إلى ذلك، أكد نائب رئيس جامعة الأزهر د. إبراهيم الهدهد، أن رسول الله  " صلى الله عليه وسلم"  كما صح في الحديث الشريف عن أبي سعيد الخدري عن النبي  " صلى الله عليه وسلم"  قال: «إياكم والجلوس في الطرقات». قالوا: يا رسول الله، ما لنا بد من مجالسنا نتحدث فيها. قال رسول الله  " صلى الله عليه وسلم" : «فإذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه». قالوا: وما حقه؟ قال: «غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر». فإعطاء الطريق حقه من آداب الذوق العام التي يجب أن يكون المسلمون عليها في تصرفهم في الملتقيات العامة والشوارع.

وأضاف: كف الأذى هنا مبدأ عام.. المراد منه كف الأذى قولا وفعلا، والذي يحدث الآن في الطرقات أمور تقشعر لها الأبدان، حيث يكثر فيها الأذى بالقول أو الفعل، فنرى كثيرا انتهاك الآداب العامة والاعتداء على الذوق العام، فيستغل الإنسان ما أمام بيته أو متجره مما لا يحل له من حق لعامة المسلمين في الشوارع، ويضيق عليهم الطرقات.

وتابع: الأمر الآخر من الذوق العام أيضا المنافي للآداب، هو عدم احترام الصغير للكبير في أثناء جلوسه على قارعة الطريق، سواء كان جالسا أو قائما، حيث مرور الإناث أو الذكور، فليس هناك غض للبصر أو عفة في اللسان، ولا مراعاة لحق الكبير.. مع أن شريعة الإسلام في ذلك واضحة، حيث صح عن النبي  " صلى الله عليه وسلم"  في حديث عبدالله بن عمرو: «ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويعرف حق كبيرنا»، وفي الحديث الذي صححه الألباني: «ليس منا من لم يجل كبيرنا، ويرحم صغيرنا، ويعرف لعالمنا حقه»؛ فهذه أمور وسلبيات كثيرة جدا في المجتمع المسلم ما كان ينبغي أن يأتيها أحد من المسلمين، فمثلا صار من الأمور المعتادة جدا في الطرقات أن يمر كبار السن بينما الصغار من الشباب والغلمان يضعون قدما على أخرى ويتلفظون بألفاظ قبيحة، مع مد أرجلهم في الشارع بحيث لا يستطيع الشيخ الطاعن المرور في الطريق، وإذا استنكر الشيخ الأمر ناله شيء من الألفاظ القبيحة.. كل هذا يعتبر من الأمور التي تعد اعتداء على الذوق العام ولا يرضاها الإسلام.

وأكد أن الأمثلة كثيرة، فمن حفر حفرة أمام بيته ولم يقم بردمها وإصلاح الطريق كما كان، وترتب على ذلك أن يصاب أحد من المارة بسوء، فعليه ذنب وعقاب حسب الواقعة التي تحدث، فمعالم الشريعة واضحة في هذا الأمر. كذلك من المخالفة للذوق العام كسر قواعد المرور، لأنها من الأمور التي تنظم العلاقات في الشارع بين الأفراد والسيارات، فأي مخالفة من هذا القبيل هي مخالفة لشرع الله، وإن القانون يأتي لمصالح الناس كافة، فالناس جميعا في الحق سواء. ونرى كثيرا من المشاجرات التي تحدث، والتكدس جراء ذلك، وهو سوء سلوك من الأفراد، وعدم احترام الذوق العام.

وعن إلقاء القمامة في الشارع، أكد الهدهد أن الرسول  " صلى الله عليه وسلم"  قال: «طهروا أفنيتكم فإن اليهود لا تطهر أفنيتها»، والأمر ينطبق على الشارع أيضا، فالنظافة من الإيمان، ومعنى هذا أن الإسلام يربط النظافة بالإيمان؛ أيضا النبي  " صلى الله عليه وسلم"  علمنا أن من رفع شوكا أو عظما أو ما إلى ذلك من الطريق يعد بمنزلة صدقة فقال  " صلى الله عليه وسلم" : «الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة، فأفضلها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان». فالإسلام يدفعنا إلى أن ننظف شوارعنا، وكل الممتلكات العامة التي يستخدمها المواطنون.

