الأربعاء، 24 يوليو 2024
رئيس التحرير
فهد محمد الخزّي

الدكتور أحمد زكي عاكف وتأديب العلم

د. محمود صالح البيلي - دكتوراه في الأدب والنقد: قيض الله سبحانه وتعالى للعربية من الكتاب من جمع ...


 

 

المتواجدون على الموقع

المتواجدون الأن

275 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

هذا ديننا

122524552252

الوعي الشبابي :

ما إن يقترب هلال رمضان حتى تتزين الشوارع المصرية وتتلون بأبهج الألوان، تعلق الرايات التي يتفنن الصبية في صناعتها وتزيينها بالمصابيح الكهربائية، كما تضاء شرفات المنازل بالفوانيس.. وما ذلك إلا انعكاس للضوء والشفافية التي تغمر القلوب، التي تتخلى في هذا الشهر الفضيل عن كل شائبة وعصبية، ولا يبقى فيها غير التسامح والنقاء والتكافل.. «الوعي الإسلامي» تعيش معكم أجواء شهر الخير والقرآن، فإلى التفاصيل. 

يحرص المصريون على الاستعداد الإيماني لشهر رمضان منذ منتصف شهر شعبان، حيث تبدأ المساجد في استقبال مصلين قلما توافدوا في غير رمضان، وما إن يقترب رمضان حتى تُعلن حالة من الاستنفار الإيماني، فيبدأ الحرص على الصلاة، ويسارع كثيرون بشراء المصاحف لتلاوة القرآن، وتشهد المساجد قبل أيام من رمضان الازدحام بآلاف المصلين غير التقليديين، كما تحرص الفتيات والنساء على الالتزام بتغطية الرأس وربما ارتداء حجاب كاملًا رغم أنهن غير محجبات بقية العام.

جو روحاني

وارتبط شهر القرآن بعديد من مظاهر الخير والتسامح، كقوافل الدعوة التي تجوب القرى لتفقيه الناس في أمور دينهم، فضلًا عن الخيام الدعوية التي تعدُّها وزارة الأوقاف والأزهر، كما انتشرت منذ سنوات ظاهرة الخيام الرمضانية التي تستقبل العائلات بعد صلاة القيام، حيث السهر في جو روحاني من التواشيح الدينية أو البرامج الثقافية التي تنظمها جمعيات وأندية ومكتبات عامة وكذلك المساجد، حيث يلتقي في هذه الاحتفالات رجال الدين والفكر في حوار رمضاني تمتزج فيه القضايا الدينية بالقضايا الاجتماعية والفكرية وغيرها.

وإذا كان التذبذب بين الطاعة في رمضان والتكاسل فيما سواه أمرًا مرفوضًا، وإذا كان هذا السلوك في العلاقة مع الخالق يشوبه الخطأ كما يقول د. صبري عبدالرؤوف أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر، فإنه يحمل في طياته مخافة من الله، وإدراكًا بأنه وحده القادر على محو الذنوب، وأنه ليس أهون ناظر إليهم، بل هو أرحم ناظر ومطلع على حالهم، وأنهم يقرون بأن الله قد يجعل في هذا الشهر خير عاقبة لحالهم، وصلاحًا لأمرهم.

صلة وتواصل

ولأن شهر رمضان يمثل أهم مناسبة دينية في مصر، ويعتبرونه شهر اللقاء مع خالقهم، تقول سحر إبراهيم ربة منزل: أحرص وزوجي وأولادي على الإكثار من العبادة والطاعات خلال هذا الشهر حتى نصل إلى قمة التقرب من الله في العشر الأواخر، كما نحرص على ختم القرآن أكثر من مرة.. إلى جانب صلة الرحم وزيارة الأقارب والتواصل مع المسلمين خلال هذا الشهر الكريم، وذلك إدراك منا بتقصيرنا خلال بقية العام لمشاغل الحياة المتعددة التي تضطرنا أحيانًا لتجاوز هذه السلوكيات الحميدة، وأمل منا في نيل المغفرة من خالقنا في شهر المغفرة والرحمة.

وتشير إلى أن صلاة التراويح من أهم الشعائر الدينية التي تحرص الأسرة المصرية على أدائها في المساجد التي تمتلئ على آخرها بالمصلين من مختلف المراحل العمريّة، وتخرج النساء إلى المساجد مشمرات عن سواعد الجد في الطاعة كما الرجال.

تكافل

بدوره يؤكد حسين محمد صاحب مكتبة لبيع الكتب الدينية أن المصريين على الرغم من اهتمام معظمهم بالمظاهر الاجتماعية طوال العام فإنهم يحرصون في رمضان على الجانب الروحي، حيث يكثر الإقبال على شراء المصاحف لإهدائها أو التصدق بها ووضعها في المساجد، لافتا إلى مظهر آخر يدل على التسامح ونبذ التعصب متمثلًا في موائد الرحمن التي تعتبر من أكثر المظاهر التي يتميز بها الشارع المصري طوال شهر رمضان، والتي لا تفرِّق بين مسلم ومسيحي في تناول الطعام لحظة انطلاق مدفع الإفطار، ولا تفرق بين فئة وأخرى، فالجميع لحظة الإفطار كأسنان المشط، لا تكاد ترى فرقًا بينهم، الجميع يعيشون جوًّا من التكافل الاجتماعي الذي يغيب في كثير من شهور العام، وفي هذا الصدد اعتبرت الداعية الإسلامية آمنة نصير أن شهر رمضان فرصة للتكافل الاجتماعي، وأن موائد الرحمن صورة من صور هذا التكافل وانتشارها تعبير واقعي عنه.

انبذوا الغضب والعصبية

وتؤيدها في ذلك الداعية د.عبلة الكحلاوي التي أكدت أن رمضان فرصة ثمينة لكي يتواصل المسلم مع أخيه المسلم ويعاود أهله، ووجهت حديثها لمن له خصام مع أي إنسان آخر قائلة: عليك المبادرة بالسلام لتصفية الخلاف، اغتنم الشهر الكريم في الطاعة ونشر التسامح والمحبة بين الناس جميعًا مسلمين وغير مسلمين، ولا تجعل شيطان النفس يحوله إلى شهر للشحناء والخصام والعصبية.

وتحدثت عن نفسها في رمضان قائلة: على الرغم من تزايد أعبائي ونشاطي في رمضان أحاول بقدر الإمكان التواصل مع أهلي وجيراني ومعارفي، لكن إذا لم أتمكن من ذلك في بعض الأيام فإنني أستعيض عن ذلك بلقاء الأحباب من خلال الأجهزة الإعلامية، لاسيما أنني أؤمن بأن دوري كداعية واجب مقدس ورسالة لابد من أن أقوم بها، ودائمًا هناك تواصل مباشر بيني وبين الناس، وأحيانًا من خلال حوار عادي تتولد أسئلة للبعض وأرد عليها.. فليس بيني وبين الناس حواجز، فكل من يسألني في أي مكان أجيبه مادام الأمر متاحًا، حتى إن البعض يتصل بي في منزلي ولا أتردد في الإجابة عن تساؤلاته.

