الثلاثاء، 03 أكتوبر 2023
رئيس التحرير
فهد محمد الخزّي

البخاري.. أمير المؤمنين في الحديث

د.محمد صالح عوض - عضو المجمع العلمي لبحوث القرآن والسنة: إن الحياة في ظلال الحديث الشريف، نعمة ...


 

 

المتواجدون على الموقع

المتواجدون الأن

77 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

هذا ديننا

2000200

د. إبراهيم الهدهد: المشكلة تبدأ من البيت والمدرسة.. ومنهما أيضا يبدأ الحل

د. هاشم بحري: عودة التنشئة الأسرية واحترام آدمية المواطن أولى خطوات العلاج

خبيرة إتيكيت: ضغوط الحياة والتفريط في الدين أفرزا هذه السلبيات

خبيرة اجتماعية: لابد من تربية النشء على السلوكيات القويمة واحترام الآخرين

إسلام لطفي ومحمد عبدالعزيز:

    تموج مجتمعاتنا الإسلامية اليوم بالعديد من السلوكيات السلبية، التي لا تمت إلى قيم دين الرحمة والتكافل والاحترام والنظافة والأخلاق الحميدة بصلة. ولا تبدأ هذه السلوكيات المرفوضة من علو الصوت والشجار في الطرقات والبصق فيها وحشوها بالنفايات، مرورا بالتحرش والتطاول وانتهاك الحرمات، والتنابز بالألفاظ والألقاب، وعدم الالتزام بآداب المرور والجيرة، وصولا إلى التخلي عن احترام الكبير وتوقيره، وفقدان المعلم هيبته وتطاول التلاميذ عليه، وكذا السخرية من علماء الدين وغياب توقيرهم.. كلها من السلوكيات المرفوضة التي جاء الإسلام بضدها.. سألنا عددا من العلماء عن هذه السلوكيات وكيفية علاجها، فإلى ما قالوا:

نبدأ مع دراسة لاستشارية الطب النفسي د. رضوى سعيد، أكدت أن السبب الرئيسي في تدهور السلوكيات المجتمعية هو المشكلات التي تتفاقم داخل المجتمع، لافتة إلى أن هناك علاقة بين المشاكل المجتمعية وسلوكيات الأفراد، فكلما ازدادت هذه المشكلات تدنت سلوكيات الأفراد.

وأوضحت أن الجهل والازدحام والتكدس السكاني والضوضاء تعد عوامل تقلل من قدرة الجهاز العصبي على التحمل، وبالتالي ينفعل الشخص، ثم يتجاوز، ومن هنا يظهر سوء سلوكياته. لذلك، نجد أن سلوكيات الأشخاص الذين يعيشون في الأماكن التي تمتاز بالطبيعة النظيفة والأقل ازدحاما تكون أفضل من سلوكيات من يقيمون في بيئة غير صحية.

حلقة مترابطة

بينما أشار تقرير للجمعية الوطنية للدفاع عن الحقوق والحريات، إلى أن هناك ظواهر غريبة طارئة على المجتمع المصري أصبحت في تنام وازدياد، ويجب على الدولة والمجتمع أخذ زمام المبادرة بمواجهتها. وأكد التقرير أنه إذا لم تتم مواجهة هذه السلوكيات فإنها سوف تنتشر كما النار في الهشيم، وهي سلوكيات مشينة ترقى إلى مستوى الجرائم مثل «التحرش، هتك العرض، زنا المحارم، الاغتصاب».

وطالب التقرير بضرورة مواجهة هذه السلوكيات بحسم وعدم دفن الرؤوس في الرمال، مشيرا إلى العديد من المظاهر السلبية الأخرى، مثل حالة الفوضى التي يمر بها الشارع، وانتشار البطالة والمخدرات والموبايلات الصينية الرخيصة الثمن، التي أصبحت وسيلة في أيدي المراهقين يتداولون من خلالها مقاطع الفيديوهات الجنسية المقززة، والتي تشكل جميعها حلقة مترابطة من السلوكيات السلبية التي ينبغي التصدي لها.

ابتزاز تكنولوجي

كما رصد تقرير آخر لمركز تنمية مهارات المرأة أبرز السلبيات التي جدت على المجتمع، وذكر منها مساوئ استخدام التكنولوجيا بطريقة خاطئة تسيء إلى الآخرين وتقتحم خصوصيتهم أو تمارس ضدهم الابتزاز. كما تطرق إلى سلبيات اجتماعية تتكرر يوميا، مثل إلقاء المخلفات والقمامة المنزلية من شرفات المنازل وأبواب السيارات في الشارع، أو وضع هذه المخلفات في أوعية أمام الشقق السكنية من دون غطاء، وإلقاء بقايا الطعام وقشور الفاكهة من وسائل المواصلات المختلفة أثناء السير، إضافة إلى التدخين داخل وسائل النقل والمواصلات وفي الأماكن العامة.

الأسرة هي الأساس

إلى ذلك، أكد نائب رئيس جامعة الأزهر د. إبراهيم الهدهد، أن رسول الله  " صلى الله عليه وسلم"  كما صح في الحديث الشريف عن أبي سعيد الخدري عن النبي  " صلى الله عليه وسلم"  قال: «إياكم والجلوس في الطرقات». قالوا: يا رسول الله، ما لنا بد من مجالسنا نتحدث فيها. قال رسول الله  " صلى الله عليه وسلم" : «فإذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه». قالوا: وما حقه؟ قال: «غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر». فإعطاء الطريق حقه من آداب الذوق العام التي يجب أن يكون المسلمون عليها في تصرفهم في الملتقيات العامة والشوارع.

وأضاف: كف الأذى هنا مبدأ عام.. المراد منه كف الأذى قولا وفعلا، والذي يحدث الآن في الطرقات أمور تقشعر لها الأبدان، حيث يكثر فيها الأذى بالقول أو الفعل، فنرى كثيرا انتهاك الآداب العامة والاعتداء على الذوق العام، فيستغل الإنسان ما أمام بيته أو متجره مما لا يحل له من حق لعامة المسلمين في الشوارع، ويضيق عليهم الطرقات.

وتابع: الأمر الآخر من الذوق العام أيضا المنافي للآداب، هو عدم احترام الصغير للكبير في أثناء جلوسه على قارعة الطريق، سواء كان جالسا أو قائما، حيث مرور الإناث أو الذكور، فليس هناك غض للبصر أو عفة في اللسان، ولا مراعاة لحق الكبير.. مع أن شريعة الإسلام في ذلك واضحة، حيث صح عن النبي  " صلى الله عليه وسلم"  في حديث عبدالله بن عمرو: «ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويعرف حق كبيرنا»، وفي الحديث الذي صححه الألباني: «ليس منا من لم يجل كبيرنا، ويرحم صغيرنا، ويعرف لعالمنا حقه»؛ فهذه أمور وسلبيات كثيرة جدا في المجتمع المسلم ما كان ينبغي أن يأتيها أحد من المسلمين، فمثلا صار من الأمور المعتادة جدا في الطرقات أن يمر كبار السن بينما الصغار من الشباب والغلمان يضعون قدما على أخرى ويتلفظون بألفاظ قبيحة، مع مد أرجلهم في الشارع بحيث لا يستطيع الشيخ الطاعن المرور في الطريق، وإذا استنكر الشيخ الأمر ناله شيء من الألفاظ القبيحة.. كل هذا يعتبر من الأمور التي تعد اعتداء على الذوق العام ولا يرضاها الإسلام.

وأكد أن الأمثلة كثيرة، فمن حفر حفرة أمام بيته ولم يقم بردمها وإصلاح الطريق كما كان، وترتب على ذلك أن يصاب أحد من المارة بسوء، فعليه ذنب وعقاب حسب الواقعة التي تحدث، فمعالم الشريعة واضحة في هذا الأمر. كذلك من المخالفة للذوق العام كسر قواعد المرور، لأنها من الأمور التي تنظم العلاقات في الشارع بين الأفراد والسيارات، فأي مخالفة من هذا القبيل هي مخالفة لشرع الله، وإن القانون يأتي لمصالح الناس كافة، فالناس جميعا في الحق سواء. ونرى كثيرا من المشاجرات التي تحدث، والتكدس جراء ذلك، وهو سوء سلوك من الأفراد، وعدم احترام الذوق العام.

