الأحد، 21 يوليو 2024
رئيس التحرير
فهد محمد الخزّي

الدكتور أحمد زكي عاكف وتأديب العلم

د. محمود صالح البيلي - دكتوراه في الأدب والنقد: قيض الله سبحانه وتعالى للعربية من الكتاب من جمع ...


 

 

المتواجدون على الموقع

المتواجدون الأن

276 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

هذا ديننا

jo1jo.com7840

محمد إلهامي :

في يوم جمعة، وقعت حادثة استحقت أن تنزل فيها آيات، إذ كان النبي ص قائما يخطب، فأقبلت عير فيها تجارة، فانطلق الناس إليها حتى لم يبق مع النبي ص إلا اثنا عشر رجلا. (البخاري ومسلم).

نزلت سورة الجمعة، التي هي– كما كل الآيات القرآنية- لا تعالج الموقف لذاته فحسب، بل تعطي الأمة توجيها خالدا في كل عصورها، ولذا فإن النظر إلى سورة الجمعة بعين تقصد أن ترى المعنى الحضاري فيها يُفضي إلى نتيجة جديدة تماما، لم تنل حظًّا من أهل التفسير على حد ما أعلم، وإن ظهرت في سياق تفاسيرهم بشكل مُجزَّأ، تلك هي أن سورة الجمعة إنما نزلت لتُذَكِّر الجماعة المسلمة بتميزها الحضاري، ولتُوَضِّح معالم الحضارة الإسلامية.

التأمل في سورة الجمعة يكشف لنا رؤية أقسام ثلاثة واضحة، متمايزة ومترابطة:

1- أن هذه الأمة المسلمة هي غرس رباني.

2- وأنه معهودٌ إليها أن تستفيد من سيرة التاريخ، وأن تصحح مسيرته.

3- وأن تنتبه إلى رسالتها في الحياة فتملك الدنيا دون أن تملكها الدنيا.

لقد بدأت قصة الإسلام فجأة، لم يكن ثمة ما يشير إلى أن هذه البقعة المهملة في خارطة التاريخ والجغرافيا آنذاك قد تكون ذات أهمية يوما ما، فتلك بلاد قبلية، أهلها أميون، يعيشون جاهلية في الأفكار والأعمال، ولا يفكرون في إنشاء حضارة.. ولهذا كان انتقالهم المفاجئ نحو التوحد والسيادة على الجزيرة ثم مجابهة الكبار: فارس والروم، ثم امتلاك ناصية العلوم والحضارة، كل ذلك كان بتدخل رباني محض، نعمة على هؤلاء القوم, لا شريك له فيها.

{هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين}.

ولذا، فإن سر هذه الأمة في هذا الدين، فهو الذي نقلهم من البداوة إلى الحضارة، ومن الجاهلية إلى السيادة، أو كما يقال: من رعاة الغنم إلى رعاة الأمم.

ورعاية الأمم لا تعني التسلط عليهم ولا قهرهم، بل تعني قيام الأمة بدورها في توصيل الرسالة لهم، ذلك أن الرسالة إنسانية عالمية خالدة لم تنزل على العرب لتزرع فيهم بذور عنصرية أو تمييز، بل لتحملهم مسؤولية الدعوة وإخراج الناس من الظلمات إلى النور.

وبهذا تكون الأمة أطول عمرا، وأكثر اتساعا، وأمضى في تاريخ الخلود، فهي أمة نشأت من الفكرة، أنشأتها الرسالة الإسلامية، تمتد في طول الزمان بتتابع الأجيال وفي عرض المكان باتساع البلدان.

{وآخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم}

ولما سئل النبي ص عن هذه الآية أشار إلى سلمان الفارسي وقال: «لو كان الإيمان عند الثُّرَيَّا لناله رجال- أو: رجل- من هؤلاء» (رواه البخاري)، وسلمان من غير العرب، من فارس، ولذا قال العلماء إنها تعني كل من صدَّق النبي ص من غير العرب (1).. فهذا هو اتساع المكان.

وأما طول الزمان ففي حديث آخر، يقول ص: «إن في أصلاب رجالا ونساء من أمتي يدخلون الجنة بغير حساب، ثم قرأ: {وآخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم} (رواه الطبراني وابن أبي عاصم في السنة وصححه الألباني).

وهذه الأمة على كثرة الأجناس والأقوام، وعلى تتابع الأزمان والأجيال، تبقى عربية الروح والثقافة، تلتف حول اللسان العربي، وهذا معنى دقيق فقهه الشيخ الطاهر بن عاشور من الآية وقال بأن {منهم لما يلحقوا بهم} هي بمعنى الاتصال، أي أن العرب وغيرهم، والجيل وغيره، أمة واحدة متصلة ببعضها، ثم إنهم يلحقون بالعرب أي يتعربون لفهم الدين وتلاوة القرآن، وهي بشارة غيبية بأن دعوة النبي ص ستبلغ أمما غير عربية وأنهم يحتضنونها ويلتحقون بالعرب (2)، من كان يحلم بشيء من هذا الخلود والتفوق والسيادة من العرب المقيمين بالجزيرة في القرن السادس الميلادي؟ لا أحد بكل تأكيد..{ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم}.

وهنا، بهذا التأكيد، ينتهي المقطع الأول من سورة الجمعة، ليعرف المسلمون أنهم أمة نشأت بنعمة الله وفضله، وأن هذا الدين هو سر نهوضهم، وبه كان تفوقهم وخلودهم.

ويأتي المقطع الثاني الذي يُعطي الأمة خلاصة التاريخ الذي ينبغي أن تستفيد منه، وأن تصحح مسيرته، تاريخ قوم حملوا أمانة الرسالة من قبل فلم يحفظوها، فلهذا نقل الله رسالته إلى هذه الأمة.

إنهم بنو إسرائيل، آتاهم الله التوراة {فيها هدى ونور}، وفيها هذا النبي الأمي {يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل}.. إلا أنهم لم ينتفعوا بها إذ لم تتهذب عقائدهم ولا أخلاقهم، فضرب الله لهم هذا المثل: {مثل الذين حُمِّلوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم الظالمين}.

ولهذا ينبغي أن تفهم الأمة أن حضارتها حضارة عمل وتطبيق لا مجرد تنظير وتقعيد، حضارة وعي وفهم وتشرب للمنهج لا مجرد الاحتفاظ به وحمله في السيارات والمكتبات، أو حتى تلاوته في المحافل والمناسبات فحسب.

والتشبيه بالحمار الذي يحمل الأسفار تشبيه مركب؛ فالحمار لا يعرف قيمة ما يحمله أصلا، غير أنه لن ينتفع بها حتى ولو نشرت أمام عينيه، فكأنما بلغ بنو إسرائيل حد الإياس من انتفاعهم بما أنزل عليهم (3).

وهذا مثل مضروب للأمة المسلمة، لتعلم به أن مكان القرآن في حياتها هو مكانه من العمل والتنزيل والتنفيذ، وأن منهجها يجب أن يكون في روحها ووجدانها لا في السطور أو الصدور وحدها!

في هذه الحالة يكون القرب من الله واستحقاق الصلة به مرتبطا بهذه الأمانة، ولا يكون ثمة مكان للادعاء الفارغ أو زعم الخيرية أو مباهاة الناس بالباطل.. بل يكون القرب من الله وحمل رسالته مصحوبا بما يؤكده من عمل وتطبيق وجهاد، حتى لو أنه جهاد يتطلب ذهاب النفس في سبيل الرسالة.

كل هذه الأمور لم تكن عند اليهود، {قل يأيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين. ولا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين. قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون}.

وهنا، وبهذه الحقيقة القائمة الراسخة.. حقيقة الموت، ينتهي هذا المقطع من السورة، وقد كان يقدم للأمة المسلمة خلاصة تاريخ أمة سابقة، لكي تعرف منه خصائص رسالتها وحضارتها، فتقوم بتصحيح المسيرة وتضرب المثل للأمة التي حملت الرسالة بحق، فكانت خير أمة أخرجت للناس.

ثم يأتي المقطع الأخير الذي نزلت لأجله السورة نفسها، وفيه التنبيه على أن هذه الأمة تنظر إلى الآخرة أكثر من الدنيا، مع احتفاظها بالتوازن المطلوب بين الدنيا والآخرة، ولهذا فإن ثمة لحظات بعينها ينبغي أن تصفو فيها الأمة من الدنيا وأن تتركها إلى حيث يُذكر الله، {يأيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون}، رغم أن البيع ليس حراما {وأحل الله البيع}، بل هو مطلوب كسائر أعمال الرزق الحلال، لكن هذه اللحظة ليست كغيرها، حتى قال ابن كثير: اتفق العلماء على تحريم البيع بعد النداء الثاني (حيث يكون الخطيب قد صعد)، واختلفوا: هل يصح؟ وظاهر الآية عدم الصحة (4).

فهي لحظة خاصة واستثنائية في حياة الأمة المسلمة، والعجيب أنه جل وعلا ذكر البيع ولم يذكر أي نشاط آخر للمسلم، ذلك أن البيع هو عملية الربح والحصول على المال، وبرغم هذا فإن ترك هذا البيع والذهاب للجمعة {خير لكم إن كنتم تعلمون}, وحيث إن الآخرة هي الغاية، وهي المعيار، إلا أن الإسلام منهج متوازن.. {فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون}, فحتى الخروج للدنيا وابتغاء الرزق ينبغي أن يكون مصحوبا بذكر الله ذكرا كثيرا.. إلا أن تعبير {قُضِيت الصلاة} يوحي بمعنى الإتقان، إعطاء كل ذي حق حقه، أي بعد استيفاء الصلاة يمكن للمسلم أن يخرج في طلب الرزق، ولهذا لم يكن التنديد القرآني بمن طلب الرزق في القافلة، بل كان بمن ترك الصلاة لأجل ما في القافلة، فانصرف قبل اكتمالها.

{وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين}.

كان عرَاك بن مالك رضي الله عنه إذا صلى الجمعة انصرف فوقف على باب المسجد، فقال: اللهم إني أجبتُ دعوتَك، وصليتُ فريضتك، وانتشرت كما أمرتني، فارزقني من فضلك، وأنت خير الرازقين (5).

هذا أصدق تعبير عن العقلية المسلمة التي تؤمن بأن الله فوق كل شيء، وأن ما عند الله هو خير مما يبدو لنا أنه خير.

بقي ملمح آخر للحضارة الإسلامية كما ظهرت في سورة الجمعة؛ وهو ملمح كامن ومنتشر في كل السورة، ومسيطر على روحها، ذلك هو أمر التوحيد.. إن اسم الله جل وعلا ذُكِر - صراحة أو ضميرًا أو صفقة- في كل آية من آيات السورة، وهذا يعني– بشكل واضح- أن هذه الحضارة مبعثها من عند الله تبارك وتعالى، فهو مالك الوجود {يسبح لله ما في السموات وما في الأرض}، وهو صاحب الغرس {هو الذي بعث في الأميين رسولا}، وهو الذي شرع الشرائع وكلف بالأعمال (فاسعوا.. ذروا.. فانتشروا.. ابتغوا)، وهو الذي يعلم الغيوب والخفايا {ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون}.

6 2 2015 10 33 02 AM

حسين شعبان وهدان :

إنه الآن واقف بالباب يدقّ بيد العزم في طلب العلا والغفران وزيادة الإيمان، تلقاهُ في ربوع الأوطان من أرض الإسلام وهداية القرآن، في كل مدينة أو بلد أو قرية، بل وفي القفار والفيافي ينشر ضياء قدومه من الآن. يقف أغلى الأضياف قيمة وأعزهم قدرا وأكثرهم كرما على أبواب قلوب الأحباب من حملة الكتاب وأتباع النبيِّ وقفاة سبل الأصحاب.. إنه رمضان يا ابن الإسلام.. ضيفك المعهود الحاضر الغائب في كل عام، يرفل في ثوب العطاء والمنح من طراز خاص، يقدم في العام كما تعلم مرة، ولكنه قدوم يملأ الدنيا رحمة وبهجة إيمانية غامرة لا تستشعرها القلوب إلا فيه، وسبحان من جعل أجمل الأرزاق فيه ما كان حظا للقلوب المطمئنة.

 إن شهرًا نزل فيه القرآن ليكون هداية الأبد للأمة لكفيلٌ بحسن الإستقبال، وشهرٌ تفتح فيه أبواب الجنة، وتغلق فيه أبوابُ النار حري بحسن الإستقبال، وشهرٌ فيه ليلةٌ يزيد عطاؤها بكل المعاني عن ألف شهرٍ حريُّ بحسن الإستقبال، إضافةً إلى ما فيه من الوعد الحق بغفران الذنوب بالصيام والقيام وسائر أنواع القُرَبِ والطاعاتِ لكفيلٌ باليقظة والاهتمام باستقباله وحفظ مقامه، والوقوف على أسباب التوفيق فيه.. وتلك أهم المطالب في هذه الأيام.

 والناس على درب الاستقبال في اكتناز المكارم وفقدها أصنافٌ، فمنهم من يستقبله استقبالا لائقًا بحرمته، فيرعى منه العادة ويحولها إلى عبادة، ويستزيد في طلب الهدى بالتزام الفرائض، والحرص على النوافل، والفوز منه بسابغ البركات من تلاوة قرآن وقيام ليل، وصلة رحم وإطعام طعام وحضور علم واعتكاف وبذل صدقات، وغيرِها من كنوز الحسنات المعروضة في طيَّات ذا الشَّهر الكريم، ولا شك أن هذه الأصناف من القربات لا بد لها من استعداد وعُدَّة ومنهج وصحبة مُعينة على ارتياد هذه الآفاق من الخيرات، قال الله تعالى: {وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً} (التوبة: من الآية 46)، ومنهم من تنكبته العراقيل والشواغل التي أفقدته المشاعر الحية المنشودة، والتي يجب أن تكون ملء القلوب هذه الأيام، ومن الناس من اقتفى سبل التقليد وسعى في رمضان كما يسعى ملايين البشر، في طقوس مبتورة تمامًا عن مقاصد التشريع في الصيام والقيام وسائر الفضائل والقربات، ويعطل عقله بمنعه عن مجرد التفكير في التغيير، لأنه يلفي نفسه على قوافي السلامة منذ أزمان، فعجلة الأيام به دائرةٌ منذ رؤية الهلال، وحتى صلاة العيد في آلية حركية لا يجد فيها أهل التقليد عوجا، وحالهم كهذا الذي له ساقيةٌ تأخذ الماء من النهر وترده إلى النهر بلا فائدة، ولما أبدى الناس له العجب، قال في إهمال فكر وجودة تقليد: «يكفيني من الساقية نعيرها»، فهذا هو حال شريحة كبيرة من المستقبلين للشهر الكريم يقنع نفسه بأنه على الصواب، وما أدراك ما حاله؟ إنه كمسلم يصبح يوم الجمعة فيسأل: ما اسم هذا اليوم؟ ولو كان يعرف ما الجمعة وفضلها وشرفها لاستقبلها بشوق منذ الأمس لأنه ينتظرها لسبع أيام خلتْ.

ضرورة الاستعداد

وكل شيء في الدين والدنيا ذو بال لا بد له من همة في الاستعداد، فحينما ألقى الله أمانة الكتاب على نبيه الكريم يحيى عليه السلام قال له:{يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ} (مريم: من الآية12)، فهذا استعداده.

 وقضى القرآن العظيم وسنة النبي الكريم  " صلى الله عليه وسلم"  بطائفةٍ من الاستعدادات حتى يتمكن المؤمنون من الفوز والفلاح في الصلاة، قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصّلاةَ وَأنتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوّا غَفُورًا} (النساء:43)، فهي إذن أحكامٌ هامةٌ قاضيةٌ، على كلِّ مصل أن يأخذ حِذْرَهُ من السُّكْر، وأن يتعلم أحكام الجنابة، وأحكام المرض والتيمم، ومن هذا الاستعداد للصلاة قَوْلُ النبي الكريم صلى الله عليه وسلم (إن الله تعالى لا يقبل صلاة بغير طهور، و لا صدقةً من غلول) (الألباني في صحيح الجامع 1855 بسند صحيح عن أسامة الهذلي والد أبي المليح  "رضي الله عنه" )، فالطهارة للصلاة من أهم واجبات الاستقبال لها، وتارك الطهارة مع التمكن منها لا تفتح له أبواب القبول، لأنه أساء استقبال صلاته.

   فهذه سنةُ الكتاب العزيز في ضبط حال المسلم قبل العبادة، نجدها كذلك في أمر الزكاة، قال الله تعالى: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ}(الأنعام: من الآية 141)، فهذا استعدادٌ بالتذكر قبل حلول زمان الزكاة، ومن ذلك أيضًا أمر قضاء الحوائج قد انتخب له الشرع الاستعداد بالكتمان، فقد قال النبي الكريم  " صلى الله عليه وسلم" : «استعينوا على إنجاح الحوائج بالكتمان، فإن كل ذي نعمة محسود» (الألباني في صحيح الجامع 943 بسند صحيح عن معاذ بن جبل وعمر بن الخطاب وابن عباس وعلي بن أبي طالب رضي الله تعالى عن الجميع ).

 استعداداتٌ غير مُوَفَّقَة

 لقد غدا شهر رمضان موسمًا ذا حراك دؤوب لأصحاب الحرفِ والصنائع الغذائية والاستهلاكية والترفيهية، وهذا يبين باختصار الحالة التي يكون عليها المسلمون في رمضان، بيد أنه لا يمكن لأحد أن يجزم من الذي تسبب أولًا وأرسى هذه الأعراف الاجتماعية، أَهُمُ التجار والحرفِيُّون وأصحاب المآرب في التكسب الذين أغروا المستهلكَ النَّهِمَ بكل ما يُعرضُ في الأسواق؟ أم هم الناس أفرادًا وجماعات دفعهم الاستحواذ على كل ما يرونه أو يسمعون عنه من باب التقليد أو الاكتشاف، أو الاستغراق في المباح، أم أنهما جميعًا قد تعاونا على إخراج هذه الصور الموغلة في التشاغل بالمأكول والمشروب والمُشاهَد ووسائل الترفيه؟ والظن كله يميل إلى تفاعل كل مع الآخر في الزهد عن الصراط المستقيم في رمضان، وإن كانت الصور تدعي – عبثًا – الالتزام، بَيْدَ أنَّهُ في الغالب مظهريٌّ إلا من رحم الله تعالى.

 أما استعداد أهل الفن فأمرٌ عجابٌ، مهما قلبته على وجه عاقل فإنك لن تجد له مساغًا في دائرة القبول، فهو إذن ضربٌ من الجنون بجمع المتضادات الشرعية والعقلية والأخلاقية في قرن واحد، بين ادعاء التدين وخلط الأوراق من الإسراف والتميع الخلقي والاختلاط وضياع كنز العمر، واستدعاء من لا علاقة لهم بحرمة الشهر من قريب ولا بعيد وجعلهم نجومًا مسفرةً.. نعم.. ولكن بالجحيم الساري في أعطاف النفوس والعيون المتابعة للزوابع الطائشة في رمضان.