وتطرقت د.عبلة إلى أبرز المشكلات التي تواجه الزوجين في «سنة أولى رمضان بعد الزواج»، وأول المشاكل التي تقع فيها الزوجة هي افتقادها لعائلتها الكبيرة ولأهلها، وبالتالي قيامها بأعباء البيت وحدها وشعورها أن المسئولية أصبحت كلها على عاتقها، ولا أحد يساعدها مثلما كانت عند الأهل، وأنها تتوقع مساعدة الزوج لها في الأعباء المنزلية في هذا الشهر، لكنه في كل الحالات لا يفعل شيئاً قبل الزواج وبعده، وبالتالي تشعر بالغضب والعصبية، وبعمق الأعباء المنزلية، وعندما لا يفهم الزوج سبب هذه العصبية ولا يتفهمها نستطيع القول إن رمضان الأول كان التغيير به سلبيًّا وليس إيجابيًّا، ولحل هذه المشكلة على الزوجة أن تنظم وقتها، وتعطي قدرًا من الوقت للاهتمام بنفسها وشكلها ومظهرها، ولهذا نتيجة إيجابية جدًّا على نفسيتها، ولابد أن تشعر نفسها بجمال المسؤولية الملقاة على عاتقها، ولا تأخذها بمأخذها السلبي، مؤكدة ضرورة أن نغسل قلوبنا من أي مشاعر غير ودية، وأن نخصص وقتًا مناسبًا لصلة الرحم وزيارة الأهل والأصدقاء.

ظروف معيشية

من جانبه يشير د.أشرف شلبي أستاذ علم النفس إلى أن شهر رمضان فرصة لإزالة غبار الخلاف والشقاق وهموم الحياة ومتاعبها بين الناس عامة وبين الزوجين خاصة، ولكي يتحقق ذلك لابد من بعض الأمور التي ينبغي أن يراعيها الزوجان في هذا الشهر الكريم، فمع حلوله يتغير نمط الحياة المعتاد، ويحدث انقلاب في مواعيد النوم والطعام والعمل، وقد تتغير تبعًا لذلك شخصية المرء وطباعه، مما يفرض على الزوجين التكيف مع الوضع الجديد وترويض الطباع والعادات والتعاون لتوفير الوقت والراحة النفسية للطرف الآخر حتى يؤدي عبادته دون أي منغصات أو مكدرات.

ومن الأمور التي لها أعظم الأثر في زيادة المودة والمحبة بين الزوجين أن يجتمعا على طاعة الله وعبادته، حيث ترفرف ظلال العبادة وبركات الطاعة من خلال صلاة التراويح والقيام والتهجد وقراءة القرآن وعمارة البيت بذكر الله، أيضًا رمضان فرصة مهمة لتقوية الروابط الأسرية والعلاقات الاجتماعية مع أهل الزوج والزوجة ومع الجيران من خلال الزيارات والاتصالات والدعوة إلى الإفطار مع الأسرة.

وفي رمضان كذلك تجتمع العائلة كلها على الإفطار، مما يجعل أمام الزوجين فرص استثمار هذا اللقاء في تقوية العلاقة بينهما وبين أبنائهما، من خلال الحوار وتبادل الحديث ومناقشة المشاكل وحلها.

أيضًا من الأمور التي ينبغي أن تراعيها الزوجة ضبط ميزانية شهر رمضان ومراعاة إمكانات الزوج وظروفه المادية، وينبغي على الزوج أن يساعد زوجته في القيام بشؤون البيت والعناية بالأطفال، ولا يلحق بالرجل بذلك أدنى عيب، بل هو من محاسن الأخلاق وشيم الرجال، فقد قال أفضل الخلق ص: «خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي».

12252122

د. آنـدي حجازي:

إنّ حياة الإنسان تمرّ في محطاتٍ كثيرة وهو لابد وأن يقف عند تلك المحطات للتزوّد بالوقود  ليكمل مسيرة حياته بهمة وعزيمة، ورمضان هو إحدى تلك المحطات العظيمة المتجددة التي يتوقف عندها المسلم كل عام للتزوّد منها بالوقود حيث تجليات شهر رمضان عظيمة تمدّ المسلم بأفضل الوقود، وبعض الناس يتزوّد من محطة رمضان لأشهر والبعض لأسابيع والبعض لأيام معدودة فقط، وإن جاوز المسلم هذه المحطة دون تزوّد بالوقود فقد أضاع خيرا كثيرًا. ولكن ما نوع الوقود الذي نتزود به في رمضان؟ إنّ أفضلَ التزود يكون بالوقود الخالي من الذنوب والمعاصي والممتلئ بأعمال الخير والعبادة، وقد قال تعالى: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى}(البقرة: 197). وقد قال  " صلى الله عليه وسلم"  عندما جاء رمضان: «قد جاءكم شهرٌ مباركٌ افتُرض عليكم صيامُه، تُفتحُ فيه أبوب الجنة وتُغلَق فيه أبواب الجحيم، وتُغلُّ فيه الشياطين, فيه ليلةٌ خيرٌ من ألف شهر, من حُرم خيرها فقد حُرم» (رواه أحمد والنسائي والبيهقي). وعن النبي  " صلى الله عليه وسلم"  أنه قال: «الصلواتُ الخمسُ والجمعةُ إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفراتٌ لما بينهنَّ إذا اجتنبت الكبائر» (رواه مسلم). وقال  " صلى الله عليه وسلم" : «افعلوا الخير دهركم، وتعرضوا لنفحاتِ رحمة الله فإن لله نفحاتٌ من رحمته يصيب بها من يشاء من عباده» (رواه الألباني في السلسلة الصحيحة). فمن عَقد العزم الصادق على اغتنام موسم رمضان والاستفادة من عروضه ونفحاته بعمارة أوقاته بالأعمال الصالحة وصدَقَ الله في ذلك فإنّ الله تعالى يصدقُه ويعينه على الطاعة ويُيسر له سبل الخير فيه.