وعن إلقاء القمامة في الشارع، أكد الهدهد أن الرسول  " صلى الله عليه وسلم"  قال: «طهروا أفنيتكم فإن اليهود لا تطهر أفنيتها»، والأمر ينطبق على الشارع أيضا، فالنظافة من الإيمان، ومعنى هذا أن الإسلام يربط النظافة بالإيمان؛ أيضا النبي  " صلى الله عليه وسلم"  علمنا أن من رفع شوكا أو عظما أو ما إلى ذلك من الطريق يعد بمنزلة صدقة فقال  " صلى الله عليه وسلم" : «الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة، فأفضلها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان». فالإسلام يدفعنا إلى أن ننظف شوارعنا، وكل الممتلكات العامة التي يستخدمها المواطنون.

وأشار إلى أن المصطفى  " صلى الله عليه وسلم" ، تحدث عن أن الإيمان يأمر بالنظافة، وأنه لابد من غسل اليدين، مع وضع اليدين على الفم عند التثاؤب أو العطس.. وكل ذلك المقصود منه في الإسلام عدم إيذاء الآخر، فكل ما فيه إيذاء للآخر وخدش لمشاعره هو من المنهي عنه شرعا، مما هو قائم الآن وما قد يستجد حتى قيام الساعة، لأن هناك أناسا يعانون من حساسية من هذه التصرفات، فربما لو رأى أحدا يبصق أو يدخن في الشارع ترتب عليه أذى، حتى في الصلاة، وكذا عادة التجشؤ التي تؤذي الآخرين، فقد ورد عن النبي  " صلى الله عليه وسلم"  أنه قال لرجل تجشأ: «كف عنا جشاءك، فإن أكثرهم شبعا في الدنيا أطولهم جوعا يوم القيامة».

وعن الأسباب التي أدت إلى ظهور هذه السلوكيات السلبية في المجتمعات المسلمة، قال الهدهد: الأسباب ترجع إلى التنشئة، لأن البيت هو الأساس في هذا الأمر، وترجع بعد ذلك إلى المدارس التي يتعلم فيها النشء الصغار، فنحن في بيوتنا لا ننتبه إلى الآداب العامة، مع أن الإسلام يأخذ بيد الإنسان ويعلمه كل شيء، فالنبي  " صلى الله عليه وسلم"  علم الأمة في أحاديث صحيحة كل شيء، حتى دخول الحمام والخروج منه، فالإسلام لم يترك هذه الآداب العامة، إنما فصلها تفصيلا، وعندنا في تراث المسلمين كتب في آداب السفرة والطعام، مع نصوص واضحة من الإسلام تعلم النشء هذا السلوك القويم العالي المستوى، الذي يرفع وضع الإنسان أمام الآخرين، إلا أن البيوت شغلتها شواغل أخرى كثيرة، وأصبح هم كل واحد أن يشتغل بلقمة العيش ثم لا يشتغل بتنشئة من يطعمه، فيكون ذلك الفساد الأعظم.

وعن العلاج، قال: يبدأ من البيوت والمدارس، ولابد من أن تكون لدينا مقررات دراسية للآداب العامة في مراحل التعليم المختلفة، خصوصا في المرحلة الابتدائية والإعدادية والثانوية، وأن توضع الآداب المناسبة لكل مرحلة عمرية؛ فنحن نفتقد الآداب التي يجب أن يتحلى بها الأبناء مع آبائهم، لأن الآباء أنفسهم افتقدوا الآداب المفروض أن يعلموها هم لأبنائهم، فذلك الأمر تعاوني، ولابد من أن يكون هناك تعاون بين الأسرة، مع وجود برامج توعية، وأن يكون هذا اتجاها عاما للدول الإسلامية، لأن التنشئة إذا كانت صحيحة تتحلى بالآداب العامة فكل ذلك يعود بالخير الوفير جدا على المجتمع. نحن الآن نرى الطفل في الشارع يمسك بزجاجة ويضربها في الحائط ويملأ أرض الشارع بالزجاج المكسور، مما يترتب عليه إيذاء الآخرين، فترسيخ الآداب العامة يعود بالخير على المجتمع والدولة والأسرة، لكن الناس لا يفطنون إلى هذا ويفطنون إلى كل شيء يحتاج إليه أبناؤهم من الناحية المادية فقط.

ولفت إلى أن هناك تأثيرات عدة على المجتمع، فبناء الأسرة أصبح متهالكا، وكثر العقوق، وتفكك الأسر، وتقطعت الأرحام. والتأثير الثاني هو على الدولة، فأصبحت الدول تتكلف كثيرا جدا بسبب تنظيف شوارعها. والتأثير الثالث على الفرد نفسه، لأنه يصبح بلا وعي لهذه الآداب، مما يجعله فردا مفسدا في المجتمع.

حياة آدمية

من جانبه، أوضح رئيس قسم الطب النفسي في جامعة الأزهر د. هاشم بحري، أنه لابد من عودة دور الأسرة في تنشئة أبنائها على سلوكيات مستمدة من الدين، وكذا ضرورة إصلاح التعليم، لأنه يعطي للإنسان ثقة في نفسه، واحتراما لذاته، حتى لا يدخل في مرحلة الانهيار. علاوة على أن تتحمل الدولة مسؤولياتها في توفير فرص العمل، وتهيئة البيئة المعيشية المناسبة التي توفر القدر المناسب من الحياة الآدمية لمواطنيها.

وأكد أن العنف من أبرز الممارسات السلبية الدخيلة على المجتمعات العربية، وهو نوع من تصريف الغضب، ويأتي على شكلين: إما الاعتداء على الآخرين وهو ما نراه في العنف في الشوارع أو التحرش، أو الاعتداء على النفس كما في حالات الإدمان. والحل يكمن في احترام النفس والشعور بقيمتها، فلو شعر الإنسان بقيمته لا يمكن له أن يعتدي على الآخرين أو على نفسه.

وأشار إلى أهمية مبدأ الثواب والعقاب للحد من هذه الظاهرة، وضرورة أن يبادر المجتمع إلى علاجها منذ الصغر.

أساسيات الفطرة

أما خبيرة الإتيكيت وفن التعامل ماجي الحكيم فقالت: كان المجتمع الشرقي يمتاز بصفات أصيلة، مثل الشهامة واحترام الصغير للكبير، لكن مؤخرا تراجعت هذه القيم نتيجة ضغوط الحياة، فتخلت الأسرة عن التربية في ظل انشغالها بالعمل، وبالتالي نشأت الأجيال خالية من أساسيات الذوق على الرغم من أنها من أساسيات دين الفطرة الإسلام.

وأضافت: الأصل في الإتيكيت هو التعليم الإسلامي، ونحن بطبيعتنا شعوب متدينة، وإذا لم يتعلم المسلم أساسيات دينه، مثل النظافة والحفاظ على الغير وخصوصياتهم وغض البصر، فلن يكون لديه أي صفة من أصول الإتيكيت. فالإشكالية الآن أن الناس ابتعدوا عن دينهم، ونحن في حاجة إلى العودة إلى أصولنا أكثر من التعلم، ويجب علينا أن نعامل الآخرين كما نحب أن يعاملونا.

ثواب وعقاب

بينما ترى الخبيرة في المركز القومي المصري للبحوث الجنائية والاجتماعية د. سوسن فايد، أن المسألة تعود إلى عوامل كثيرة، أهمها في الأساس التربية والتعليم من خلال الأسرة أولا، ثم من خلال المؤسسات التعليمية، حيث إنه في التنشئة يجب تعويد الطفل وتعليمه الطرق الصحيحة للتعامل مع الآخرين.