ودائمًا ما يشغلنا التفكير فيمن سيحمل هذه الأوزار التي تزيد كل عامٍ مع هذه القفزات الإعلامية المحطمة في ميدان القيم والأخلاق بشكل غير مسبوق، من سيحمل هذا الكفل من العذاب، وهداية العقول الحائرة دائمًا نلقاها في كتاب الله تعالى القائل عن هؤلاء وأمثالهم: {لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ} (النحل:25)، والقائد والقدوة غير المكرمة هو إبليس اللعين.

 إن سفينة الحياة السائرة بلا توقف كل عام على غير تفكير رشيد وتوبة صادقة من الخائف على عمره من الضياع، وعلى نفسه من العذاب إنما هي سفينة الهلكى، فلماذا يرتادها زاعمو الهداية من قوافيها؟!. ومتى يتوقفون عن كذبهم الموهوم؟.. ولماذا تكون أنت – أخي الكريم – سببًا في زيادة أعداد السادرين في الغفلة معهم؟!.

 وللنساء في شأن الاستعداد صور أخر، يختصرها حالهن الماثل قبل الهلال في الأسواق، يدرن الساعات الطوال عن مطالب الأبدان - وما في هذا عيبٌ ولا ذنبٌ -  ولكن الفاقرة تأتي من أن هذا الانشغال يجور حتمًا على حقوق القلوب من التربص المنشود بالتطهر، وترك الشواغل واكتناز التعلم وشحن الهمم، إنه نهر عطاء لا ينفد قد تركت الري منه بنت الإسلام قبل رمضان، واستعدت بناءً على قرارات الأبدان وأوامرها، بينما تظل الأرواح قاحلة من نسيم الإيمان الذي يرطب جفافها، ويذهب عنها ما يؤرقها في تزاحم مسئوليات الحياة الدنيا.

 وجُلُّ الناس في الإعداد يجيدون فهم الصورة السابقة، قد هرعوا قرب القدوم إلى أبواب التجار يبغون المؤن، من سلع غذائية متكاثرة لا يعلم منتهاها إلا الله، تقصم فقار الظهر في أثمانها، وتتنافى مع فلسفة الشهر الكريم في التقشف، وقد برع أهل الصنائع في الطعام في صنع ألوانٍ تصيب الجيوب بالنزيف والأبدان بالثقل والنفوس بالبطر والثقل بعد الشبع إِثْرَ تدليل النفس بإجابة كل خواطرها في جانب الشهوات.. فأين الفائدة من تأديب النفوس بالصيام.. ومن يفهم؟

 المطلوب هو استعداد القلوب

 لا تجعل كل همك في قضية الاستعداد أن تتخم بطنك بما يغمرها ويطمرها، ولا أن تقنع نفسك بالمنى بأنك أديت ما عليك مثل كل الناس، فإن هذه – لا شك – أفكار المفاليس، فالناس في هيامهم بالهوى والدنيا والشهوات على ضروب الهلاك، وكل ما هو مطلوب اليوم - أخي الكريم - هو تميزٌ عن الناس بوقفة صدق مع الله والنفس باستنفار جواهر المعاني الكريمة التي تبيض الوجه مع ربنا واهب النعم، ومحاولة إحياء القلوب بعد مواتها، فإن معاناة قلوب الموحدين هذه الأيام لها جوارٌ وصدى.. يفلق الأكباد إن سمعناهُ.

ضيفكم الكريم – يا أهل الكرم -  سيطرق آخر طرقاته على أبواب القلوب بعد لحظات، والجواب المُنتظَرُ لن يكون إلا بنياطها وشآبيبها، بفرح القدوم للضيف الذي طال انتظاره، كما كان السلف الصالح يستقبلون رمضان بستة أشهر، يدعون الله أن يبلغهم رمضان ثم يودعونه بستة أشهر، يدعون الله أن يتقبل منهم، وعلى ذلك فالسنة كلها كانت إلهامًا ودرسًا وعبرةً ومعايشةً لبركات رمضان.

فيا أيها المسلم انهض، وأسقط متاع الغرور الآن من على ظهرك، وافتح للضيف القادم كل أذرعة الوداد المُسْتَكِنَّة في قلبك، فإن الخوف المحذور قادمٌ – إن أهملت -  وسيهولك المشهد العام يوم القيامة من فرط العجب الذي سيملك نياط القلب حين تُبلى السرائر، لترى أن أقوامًا خرجوا من رمضان وهم على رؤوس القمم، لأنهم كانوا ممن يحسنون استقبال الضيوف، وأقوامًا أُخَر ما زالوا يتسكعون على سفوح البطالة، لأنهم سمعوا الأبواب المطروقة، ولم تنهض بهم هِمَّةٌ ولم تَرْقَ لهم عزيمة.

شهر رمضان1

إعداد: سامح عبد الإله عبد الهادي

باحث وداعية فلسطيني

إن الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا و سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلم تسليماً كثيراً مزيداً إلى يوم الدين، أما بعد:

فهذه رسالة في بيان أهم الأحاديث الضعيفة والباطلة التي تشتهر على ألسنة الناس في رمضان، قمت بجمعها وتخريجها تخريجاً مختصراً، وقد لخَّصت فيها بعض ما قام به العلماء من تخريج سابق للحديث إن وجدته.

0001222

القلق مرض العصر.. كيف عالجه الإسلام؟

خلف أحمد أبوزيد :

إن حياة الإنسان لا تسير على وتيرة واحدة، ولا تمضي على نمط واحد، بل هي خليط من التجارب المتنوعة والانفعالات والعواطف المختلفة، فالإنسان قد يشعر بالحب حينًا، وبالكره حينًا آخر، ويشعر بالخوف والقلق تارة وبالأمن والطمأنينة وسكينة النفس تارة أخرى، ويشعر بالفرح والسرور بعض الوقت وبالحزن والكآبة في بعض الأحيان، وهكذا تمضي حياة الإنسان في تغير مستمر وتقلب دائم، ويعد القلق من الأحاسيس المؤلمة وأساس المتاعب النفسية التي يعاني منها الإنسان المعاصر، حتى أصبح خاصية عامة وعالمية، حيث إن أحدث تقرير لمنظمة الصحة العالمية، أثبت «أن 25 % من سكان العالم يشعرون بالتوتر والخوف والإحباط، وتوقع السوء، وحدوث ما يهدد حياتهم» (1)، ويعرف لنا علماء النفس القلق بأنه «انفعال يتسم بالخوف والتوجس من أشياء مرتقبة تنطوي على تهديد حقيقي أو مجهول، ويكون من المعقول أحيانًا أن نقلق للتحفز النشط ومواجهة الخطر، ولكن كثيرًا من المواقف المثيرة للقلق، لا يكون فيها الخطر حقيقيًا بل متوهمًا ومجهول المصدر» (2)، ونتعرف عبر هذه السطور على أنواع القلق وأثره على الصحة الإنسانية، ثم الوسائل التي وضعها ديننا الإسلامي، من أجل النجاة منه. 2_opt.jpeg يمكن لنا أن نقسم القلق إلى نوعين، قلق محمود، أو قلق ايجابي وهو موجود عند كل الناس، حيث إنه يمثل الحافز القوي لكل إنسان، لذا فإن البعض رفعه إلى درجة من الضرورية من أجل السعي نحو الهدف والتقدم في شتى مواقع الحياة، ولهذا النوع من القلق صور عديدة في حياتنا، نذكر منها على سبيل المثال، قلق التلميذ أثناء أداء الامتحان أو القلق الذي يصيبنا أثناء اتخاذ قرار هام، أو لقاء شخص ما، فمن خلال التوتر أو القلق الذي نظهره قبل حدوث هذه المواقف نهيئ أنفسنا لمواجهة هذه المواقف بنجاح، وأنه لو أتيح لنا أن ننجح في هذه المواقف ونتغلب على خجلنا وعوامل ضعفنا في اللقاءات الشخصية الهامة تاركين أثرًا طيبًا وايجابيًا في الآخرين، فإننا نشعر بالعرفان والشكر لمشاعر القلق السابقة لمساهمتها في دفعنا الإيجابي نحو النجاح، فإن أمثال هذه المواقف يعد نموذجًا طيبًا لما يسمى بالقلق الدافع، وهو قلق ضروري للنمو وللتطور بإمكاناتنا نحو تحقيق كثير من الغايات الإيجابية، وهو قلق مؤقت وقليل الحدة ومنشط لإمكانات الكائن النفسية والعضوية، وبعبارة أخرى فإن هذا نوع صحي ومحمود من القلق، وينطبق عليه قول العالم النفسي الأميركي «كاتل» بعد عرض كثير من نتائج بحوثه في هذا الميدان «بعض الناس يربط دائما بين القلق والمرض، ولكن القلق لا يكون دائما دليلا على المرض والعصاب، إن القلق يمكن أن يوجد بدرجة عالية دون عصاب، بل إنني أجد من نتائج دراساتي ما يؤكد أن وجود القلق قد يكون أحيانا علامة على الصحة والنضوج» (3).