وقد يتساءل الوالدان بماذا أزوّد ابني في رمضان؟ هل أزوده بأنواع الطعام والشراب وما لذّ وطاب من أنواع الحلويات؟ أو من الترفيه والملاهي والألعاب؟ إن الأعمال الصالحة التي يمكن التزوّد بها من محطة رمضان أكثر من أن تُعد، وتزويد الأبناء بالطاعة والوقود اللازم يختلف بحسب أعمار أبنائهم فطفل الست سنوات يختلف عن طفل العشر سنوات أو عن طفل الخمسة عشر عامًا، فمثلا طفل الروضة أو الصف الأول أبدأ بتشجيعه على الصيام في رمضان قدر المستطاع، بمعنى لو أنه استطاع الصوم لمنتصف النهار في كل يوم فهذا كافٍ، حيث من المهم أن يتعلم الطفل فكرة الصوم لأنه مفهوم جديد عليه، وقدرة الطفل في هذا العمر على تحمل الجوع والعطش مازالت ضعيفة وهو بحاجة إلى الطعام من أجل نموه الجسدي والعقلي، فليس من المناسب إجبار الطفل على إتمام الصوم للنهار كاملا في هذا العمر، ولكن عندما يكبر قليلًا ويصبح في الصف الثالث أو الرابع ويبدأ يطلب بنفسه صيام النهار كاملا فإنه يكون قد كبُر بدرجة كافية لتحمل الصوم طيلة النهار وطيلةَ الشهر، وإذا ازداد وعيُه بدرجةٍ مناسبة وبدأ يُدرك معنى الصيام كعبادة لله، فبإمكانه إتمام الصوم، ولا يجب منعه في هذه الحالة، بل تشجيعه من خلال الجوائز والهدايا على إكمال صيام شهر رمضان قدر استطاعته، مع تعليم الأبناء ضرورة صوم رمضان بنية خالصة لله، فإنه لا أجر لمن صامه بلا نية، وتعليمهم ثواب الله العظيم لهم لصوم شهر رمضان. حيث يفرح الله بعباده الصائمين ويباهي بهم الملائكة، يقول، انظروا يا ملائكتي إلى عبدي ترك طعامه وشرابه وشهوته لأجلي أشهدكم يا ملائكتي أني قد غفرت لعبدي. وقال عليه الصلاة والسلام في الحديث القدسيّ: «كل حسنة يعملها ابن آدم بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به» (رواه البخاري).

ومن الأمور المهمة التي على الوالدين الاهتمام بها في رمضان هي تشجيع الأبناء على الصلاة واعتبار محطة رمضان نقطة انطلاق للابن لتعليمه الصلاة والمداومة عليها، فالطفل الذي لا يصلي أُعلّمه (كأم وأب) كيفية الصلاة وأشجعه عليها بشتى الطرق المحبّبة والمُحفّزة له، ومن الناجعِ في رمضان أن أصطحب أبنائي بمختلف أعمارهم إلى المسجد من أجل صلاة قيام الليل (صلاة التراويح) مع الإمام، وتعويدهم على هذه الصلاة يوميًا لما تترك من أثرٍ عميق في نفس الكبير والصغير على حدٍّ سواء، لما لها من حلاوةٍ خاصة في القلب، وكثيرا ما يكون تعوّد الابن وحتى البنت الذهاب مع والديهما إلى صلاة التراويح في المسجد وعند مقرئ يتمتع بصوت شجيّ يحبّ الأبناء سماعَه سببًا في بَدْئِهم التفكير بأداء الصلوات الخمس والمحافظة عليها حتى بعد رمضان، فهذه نقطة بداية وتوقيت مناسب لا يجب أن يُستهان به لتدريب الأطفال الالتزام بالصلاة. فواجب الوالدين اصطحاب الأبناء في رمضان للصلاة في المسجد ذكورًا كانوا أو إناثًا لأداء صلاة الليل ولكل الصلوات للذكور في المسجد، فلابد من تعويد الأبناء الصلاة في بيوت الله تعالى لما لها من ثواب عظيمٍ مضاعف بأضعاف كثيرة. وقال  " صلى الله عليه وسلم" : «من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه» (رواه البخاري ومسلم). 

وممّا يمكن تزويد الأبناء به من محطة رمضان من الخير والحسنات هو الشعور تجاه الفقراء والمحتاجين من خلال تشجيع الأبناء على الصدقة، وتكثر أبواب الصدقة في رمضان حيث التبرع للفقراء لكسوتهم أو إطعامهم وتفطير الصائمين، والتبرع بكسوة العيد للفقراء، والتبرع لبناء المساجد وصيانتها، والتبرع لأهل المجاعات والمنكوبين في كل البلاد الإسلامية الممتدة.. ومن الجميل أن يشاهد الابن أباه وهو يتصدق، بل ويعطي ابنه أو ابنته المال من أجل أن يتصدقوا هم بأنفسهم لتلك المصارف الشرعية بإشرافه، ومن المناسب أن يضع الوالدان في البيت حصّالة جماعية وعلى الأبناء التبرع بمقدار ما يستطيعون يوميًا وما تجود به نفوسهم من مصروفهم ويمكن تجهيزها من قبل رمضان، وتقديم هذا المال في نهاية شهر رمضان للجهة التي يجدون أنها محتاجة. «وقد كان رسول الله  " صلى الله عليه وسلم"  أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان، كان أجود بالخير من الريح المرسلة» (متفق عليه). وقال  " صلى الله عليه وسلم" : «أفضل الصدقة في رمضان». وقال  " صلى الله عليه وسلم" : «من فطّر صائمًا فله مثل أجره من غير أن ينقص من أجر الصائم شيئًا» (حسن صحيح رواه الترمذي) .

وقد يقترب من هذا الجانب زيارة الأقرباء ودعوتهم إلى مائدة الإفطار في رمضان بنية تفطير الصائمين وزيادة صلة الرحم والمحبة بين أبناء العائلة الواحدة، فالأفضل للوالدين تعويد الأبناء على ذلك الخير وتعليمهم الهدف من دعوة بيت عمهم أو خالهم أو خالتهم.. إلى وجبة الإفطار في بيتهم في شهر رمضان. ومن المهم تعويد الأبناء إخراج الزكاة إن كان الوالدُ يملك المال الذي دار عليه الحوْل وبلغ نصاب الزكاة، فلا بأس أن يُخبر أبناءه بأنه سوف يذهب لإخراج الزكاة عن ماله للجنة الزكاة في بلده من أجل إيصالها لمصارفها الشرعية، وتكون نيته تعليم أبنائه أن عليهم زكاة المال الذي بلغ النّصاب.

6 8 2015 9 52 02 AM

د. جمال الدين الفاروقي:

يعتبر القرآن من أبرز روافد العلوم والمعارف والثقافة منذ نزوله، لا تنتهي عجائبه ولا تنفد كنوزه، وهو يشحذ الفكر الإنساني ويدعمه ويحصنه بالإيمان والتقوى، وإن من السنة الإلهية أن جعل الله القرآن باقيًا إلى يوم القيامة، لكي يتمكن الإنسان الأخير على وجه الأرض من الاطلاع على ذخائره العلمية فيهتدي إلى سواء السبيل..