وأضافت: الثقافة العامة والضوابط واللوائح التي نضعها في المرور والنظافة والتعاملات على أي مستوى من المؤسسات، لابد من وجود قواعد ولوائح، وأن يكون هناك ثواب وعقاب، لكن في حالة عدم ضبطها تكون الفوضى، مثل ما نمر به الآن، لأنه لا يوجد ثواب وعقاب ومثل أعلى.

وشددت على أنه لابد من وجود هدف مشترك لدى جميع المؤسسات لمناقشة القواعد والضوابط التي تخلق المناسب للالتزام والابتعاد عن المظاهر السلبية. ومعظم الناس يريدون أن يكونوا صورة من المجتمعات المنظمة، لكن غياب المسؤولية والرقابة والمحاسبة تسبب في الوضع السيئ الذي نشهده.

 وعن أبرز المظاهر السلبية التي تثير استياءها، قالت إنها تكمن في الشوارع المكدسة بالسيارات وكأنها أصبحت «جراج»، فهناك بعض من يمتلكون سيارات لكنهم لا يستخدمونها، مما يحدث أزمة مرورية، علاوة على أن عدم إعطاء الطريق حقه من مظاهر الفوضى، كما طالبت النساء بأن يلتزمن بالزي الإسلامي، مؤكدة أن هناك أزمة ثقة متبادلة بين الذكور والإناث، ولكي يكون الالتزام كاملا علينا فهم الدين بحق.

20 01

القاهرة – الوعي الشبابي:

يذكر عن جابر بن عبدالله أنه قال: رأى عمر بن الخطاب لحمًا معلقًا في يدي فقال: ما هذا يا جابر؟ قلت اشتهيت لحمًا فاشتريته. فقال عمر: أو كلما اشتهيت اشتريت يا جابر؟! ما تخاف الآية "أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا".

300311121112

د. علي عفيفي :

الحضارة (Civilization) في اللغة تعني الإقامة في الحضر، والحضارة ضد البادية، ولهذا فقد تعددت تعريفات الحضارة وتنوعت تبعًا لذلك دلالاتها بتنوع تعريفاتها، فرأى بعض الباحثين أنها مدى ما وصلت إليه أمة من الأمم في نواحي نشاطها الفكري والعقلي من عمران وعلوم وفنون وما إلى ذلك، وهذا يعني أن الحضارة حسب هذا التعريف تختص بالجانب المادي فقط. وعرفها آخرون بأنها المظاهر الفكرية التي تسود أي مجتمع، وهذا يعني أن الحضارة مرادفة للثقافة ومقتصرة على الجانب الفكري أو المعنوي فقط.

وعلى هذا يمكننا أن نعرف الحضارة الإسلامية (The Islamic Civilization) بأنها: ما قدمه المجتمع الإسلامي (social Islamic) للمجتمع البشري من قيم ومبادئ، في الجوانب الروحية والأخلاقية، فضلاً عما قدمه من منجزات واكتشافات واختراعات في الجوانب التطبيقية والتنظيمية، وما يخدم المجتمع الإنساني من الوسائل والأسباب التي تمنحه سعادة التعاون والإخاء، والأمن والطمأنينة والرخاء، وتمنحه سيادة النظام والعدل والحق، وانتشار الخير والفضائل الجماعية، ويدخل في هذا أنواع التقدم الاجتماعي الشامل للنظم الإدارية، والحقوقية، والمادية، والأخلاق والتقاليد، والقيم، والعادات، وسائر طرق معاملة الناس بعضهم بعضًا في علاقاتهم المختلفة، وكل أنواع العلوم والثقافات.

فتعاليم الدين الإسلامي عالمية لأنها تُعد الإنسان لمستقبل خالد، فالاعتقاد بإله واحد، يقود إلى إذابة كل مبدأ عرقي، أو شعور قومي، من أجل ذلك كانت رسالة الحضارة الإسلامية يشترك في تحقيقها العملي وبنائها التطبيقي كل من استجاب لها من كل عرق ولون ولغة. ولهذا جدير بكل مسلم أن يفخر بتاج المجد الذي صنعه بناة الحضارة الصادقون من المسلمين في كل بلد من بلاد الإسلام، في سالف العصور الإسلامية التي استجابت للإسلام، وأحسنت تطبيق تعاليمه، فإذا كانت الحضارة الإسلامية عالمية وإنسانية فإن مقتضى ذلك أن تكون صالحة للتطبيق في كل البيئات الإنسانية، وأن تكون كذلك صالحة على مر الأزمان باعتبارها رسالة السماء الخاتمة لكل الرسالات.

ولما كانت رسالة الإسلام هي خاتمة الرسالات السماوية، وكان الرسول  "صلى الله عليه وسلم"  خاتم الرسل، فمن الضروري أن تكون الحضارة القائمة على هذه الرسالة حضارة متطورة، تستطيع أن تسع كل تطورات الحياة الإنسانية؛ وتحقق ما يخدم المجتمع الإنساني (Social Humanities) ، بحيث تواجه ما يجدّ في حياة البشر من تطورات في شتى المجالات، ولا تقف جامدة أمام متغيرات الحياة البشرية في واقعها الفردي والاجتماعي، ولذلك أقامت أساس تشريعاتها، وقوانينها، وآدابها على أصلين ثابتين هما: الكتاب والسنة، فنرى المبادئ والأصول الكلية جميعها تعود إليهما.

لقد اعتنى المسلمون بالعلوم الطبيعية؛ حيث قاموا بترجمة المؤلفات اليونانية، ولكنهم لم يكتفوا بنقلها، بل توسعوا فيها، وأضافوا إليها إضافات هامة؛ تعتبر أساس البحث العلمي الحديث، وقد قويت عندهم الملاحظة، وحب التجربة، فأضاف الأطباء المسلمون إلى ما ترجموه وورثوه عن اليونان وغيرهم، فألفوا وابتكروا منجزات جديدة من أهمها: اعتمادهم المشاهدة والتجربة، وتجريبهم المنهج التجريبي، والتشخيص، والنظر إلى تاريخ المريض الطبي، وانتباههم للعدوى، والأمراض المعدية، وبراعتهم في علم الجراحة والتشريح، واكتشافهم الدورة الدموية الصغرى.

ولهذا فقد اتفق الباحثون المنصفون على أن الحضارة الإسلامية كانت لها آثار بالغة في الحضارة الغربية، تتمثل في: تأثير مبادئ الحضارة الإسلامية تأثيرًا كبيرًا في حركات الإصلاح الدينية التي قامت في أوروبا منذ القرن السابع الميلادي حتى عصر النهضة الحديثة، فالإسلام الذي أعلن وحدانية الله في ألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته، وتنزيهه عن التجسيم والتشبيه والتعطيل، كما أعلن استقلال الإنسان في عبادته وصلته مع الله وفهمه لشرائعه دون وساطة مخلوق أيًا كانت منزلته، كان عاملاً كبيرًا في تفتيح أذهان شعوب أوروبا إلى هذه المبادئ السامية والتأثر بها مع فتوحات الإسلام في الشرق والغرب، إذ قام في القرن السابع الميلادي في الأوروبيين من ينكر عبادة الصور، ثم قام بعدهم من ينكر الوساطة بين الله وعباده، ويدعو إلى الاستقلال في فهم الكتب المقدسة بعيدًا عن سلطان رجال الدين ومراقبتهم، ويؤكد كثير من الباحثين أن «لوثر» في حركته الإصلاحية كان متأثرًا بما قرأه عن العلماء المسلمين من آراء في العقيدة والوحي، وقد كانت الجامعات الأوروبية في عصره لا تزال تعتمد على كتب العلماء المسلمين التي ترجمت إلى اللاتينية.

ولم يقتصر أثر الحضارة الإسلامية في الحضارة الأوروبية (European Civilization) على العقيدة والدين والعلوم التطبيقية واللغة، بل تعداه ليشمل مجال التشريع، حيث كان لاتصال الطلاب الأوروبيين بالمدارس والجامعات الإسلامية في الأندلس وغيرها أثر كبير في نقل مجموعة من الأفكار الفقهية والتشريعية إلى لغاتهم، ففي عهد نابليون في مصر ترجم أشهر كتب الفقه المالكي إلى اللغة الفرنسية، ومن أوائل هذه الكتب «كتاب الخليل» الذي كان نواة للقانون المدني الفرنسي، وقد جاء متشابهًا إلى حد كبير مع أحكام الفقه المالكي.