وأشار إلى أن المصطفى  " صلى الله عليه وسلم" ، تحدث عن أن الإيمان يأمر بالنظافة، وأنه لابد من غسل اليدين، مع وضع اليدين على الفم عند التثاؤب أو العطس.. وكل ذلك المقصود منه في الإسلام عدم إيذاء الآخر، فكل ما فيه إيذاء للآخر وخدش لمشاعره هو من المنهي عنه شرعا، مما هو قائم الآن وما قد يستجد حتى قيام الساعة، لأن هناك أناسا يعانون من حساسية من هذه التصرفات، فربما لو رأى أحدا يبصق أو يدخن في الشارع ترتب عليه أذى، حتى في الصلاة، وكذا عادة التجشؤ التي تؤذي الآخرين، فقد ورد عن النبي  " صلى الله عليه وسلم"  أنه قال لرجل تجشأ: «كف عنا جشاءك، فإن أكثرهم شبعا في الدنيا أطولهم جوعا يوم القيامة».

وعن الأسباب التي أدت إلى ظهور هذه السلوكيات السلبية في المجتمعات المسلمة، قال الهدهد: الأسباب ترجع إلى التنشئة، لأن البيت هو الأساس في هذا الأمر، وترجع بعد ذلك إلى المدارس التي يتعلم فيها النشء الصغار، فنحن في بيوتنا لا ننتبه إلى الآداب العامة، مع أن الإسلام يأخذ بيد الإنسان ويعلمه كل شيء، فالنبي  " صلى الله عليه وسلم"  علم الأمة في أحاديث صحيحة كل شيء، حتى دخول الحمام والخروج منه، فالإسلام لم يترك هذه الآداب العامة، إنما فصلها تفصيلا، وعندنا في تراث المسلمين كتب في آداب السفرة والطعام، مع نصوص واضحة من الإسلام تعلم النشء هذا السلوك القويم العالي المستوى، الذي يرفع وضع الإنسان أمام الآخرين، إلا أن البيوت شغلتها شواغل أخرى كثيرة، وأصبح هم كل واحد أن يشتغل بلقمة العيش ثم لا يشتغل بتنشئة من يطعمه، فيكون ذلك الفساد الأعظم.

وعن العلاج، قال: يبدأ من البيوت والمدارس، ولابد من أن تكون لدينا مقررات دراسية للآداب العامة في مراحل التعليم المختلفة، خصوصا في المرحلة الابتدائية والإعدادية والثانوية، وأن توضع الآداب المناسبة لكل مرحلة عمرية؛ فنحن نفتقد الآداب التي يجب أن يتحلى بها الأبناء مع آبائهم، لأن الآباء أنفسهم افتقدوا الآداب المفروض أن يعلموها هم لأبنائهم، فذلك الأمر تعاوني، ولابد من أن يكون هناك تعاون بين الأسرة، مع وجود برامج توعية، وأن يكون هذا اتجاها عاما للدول الإسلامية، لأن التنشئة إذا كانت صحيحة تتحلى بالآداب العامة فكل ذلك يعود بالخير الوفير جدا على المجتمع. نحن الآن نرى الطفل في الشارع يمسك بزجاجة ويضربها في الحائط ويملأ أرض الشارع بالزجاج المكسور، مما يترتب عليه إيذاء الآخرين، فترسيخ الآداب العامة يعود بالخير على المجتمع والدولة والأسرة، لكن الناس لا يفطنون إلى هذا ويفطنون إلى كل شيء يحتاج إليه أبناؤهم من الناحية المادية فقط.

ولفت إلى أن هناك تأثيرات عدة على المجتمع، فبناء الأسرة أصبح متهالكا، وكثر العقوق، وتفكك الأسر، وتقطعت الأرحام. والتأثير الثاني هو على الدولة، فأصبحت الدول تتكلف كثيرا جدا بسبب تنظيف شوارعها. والتأثير الثالث على الفرد نفسه، لأنه يصبح بلا وعي لهذه الآداب، مما يجعله فردا مفسدا في المجتمع.

حياة آدمية

من جانبه، أوضح رئيس قسم الطب النفسي في جامعة الأزهر د. هاشم بحري، أنه لابد من عودة دور الأسرة في تنشئة أبنائها على سلوكيات مستمدة من الدين، وكذا ضرورة إصلاح التعليم، لأنه يعطي للإنسان ثقة في نفسه، واحتراما لذاته، حتى لا يدخل في مرحلة الانهيار. علاوة على أن تتحمل الدولة مسؤولياتها في توفير فرص العمل، وتهيئة البيئة المعيشية المناسبة التي توفر القدر المناسب من الحياة الآدمية لمواطنيها.