 والله ضمن هذا البقاء الخالد، بينما لا نجد الضمان الإلهي لسائر الكتب السماوية، وإنما وَكلَ حفظها إلى الأحبار والرهبان في تلك الأيام، فحذفوا منها وأضافوا إليها وحرفوها كما سولت لهم أنفسهم، والضمان الإلهي الذي فاز به القرآن الكريم يستثمر للباحثين والدارسين دراساتهم في الكتاب المنزل.. وقد نزل القرآن على العرب وهم زعماء الأدب وأمراء البيان، إلا أنهم ما استطاعوا أن يأتوا بمثله ولو آية واحدة، والتحديات القرآنية بهذا الصدد تظل قائمة باقية، والمعجزة في كلام الله تتمثل في ألفاظه وتراكيبه ومعانيه.. والمقالة تسلط الضوء على الجوانب البيانية التي تكتنفها الآيات الكريمة في صياغتها المتقنة وصناعتها المحكمة، والتي تنطق بإعجازها الإلهي.

والقرآن هو الكتاب المنزل على النبي محمد  " صلى الله عليه وسلم"   لهداية الناس جميعًا، عربهم وعجمهم وأبيضهم وأسودهم وحاضرهم وباديهم، وكان من سنة الله تعالى أن يبقى هذا الكتاب مادامت السموات والأرض حتى يستطيع آخر إنسان يعيش على وجه الأرض التعرف بدين الله، والاهتداء إلى الصحيح الصالح الذي فيه سعادته في الدنيا والآخرة، والنبي  " صلى الله عليه وسلم"   عاش 23 سنة نموذجًا حيّا لتعاليم القرآن، ونجح في تربية أصحابه وتهذيبهم حتى صاروا أحسن أمة في تلك القرون، وقد قدموا للعالم رصيدًا فكريّا في العلوم والثقافة والحضارة، استمدوه من ضمن آيات القرآن وأحكامه.

ومن مزايا الكتاب المنزل أنه يحتوي على عناصر كثيرة للدلالة على إعجازه الذي يطمئن إليه المؤمنون ويزيدهم إيمانًا، ويتأثر به المتشككون ويقنعهم بعظمته وقدسيته، وهذا بفضل الإعجاز الذي يتمثل في ألفاظه وتراكيبه ومعانيه، وعلى هذا الأساس توجه المسلمون الأُول بدراساتهم وبحوثهم نحو القرآن، ومن ثم ظهرت أنواع مختلفة من التفاسير، ومنها التفسير بالمأثور الذي أولى الاهتمام بما ورد من النصوص المعتمدة، فيتم التفسير على ضوئها. والنوع الثاني هو التفسير بالرأي الذي هو عبارة عن تفسير الآيات مستخدمًا الأدلة العقلية بجانب الأدلة النقلية.. ونوع آخر في هذا المجال هو التفسير الصوفي الذي يأتي تجسيدًا للطرائف واللطائف القرآنية التي يتوقف فهمها على المعنى الباطني للآيات، كما يزعم أصحابها، ويُعرف أيضًا بالتفسير الإشاري.

وفي العصر الحديث ظهرت بين المفسرين نزعة علمية في تفسير الآيات على ضوء ما يتم اكتشافه، كما تأثر عدد منهم بالاتجاهات الاجتماعية والأفكار الإصلاحية، بجانب الدراسات التي تصبو إلى إبراز التصور الفني للكتاب المنزل.

التفسير البياني

أما التفسير البياني الذي نحن بصدده الآن، فهو يتوقف على إبراز الجمال البياني الذي يتمثل في نظم الآيات، وإدراك وجوه التناسق بين الألفاظ والكلمات، وقد انجذب إلى جماله البياني حتى المنكرون في عهد البعثة المحمدية.. يدل عليه ما عبر عنه الوليد بن المغيرة حين سمع النبي  " صلى الله عليه وسلم"   يتلو القرآن فإذا به يقول: «والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أسفله لمغدق، وإن أعلاه لمثمر، وما يقول هذا بشر» (1)، وقصة إسلام عمر  "رضي الله عنه"   تبقى هي الأخرى دلالة على الجمال البياني للقرآن، والصحابي الشهير مصعب بن عمير الذي أسلم على يديه الكثير من الأنصار بالمدينة قبل أن يتوافد إليها المسلمون مع نبيهم، وهو يقول عن مدى تأثرهم ببيانه الفاتن: «فُتحت الأمصار بالسيوف، وفُتحت المدينة بالقرآن» (2). والنثر القرآني المسجع وعرضه البارع لا يضاهيه كتاب ولا تأليف، وهو بذلك مازال- ولا يزال- مظهرًا للإعجاز الإلهي الذي وجم أمامه العرب القدماء، وهم زعماء الأدب وأمراء البيان، وقد حاول بعضهم أن يأتوا بمثله، إلا أنهم ما بلغوا معشار عشره من حيث الفصاحة والبلاغة، وإلى هذه الحقيقة يشير العلامة سيد قطب بقوله: «كيف استحوذ القرآن على العرب، وكيف اجتمعوا على الإقرار بسحره»؟ (3)، ثم هو بنفسه يجيب عن هذا السؤال قائلا: إن السحر القرآني الذي ينبثق من صميم النسق القرآني هو الذي جعله يستحوذ على العرب.

والتحدي الإلهي المتمثل في الآية: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ الله إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} (يونس: 38) يبقى تحديا على حاله بدون إجابة إلى الآن وإلى الأبد.. وانطباعات المفكر الأوروبي الشهير غوته (Goethe) تبلور مدى تأثير الكتاب المنزل حتى في قلوب المنكرين والجاحدين، وهو يقول: «حين يتصدى واحد لدراسة القرآن فإنه ينفر منه في أول أمره، إلا أنه لا يلبث أن يتأثر به، ثم نرى هذا الكتابَ يحيِّره أيما تحيّر، وفي نهاية المطاف يغلب عليه».

ومن جهة أخرى فإن التفسير البياني يتوقف إلى حد كبير على الثروة اللفظية للغة العربية التي قد بلغت أوجها من الرقي والازدهار وقت نزول القرآن، وذلك بعد تداولها جيلا عن جيل، واللغة العربية التي جاء بها القرآن لا تخضع تمامًا للترجمة إلى أي لغة في العالم، إذ لا يوجد بين اللغات المحلية والعالمية ما يحمل معناه مستلهمًا لروحه ومستوعبًا لعظمته، وجميع الترجمات القرآنية الموجودة في مختلف اللغات لدينا تنم عن هذا القصور البشري.. والله غالب على أمره.