أما النوع الثاني من القلق وهو ما يطلق عليه علماء النفس القلق المذموم، أو القلق المرضي وهو قلق ضار ومعطل لإمكانات الإنسان نحو النمو السليم، وتحقيق التوافق النفسي والاجتماعي بصورة سليمة، من حيث إنه يقيد الشخصية بأوهام الخوف والفشل اللامنطقي ويمثل سلوكًا مدمرا، يدعو للهزيمة الذاتية والاضطراب، ونذكر هنا صورًا لهذا النوع من القلق المذموم، فعلى سبيل المثال، نموذج الطالب الذي يتملكه القلق في يوم الامتحان بصورة توقفه عن أداء الامتحان ذاته والهروب من الموقف كله، أو ذلك الزوج الذي يتملكه الخوف من الضعف الجنسي عند معاشرته لزوجته، بصورة قد تؤدي إلى إصابته بالعنة الجنسية، أو تلك الأم التي تخشى على أبنائها من أخطار الحياة، لدرجة توقف نموهم وتفاعلهم الايجابي بالحياة بحب فج وحرص بالغ، وهذا الطفل الذي يوقعه خوف الانفصال عن الأسرة في التحايل على الذهاب إلى المدرسة بالمرض أو التمارض كل صباح، فكل صورة من هذه الصور السابقة، يمثل صورة مختلفة لما يمكن أن نسميه بالقلق المرضي أو العصابي، الذي يمثل الشكوى الرئيسية للغالبية العظمى من الناس.

القلق والصحة الإنسانية

ويترك القلق آثارًا ضارة على صحة الإنسان الجسدية والنفسية، حيث إنه يحدث تغيرات غير سارة يرى العلماء أنها نتيجة للاستثارة الشديدة التي تحدث فيما يسمى بالجهاز العصبي السميناوي (الاستشاري) وهو أحد الأجهزة الرئيسية التي تنشط في مواقف الخطر والانفعال ويؤدي نشاطها إلى التأثير في الأعضاء المتصلة به، فتجحظ العيون أو تضيق، وتعرق الأيدي أو تبرد أطرافها، وتتزايد دقات القلب وتتسارع وتنقبض الأوعية الدموية، وتستثار بعض الغدد كالغدد الدمعية في حالات الحزن، ونجد في حالات القلق أن التغيرات العضوية تمتد لتشمل تسارع دقات القلب، جفاف الفم، الدوخة، العرق الشديد، الغصة وانحباس الصوت، وأحيانا الغثيان نتيجة لانقباض المعدة والتنميل في اليدين والقدمين، وصعوبات التنفس التي تكون إما على شكل العجز عن التنفس العميق أو التنفس السريع المتلاحق، كما يحدث القلق أيضا تغيرات عضوية عضلية، لعل من أهمها تصلب عضلات الظهر والرقبة والتصلب على امتداد عضلات الذراعين حتى أسفل الكتفين، وارتعاشات الأطراف والأصابع وزيادة اللوازم الحركية في الوجه بالذات في منطقة الفم والعينين نتيجة للتوتر العضلي الشديد، في هاتين المنطقتين، ولهذا نجد أن كثيرًا من المصابين بالقلق عادة ما يشكون من توترات العضلات وآلام الظهر وتقلبات المعدة، وما يصحب ذلك من اضطرابات الهضم، كما يرتبط التعبير عن القلق بآلام الصدر وضيق التنفس، مما يجعل الشخص يشك في الأمراض القلبية بالرغم من سلامة القلب، إلا أن هناك من الأبحاث ما يؤكد على أن الأشخاص الذين يتسم سلوكهم بالقلق المستمر والشكوى عادة ما يتعرضون فيما بعد لأمراض قلبية حقيقية، وترتفع لديهم أيضا الحالات المرضية المرتبطة بارتفاع ضغط الدم وقرحة المعدة والبول السكري والربو واكزيما الجلد، وإذا تركنا أثر القلق على الجسد الإنساني، إلى أثره على الصحة النفسية للإنسان، نجد أنه يقود الإنسان إلى الانقباض الشديد وعدم الطمأنينة والتفكير الملح، وقد يصل الأمر إذا استفحل إلى ما يعرف بعصاب القلق، وهو يتمثل في الوسواس والخضوع لفكرة ملحة مثل فكرة الموت، أو المرض أو المخاوف المرضية أو العصاب القهري مثل غسل اليدين المبالغ فيه، وعصاب القلق مرض يعاني منه نحو 5% من أفراد المجتمع الأميركي، ونجمل أثر ما يحدثه القلق على النفس والبدن في هذه الكلمات للعالم «بيرتون» الذي يقول «كثيرة الآثار المؤلمة التي يتركها القلق على الإنسان بما في ذلك الشحوب أو احمرار البشرة والرجفة والعرق، وكثيرة آلام هؤلاء الذين يعيشون في خوف، إنهم لا يستطيعون أبدًا أن يتحرروا، أو أن يشعروا بالأمان، عزائمهم خاوية وآلامهم قاسية وحياتهم تخلو من البهجة، ولم أجد تعاسة أعظم، ولا ألمًا أطرى، ولا عذابًا أقسى من العذاب الذي يحيونه» (4).

العلاج الإسلامي للقلق

بداية نؤكد على حقيقة هامة، أن الإسلام حل أزمات الإنسان المعاصر حلا كاملا، سواءً كانت أزمات روحية أو دينية أو نفسية أو خلقية أو اجتماعية، بما يضمن سعادة الإنسان ويحقق له الطمأنينة والاستقرار على أرض الواقع، ومن هذا المنطلق يهدينا الإسلام إلى الوسائل السليمة لاتقاء القلق، ويفرش لنا أرضًا صلبة نقف عليها بثبات وطمأنينة إذا ما تدبرناه وعقلناه، ومن ناحية العلاج نجد أن الإسلام، يقدم أساليب عالية لعلاج القلق تفوق وسائل العلاج النفسي الحديث التي تمثلت في الاسترخاء، والعلاج الطبي بالأدوية المهدئة، هذا إلى جانب ألوان أخرى من العلاج، كالعلاج المهني وهو أن يشغل المريض بالعمل عن التفكير في مشكلته، أو التنويم المغناطيسي، ولا أحد ينكر أن علاج القلق بالوسائل الطبية والنفسية الحديثة، قد يجدي في بعض الحالات، وقد لا يجدي في بعضها الآخر، ذلك أن المدرسة الحديثة في الطب وعلم النفس لا تقدم حلا جذريًا للمشكلة، وإنما تقدم لنا علاجًا للأعراض، أما الأسباب فتضرب جذورها في الأعماق، ومن هنا أصبح القلق مرض العصر، إلا أن ديننا الإسلامي قد رسم المنهاج الأمثل، الذي يقينا شر الأمراض العضوية والنفسية، كما يدفع عنا الخوف والقلق، وقد حدد لنا المولى سبحانه وتعالى الخطوات الرشيدة التي تحقق لنا سبل السعادة، وتدرأ عنا أسباب القلق، ويمكن لنا أن نوجز العلاج الإسلامي للقلق فيما يلي.

1- الالتجاء إلى الله والتوكل عليه سبحانه

وأول ما يقضي على القلق، ويجلب السعادة والأمن والاطمئنان للإنسان هو الالتجاء إلى الله والتوكل عليه، قال تعالى {ومن يتق الله يجعل له مخرجًا. ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه}(الطلاق:2- 3) فالإيمان بالله الممتزج بالتقوى والعمل الصالح مع التحلي بالصبر والتواصي بالخلق الحميد والرضا بقضاء الله خيره وشره، يورث الإنسان بشاشة الروح، وحلاوة النفس، قال تعالى {ولله غيب السموات والأرض وإليه يرجع الأمر كله فاعبده وتوكل عليه وما ربك بغافل عما تعملون} (هود: 123) {من عمل صالحًا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون} (النحل: 97) فتقوى الله والإيمان به سبحانه، مع التوكل الحقيقي عليه يزيل عن الإنسان أسباب التوتر ويدفع عنه القلق، يقول «ديل كارينجي» صاحب أكبر مجموعة من مؤلفات علم النفس عن أثر الإيمان والالتجاء إلى الله في علاج القلق «إن أطباء النفس يدركون أن الإيمان القوي والاستمساك بالدين كفيلان بأن يقهرا القلق والتوتر العصبي، وأن يشفيا هذه الأمراض» (5)، ويقول «الكسيس كاريل» الحائز على جائزة نوبل في الطب والجراحة، حول أثر الإيمان والتوكل على الله على صحة الإنسان النفسية «إن القلق والهموم يحدثان تغيرات عضوية، وأمراضًا حقيقية، وهي تضر بالصحة ضررًا بالغًا، وإن رجال الأعمال الذين لا يعرفون كيف يقون أنفسهم من الهموم يموتون في شرخ الشباب، ثم يتطرق إلى الذين يدينون بأحد الأديان ويصفهم بالبسطاء، ويقول كأن البسطاء يمكنهم أن يحسوا الله بنفس السهولة التي يحسون بها حرارة الشمس أو وجود صديق، إن الذين لا يكافحون القلق يموتون مبكرًا» (6) وكأنما الكسيس كاريل أراد هنا أن يصف الإيمان بالبساطة، لما يراه من سلوك المؤمنين من هدوء وسكينة وعدم المغالاة في حياتهم الدينية، وأن هذا الإيمان أو البساطة، كما يقول هي التي تدفع القلق.