في الفترة الذهبية من تاريخ الإسلام، أنشئت المدارس والجامعات في مختلف البلاد الإسلامية شرقًا وغربًا، وكثرت المكتبات وامتلأت بالمؤلفات في شتى العلوم من طب ورياضيات وكيمياء وجغرافيا وفلك، اجتذبت هذه المدارس والجامعات والمكتبات الباحثين الأوروبيين عن المعرفة، وكانوا شديدي الإعجاب والشغف بكل ما يدرسون ويقرأون من هذه العلوم في جو من الحرية لا يعرفون له مثيلاً في بلادهم، ففي الوقت الذي كان علماء المسلمين يتحدثون في حلقاتهم العلمية ومؤلفاتهم عن دوران الأرض وكرويتها وحركات الأفلاك والأجرام السماوية، كانت عقول الأوروبيين تمتلئ بالخرافات والأوهام عن هذه الحقائق كلها، ومن ثم ابتدأت حركة الترجمة من العربية إلى اللاتينية، وغدت كتب علماء المسلمين تدرس في الجامعات الأوروبية.

وكذلك تأثر الأوروبيون وخاصة شعراء الأسبان بالأدب العربي تأثرًا كبيرًا، فقد دخل أدب الفروسية والحماسة والمجاز والتخيلات الراقية إلى الآداب الأوروبية عن طريق الأدب العربي في الأندلس على الخصوص.

من هنا يتبين أن الحضارة الإسلامية تمثل حلقة مهمة في سلسلة الحضارة الإنسانية (Civilization Humanities) التي لا يمكن بناؤها بعيدًا عن أسس ومبادئ تلك الحضارة المجيدة، فقد أسهمت في وضع أساس الحضارات الحديثة (Modern civilization) بنصيب موفور، وأن فضلها عليها واضح غير منكور، وفي الحق، إن الحضارة الإسلامية قد أحدثت ثورة علمية عَمَّ خيرها العالم الإنساني كله، وقد اعترف بذلك كثير من المفكرين المنصفين الأوروبيين.

ومن هنا تأتي أهمية هذه الدراسة التي يقدمها الدكتور خالد حربي ليتناول علوم الحضارة الإسلامية ودورها في الحضارة الإنسانية، من خلال محاولة الإجابة على مجموعة من التساؤلات التي طرحها في مقدمته وتتمثل في:

هل شهد المجتمع العلمي الإسلامي اهتمامًا بالعلوم إبان ازدهار حضارته؟ وما طبيعة هذه العلوم؟ وكيف تعامل العلماء مع تلك العلوم التي انتقل معظمها من الأمم الأخرى؟ وهل ابتكروا علومًا جديدة لم يكن لها وجود لدى أسلافهم؟ وهل قدم العلماء العرب والمسلمون إضافات أصلية في العلوم التي بحثوا فيها عملت على تطورها وتقدمها وأثرت في الحضارة اللاحقة وفي بقية الإنسانية عمومًا؟ أسئلة منهجية وجوهرية يحاول المؤلف الإجابة عليها من خلال عشرة فصول تناولت علوم الرياضيات، والفلك، والجغرافيا، والكيمياء، والطب، والطب النفسي، والميكانيكا، والهيدروليات، والتكنولوجيا، والبصريات، وعلم الطفيليات والأحياء المجهرية. 

ففي الفصل الأول الخاص بالخوارزمي كمدرسة رياضياتية أفادت الإنسانية بين الدكتور حربي كيف بدأ تكوين الخوارزمي العلمي، ومدى أثر هذا التكوين في إنجازاته العلمية، ثم وقف بصورة موجزة على التطور العلمي والتاريخي للرياضيات حتى عصر الخوارزمي، وذلك بغرض معرفة أبعاد الإنجاز الذي تم على يديه باعتباره أهم علماء الرياضيات في القرن الثالث الهجري، وقاد ذلك إلى التعرف على أبعاد إنجازات علماء المسلمين خلال عصر الخوارزمي، لكي نقف على مدى تأثر هؤلاء العلماء بالخوارزمي، واتضح أن تأثير الخوارزمي لم يمتد إلى علماء الرياضيات المسلمين في العصور اللاحقة فقط، بل امتد إلى العالم الغربي إلى الدرجة التي جعلت العلماء الأوروبيين يعترفون بأن الخوارزمي هو المسؤول بصورة أساسية عن تأسيس علم الجبر، وجاءت معرفة الغرب لكتاب الجبر والمقابلة عن طريق الترجمات اللاتينية التي وضعت له، فلقد ترجمه جيرارد الكريموني، وروبرت الشستري في القرن الثاني عشر الميلادي، ليصبح أساس لدراسات كبار علماء الرياضيات الغربيين.

ثم خصص الفصل الثاني للرياضيات بعد الخوارزمي حيث تحدث عن ستة علماء رياضيات أتوا من بعده وهم أبوكامل، ثابت بن قرة، الكوهي، أبوالوفاء البوزجاني، عمر الخيام، الكاشي، وبينت الدراسة كيف أن الحضارة الإنسانية لم تتوقف على الإفادة من الحضارة الإسلامية في الرياضيات على الخوارزمي فحسب، بل اعتبر علماء الغرب ثابت بن قرة أعظم هندسي على الإطلاق، ثم كيف استخرج أبي سهل الكوهي حلولاً للفروض التي عجز أرشميدس عن إثباتها، وكيف اعترف علماء الغرب بأن أبا الوفاء البوزجاني هو أول من وضع النسبية المثلثية، وأوجد طريقة لحساب جداول الجيب، ليؤسس ويضع بذلك الأركان التي قام عليها علم حساب المثلثات الحديث، ثم كيف توصل عمر الخيام لحلول معادلات الدرجة الثالثة ليعد في نظر علماء الغرب أول من أبدع فكرة التصنيف، ثم اتفاقهم على أن غياث الدين الكاشي هو الذي ابتكر الكسر العشري، كما وضع قانونًا خاصًا بتحديد قياس أحد أضلاع المثلث انطلاقًا من قياس ضلعيه الآخرين، وقياس الزاوية المقابلة له، وقانون خاص بمجموع الأعداد الطبيعية أو المتسلسلة العددية المرفوعة إلى القوة الرابعة، وهو قانون لا يمكن التوصل إليه إلا من شخصية تمتلك مميزات عقلية وعلمية خاصة.

وفي الفصل الثالث الذي خصصه المؤلف لعلم الفلك تناول أهم أعلام الفلك الإسلامي وأثرهم في الحضارة الإنسانية، ومنهم: الفزاري، وأبو معشر البلخي، الفرغاني، إبراهيم بن سنان، البتاني، نصير الدين الطوسي، فبين كيف أفادت الإنسانية منهم ومن علمهم، فأوضح كيف أفاد الطوسي الإنسانية باهتمامه بالهندسة اللاإقليديسية الفوقية، تلك التي تلعب دورًا حاليًا في تفسير النظرية النسبية، كما أنه برهن بكل جدارة على المصادرة الخامسة من مصادرات إقليدس، وبذلك يكون الطوسي قد وضع أساس الهندسة اللاإقليديسية الحديثة، والتي تقترن بأسماء علماء غربيين.

وأوضحت الدراسة كيف اهتم المسلمون بالفلك كعلم ينظر في حركات الكواكب الثابتة والمتحركة والمتحيزة، ويستدل من تلك الحركات على أشكال وأوضاع الأفلاك التي لزمت عنها هذه الحركات المحسوبة بطرق هندسية، وبنى علماء الفلك المراصد الفلكية، ووضعوا آلات الرصد، التي كانت تصنع بمدينة حران في العصر العباسي، ثم انتشرت صناعتها في جميع أنحاء الخلافة العباسية منذ زمن المأمون، وعكف علماء الفلك في المراصد على الدراسة والرصد والتأليف، فجاءوا بآراء ونظريات أصلية عبرت بحق عن روح الإسلام وحضارته، وأفادت منها الإنسانية جمعاء.