وأكد أن العنف من أبرز الممارسات السلبية الدخيلة على المجتمعات العربية، وهو نوع من تصريف الغضب، ويأتي على شكلين: إما الاعتداء على الآخرين وهو ما نراه في العنف في الشوارع أو التحرش، أو الاعتداء على النفس كما في حالات الإدمان. والحل يكمن في احترام النفس والشعور بقيمتها، فلو شعر الإنسان بقيمته لا يمكن له أن يعتدي على الآخرين أو على نفسه.

وأشار إلى أهمية مبدأ الثواب والعقاب للحد من هذه الظاهرة، وضرورة أن يبادر المجتمع إلى علاجها منذ الصغر.

أساسيات الفطرة

أما خبيرة الإتيكيت وفن التعامل ماجي الحكيم فقالت: كان المجتمع الشرقي يمتاز بصفات أصيلة، مثل الشهامة واحترام الصغير للكبير، لكن مؤخرا تراجعت هذه القيم نتيجة ضغوط الحياة، فتخلت الأسرة عن التربية في ظل انشغالها بالعمل، وبالتالي نشأت الأجيال خالية من أساسيات الذوق على الرغم من أنها من أساسيات دين الفطرة الإسلام.

وأضافت: الأصل في الإتيكيت هو التعليم الإسلامي، ونحن بطبيعتنا شعوب متدينة، وإذا لم يتعلم المسلم أساسيات دينه، مثل النظافة والحفاظ على الغير وخصوصياتهم وغض البصر، فلن يكون لديه أي صفة من أصول الإتيكيت. فالإشكالية الآن أن الناس ابتعدوا عن دينهم، ونحن في حاجة إلى العودة إلى أصولنا أكثر من التعلم، ويجب علينا أن نعامل الآخرين كما نحب أن يعاملونا.

ثواب وعقاب

بينما ترى الخبيرة في المركز القومي المصري للبحوث الجنائية والاجتماعية د. سوسن فايد، أن المسألة تعود إلى عوامل كثيرة، أهمها في الأساس التربية والتعليم من خلال الأسرة أولا، ثم من خلال المؤسسات التعليمية، حيث إنه في التنشئة يجب تعويد الطفل وتعليمه الطرق الصحيحة للتعامل مع الآخرين.

وأضافت: الثقافة العامة والضوابط واللوائح التي نضعها في المرور والنظافة والتعاملات على أي مستوى من المؤسسات، لابد من وجود قواعد ولوائح، وأن يكون هناك ثواب وعقاب، لكن في حالة عدم ضبطها تكون الفوضى، مثل ما نمر به الآن، لأنه لا يوجد ثواب وعقاب ومثل أعلى.

وشددت على أنه لابد من وجود هدف مشترك لدى جميع المؤسسات لمناقشة القواعد والضوابط التي تخلق المناسب للالتزام والابتعاد عن المظاهر السلبية. ومعظم الناس يريدون أن يكونوا صورة من المجتمعات المنظمة، لكن غياب المسؤولية والرقابة والمحاسبة تسبب في الوضع السيئ الذي نشهده.

 وعن أبرز المظاهر السلبية التي تثير استياءها، قالت إنها تكمن في الشوارع المكدسة بالسيارات وكأنها أصبحت «جراج»، فهناك بعض من يمتلكون سيارات لكنهم لا يستخدمونها، مما يحدث أزمة مرورية، علاوة على أن عدم إعطاء الطريق حقه من مظاهر الفوضى، كما طالبت النساء بأن يلتزمن بالزي الإسلامي، مؤكدة أن هناك أزمة ثقة متبادلة بين الذكور والإناث، ولكي يكون الالتزام كاملا علينا فهم الدين بحق.

جامعة ولاية سونورا بالمكسيك تمنح عبد الوهاب زايد الدكتوراه الفخرية

سونورا – الوعي الشبابي: منحت جامعة ولاية سونورا بالولايات المتحدة المكسيكية شهادة الدكتوراه ...

تربية إبداعية لأبنائك.. كيف؟

رويدا محمد - كاتبة وباحثة تربوية: يعرف الإبداع بأنه النشاط الإنساني المختلف عن المألوف، والذي يؤدي ...

مواجهة الإلحاد بالعلم والعقل والدين.. كتاب جديد للدكتور خالد راتب

القاهرة – الوعي الشبابي: أصدر الدكتور خالد محمد راتب، مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر ...

اتصل بنا

  • صندوق البريد: 23667 الصفاة 13097 - الكويت
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
  • 22467132 - 22470156

عندك سؤال