2- الصلاة

والصلاة عامل أساسي لوقاية الإنسان من القلق والتوتر عملا بقوله تعالى {واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين} (البقرة: 45)، ولنا في رسول الله  "صلى الله عليه وسلم" ، أعظم قدوة ونبراس فكان  "صلى الله عليه وسلم" ، إذا حزبه أمر هرع إلى الصلاة وقال لبلال رضي الله عنه «أرحنا بها يا بلال» (رواه الطبراني في الكبير)، فالصلاة منبع السكينة وراحة القلب، ذلك أن الإنسان أثناءها، يمر بلحظات من الطهر والنقاء، لأنه يقف بين يدي الله يناجيه، فيسمع لشكواه وهمومه، فيزيل ما يسبب شكواه، كما أن إقامة الصلاة في وقتها تحقق للإنسان السعادة العالية والمتعة الراقية، التي تجعلنا نستهين بآلام الحياة ومتاعبها، ولكن على المسلم أن يؤدي الصلاة في خشوع، هذا الخشوع الذي دعى اليه الخالق عز وجل بقوله تعالى {قد أفلح المؤمنون. الذين هم في صلاتهم خاشعون} (المؤمنون:1- 2) هذه الصلاة الخاشعة التي تمد الإنسان بالطاقة الروحية وتوثق الصلة بالله عز وجل، وكثير من علماء النفس الغربيين، أصبحوا يعتبرون الصلاة، أهم أداة لبعث الطمأنينة في النفوس، ولكن أين هي من صلاة المسلم التي تقربه من الله، إذا ما أداها المسلم حقًا في خشوع وهدوء وسكينة ورضا وطمأنينة.

3- ذكر الله

كما من الأمور التي تدفع أسباب القلق والتوتر، حرص المسلم على ذكر الله سبحانه وتعالى، عملا بقوله جل جلاله {الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب} (الرعد: 28)، ذلك أنه إذا اطمأنت القلوب، وهدأت النفوس واستقرت زال عنها كل خوف وقلق، في حين أن الإنسان الذي يعرض عن ذكر الله هو قاسي القلب جاحد النعمة، بعيد عن الروحانيات، طغت عليه المادة، ولذلك فهو يعيش حياة شديدة القلق مليئة بالمنغصات، مصداقًا لقوله تعالى {ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكًا ونحشره يوم القيامة أعمى} (طه: 124)، والضنك هو الشقاء الشديد.

4- الدعاء

إذا كان بعض العلماء النفسيين في الغرب أمثال الدكتور «رورهلفروج» يقول «إن من الأدوية الشافية للقلق إفضاء الشاكي بمتاعبه، إلى شخص يثق فيه، حيث إن تحدث المرضى عن متاعبهم بإسهاب وتفصيل، ينفي القلق من أذهانهم، فإن مجرد اجترار الشكوى فيه شفاء» وعلى هذا فإن الإفضاء بالمتاعب إلى شخص، أصبح من الوسائل العلاجية المعمول بها الآن، في كل المستشفيات النفسية والعصبية، كما ينصح الأطباء النفسيون باختيار الشخص الذي نفضي إليه، فليس كل شخص يمكن الإفضاء إليه، وإنما المهم الإحساس بأن هذا الشخص يسمع ويحس ويعين (7)، وقد يساور الإنسان الخوف أو القلق من الإنسان الذي يحكي له فيصيب نفسه بعض الشك الذي يجعله أشد قلقاَ من قبل، ولكن اللجوء إلى الله بالدعاء وإفراغ المتاعب النفسية والهموم إليه سبحانه، يعد خير وسيلة للوقاية من القلق، قال تعالى {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان} (البقرة: 186) {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم} (غافر: 60)، ولنا في رسول الله  "صلى الله عليه وسلم"  خير قدوة وأعظم نبراس في ذلك، فقد كان عليه الصلاة والسلام إذا لحق به شيء من عوارض الحياة كالشدة والكرب والغضب وعسر المعيشة، لجأ إلى ربه بالتضرع والدعاء، ومن الأدعية التي علمنا إياها رسول الله  "صلى الله عليه وسلم"  لمنع الأرق والرؤى والكرب قوله عليه الصلاة والسلام «إذا فزع أحدكم في النوم، فليقل أعوذ بكلمات الله التامات من غضبه وعقابه وشر عباده، ومن همزات الشياطين، وأن يحضرون فإنها لا تضره» (رواه أحمد والترمذي)، كما أن هناك أدعية بالفرج من هموم النفس فباب الله مفتوح على مصراعيه لكل صاحب هم، إذا ما توجه إلى الله بقلبه وكيانه، فعن الرسول  "صلى الله عليه وسلم"  قال «ما أصاب أحدًا قط هم ولا حزن، فقال اللهم إنما أنا عبدك ابن عبدك ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضاؤك، أسالك اللهم بكل اسم هو لك، سميت به نفسك أو علمته أحدًا من خلقك أو أنزلته في كتابك أو استأثرت به في علم الغيب أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي، إلا أذهب الله عز وجل همه وحزنه وأبدله مكانه فرحًا، فقيل يا رسول الله ألا نتعلمها؟ قال بلى ينبغي لمن سمعها أن يتعلمها» (رواه أحمد في مسنده).

5- تلاوة القرآن

كما أن تلاوة القرآن الكريم تبعث في نفس المسلم الهدوء وسكينة النفس وطمأنينة القلب، قال تعالى {قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء} (فصلت: 44) {يأيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور} (يونس: 57) {وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين} (الإسراء: 82)، فهل نستطيع بعد وعد الله عز وجل بأن القرآن شفاء ورحمة وهدوء وطمأنينة للمؤمنين من أن نستفيد منه في الخلاص من القلق وما يدعو إلى التوتر ومشاعر اليأس والإحباط؟

أخيرًا

وفي النهاية نقول، إذا كنا اليوم قد افتقدنا عنصري الرضا والأمن النفسي، وهما جناحا السعادة والهناء، وإذا كنا نحيا دائما بين الحزن على ما فات والخوف مما هو آت، وإذا كنا لا نستطيع أن نقتلع الأحزان والخوف والقلق من نفوسنا بمجرد الرغبة في ذلك، فإننا نستطيع على الجانب الآخر أن نتمسك بالدين قولا وعملا ونتحلى بالخلق الكريم، ولنقرأ دائما قوله تعالى {ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير. لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور} (الحديد: 22 – 23).

الهوامش

1- مجلة منار الإسلام، العدد الأول السنة 26، محرم 1421هجرية، إبريل 2000 ميلادية.

2- القلق قيود من الوهم، د/ عبدالستار إبراهيم، الناشر دار الهلال بالقاهرة، ص 13.

3- المصدر السابق، ص 16.

4- المصدر السابق، ص 32.

5- الصلاة وصحة الإنسان، حلمي الخولي، سلسلة دراسات إسلامية، العدد 129، ص 87.

6- المصدر السابق، ص 126.

7- الإسلام والعلم الحديث، د/ عبدالرزاق نوفل، ص 102.

802011433101

د. جاسر عودة :

عندما طرح أئمة المقاصد نظريات للمقاصد منذ الترمذي الحكيم (ت 296هـ) والقفال الكبير (ت 365هـ) والعامري الفيلسوف (ت 381هـ)، مرورًا بالجويني (ت 478هـ) والغزالي (ت 505هـ) والشاطبي (ت 790هـ)، وانتهاء بابن عاشور (ت 1379هـ/ 1973م) (1) والفاسي (ت 1380هـ/ 1974م)، كانت نظرياتهم تصنيفات لنصوص الشريعة حسبما تصوروا من غاياتها والمعاني التي شرعت من أجلها، ولكن قبل الشروع فيما يلي من محاولة لتحليل هذه التصنيفات حسب مفهوم رؤية العالم، وجب القول إن هدف هذا التحليل هو فهم آليات التجديد والإبداع في هذا العلم- علم المقاصد الشرعية- والاستفادة منها في البحث المعاصر، وليس الهدف من هذا التحليل الدعوة إلى نبذ نظريات المقاصد بدعوى عدم مناسبتها للعصر كما قد يتسنى لبعض «التفكيكين» المعاصرين ممن يتبنون فلسفات ما بعد الحداثة، مما سيأتي ذكره في مبحث لاحق، فقناعتي أن المقاصد والمقاصديين أمل كبير من آمال هذه الأمة في تجديد أصيل ومبدع ليس في علومها الشرعية فقط وإنما في علومها الاجتماعية والإنسانية على حد سواء، ولكن هذا التجديد لابد له- فيما يبدو لي- من فهم لقابليات التجديد في نظريات المقاصد نفسها حتى تفعل هذه القابليات التفعيل الصحيح دون إفراط تضيع معه الثوابت الإسلامية أو جمود تتحول فيه المعاني الاجتهادية إلى ثوابت مقدسة.

وقد يسأل: كيف يكون المعنى الواحد نتيجة لرؤية العالم عند المجتهد وفي الوقت نفسه مقصودًا للشارع تعالى؟ والجواب هو أنه لا تناقض بين هذا وذاك، فالمقصد من النصوص الشرعية إما أن ينص الشارع عليه صراحة- كالعدل مثلًا- وإما أن يستقرأ مثل حفظ النسل، فأما المعنى المنصوص عليه صراحة فليس لرؤية العالم دخل في تصور معناه المجرد، ولكن في تصور تطبيقه في الواقع الاجتماعي، فقد تختلف الإجراءات المطلوبة لتحقيق مقصد العدل مثلًا من مجتمع لمجتمع، وهذا مثل ما يسمى عند الفقهاء بمراعاة العرف في تحقيق المناط.

وأما المعنى الذي يستقرأ فلا يتناقض استقراؤه مع كونه مقصودًا للشارع تعالى حسب غلبة الظن عند المجتهد، فإنما الأعمال بالنيات ولا يكلف الله تعالى العباد إلا بما تصل إليه عقولهم بعد بذل الوسع ويغلب على ظنهم الصواب، والله أعلم بمراده في جميع الأحوال، من ذا الذي يدعي أنه أصاب باستقراء أو استنباط قصد الله تعالى على القطع؟ إنما هو الظن والتكلف، ولكنه ظن كلما بني على باع في العلم واستقصاء في البحث اقترب من يقين واستحق به التكليف، فإذا غلب على ظن المجتهد أن معنى معينًا مقصودًا للشارع وجب عليه مراعاته ولزمه ذلك.