وجاء الفصل الرابع ليوضح أثر علماء الجغرافيا الإسلاميين في نهوض علم الجغرافيا فبين كيف أدت الفتوح الإسلامية إلى زيادة اهتمام الخلفاء بعلم الجغرافيا لمعرفة حدود خلافتهم ومدنها وقراها، والطرق المؤدية إليها، وذلك لتسهيل الاتصال والبريد بين عاصمة الخلافة المركزية وبقية أرجائها، وساعد على ذلك أيضًا انتشار ظاهرة الرحلة في طلب العلم، فضلاً عن كثرة الرحلات التجارية نتيجة للتطور الاقتصادي، كل ذلك أدى إلى التوسع في البحوث الجغرافية فنشط التأليف الجغرافي المعتمد على الدراسات الميدانية، فبرز عدد من الجغرافيين العرب أثروا في الحضارة الإنسانية، منهم: اليعقوبي، ابن خردذابة، الإصطرخي، ابن حوقل، المقدسي، البكري، الإدريسي، ابن جبير، ياقوت الحموي، القزويني، أبوالفداء، ابن بطوطة.

فقد أفاد الغرب من كتاب اليعقوبي «البلدان»، ومن كتاب «المسالك والممالك»، لابن خردذابة، والذي عد أول مصنف عربي في الجغرافيا الوصفية، ولهذا فقد أثر في الجغرافيين اللاحقين على ابن خردذابة، وامتد هذا التأثير حتى العصر الحديث، أما كتاب «المسالك والممالك»، للإصطرخي، فقد امتاز بخرائطه التي أفرد منها لكل إقليم خريطة على حده، وجاء كتاب «المسالك والممالك» لابن حوقل، ليعد من المؤلفات الجغرافية العربية التي أفادت منها الإنسانية جمعاء، وكشفت الدراسة النقاب عن أن أول معجم جغرافي عربي مرتب بحسب حروف الهجاء هو معجم «ما استعجم من أسماء البلاد والمواضع»، للبكري، والكتاب فريد لا يمكن مقارنته بشيء آخر، ويمثل مرجعًا أساسيًا لمن يبحث في الجغرافيا، وامتاز كتاب الإدريسي «نزهة المشتاق في اختراق الآفاق» بشموله لجميع أقاليم العالم، وبما احتواه من خرائط كثيرة ودقيقة موضحة للأماكن التي يتحدث عنها، ليستخرج منه أحد العلماء الغربيين خريطة جامعة للعالم كما رسمه الإدريسي.

وفي الفصل الخامس تحدث المؤلف عن جابر بن حيان كمدرسة كيميائية أفادت الإنسانية، فتناول نشأته وأثرها على توجهه العلمي، وأوضح كيف أن الفكر اليوناني، ومدرسة الإسكندرية والثقافة الإسلامية كانت بمثابة البنية المعرفية التي انطلق منها، لكنه انتهى إلى نتائج علمية جديدة مبتكرة، فأسهم في بناء المنهج التجريبي في مقابل المنهج التأملي العقلي الذي برع فيه اليونانيون، ثم أوضح بنية مدرسته التعليمية، والمبادئ والقواعد التي رأى أنها تحكم علاقة أعضاء المدرسة وتشكل البنية الأساسية التي تقوم عليها، ثم تناول منهجه البحثي وإنجازاته ومؤلفاته العلمية وأوضح أثرها في الإنسانية، فبين أثرها في الكيميائيين اللاحقين له سواء على المستوى العربي أو الغربي، وخاصة عملياته الكيميائية كالتبخير والتقطير والترشيح والتكليس والإذابة والتبلور والتصعيد، فكان أول من استحضر حامض الكبريتيك بتقطيره من الشبة، واستخرج حامض النيتريك، وأول من اكتشف الصودا الكاوية، وأول من استخرج نترات الفضة، وثاني أكسيد الزئبق، واستحضر كربونات الصوديوم، وكربونات الرصاص القاعدي، والزرنيخ، والكحل (كبريتيد الأنتيمون)، وغيرها من الإنجازات التي جعلت جابر بن حيان صاحب مدرسة كيميائية مميزة لها إنجازاتها العلمية الهامة التي كانت بمثابة الأسس التي عملت على تطور الكيمياء العربية فيما بعد عصر جابر، وساعدت على تأسيس وقيام علم الكيمياء الحديث، كدور للحضارة الإسلامية كحلقة من حلقات الحضارة الإنسانية في مجال علم الكيمياء.

ثم خُصص الفصل السابع لعلم الطب بعد الرازي حيث تحدث عن ستة أطباء أتوا من بعده وهم ابن الجزار، علي بن العباس، الزهراوي، ابن سينا، بنُو زهر، ابن النفيس، وبينت الدراسة كيف أن الحضارة الإنسانية لم تتوقف على الإفادة من الحضارة الإسلامية في الطب على الرازي فحسب، بل أثر علماء المسلمين اللاحقين على الرازي في الحضارة الغربية الحديثة، فكتاب «زاد المسافر» لابن الجزار ترجم إلى اللغات الأوروبية واستفاد منه الأطباء الغربيون، واشتهر كتاب «كامل الصناعة» لعلي بن العباس في اللاتينية بالكتاب الملكي، حتى ظهور كتاب «القانون» لابن سينا، وأوضحت الدراسة أن كتاب الزهراوي «التصريف لمن عجز عن التأليف» الموسوعة في عمليات ربط الشرايين، واستئصال حصى المثانة، وتفتيتها، والتهاب المفاصل، وشق القصبة الهوائية.

وبينت الدراسة أن كتاب «القانون في الطب» لابن سينا يعد من أهم موسوعات الطب العربي الإسلامي، وقد أفادت منه الحضارة الإنسانية في عمومها، ويدلنا على ذلك ترجماته الكثيرة، فقد ترجم في القرن الخامس عشر الميلادي أكثر من ستة عشر مرة، وعشرين مرة في القرن السادس عشر، وأفادت الحضارة الغربية الحديثة من إنجازات بني زُهر، كما قدم ابن النفيس اكتشافه للدورة الدموية الصغرى للعالم أجمع، ولم يتم الكشف عن هذا الاكتشاف إلا في بداية القرن العشرين.

أما الفصل الثامن، الذي جاء بعنوان «إبداع الطب النفسي العربي الإسلامي وأثره في الإنسانية»، فأوضح دور كل من: الرازي، وجبرائيل بن بختشيوع، وابن سينا، أوحد الزمان البلدي البغدادي، سكرة الحلبي، رشيد الدين أبوحليفة، في الإسهام في الطب النفسي، فتصدوا لمعالجة الأمراض النفسية وقدموا لها ما ساعد على شفائها، فكان الرازي أول طبيب فكر في معالجة المرضى الذين لا أمل في شفائهم، فعالج الأمراض التي اعتبرها سابقوه مستحيلة البرء، كالصرع والمنخوليا، كما عالج جبرائيل بن بختشيوع الفصام التشنجي، أو الفصام التصلبي، الذي يتميز سلوك صاحبه بالتيبس النفسي والجسمي، وكان ابن سينا أول من ربط وظائف الإحساسات والخيال والذاكرة بشروطها الفسيولوجية، وبهذا لم يسبقه أحد في إلقاء الضوء الساطع على علم النفس التجريبي، وعالج مرض الوعي بالذات، كما عالج الطبيب أوحد الزمان مرض الهلاوس، واستخدم الطبيب سكرة الحلبي نظرية العلاج المعقود على المريض، إلى غير ذلك من الأمراض النفسية التي اكتشفها وعالجها الأطباء العرب الإسلاميون، كان لها أكبر الأثر في قيام وتطور علم النفس الحديث.