وقد تصدى كثير من المفسرين منذ القدم للوقوف على جوانبه البيانية، وفي طليعتهم أبوعبيدة (210) صاحب كتاب «مجاز القرآن»، وقد أشار إلى مجال عمل هذا التفسير قائلًا: هو الحس اللغوي الفني والإدراك النقدي لطبيعة المعنى، والإحاطة بتاريخ العرب علومًا وشعرًا، والتوسع في مفهوم النحو.. والإمام الجاحظ (225) الذي كتب «نظم القرآن»، شخصية بارزة بهذا الخصوص، وكتاب «تأويل مشكل القرآن» لصاحبه ابن قتيبة عمل قيم كذلك، وجاء أبوسليمان حمد بن محمد الخطابي (388) بعمله الجليل «النكت في إعجاز القرآن»، وكتاب «دلائل الإعجاز» للعالم الكبير عبدالقادر الجرجاني مشهور في التفسير البياني، وقد قطع الإمام الزمخشري (538) شوطًا كبيرًا في هذا المضمار بعمله القيم «الكشاف»، وكذلك ابن عطية الأندلسي بعمله «المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز»، والعلامة أبوحيان (745) الذي ألف «البحر المحيط»، والإمام النسفي (1310) صاحب «مدارك التأويل»، والعلامة البيضاوي صاحب «تفسير البيضاوي».. كلهم أعلام بارزون في هذا المجال.

خطوات التفسير البياني

ومن المتأخرين في هذا المجال: د.عائشة عبدالرحمن الملقبة باسم «بنت الشاطئ»، وعملها: «التفسير البياني للقرآن الكريم»، وكذلك أستاذها الشيخ أمين الخولي، والمفسر الهندي المشهور العلامة حميد الدين الفراهي صاحب تفسير «نظام القرآن»، والأستاذ أمين أحسن الإصلاحي صاحب كتاب «تدبر قرآن» (أردية)، ومنهم د.محمد رجب البيومي صاحب «خطوات التفسير البياني»، ويرافقه في مسيرته د.حفني محمد شرف صاحب كتاب «إعجاز القرآن البياني بين النظرية والتطبيق»، والشيخ محمد متولي الشعراوي له كتاب «من نبض الرحمن في معجزة القرآن».

ومن الجدير بالذكر في هذه المناسبة ما أشارت إليه د.عائشة عبدالرحمن في موضوعية التفسير البياني وأهمية النهوض به من قبل الباحثين والعلماء، وهي تقول: «لكل لغة روائع من آدابها، تعتبرها النماذج العالية لذوقها الأصيل، والمثل الرفيعة لفنها القولي، وقد عبرت الأجيال منا تتجه إلى نصوص مختارة من شعر العربية ونثرها، ونحن أصحاب الدرس الأدبي شُغلت الجمهرة منا بالمعلقات والنقائض والمفضليات، ومشهور الخمريات والحماسيات والمراثي والمدائح والغزليات ومأثور الرسائل والأمالي والمقامات، شغلنا بهذا ومثله عن القرآن الكريم، الذي لا جدال في أنه كتاب العربية الأكبر، ومعجزتها البيانية الخالدة» (4).

ويشير العلامة حميد الدين الفراهي بهذا الصدد إلى ضرورة وجود عمود رئيسي لكل سورة يبنى عليه معاني كل آياتها، وهو الركيزة الأساسية للاطلاع على الترابط المعنوي، وهو يقول: «العمود هو الشيء الجامع الذي به رباط السورة بأسرها، وهو أهم الأمور بيانًا» (5). وكان يقول بضرورة بناء هيكل البلاغة العربية على أساس ما ورد من روائع البيان في الآيات القرآنية، وكان له أسلوب خاص في تفسير القرآن، وكان يتدبر في القرآن متحررًا من الروايات التفسيرية والإسرائيليات، ويؤكد على ربط الآيات ونظم القرآن بوجه خاص، وكان يعتقد بأنه لا يمكن أن يكون كلام الله خاليًا عن النظم والترتيب، ويعتمد في تحقيق المفردات وتأويل الآيات على القرآن نفسه، وبعد ذلك على الأدب العربي، وخاصة الأدب الجاهلي.

والتفسير البياني إذن عبارة عن اتجاه خاص يهدف إلى فهم إعجاز القرآن وإيضاح نواحيه البلاغية بعيدًا عن شطط التأويل والأقاويل، كما يستهدف تذوق أسرار البيان بالنظر الدقيق لمدلولات ألفاظ القرآن، وعلى أساس التدبر الشامل للنظم القرآني الذي تلمح من خلاله المعجزة البيانية الخالدة، وينبغي إدراك وجوه التناسق والتشابه بين كلمات القرآن وألفاظه، ومدى توازنها وترتبيها، ومدى مناسبتها لما سبقها وما لحقها من الآيات. والمفسرون من هذا القبيل تعرضوا بدراساتهم لمختلف جوانب البيان والإبداع التي تضمنها القرآن، ومنهم من وقف على إعجازه البياني من حيث علم النحو والدلالة، ومنهم من نظر إليه من حيث علم الأصوات، وآخرون فسروه من حيث روعته الإبداعية، وقد أشبع القرآن رغبات هؤلاء وأولئك.

بعض ملامح التفسير البياني

وتتمثل هذه الرائعة في تركيب كلمات آياتها ووضعها في مكانها اللائق، والكلمات هي اللبنات الأساسية في بناء اللغة، وهي تمنح المؤلف القوة والجمال، ومجرد الخيال لا يغني عن المبدع كما لا تنفعه أفكاره ورؤاه إذا كان ضعيفًا في اختيار الكلمات ذات الرنين، بل أكثر من ذلك تحتل قدرة التعبير الطلق الصدارة في تقييم الأعمال الإبداعية، والاختيار الإلهي لكلمات القرآن ينبغي أن نستعرضه من هذا المنطلق، وهو لم يكن مجرد كتاب أدبي، بل هو أدب كله، لا يبلغ أدب الأدباء مبلغه من الحسن والجودة والجمال والتأثير، ولو بدلنا كلمة مكان كلمة لاختل النظام القرآني وتدهور نغمه، وعلى سبيل المثال: {فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ. كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ. فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ} (المدثر: 49-51)، وكلمة قسورة في الآية جاءت لمعنى الأسد، ولو وضعنا الثانية مكان الأولى علما بأنها أقرب إلى الأفهام، فإن التوازن بين الآيات يفسد، وتفقد الآية روعتها وجمالها، كما أن تركيب هذه الكلمات يعرض أهوال الحمر التي تحاول التخلص من قبضة الأسود.. وكل كلمة تلمع في السياق القرآني كما تلمع النجوم، هذا بفضل مناسبتها ووضعها في مكانها اللائق.