والمباحث التالية تضرب أمثلة على الاجتهاد الذي حدث عبر أجيال المقاصديين في مصطلحات الضرورات من المقاصد، وتحاول تحليل رؤية العالم على تطور هذه المصطلحات.

من حفظ النسل إلى بناء الأسرة

ذكر أبوالحسن العامري الفيلسوف «مزجرة هتك الستر» التي شرع لها حد الزنا في سياق إرهاصته المبكرة بالضرورات الخمس في كتابه «الإعلام بمناقب الإسلام»، ثم ورد التعبير الذي اختاره إمام الحرمين الجويني في برهانه وهو «عصمة الفروج»، ثم استخدم تلميذ الجويني أبوحامد الغزالي في مستصفاه تعبير «حفظ النسل»، وهو التعبير الذي تبناه الشاطبي- معلم المقاصد الأول- في موافقاته، أما المعلم الثاني- الطاهر بن عاشور- فقد قدم إبداعًا نوعيًّا حين كتب عن النظام الاجتماعي في الإسلام في إطار غايات الشريعة وأهدافها وكان رائدًا في هذا المقام للمعاصرين من أمثال الشيخ محمد الغزالي ود.يوسف القرضاوي وغيرهم.

وهذا التطور الذي دخل على هذا المصطلح عبر الأجيال كان موازيًا للتطور الذي حدث لثقافة التصورات في مجتمع المسلمين ورؤية العالم عند هؤلاء الأئمة الذين تفاعلوا مع الواقع فيما طرحوه من أطروحات. فـ«مزجرة هتك الستر» اقتصرت على بيان حكمة الحدود الشرعية في هذا الباب، كما ذكر العامري، وهو تعبير يصور مجتمعًا يسعى لسلامته وأمنه بردع المجرمين وهاتكي الأستار فيه، ولكن «عصمة الفروج»- وهو تعبير الجويني- لا يتعلق فقط بردع الجريمة في هذا الباب وإنما يعبر أيضًا عن مبدأ يمتد ليشمل خلقًا منشودًا وحقًّا من حقوق الفرد والمجتمع في عصمة فروجهم، أما «حفظ النسل» فهو أوسع من المفهومين السابقين لأنه يشمل درء المفاسد ودعم المبادئ المذكورة بالإضافة إلى مصلحة الفرد في حفظ فلذة كبده، بل يلقي تعبير حفظ النسل ظلالًا على مصلحة الأمة في حفظ الأجيال الناشئة، وهو مفهوم حضاري أوسع من قضية الزجر عن هتك الستر أو الحفاظ على عصمة الفروج. 

ثم لما أدرج الشيخ القرضاوي «تكوين الأسرة الصالحة» (2) في مقاصد الشريعة الإسلامية بشكل مباشر، عكس ذلك المصطلح رؤية للمجتمع تظهر فيها الأسرة كوحدة بنائه الأساسية، وهي رؤية تختلف عن الرؤية التقليدية، وهذا لا يعني أن تلغى «مزجرة هتك الستر» أو تسقط «عصمة الفروج» أو يتناسى «حفظ النسل» وإنما يعني أن يكون تحقيق هذه المصالح الفردية والجماعية جزءًا ونتيجة لبناء الأسرة وفي إطارها، وهو أولى، ولا يخفى أن إعطاء هذه الأولوية لمصلحة الأسرة يعزز من حقوق المرأة- التي تحتاج إلى دعم إذا ما استقرأنا الواقع المعاصر- وحقوق الأولاد الذين هم عماد مستقبل المجتمع والأمة، وحمايتهم جميعًا من التعسف والبخس، وبهذه المرونة في تطوير المصطلح المقاصدي توظف الشريعة الإسلامية في خدمة قضايا الأمة ومصالحها المعاصرة.

من حفظ المال إلى التنمية الاقتصادية

تكلم العامري الفيلسوف عن مقصد سماه «مزجرة أخذ المال» التي شرعت لها حدود السرقة والحرابة، وذلك أيضا في سياق إرهاصته المبكرة بالضرورات الخمس، ثم كان تعبير إمام الحرمين في نفس المعنى عن مفهوم آخر من مفاهيم العصمة، وهو «عصمة الأموال» ثم طور أبوحامد الغزالي ذلك المعنى في مستصفاه إلى جزء من نظرية الحفظ عنده وسماه «حفظ المال»، وأصل الشاطبي لنفس المعنى في موافقاته، والمال مذكور في مواضع كثيرة من القرآن، وهو قوام حياة الناس، وأهمية كون المال من طيب الكسب ومكرمة الجود به وعار البخل به كلها مفاهيم أصيلة في ثقافة العرب وتصوراتهم. قال حاتم الطائي مثلا:

إذا كان بعض المال ربا لأهله

فإني بحمد الله مالي معبد

يفك به العاني ويؤكل طيبًا

ويعطى إذا منّ البخيل المطرد

أما في العصر الحديث، فقد توسع مفهوم المال ليشمل مفهوم الثروة والقيمة التي ترتبط بالاقتصاد المحلي والدولي، وعبرت عن هذا التطور نظريات «الاقتصاد الإسلامي» التي زاد البحث العلمي الجاد فيها خاصة في العقود الثلاثة الأخيرة بعد ظهور مشاريع البنوك الإسلامية، ثم حدث تطور نوعي في تناول مقصد حفظ المال عند بعض المعاصرين، وأصبح مفهومًا اقتصاديًّا استقرأ السيد هادي خسروشاهي- مثلا- من أجله من نصوص الكتاب والسنة ما يلزم الدولة بتحقيق التكافل والتعادل والتقريب بين الطبقات بالإضافة إلى ما يحفظ أموال الأفراد من الاعتداء والغصب- وهو المفهوم الأساس (3).

وقد فسر بعض الباحثين المعاصرين حفظ المال بالازدهار الاقتصادي بل والتنمية، فمثلًا، كتب د.أبويعرب المرزوقي (4) (على الرغم من نقده لعلم المقاصد نفسه على أساس «عدم قطعيته»- ويناقش ذلك مبحث قادم): «إنما حفظه (أي المال) يكون بتحقيق شروط تكوينه السوي وأولها الدولة العادلة وشروط توزيعه المناسب للجهد والعدل بحسب ما فرضه الإسلام من معايير، فيكون الحفظ هنا تحقيق شروط المكافأة العادلة التي هي شرط شروط الازدهار الاقتصادي»، وكتب د.سيف عبدالفتاح: «المقاصد الكلية ليست إلا صياغة لمفهوم متكامل للتنمية من منظور حضاري» (5). وهذه الإضافات القيمة بحاجة إلى بحث وتأصيل حتى تربط بالنصوص الشرعية وتفسر من خلالها مصطلحات المقاصد تفسيرًا جديدًا أو لعلها تكون سبيلًا لتقديم مصطلحات مقاصدية جديدة في هذا الباب أقرب لرؤية العالم اليوم فيما يصلح الناس، وهذه آلية لتفعيل المقاصد تفعيلًا يمس مشكلات الناس ويتعامل مع واقعهم، فحسب تقارير الأمم المتحدة في الأعوام الأخيرة، تقع غالبية الدول الإسلامية (وتحتوي على نحو 90? من المسلمين) في مستوى أقل من المتوسط في مقياس التنمية البشرية، والذي هو مفهوم أوسع من التنمية الاقتصادية، تقيسه لجنة التنمية بالأمم المتحدة بناء على عدة مقاييس لمستويات الصحة ومحو الأمية والمشاركة السياسية وتفعيل دور المرأة وسلامة البيئة، بالإضافة إلى مستوى المعيشة».

وبناء على هذه المرونة التي يتمتع بها مصطلح المقاصد، فإنه يمكن صياغة مقصد «للتنمية البشرية» يكون له تميزه بإضافة مقاييس إسلامية تعبر عن قيم الإسلام الأصيلة، فمثلًا، محو الأمية واجب إسلامي، ولكن الإسلام لا يكتفي بمحو الأمية أو التعليم الأساسي لقياس مستوى التعليم في المجتمع كما هو الحال في مقياس التنمية البشرية الحالي، إذ يجعل الإسلام من طلب العلم فريضة دون تحديد حد أعلى لذلك ويجعل من التفوق في كل علم أيا كان فرضًا كفائيًّا إسلاميًّا، والمشاركة السياسية في مفهوم الإسلام لا تقاس فقط بنسبة التصويت في الانتخابات أو عدد الوزراء من طائفة أو أقلية ما، كما هو الحال في مقياس التنمية البشرية الحالي، وإنما المشاركة في صنع القرار السياسي على كل المستويات مسؤولية إسلامية على كل مسلم، سماها الرسول  "صلى الله عليه وسلم"  «النصيحة لأئمة المسلمين وعامتهم» (6).