وعند الحديث في الفصل التاسع عن علوم الميكانيكا والهيدروليات والتكنولوجيا والبصريات، تناول بنوموسى بن شاكر كجماعة علمية أفادت الإنسانية، وكنموذج للأسر العلمية التي شهدها تاريخ العالم العربي، فبين كيف استطاع الأخوة الثلاثة أبناء موسى بن شاكر أن يكونوا جماعة علمية متآزرة نبغت في كافة هذه العلوم، فوقف في سياق البحث على أهم الأعمال العلمية النظرية والتطبيقية التي قومتها الجماعة، فقدموا منظومة علمية ومعرفية هامة شغلت مكانًا رئيسيًا في تاريخ العلم بعامة، وتاريخ التكنولوجيا بخاصة، فأرانا كيف قدمت جماعة بني موسى من خلال مؤلفاتها إسهامات جليلة في العلوم التي بحثوا فيها، ومنها: نظرية ارتفاع المياه، واختراع الساعة النحاسية الدقيقة، وقياس محيط الأرض، وتأسيس علم طبقات الجو، إلى غير ذلك من الابتكارات والاختراعات التي ضمنوها كتبهم، فأسهموا في تطور العلوم التي ألفوا فيها.

ثم أوضحت الدراسة دور علماء آخرون مثل: الحسن بن الهيثم، والبيروني، والخازن، وبديع الزمان الجزري، وكمال الدين الفارسي، فبينت أن أعظم مآثر الحسن بن الهيثم تأثيرًا في العالم نظريته في الإبصار، ثم أوضحت كيف اعترف علماء الغرب بأن البيروني أول من فكر في علم الجاذبية، وليس نيوتن، وانتهت الدراسة إلى أن أبا الفتح عبدالرحمن الخازن بحث في كتابه «ميزان الحكمة» ظاهرة الضغط الجوي قبل توريتشلي بخمسمائة عام، فكان كتابه الركيزة الأساسية في قيام العلم الطبيعي الحديث، وكذلك فعل الجزري فجمع بين العلم والعمل، ولهذا حق لعلماء الغرب أن يصفوه بأعظم المهندسين في التاريخ، وفي كتابه «تنقيح المناظر لذوي الأبصار والبصائر» درس كمال الدين الفارسي كيفية انعكاس الضوء والإبصار، ومظاهر الخداع البصري، وطور نظرية قوس قزح، فسبق ببحوثه ابن الهيثم وغيره من علماء الغرب والمسلمين، كما سبق بحوث ديكارت ونيوتن بقرون طويلة.

وفي الفصل العاشر والأخير زعم المؤلف أنه يؤصل لعلم جديد من العلوم الإبداعية المهملة في الحضارة الإسلامية، ألا وهو علم الطفيليات والأحياء المجهرية، مقدمًا من المبررات ما يعزز دعوته بأن أبا بكر الرازي يعد أول عالم في العالم يتطرق لبحث ودراسة واكتشاف مرض الجدري والحصبة، والذي يدخل في صميم علم الأحياء المجهرية الحديث، وفي القانون في الطب لابن سينا ولأول مرة في تاريخ الطب يكتشف ويعترف ويصف ابن سينا مرض الجمرة الخبيثة، والطفيل المسبب لها، وما ينتج عنها من حمى أطلق عليها الحمى الفارسية، والعجيب أن المصطلح المعبر عن الجمرة الخبيثة يعبر حرفيًا عن الاسم الذي أطلقه ابن سينا على هذه الجمرة وهو «الجمرة الفحمية»، كما قدم ابن سينا وصفًا لمرض السل ولأول مرة في تاريخ الطب في كتابه القانون، كذلك عد ابن زهر أول من اكتشف جرثومة الجرب وسماها «صؤابة» وهو اكتشاف مثير يأخذ به علم الطفيليات والأحياء المجهرية إلى اليوم.

خلاصة القول: إن العمل العلمي الذي قدم في هذا الكتاب يدل بصورة قوية على أن الحضارة الإسلامية تشغل مكانًا مرموقًا بين حضارات العالم المختلفة، وذلك بفضل ما قدمته للإنسانية من علوم أفادت منها، وكانت بمثابة الأساس القوي المتين الذي قامت عليه الحضارة الغربية الحديثة، وفي النهاية قدم المؤلف توصية للباحثين لكشف أسرار معظم هذه المؤلفات التي مازالت مخطوطة، فهي تستحق أن ننفض عنها غبار السنين بالدراسة والاستيعاب والفهم والتحقيق، لعلنا نكشف عما تحتويه من كنوز مازالت فاعلة حتى اليوم، وتلك هي النتيجة النهائية التي نبهت لها الدراسة، التي تستحق القراءة والتعمق لما قدمته من نتائج جديدة على المكتبة العربية.

36332363

محمد شعبان أيوب:

لا يزال الإنسان منا تتلاطمه أمواج الحياة بشواغلها وملاهيها حتى كأنه ينسى أو يُنسيه الشيطان سبب وجوده، وغاية خلقه؛ وبينما يخلو الإنسان بنفسه بين جنبات آي القرآن الحكيم، تتكشف أمامه حقيقة نفسه، وحقيقة التاريخ البشري، ومراد الرب من العباد؛ إنك ترى في هذا القرآن الكريم ربّاً عظيمًا محيطًا قيومًا، وسع كرسيه السموات والأرض، يعلم السر وما أخفى من السرِّ، فإذا بك تتمهّل، وإذا بك تراجع نفسك مليًا، فتتذكر أخطاءك وذنوبك، وكيف تجرأت على الخالق الذي سترك يوم كذا في ساعة كذا، حينها تتيقن أن التقوى التي ذُكرت في القرآن بمشتقاتها أكثر من 170 مرة لها من المكانة ما لها.

إن كلمة التقوى كانت من المفردات القرآنية الجديدة التي لم يعتد العربُ في جاهليتهم على سماعها، مثلها مثل كلمة الهداية والنفاق وغيرها من الألفاظ الإسلامية الجديدة التي أرادت أن تؤصّل واقعًا جديدًا طاهرًا لا يتوقف عند المادة وفقط، بل يخترق النفس وأسرارها، ويبحث عن القلب، الذي هو عماد الإنسان وبصيرته وعقله ومناط هدايته، ومستودع إيمانه!

فالمتَّقون هم الموصوفون بتقوى الله عزَّ وجلَّ. وأساس التَّقوى: خشية الله. ولذلك أشار النبيّ عليه الصلاة والسلام إلى صدره، وقال ثلاث مرات: "التقوى ها هنا"[2]، فالجنة لا يدخلها إلا المتقون!

إن حقيقة التقوى فعل المأمورات واجتناب المنهيات. وأفضل ما قيل فيها، ما روي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه حيث قال: التقوى هي الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل والاستعداد للرحيل.

فمن فعل ذلك فقد اتقى الله حق تقاته، فالخوف من الجليل وهو الله سبحانه وتعالى، والعمل بالتنزيل وهو الكتاب والسنة، والاستعداد للرحيل من هذه الدنيا إلى الدار الآخرة وذلك بالعمل الصالح، وهذا كما في قوله تعالى: (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى) [البقرة:197]،  فليكن شعار المؤمن دائماً تقوى الله في السراء والضراء في حالة غيبته عن الناس وفي حالة وجوده معهم، يتق الله بترك ما حرّم الله عليه، ويفعل ما أمره الله به، ويكثر من التوبة والاستغفار عما يحصل منه من التقصير[4].

*باحث في التاريخ والتراث


[2] رواه الترمذي في صفة القيامة (2451) وقال: حسن غريب.

[4] عبد المنعم نعيمي: التقوى معيار الاحترام والمفاضلة بين الناس، مقال على موقع الألوكة.

39098649

محمود توفيق :

في كتاب الله سبحانه وتعالى فيض من تأديب الله عز وجل لنبيه  " صلى الله عليه وسلم" ، ثم لورثته من أهل العلم والدعاة إلى الله جلّ جلاله. وهداية له إلى ما يمكّنه من القيام بحق ما كلف به من الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، وإخراج الناس من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان.

ومن هذا ما جاء في سورة «الحجر»، من أمر الله سبحانه وتعالى نبيه سيدنا محمدًا  " صلى الله عليه وسلم"  بأن يصفح صفحا جميلا.