وكذلك التناسق والترتيب بين الكلمات: (السمع والأبصار والأفئدة) ورد ذكرها في سياق النعم الإلهية التي يتنعم بها كل إنسان، والآية الواردة فيها هذه الكلمات تبقى أوسع مجالًا للجمال البياني من حيث اللغة والعلوم، والله ذكر السمع في كل هذه الآيات في أولها، علما بأن حاسة السمع هي التي تعمل أولًا في الطفل الجنين، ولا يعمل العقل والفكر إلا بعد فترة من ميلاده، وقد أثبتت الدراسات العلمية أن الجنين يستطيع أن يحس الأصوات الخارجية، كما أنها وردت مفردة، وفي ذلك أيضًا سر من أسرار الخلق الإلهي، إذ إن الإنسان لا يستطيع أن يسمع أكثر من صوت واحد في الوقت الواحد، بينما يستطيع أن يرى أشياء كثيرة بلمح البصر، والفؤاد هو الآخر يحتوي على مختلف العواطف والمشاعر.

كلمات تنطق بمعانيها

وكذلك حتمية المعنى لبعض الكلمات القرآنية التي قد لا يوجد مثيلها في اللغة، مثل كلمة المطر والغيث، الأولى وردت في القرآن للدلالة على العذاب والأذى، أما إذا كان يريد به السقيا فإنه الغيث في البيان القرآني. والجوع والسغابة كلتاهما لمعنى واحد، إلا أن الأولى جاءت في القرآن للإشارة إلى العذاب.. ومن هذا القبيل كلمة اللب والعقل، وكلتاهما متقاربتان ومترادفتان في اللغة، إلا أن الأولى في السياق القرآني تدل على العقل الصافي المصدق لآيات الله والمنيب إليه في جوف الليل وبياض النهار، بينما مجرد العقل يشوبه كفر وتشكك وإنكار، وليس كل عقل لبّا، بينما يكون كل لبّ عقلا. وكذلك كلمات: جحد وأنكر، الأول (جحود) هو إنكار الظاهر، والثاني إنكار ما ظهر منه وما بطن.

التوازن العددي

وفي صدد ذكر بعض الكلمات يوجد تمام الانسجام بينها من حيث الواقع والوظيفة، وقد اكتشف الباحثون وجوه التوازن العددي بين الكلمات القرآنية الخاصة، للدلالة على الواقع الذي تجسده أو لإيضاح وجوه التساوي بين كلمة وأخرى، ومن هذا القبيل كلمات: الشهر واليوم، جاءت الأولى اثنتي عشرة مرة والثانية ثلاثمائة وخمسًا وستين مرة، مطابقًا للنظام الكوني لتحديد السنة. وكذلك كلمة الحياة ومقابلها الموت، كل واحد منهما ورد 145 مرة للدلالة على ضرورة الاهتمام بالموت وما بعده، كما يهتم الإنسان بأمور حياته. وكذلك كلمة الزكاة والبركة كلتاهما وردت 32 مرة، وسر ذكر الزكاة مصحوبة بالبركة واضح، إذ لا توجد البركة حين تنعدم الزكاة.

والتفسير البياني الذي يكشف النواحي البلاغية والنكت الإبداعية لآيات القرآن كفيل بتوكيد قدسية القرآن وعظمته، وأنه لا يأتيه الباطل بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد.

الهوامش

1- تفسير ابن كثير- الجزء الرابع- ص 430.

2- اتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر- ص 869.

3- التصوير الفني في القرآن الكريم- سيد قطب- ص 17.

4- التفسير البياني للقرآن- د.عائشة عبدالرحمن- 13/1 .

5- رسائل الإمام الفراهي في علوم القرآن- الدائرة الحميدية- ص 91.

1344446087

توفيق محمد سبع :

 إن هذا التغيير- يعني بتعبير- أدق نقلة معنوية في عالم النفس تصعد بضمير المؤمن ووجدانه إلى الملأ الأعلى، ليعيش مع ذلك المستوى الأسنى حياة النقاء والسمو والطهر، بعيدًا عن الشهوات والآثام، لينطلق بذلك إلى حياة إسلامية رائدة ترفض الواقع المزري ،  وتنشد المستوى الكريم.. ومتى تولدت في النفس تلك القوة التي تسيطر على وساوسها وتهيمن على مسالكها واتجاهاتها فمحال أن يخضع صاحبها لمذلة أو هوان.. وذاك هو ما تنشده التربية الإيمانية وتقوم عليه.. وبهذا تكون تلك النفس في ثورة دائمة على الهبوط والإسفاف، جانحة إلى التسامي والعلاء لتحقق العالم النظيف الذي يتلاءم مع فطرتها التي فطرها الله عليها.

ولا يمكن لهذا التغيير أن يحدث آثاره الهائلة في الحياة إلا إذا كان نابعًا من أغوار النفس ومن باطنها، فأما التغيير الظاهري الذي لا ينبع من الأعماق فهو تغيير سطحي لا يحدث أثرًا، ولا يغير واقعًا، ولا تعتمد عليه في منهج الإصلاح!!

ومن ثم كان تغيير الأشباح والأشخاص والوجوه لا يعني شيئًا في هذا التحول الكبير!! وكثيرًا ما تخدع به شعوب ودول فتعتقد أن مجرد تغيير فرد بفرد، أو وزارة بوزارة كفيل أن يحل المشكلة ويزيل المعوقات.. ويقود إلى الصلاح والخير.. ولكن هيهات هيهات!! فما لم تنبع الرغبة في الإصلاح من أعماق النفس، فإن هذا الإصلاح يصبح صيحة في واد أو نفخة في رماد، لا تحصل منه الأمة إلا على قبض الريح أو حصاد الهشيم!! وهذا ما نراه بأعيننا اليوم على ساحة الحياة.

مجالات التغيير النفسي

عندما تشعر الأمم بأن مكانتها قد ضعفت، وأن منزلتها قد هبطت، وأن ريحها قد ذهبت، وأنها قد غدت هينة تافهة.. لا يقام لها وزن ولا يعمل لها حساب.. كما يقول الشاعر العربي:

ويقضى الأمر حين تغيب تيم

ولا يستأذنون وهم شهود

حينئذ يجب على هذه الأمة إذا كانت جادة أن تبحث في أسباب هذا الهوان الطارئ، ثم تعمد على الفور إلى إحداث عملية تغيير نفسي.. يعيد إليها مجدها، ويرد عليها عزها لتأخذ مكانها بين الأمم، وتقول كلمتها في سياسة الحياة..