من حفظ النفس والعرض إلى حفظ حقوق الإنسان

وحفظ النفس، وحفظ العرض أيضًا من المصطلحات التي عبرت عن تصور لقيم أساسية عبرت عنها كل أجيال المقاصديين، والمصطلحات التي استخدمت في هذا الباب هي: «حفظ النفس» و«مزجرة قتل النفس» و«حفظ العرض» و«مزجرة ثلب العرض» و«حفظ النسل» عند من ضم حفظ العرض إلى حفظ النسل في التقسيم مثل الجويني والغزالي والشاطبي، وتعبير النفس قد ورد بوضوح في القرآن الكريم، ولكن لم يرد فيه تعبير العرض، إلا أنه ورد في حديث رسول الله  "صلى الله عليه وسلم"  مثل: «كل المسلم على المسلم حرام: دمه وعرضه وماله»، و«إن دماءكم وأعراضكم وأموالكم حرام عليكم» (7)، والعرض مكون أساسي من تصور الإنسان وعلاقاته الاجتماعية عند العرب- شاع في أشعارهم وأدبياتهم على مدار العصور، لعل من أشهرها الأمثلة التالية:

قال عنترة:

ولقد خشيتُ بأن أموت ولم تدر

للحرب دائرة على ابني ضمضم

الشاتمي عرضي ولم أشتمهما

والناذرين إذا لم ألقهما دَمي

وقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه:

سأمنح مالي كل من جاء طالبًا

وأجعله وقفًا على القرض والفرض

فإما كريم صنت بالمال عرضه

وإما لئيم صنت عن لؤمه عرضي

وقال حسان بن ثابت  "رضي الله عنه"  في المعنى نفسه:

أصون عرضي بمالي لا أدنسهُ

لا بارك الله بعد العرض في المال

وأما المعاصرون فقد شاع بينهم- في معرض الحديث عن حفظ النفس والعرض- مصطلح «حفظ الكرامة» أو «حفظ الكرامة البشرية» كنوع من التجديد أو التفسير لهذين المصطلحين (8)، ومفهوم الكرامة البشرية لصيق بمفهوم «حقوق الإنسان» الذي تصوره أيضا كثير من المعاصرين في تنظيرهم للمقاصد الشرعية في السياق نفسه (9)، وهذه آلية أخرى لتفعيل المقاصد تفعيلًا يمس مشكلات الناس ويتعامل مع واقعهم.

إلا أنني أرى أنه من الضروري أن تبحث مسألة حقوق الإنسان بشكل مفصل قبل إدماجها بالمقاصد الشرعية حتى يفرق بين ما يدعو إليه الإسلام من حقوق للإنسان تتفق فعلًا مع المبادئ (الأساسية) لحقوق الإنسان العالمية، وبين بعض التفسيرات والإلحاقات لهذه الحقوق في بعض المجتمعات والتي قد تختلف جذريًّا مع ثوابت الرؤية الإسلامية، فمفهوم الحرية التي اعتبرها الطاهر ابن عاشور وعدد من المعاصرين من مقاصد الشريعة الإسلامية- واستدلوا على ذلك باستقراء الكتاب والسنة- يختلف عن مفهوم الحرية عند كثير من الأوروبيين مثلًا، والذي قد تتعدى فيه حرية التعبير إلى حرية الإهانة والسخرية، وحرية اختيار الأزواج إلى حرية الشذوذ أو الخيانة، وحرية التصرف في البدن إلى حرية قتل المرء نفسه أو تعاطي المخدرات، وعليه فالأمر يحتاج إلى تحقيق حتى لا تفسر مفاهيم حقوق الإنسان بما يتناقض مع معايير الإسلام وثوابته، وحتى لا يطلق «مقصد حفظ حقوق الإنسان» على عواهنه ويساء استغلاله.

من حفظ العقل إلى نماء الملكات العقلية والفكرية

مر حفظ العقل بتطور مماثل على مدار الأجيال من التركيز على حد الخمر فقط لكونها مذهبة للعقل إلى توسيع ذلك المفهوم حتى يشمل كل ما يتصل بالعقل من علم وفكر، فمثلًا، كتب د.يوسف القرضاوي: «أرى أن حفظ العقل يتم في الإسلام بوسائل وأمور كثيرة، منها: فرض طلب العلم على كل مسلم ومسلمة، والرحلة في طلب العلم، والاستمرار في طلب العلم من المهد إلى اللحد، وفرض كل علم تحتاج إليه الأمة في دينها أو دنياها فرض كفاية، وإنشاء العقلية العلمية التي تلتمس اليقين وترفض اتباع الظن أو اتباع الهوى، كما ترفض التقليد للآباء وللسادة الكبراء، أو لعوام الناس، شأن «الإمعة»، والدعوة إلى النظر والتفكير في ملكوت السموات والأرض وما خلق الله من شيء إلى آخر ما فصلناه في كتابنا «العقل والعلم في القرآن الكريم» (10).

ومن الجيل الجديد من المقاصديين، كتب د.سيف عبدالفتاح: «حفظ العقل ضرورة من ضرورات العمران- إن نسل كثير ونفوس لا تتمتع بالرشد والعقل إنما يعبر عن كم مهمل أو هو في أحسن الأحوال إضافة سلبية تتحرك ضد مقصود العمران- حفظ العقل باعتباره مناط التكليف وقاعدة حمل الأمانة وأساس لقيمة الاختيار، إن حفظ العقل من كل ما يسلبه من أفكار وتسميم وغسل مخ، وحفظه من كل ما يذهبه لهو تعبير عن الحفظ الأساسي اللازم لأن يمارس العقل وظيفته وفاعليته في تحرك إمكانات تسكين عناصر متعددة ضمن حياتنا المعاصرة (هجرة العقول- عقلية القطيع والعوام- غزو العقول- استلاب العقول...) (11). و«كتب د.أبويعرب المرزوقي: «القصد بحفظ العقل إن قلنا بنظرية المقاصد وسلمنا بوظيفة الحفظ لا التنمية ليس هو ما فهم الفقهاء كتحريم الخمر أو المخدرات، فمفسدات العقل من حيث هو ملكة طبيعية حرمت نصًّا ولا يحتاج فيها الناس إلى تعليل بمقصد حفظ العقل، إنما المقصود إن صحت نظرية المقاصد تحقيق شروط نماء الملكات العقلية بتحقيق شروط عملها بحرية» (12).

فمن هذه الأمثلة- وغيرها- يظهر التطور الذي يحدث لمصطلح حفظ العقل تبعًا لتغير رؤية العالم لدى المقاصديين، فظهر مثلا تأثير السياسة والاقتصاد في مفهوم «هجرة العقول» الذي ذكره د.سيف، وتأثير الأعراف الاجتماعية والعلمية على مفهوم «العقلية العلمية» الذي ذكره الشيخ القرضاوي، وقس على ذلك.

وهذا التطور في المقاصد سواء وقع من باب إعادة التفسير مع الإبقاء على المصطلح الأصلي (حفظ العقل)- وإعادة التفسير على أي حال سمة عامة في الاتجاهات الفكرية الإسلامية المعاصرة- أو وقع من باب إعادة نحت المصطلح نفسه مثل «مقصد نماء الملكات العقلية والفكرية»، فتوظيف مصطلح المقاصد في التنمية الفكرية والعلمية لا تخفى فوائده.

من حفظ الدين إلى كفالة الحريات الدينية

والمثال الأخير الذي يوضح أثر رؤية العالم على المصطلح المقاصدي هو مفهوم حفظ الدين، الذي بدأ بدوره معبرًا، عن «مزجرة خلع البيضة» بتعبير العامري الذي ارتبط بما يسمى بحد الردة، وانتهى بمصطلح «حفظ الدين» عند كل العلماء الذين كتبوا عن المقاصد من بعد، ليس فقط مستندين إلى ما يسمى بحد الردة ولكن بناء على حفظ العقائد والعبادات وغيرها من شرائع الإسلام.

ثم حدث تطور نوعي مشابه لما مر في تفسير هذا المفهوم، أمثِّل عليه مرة أخرى مما كتب د.سيف عبدالفتاح «لا إكراه في الدين: حفظ الدين في إطار يشمل حركة من الفرد إلى الجماعة إلى الأمة ومن الذات إلى الغير حتى مع اختلاف الأديان» (13). أي إن حفظ الدين يشمل كل الديانات بناء على مبدأ لا إكراه في الدين، وهذا مثال على مدى التغير الذي قد يحدث في مصطلح شرعي حين يعاد تأويله في ضوء رؤية عالم مختلفة، فقد تحول حفظ الدين من مبدأ يقوم عليه «حد الردة» إلى مبدأ يضمن كفالة الحريات الدينية بالمعنى المعاصر.

هل للمقاصد المتصورة حد معلوم أو هيكل نمطي محدود؟

الإجابة المطروحة على هذا السؤال تتعلق أيضًا بقضية الطبيعة التصورية للمقاصد، فإذا اتفقنا على أن المقاصد تصورات نظرية في أذهان المجتهدين، فكذلك المسمى والهيكل- اللذان يمثلان جزءًا من ذلك التصور- قد يتغيران حسب العقول ويتغير الزمان والمكان، ولا يعني ذلك أن الشارع- عز وجل- لم يرتب المقاصد ترتيبًا معينا تنظم فيه، فالترتيب والتنظيم والإبداع في خلق كل شيء وفي تشريع كل شيء نؤمن به عقيدة، ولكن إدراك هذا الترتيب المنتظم- الذي قد يكون أعقد بكثير من أنساقنا الأولية البسيطة- ليس بلازم، ومثلا ذلك الكون المرئي وقد خلقه الباري تعالى بإبداع ونظام وإحكام وتوازن وما له من فطور، وكل مسلم يؤمن بذلك، ولكن محاولاتنا- نحن البشر- لاكتشاف هذا النظام وسبر أغواره كلها ناقصة، وهذا ما تثبته الأيام، فعلى مدار التاريخ كلما تصور علماء الطبية نظامًا في مجال ما نتيجة اكتشاف ما، جاء بعد ذلك بزمن- طال أو قصر- اكتشاف آخر ليعلمنا أن ما سبق كان صحيحًا جزئيًّا فقط وأن درجة أكبر من التعقيد قد تقترب بنا من «حقيقة» النظام الكوني، ولكن ما أدراك ما حقيقة النظام الكوني؟! ويبدو لي أن المقاصد لا تخرج عن هذا المثال، نعم، لابد للمقاصد من حصر وهيكل ونسق، ولكن ما تصل إليه عقول المقاصديين هو اجتهاد يقبل التطور دائما ولا يلزم أن يكون هو الحقيقة كلها.