يقول الله سبحانه وتعالى: { وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ  وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ  فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (85) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (86) } (الحجر: 85- 87).

في تصدير الآية بالحقيقة الكونية: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ}، وبالحقيقة العقدية: {وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ}، من قبل التـكليف بالصفح الجميل، ثم بالحقيقة العقدية أيضا: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ}، ثم بالمنة العظمى: {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ}، في كل ذلك تثقيف للنفس، لتتلقى هذا التكليف الثقيل: {فَاصْفَحْ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ} تلقي أولي العزم من الرسل.

ذلك أن الصفح الجميل، لايتأتى إلا بعظيم من اليقين، وبعظيم من المثابرة ومن الصبر الجميل أيضا. فالنفس البشرية مفطورة على أن تنتقم لنفسها إن كانت من نفوس الدهماء، أو تنتصر للحق الذي هي عليه إن كانت من نفوس الأنبياء والعلماء والأولياء، وكل تقي ولي لله سبحانه وتعالى.

والصفح في لسان العربية هو الإعراض عن اللقيا بما لا يحب، يقال: صفح عنه أي: أعرض عن عقوبته، بل عن ملامته، وعن ذكر ذنبه، بل عن تذكره، وتلك مقامات علية متصاعدة من الصفح، ففي الصفح إقبال وبشاشة وجه، ولذا جاء منه التصافح، وهو الأخذ باليد، أي أن يضع الرجل صفح كفه في صفح كف الآخر. وهذا يقتضي إقبال الوجه على الوجه، وهذا فيه رمز إلى ما قام في القلب من القبول والإقبال، ومن هنا شرعت المصافحة بين الرجال بعضهم بعضا، وبين النساء بعضهن بعضا، إيذانا بالقبول والإقبال..

وجمال الصفح المأمور به، هو الصفح الآتي من قوة نفسية وقوة واقعية، وليس صفح العجزة والضعفاء هو الصفح الذي كان من النبي  " صلى الله عليه وسلم"  يوم الفتح: حين أطلقهم، ولم يعاقبهم (1)، وكان بملكه  " صلى الله عليه وسلم"  أن يقطع الأعناق، ولا ملامة عليه، ولكنه الحكيم، والنازل على ما أمره به الله سبحانه وتعالى، والعليم بأن فعل الصفح فيهم وفيمن يأتي من بعد أعظم وأنجع من فعل الانتصار في كل منازلة من منازلات الحرب.

هو صفح جميل من أنه خارج من فتوة نفسية وقوة عملية، وهو صفح جميل من أن أثره الجليل الجميل لا يطاول.

والصفح الجميل سجية من سجاياه  " صلى الله عليه وسلم" . روى البخاري في كتاب «التفسير» من صحيحه بسنده عن عبدالله بن عمرو ابن العاص - رضي الله عنهما - أن هذه الآية التي في القرآن {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا } (الأحزاب:45)، قال في التوراة: «يا أيها النبي، إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا وحرزا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب بالأسواق، ولا يدفع السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويصفح، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء، بأن يقولوا: لا إله إلا الله، فيفتح بها أعينا عميا، وآذانا صما، وقلوبا غلفا». (حديث رقم: 4838).

ومن الصفح الجميل ما راوه مسلم في كتاب «الجهاد والسير» من صحيحه بسنده عن أنس  "رضي الله عنه"  أن أم سليم رضي الله عنها اتخذت يوم حنين خنجرا فكان معها، فرآها أبو طلحة  "رضي الله عنه"  فقال: يا رسول الله، هذه أم سليم معها خنجر، فقال لها رسول الله  " صلى الله عليه وسلم" : «ما هذا الخنجر؟». قالت: «اتخذته إن دنا مني أحد من المشركين بقرت به بطنه». فجعل رسول الله  " صلى الله عليه وسلم"  يضحك. (2)

قالت: يا رسول الله، اقتل من بعدنا من الطلقاء. انهزموا بك. فقال رسول الله  " صلى الله عليه وسلم" : «يا أم سليم إن الله قد كفى وأحسن». (حديث 4783)

أرأيت إلى قوله  " صلى الله عليه وسلم" : «يا أم سليم إن الله قد كفى وأحسن»، هذا من الصفح الجميل الذي يؤتي من الثمر أطيبه.

وهو  " صلى الله عليه وسلم"  لم يكتف بأن لم يعاقب، بل لم يعاتب الطلقاء إذ أدبروا يوم حنين، وخلفوا رسول الله  " صلى الله عليه وسلم" ، وما كان لهم أن يفعلوا، بل كان منه  " صلى الله عليه وسلم"  ما هو أجمل، اقتسم فيهم وفي المهاجرين الغنائم، ولم يمنح الأنصار شيئا، مما حاك في نفس ثلة من الأنصار، فقالت ما قلت، فكان من مكافأة النبي  " صلى الله عليه وسلم"  أن قال لهم مقالة، هي عز الدنيا وسعادة الآخرة، حين قال قالت ثلة منهم:

إذا كانت شديدة فنحن ندعى، ويعطى الغنيمة غيرنا. فبلغه ذلك، فجمعهم في قبة، فقال  " صلى الله عليه وسلم" : «يا معشر الأنصار، ما حديث بلغني عنكم؟»! فسكتوا، فقال: «يا معشر الأنصار، ألا ترضون أن يذهب الناس بالدنيا، وتذهبون برسول الله  " صلى الله عليه وسلم"  تحوزونه إلى بيوتكم؟».

قالوا بلى. فقال رسول الله:  " صلى الله عليه وسلم"  «لو سلك الناس واديا، وسلكت الأنصار شعبا لأخذت شعب الأنصار» (3)

أرأيت إلى الصفح الجميل مع الطلقاء، والحكمة الجميلة مع الأنصار؟!

ومن هذا ما رواه البخاري في كتاب «الأدب» من صحيحه بسنده عن أنس ابن مالك قال: كنت أمشي مع رسول الله  " صلى الله عليه وسلم"  وعليه برد نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي فجبذ بردائه جبذة شديدة - قال أنس: فنظرت إلى صفحة عاتق النبي  " صلى الله عليه وسلم"  وقد أثرت بها حاشية الرداء من شدة جبذته - ثم قال: «يا محمد، مر لي من مال الله الذى عندك. فالتفت إليه، فضحك، ثم أمر له بعطاء». (حديث 6088)

وجاء في كتاب «البر والصلة» من جامع الترمذي بسنده عن أبي إسحاق قال: سمعت أبا عبد الله الجدلى يقول: سألت عائشة رضي الله عنها عن خلق رسول الله  " صلى الله عليه وسلم"  فقالت: «لم يكن فاحشا ولا متفحشا، ولا صخابا في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح». (حديث رقم: 2148). قال أبوعيسى: هذا حديث حسن صحيح.

وكان  " صلى الله عليه وسلم"  يحث أصحابه على الصفح، وأن لا يسارعوا إلى العقوبة، بل ليكن العفو مبدأ أمرهم ومنتهاه، وإن وقع من بعضهم ما يستوجب الحد.

روى أحمد بن حنبل في مسنده من حديث عبدالله بن مسعود بسنده عن شعبة قال سمعت يحيى بن المجبر قال: سمعت أبا ماجد - يعني الحنفي - قال: كنت قاعدا مع عبد الله - قال - إني لاذكر أول رجل قطعه، أتي بسارق فأمر بقطعه وكأنما أسف وجه رسول الله  " صلى الله عليه وسلم"  قال: قالوا: يا رسول الله، كأنك كرهت قطعه.

قال  " صلى الله عليه وسلم" : «وما يمنعني ؟ لا تكونوا عونا للشيطان على أخيكم».

إنه ينبغى للإمام إذا انتهى إليه حد أن يقيمه.