كذلك عندما تفرق الأمم في المعاصي، وترتع في جو الخطيئة فتتحول حياتها إلى فسوق وعصيان وبعد عن الله عزوجل، في هذه الحالة ينبغي أن ترجع هذه الأمم سريعًا إلى ربها بالتزام منهج الطهر، والابتعاد عن حياة الخطيئة ولا يكون ذلك إلا بالإصرار النفسي على التغيير!

وعندما تترهل عزيمة الأمم بالترف، وتسرف في الملذات والشهوات وتقعد عن حياة الجهاد والعمل، وتخلد إلى الراحة والاستكانة، فإنها تفتح على نفسها أبوابًا من الفساد.. الذي يدمر حياتها، ويأتي على بنيانها من القواعد، وقديمًا أهلك الترف أممًا وقضى على ممالك وأسقط حضارات.

عندما تصل الأمم إلى هذا الوضع الفاسد فإنها تطالب بعملية تغيير نفسي يقودها إلى حياة الكفاح والجد، لتصقل عزيمتها في جو العمل والجهاد.. وعندما تصاب الأمم بتمزق الصف، واختلاف الكلمة، وتناقص الأهداف، بحيث يصبح بأسها بينها، فيكيد بعضها لبعض، ويحارب بعضها بعضًا، وتتفنن في اختلاق الأزمات، وتلفيق التهم، ذاهلة عن عدوها الأصيل، تاركة إياه يعربد في أرضها، ويقتل أبناءها، ويعبث بمقدراتها ومقدساتها.. عندما تصل الأمة إلى هذا المستوى المهين.. فإنها مطالبة بعملية تغيير نفسي تصلح به الفاسد، وتنقذ الضائع، وتعيد التماسك إلى صفوفها، والوحدة إلى شعوبها.

عندما تتردد الأمم في التبعية الذليلة، فترتمي في أحضان الدول الكافرة، وتفضي إليها بأسرارها، وتتخذ منها البطانة، فإنها مطالبة سريعًا بأن تستمع إلى قول الحق تبارك وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُم مِّنَ الحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ} (الممتحنة: 1).

وحينئذ تعمد إلى عملية تطهير نفسي يعيد إليها شخصيتها المستقلة، وإرادتها المتحررة، فتمضي على درب الإيمان.. مع الله ورسوله.

وكم من مجالات لا يحصيها العد تحتاج إلى تغيير نفسي يعصمها من الزلل، ويحميها من الضياع، ويحفظ عليها كرامتها وعزها!

من سنن الله الكونية

يوشك التغيير النفسي الذي أشرنا إليه أن يكون سنة مطردة من سنن الله في الكون، يخضع لقوانين عامة شاملة، لا تختلف فيها أمة عن أمة، ولا يتمايز فيها جيل عن جيل، {قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ} (آل عمران: 137).

من أجل ذلك كان التقصير فيه عندما تتجمع أسبابه معجلاً بفناء الأمم، مؤذنًا بغروب شمسها.. وللأمم آجال كما أن للأفراد أعمارًا.. وأعمار الأمم طويلة بالنسبة إلى أعمار الأفراد: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ} (الأعراف: 34).

وإنما تغرب شمس الأمم عندما تتنكر للدين الحق، وتعبث بفضائله، وتتجاهل صوت النبوات، وترفع في جو الآثام والشهوات: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيَّا} (مريم: 59).

ولله عز وجل سنن يجريها، وقوانين يمضيها على الخليقة جمعاء لا يحابي شعبًا، ولا يستثني أمة وهذه القوانين تكفل للأمم مجدًا عريقًا، وعزًا سابغًا، وتمكينًا في أرض الله مادامت قائمة على أمر الله، منفذة لتعاليمه، سالكة سبيل الرسالات السماوية: {وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ المُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ} (الحج: 40-41).

وليس المقصود بالنظر في الآية الكريمة النصر على العدو فحسب، بل هو نصر مطلق شامل!! نصر في شتى الميادين على التخلف والجهل- وعلى عوامل الضعف وعلى شهوات النفس وعلى كل معوقات الحياة!! إن هذا النصر إنما يتم بهذا المنهج المتماسك الذي رسمته الآية الكريمة.. وذاك هو التغيير الشامل الذي تنصر به الأمم على كل المعوقات والأزمات!! وبذا يتم لها التمكين في أرض الله: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ} (الرعد: 11)... وهذا هو طريق الحياة الكريمة يقوم على دعامتين: رعاية حقوق الله، والوفاء بمطالب الحياة: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} (الأنبياء: 105).

فالتمكين في أرض الله إنما يتم بصلاح الأنفس، وهو صلاح مادي ومعنوي.. فالعباد الصالحون بهذا التصور هم وراث الأرض- وصناع الحضارة- ورواد الخير إلى يوم الدين إنهم يملكون منهجًا أخلاقيًا وبرنامجًا حضاريًا.. وكلا الأمرين صلاح.. كلاهما عبادة لله.. وعندما تأخذ الأمة بقوانين العلم المادي- وهو ركن من أركان العقيدة- فتبني وتعمر وتزرع وتحصد، وتنشئ وتخترع، وتستخدم وسائل العلم التجريبي.. منطلقة في بناء الحضارة.. لتعيش في صميم العصر وفي جوهر الحياة تحرسها عقيدتها وتدفعها مواهبها.. فإنها بذلك تحيا حياة مباركة، وتمضي في مضمار السبق بخطىً حثيثة.. لا تنحرف ولا تنزلق، ولا تزل لها قدم بعد ثبوتها، وهكذا تمضي العقيدة متعانقة مع العلم على درب قاصد سديد، وتأبى الحضارة الحقة إلا أن تكون كما صورت مزيجًا متناسقًا من الماديات والروحيات!

وهذا هو الإسلام في جوهره الأصيل.

إن هذا الدين يأبى أن يكون نظرية تحتبس في المصحف، أو مشاعر تختبئ في الضمير، أو شعائر تقتصر على التعبد.. ولكن يجب أن تشع فضائله في المجتمع المسلم.. وأن تتجسد في سلوك، وأن يتحول إلى نبض حي يسري في الحياة، فيتعامل به الناس، ويجدون فيه علاج مشكلاتهم، ودواء أمراضهم، وأسباب سعادتهم ونصرهم كما أن هذا الدين الواقعي يأبى أن يسلم أبناءه إلى التخاذل واختلاف الكلمة، إنه يؤلف بين قلوبهم، ويجمع بين صفوفهم، ويخلق منهم صفًا متماسكًا كالبنيان المرصوص، فلا يتخاذلون في المواقف، ولا يتنابذون بالألقاب، ولا يتقاذفون الشتائم، وعندما تعيش المجتمعات على هذا النحو فإنها تملك قوة ذاتية تزلزل الجبال الرواسي، وتفرض كلمتها وإرادتها على أعداء الله.