فمثلًا، قسم العلماء المعاصرون المقاصد إلى مستويات ثلاثة: عامة وخاصة وجزئية (14)، فالمقاصد العامة هي المعاني التي لوحظت في جميع أحوال التشريع أو أنواع كثيرة منها، كمقاصد السماحة والتيسير والعدل والحرية (15).

وتشمل المقاصد العامة الضرورات المعروفة التي استهدفتها الشريعة بما يعود على العباد بالخير في دنياهم وأخراهم، مثل حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال والعرض، والمقاصد الشرعية الخاصة هي المعاني التي لوحظت في باب من أبواب التشريع المخصوصة، مثل مقصد عدم الإضرار بالمرأة في باب الأسرة، ومقصد الردع في باب العقوبات، ومقصد منع الغرر في باب المعاملات المالية، وهكذا... والمقاصد الجزئية عرفت بمعنى الحكم والأسرار التي راعاها الشارع في حكم بعينه متعلق بالجزئيات (16)، كمقصد توخي الصدق والضبط في مسألة عدد الشهود وأوصافهم، أو مقصد رفع المشقة والحرج في الترخيص بالفطر لمن لا يطيق الصوم، أو مقصد التكافل بين المسلمين أي عدم إمساك لحوم الأضاحي، وهكذا.

وهناك نسق آخر لتصنيف المقاصد في هرم منتظم من الأهداف في قاعدته الضرورات ثم تتلوها الحاجيات ثم التحسينيات (وهو الهرم الذي يدرس الآن- بحذافيره- في علوم الإدارة الحديثة تحت مسميات مثل هرم الحوافز البشرية وغيرها من دون ذكر ولا إشارة لأي من علماء المقاصد المسلمين الذين استحدثوه استحداثا).

ولكن يبدو لي أنه رغم أهمية مسألة الأولويات نظريًّا وعمليًّا إلا أنه يصعب استقراء مقاصد الشريعة كلها واستقصائها في مستويات هرمية صارمة، فضلا عن أن يُبنى على هذه الهرمية نتائج فقهية بشكل آلي، وهو ما حاوله بعض العلماء الأعلام، فأبوحامد الغزالي مثلا قد رتب الضرورات الشرعية ترتيبا اشتهر بعد ذلك وتابعه عليه كثير من الفقهاء، وهو حفظ الدين ثم النفس ثم العقل ثم النسل ثم المال (17)، ثم بنى على ذلك الترتيب نتائج فقهية فقال: «عند تعارض مصلحتين ومقصودين، يجب ترجيح الأقوى»، ومثل لذلك بإباحة شرب الخمر تحت الإكراه، وهو متوافق مع تقديم حفظ النفس على حفظ العقل (18)، ولكن أبا حامد ناقض الترتيب حين لم يفت بإباحة الزنا تحت الإكراه، رغم أن النسل متأخر عن النفس في ترتيبه المذكور، والآمدي قد وضع بعض الأولويات الفقهية العملية مثل تقديمه لحفظ الدين على النفس، رغم أن هذا مناقض- مثلا- لإباحة النطق بكلمة الكفر تحت الإكراه، وتأخيره لمقصد حفظ المال عما سواه رغم أن «من قتل دون ماله فهو شهيد»، ولعل هذه الإشكالات هي التي أدت إلى عدم تصريح كثير من العلماء بترتيب محدد في مسألة المقاصد الضرورية مثل الشاطبي، والرازي والقرافي وابن تيمية.

الهوامش :

1- تعريف ابن عاشور: المعاني التي قصد الشارع إلى تحقيقها من وراء تشريعاته وأحكامه، محمد الطاهر بن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلامية، تحقيق ودراسة: محمد الميساوي، دار الفجر (كوالا لامبور)، ودار النفائس (عَمان)، الطبعة الأولى 1999م، ص: 183، التفكيك (deconstruction) هو مصطلح استحدثه جاك دريدا (وهو فيلسوف فرنسي يهودي من أصل جزائري) في الستينيات من القرن العشرين لتفكيك والتخلص- حسب رأيه- من كل تمحور أو مركز حول أي سلطة كانت سواء كانت لنص أو لدين أو لجنس.

{إن الله يأمر بالعدل...} (النحل: 90)، {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط} (الحديد: 25)، وإدخالي للعدل ضمن منظومة المقاصد أنقله عن كثير من العلماء المعاصرين مثل الطاهر بن عاشور ومحمد الغزالي- رحمهما الله، راجع: جمال الدين عطية، نحو تفعيل مقاصد الشريعة، المعهد العالي للفكر الإسلامي بفرجينيا ودار الفكر بدمشق، 2001م.

2- في ورقته التي قدمها تحت عنوان «بين المقاصد الكلية والنصوص الجزئية، دراسة في فقه مقاصد الشريعة» للندوة التأسيسية لمركز دراسات مقاصد الشريعة الإسلامية- مقاصد الشريعة الإسلامية، دراسات في قضايا المنهج ومجالات التطبيق، تحرير: محمد سليم العوا، لندن، 2006، وقد ذكره من قبل في كتابه: كيف نتعامل مع القرآن الكريم- طبعة دار الشروق.

3- في ورقته التي قدمها تحت عنوان «حول علم المقاصد الشرعية، وبعض أمثلتها التطبيقية» في الندوة المذكورة أعلاه.

4- من بحث «محاولة فهم مآزق أصول الفقه بعد بلوغ تأسيسه الأول الغاية»- أبويعرب المرزوقي- أرسله لي مشكورًا عن طريق البريد الإلكتروني- وهو على حد علمي تحت الطبع في سلسلة حوارات لقرن جديد- دار الفكر.

5- ورقة قدمها تحت عنوان «نحو تفعيل النموذج المقاصدي في المجال السياسي والاجتماعي» للندوة التأسيسية لمركز دراسات مقاصد الشريعة الإسلامية- مقاصد الشريعة الإسلامية دراسات في قضايا المنهج ومجالات التطبيق.

تحرير: محمد سليم العوا، لندن 2006، وقصد بها التنمية البشرية بمفهومها الشامل.

6- صحيح مسلم، مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري، دار إحياء التراث العربي بيروت، تحقيق: محمد فؤاد عبدالباقي ج: 1، ص: 75.

7- صحيح مسلم ج: 4، ص: 1986، وصحيح البخاري (الجامع الصحيح المختصر، محمد بن إسماعيل أبوعبدالله البخاري الجعفي، دار ابن كثير، اليمامة- بيروت، 1407- 1987، الطبعة الثالثة، تحقيق: د.مصطفى ديب البغا، ج: 1، ص: 37.

8- يوسف القرضاوي، مدخل إلى دراسة الشريعة الإسلامية، مكتبة وهبة، 1996م، ص: 75، أيضًا: ورقة د.عبدالرحمن الكيلاني «القواعد الأصولية والفقهية، وعلاقتها بمقاصد الشريعة الإسلامية» قدمها للندوة التأسيسية لمركز دراسات مقاصد الشريعة الإسلامية- مقاصد الشريعة الإسلامية: دراسات في قضايا المنهج ومجالات التطبيق تحرير: محمد العوا، لندن 2006.

9- مثلا: ورقة «بين مقاصد الكلية والنصوص الجزئية» يوسف القرضاوي- مرجع سابق.

10- نفسه.

11- ورقة «نحو تفعيل النموذج المقاصدي في المجال السياسي والاجتماعي»- سيف عبدالفتاح- مرجع سابق.

12- ورقة «محاولة في فهم مآزق أصول الفقه بعد بلوغ تأسيسه الأول الغاية»- أبويعرب المرزوقي- مرجع سابق.

13- ورقة «نحو تفعيل النموذج المقاصدي في المجال السياسي»- سيف عبدالفتاح- مرجع سابق.

14- انظر: نعمان جغيم، طرق الكشف عن مقاصد الشارع، دار النفائس، الأردن، الطبعة الأولى، 2002م، ص: 26- 35، وفيه تقسيمات متعددة تبعًا لاعتبارات مختلفة.

15- مقاصد الشريعة الإسلامية- محمد الطاهر بن عاشور ص 183- مرجع سابق.

16- طرق الكشف عن مقاصد الشارع - نعمان جغيم ص: 28 - مرجع سابق.

17- محمد بن محمد الغزالي أبوحامد، المستصفى، تحقيق محمد عبدالسلام عبدالشافي، دار الكتب العلمية ببيروت، الطبعة الأولى 1413هـ، ج:1، ص: 258.

18- نفسه ص: 265.

جامعة ولاية سونورا بالمكسيك تمنح عبد الوهاب زايد الدكتوراه الفخرية

سونورا – الوعي الشبابي: منحت جامعة ولاية سونورا بالولايات المتحدة المكسيكية شهادة الدكتوراه ...

تربية إبداعية لأبنائك.. كيف؟

رويدا محمد - كاتبة وباحثة تربوية: يعرف الإبداع بأنه النشاط الإنساني المختلف عن المألوف، والذي يؤدي ...

مواجهة الإلحاد بالعلم والعقل والدين.. كتاب جديد للدكتور خالد راتب

القاهرة – الوعي الشبابي: أصدر الدكتور خالد محمد راتب، مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر ...

اتصل بنا

  • صندوق البريد: 23667 الصفاة 13097 - الكويت
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
  • 22467132 - 22470156

عندك سؤال