إن الله عز وجل عفو يحب العفو {وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. (النور: 22)

وجعل الصفح عمن أساء من أفضل الفضائل، لأن في هذا دفعا للسيئة بالحسنة، كما أمر كتاب الله سبحانه وتعالى: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ  ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} (فصلت: 34)

روى أحمد بن حنبل في مسنده من حديث معاذ بن سهل  "رضي الله عنه" ، بسنده عن سهل بن معاذ بن أنس عن أبيه عن رسول الله  " صلى الله عليه وسلم"  أنه قال: «أفضل الفضائل أن تصل من قطعك, وتعطي من منعك، وتصفح عمن شتمك». (حديث:16023)

هذه الثلاثة التي هدى إليها نبي الرحمة  " صلى الله عليه وسلم"  إنما يقوم له أولو الفتوة النفسية، لأن للقيام لها فضلا عن القيام بها استحقاقات رجولية بالغة، لايلقاها إلا الصابرون صبرا جميلا.

وإن لحضورها في أي أمة فضلا عن شيوعها أثرا جليلا وجميلا في تماسك الأمة، وتحقيق سلامها الاجتماعي، فتنعم بنعمتي الأمن والكفاية. وتلك نعمة الدنيا:

روى البخاري في كتابه «الأدب المفرد»، باب: «من أصبح آمنا في سربه» بسنده عن سلمة بن عبيد الله بن محصن الأنصاري عن أبيه - عبيد بن محصن اختلف في صحبته - عن النبي  " صلى الله عليه وسلم"  قال: «من أصبح آمنا في سربه، معافى في جسده، عنده طعام يومه فكأنما حيزت له الدنيا»: (حديث: 300)، ورواه الترمذي، وابن ماجه.

ذلك هو نبي الرحمة، ونبي الحكمة  " صلى الله عليه وسلم" . فهل لنا أن نحمل من ميراث رحمته بأمته، ومن ميراث حكمته، ما يجعلنا أهلا لأن نحوز شرف وراثته في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى؟

فالصفح عمن أساء، ودفع السيئة بالحسنة عامل عظيم الأثر في تحقيق مجتمع متماسك متراحم، وهذا ما نفتقر إليه. إن هذا ما يفتقر إليه كل قائد فتي قوي مع خصومه. ولكن هذا يحتاج إلى علي الحكمة، يعرف الأرض التي ينبت فيها الصفح ويورق ويزهر ويثمر، فإن كان من الخصوم من لا يصلح معه ذلك الصفح فلا يكون، كما فعل مع بني قريظة، لما كان منهم من خيانة في غزوة الأحزاب. فمثلهم يزيدهم الصفح فجورا، فلا يكون الصفح حينئذ جميلا. لأنه سيثمر قبحا، ويزيد العتو عتوا.

فالصفح الجميل عمن يصلحه الصفح قائم لم ينسخ بالأمر بالقتال، كما ذهب إليه بعض أهل العلم. قال الطبري:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن إسرائيل، عن جابر، عن مجاهد (فاصفح الصفح الجميل) قال: هذا قبل القتال.

حدثني المثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن الزبير، عن سفيان بن عيينة، في قوله: {فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ} وقوله: {وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ} قال: كان هذا قبل أن ينزل الجهاد. فلما أمر بالجهاد قاتلهم فقال: «أنا نبي الرحمة ونبي الملحمة، وبعثت بالحصاد، ولم أبعث بالزراعة».

أما آية السيف فهي قائمة لمن لا يصلحه الصفح الجميل. وخصوم الدعوة ليسوا سواء، فلا يكون منهج التعامل معهم واحدا، فذلك منطق الحكمة في الدعوة.

ألا ترى أن الله سبحانه وتعالى قال لرسوله  " صلى الله عليه وسلم"  ولنا معه في سورة (النحل): {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ  وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ  إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ  وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} (النحل:125).

جعل له ثلاثة سبل إلى تحقيق الدعوة: الحكمة، والموعظة الحسنة، والجدال بالتي هي أحسن، ذلك أن الناس أربعة:

منهم من يسمع ويقبل، فهذا سبيل دعوته الحكمة، ومنهم من يسمع ويقبل، ولكنه لايقبل لما يحيط به من الشهوات الصارفة، فهذا سبيل دعوته الموعظة الحسنة. وهذان الضربان متقاربان، ولذا كان النظم القرآني المتعلق بدعوتهما واحدا {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} عطف سبيل الموعظة الحسنة على سبيل الحكمة.

ومنهم من يسمع ولا يقبل، بل يجادل ويعارض ويناكد، ولكنه لا يرفع سيفا. وهذا سبيله الجدال بالتي هي أحسن. وهذا ما حملته الآية الكريمة في سورة النحل.

وهذا الضرب ليس من باب الضربين الأولين، ولذا التفت عن النظم الذي كان للضربين الأولين، فلم يقل: ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن، فلو قال لفهم من العطف أن هذا الضرب الثالث من باب الضربين الأولين، ولكن البيان القرآني عدل عن النهج الأول في النظم والصياغة، واستفتح طريقة جديدة، فقال: {وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}، فهو عطف على فعل الأمر الذي في صدر الآية {ادْعُ} مما يفهم أن هذا السبيل ليس من باب السبيلين الأولين، إشارة إلى أن الضرب الثالث مغاير للضربين الأولين، وهذا نهج من السنة البيانية للقرآن الكريم في إفهام دقائق المعاني ولطائفها.

وكل هؤلاء الثلاثة الأضرب يصلح معهم، ويصلح من أحوالهم الصفح الجميل، وهذه الأصناف الثلاثة باقية ما بقيت الحياة. مما يجعل الأمر الإلهي للنبي  " صلى الله عليه وسلم"  ولأمته من بعده {فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ} أمرا باقيا ما بقيت الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى.

ويبقى الصنف الأخير من الناس: من يسمع، ولا يقبل ألبتة، بل يشهر سيفه ليمنع الدعوة من أن تبلغ غيره، فهو لا يكتفي بأن يعرض هو عنها، بل يسعى بسيفه وما ملكت يمينه من القوى إلى أن يحاجزها عن أن تبلغ مسامع الآخرين. فيتخذوا ما شاءوا طوعا لا قهرا، لأنه يعلم أنها إن بلغت مسامعهم، فإنها ستحرك ساكنا في كثير منهم، ومنهم من سيستمع، ويقبل، وهذا الضرب الرابع من الناس هو الذي جاء الأمر بقتاله، لا بقتله، فليست الغاية ألبتة قتله، وإن سل سيفه، بل الغاية قتاله، ليكف سيفه. فإن كفه، فلا يقاتلن فضلا عن أن يقتل. فإن الإسلام دين الحياة في سبيل الله، وليس دين الموت في سبيل الله، بل الموت في سبيل الله تعالى حين لا تتحقق الحياة للناس في سبيل الله إلا بموت ثلة من المسلمين في سبيل الله تعالى، تحقيقا لتلك الحياة للآخرين، وهذا هو منهج الإيثار، وذلك هو جليل الجود، وجميل السخاء.

الهوامش

1- تفسير الطبري: جامع البيان في تأويل القرآن، تحقيق: أحمد محمد شاكر، ط (1) 1420هـ، مؤسسة الرسالة، ج17، ص128.

2- حسنه الألباني في صحيح الأدب المفرد للبخاري.

 3- صحيح البخاري (المغازي)، حديث رقم: (4337)، ورواه مسلم في كتاب (الزكاة) رقم: (2488).

دير جنادلة الغنايم تكرِّم حفظة القرآن الكريم

القاهرة – عبدالناصر العمدة: للعام الثالث على التوالي، شهدت قرية دير الجنادلة مركز الغنايم ...

أميمة عتيق تكتب: كيف تستقبلين شهر الصيام؟

 أميمة عتيق - باحثة وكاتبة مغربية: تقبل علينا في هذه الأيام القادمة نسمات عطرة للشهر الفضيل، ...

مواجهة الإلحاد بالعلم والعقل والدين.. كتاب جديد للدكتور خالد راتب

القاهرة – الوعي الشبابي: أصدر الدكتور خالد محمد راتب، مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر ...

اتصل بنا

  • صندوق البريد: 23667 الصفاة 13097 - الكويت
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
  • 22467132 - 22470156

عندك سؤال