وعندما تتعرى السياسة عن الدين.. فتمضي فاجرة رعناء.. فإنها تشتت الشمل، وتفرق الصف، وتحدث الوهن، وتجرد الأمة من درع المهابة والوقار.. فيطمع فيها العدو، ويذيقها سوء العذاب!! إذ أن قوانين النصر والهزيمة ليست خاصة بالأمم السابقة دون اللاحقة، لأن التاريخ البشري كله وحدة متماسكة، وسلسلة محكمة السرد لا وهن فيها ولا انقطاع، وسننه المطردة لا تختلف من قديم إلى جديد.

التغيير النفسي وكرامة الإنسان

لنقرأ في هذا المقام قول ربنا سبحانه: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ} (الأنفال: 53) وقوله سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ} (الرعد:11)، فسوف نجد أن الآيتين تقرران قاعدة عامة من قواعد الاجتماع البشري كما أسلفنا، وهي أن الله لن يسلب النعمة إلا أن تتغير النفوس، وتفسد الطبائع، وينحط السلوك، عند ذلك يغير الله نعمة أولئك الأقوام، التي لم يرعوها حق رعايتها، ولم يؤدوا شكرها، إلى نقمة ونكال، يشقى بها أولئك الأقوام، وينحدرون إلى درك المهانة والتخلف، وعندما نتأمل الآيتين السابقتين ستتضح لنا حقيقة رائعة.. وهي الارتفاع بالإنسان إلى أقصى درجات التكريم.. فإن قدر الله لا ينفذ فيه إلا من خلال نيته، وحركة عمله، وطبيعة سلوكه، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى} (الليل: 5-10).

إن تصرف القدر في حياة البشر مبني على التغيير الواقعي في قلوبهم، ونفوسهم وضمائرهم، وجميع أوضاعهم التي يؤثرونها بإرادتهم الحرة في إطار المشيئة الإلهية.

أما المذاهب المنحرفة فإنها تلغي إرادة هذا الإنسان الكريم على ربه، وتجعله أسيرًا لشهواته، عبدًا للآلة والمادة، صريعًا للنظم والتقاليد.. فهو كائن سلبي أمام حتمية التاريخ، وحتمية الاقتصاد لأنها الآلهة التي تصنع له مصيره!! فأين هذا الوضع المهين من كرامة هذا المخلوق في ظل النظام الإسلامي؟!

وانظر بعد ذلك كيف يتمكن الإنسان من خلال التغيير النفسي إلى الأفضل من صنع مصيره، وصياغة مستقبله، بل كيف تبرز إرادته الحرة طليقة من كل قيد يكبلها، أو قهر يعنتها، أو استبداد يحول بينها وبين تحقيق ذاتها؟! وإنها لنعمة جليلة من نعم الله علينا.. نذكرها دائمًا في مجال السماحة التي أسبغها رب العباد على ذلك الإنسان الضعيف!! وجاء بها الإسلام ليصنع عالم الأحرار في أرض الله!!

شهادة التاريخ

عندما نتأمل أحداث التاريخ.. ونتدبر وقائعه نرى أن الأمم عندما تتخلى عن الأخذ بأسباب الفلاح، فإن مشيئة الله تتخلى عنها فتتخطفها الطير، أو تهوي بها الريح في مكان سحيق، وعندما تأخذ بأسباب الصلاح فإن مشيئة الله تؤازرها، وترفعها إلى حيث ينبغي أن ترتفع!! سنة الله في خلقه ولن تجد لسنة الله تبديلا.

فعندما انطلق العرب عمومًا بخصائص دينهم الجديد يفتحون البلاد ويدكون الحصون ويقهرون الظلم، ويواجهون أعتى الدول وينازلونها في ميادين الجهاد انتصروا على أعدائهم.. وأقاموا الدولة الكبرى التي كانت أمل العالم في ذلك الوقت.. تلك الدولة التي أنصفت المظلوم، وأغاثت الملهوف، وأعانت على نوائب الحق.

ذلك لأن المسلمين آنذاك كانوا كما قال المرحوم مصطفى صادق الرافعي: «ينبعثون من حدود دينهم- لا من حدود أنفسهم، وشهواتها، لأنهم ارتفعوا فوق هذه الأنفس فما يحملون السيف إلا بقانون، وما يضعونه إلا بقانون».

ولقد فتح العرب الأندلس بأخلاقهم، وحكموه بدينهم، وضبطوه بفضائلهم، ونشروا علوم القرآن وآدابه في مدنه وعواصمه، فعاشوا سادة كرامًا في ظل هذا الصلاح زهاء ثمانية قرون، صنعوا خلالها مجدًا، وكتبوا تاريخًا، وأنشأوا حضارة.

وعندما استكانوا للدعة، وتشبعت بطونهم، وخويت أفئدتهم وقلوبهم، واستباحوا المآثم والشهوات ولفَّهم الترف في ثياب الأبهة، فأمعنوا في الأثاث والرياش، وتسرب إليهم داء الأمم القديمة من التفرق والحسد، فانقسموا على أنفسهم، واستعانوا بعدوهم.

وهكذا تأخذ الأمم بأسباب الحياة فتحيا، وتنحرف عن سنة الحياة فتنتحر، وصدق ربنا إذ يقول: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ}(الأعراف: 34) ولنأخذ مثل آخر من التاريخ: عندما كان بنو إسرائيل على خطَ من تقوى الله، مكن الله لهم في الأرض، وأنزل عليهم المن والسلوى، وقال مذكرًا لهم حتى لا ينحرفوا عن هذا النهج: {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى العَالَمِينَ} (البقرة: 122)، وعندما انحرفوا عن الجادة، وتوزعتهم المآثم والشهوات، فعبدوا العجل، وأكلوا السحت، وقتلوا أنبياء الله، وتعاملوا بالربا، وغرقوا في الحياة المادية إلى الأذقان سقط اللواء من أيديهم.. لقد صاروا بهذا التغير أخبث أهل الأرض ونزل فيهم: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ} (المائدة: 78).

إنها سنة الله التي لا تحابي، ومن ثم تحول القوم إلى شذاذ أفّاكين!!

ولن أطيل بذكر فارس والروم وغيرهما من ممالك الأرض القديمة والحديثة لأن ذلك معلوم يعرفه كل مثقف ولا يختلف فيه أحد.

عبرة الساعة من هذا المقال

الحقيقة أن واقع المسلمين الراهن واقع سيء، والانهيار المستمر في حياتهم يهدد وجودهم نفسه، وعلى الرغم من أننا لا نبالغ في تجسيم الأخطاء، فإنه لا ينبغي أن نتجاهل ما نحن فيه من ترد وهبوط، لأن ذلك يفصلنا عن الواقع، فيجعلنا نستمرئ الأخطاء، ونتعود الحياة الواهنة الذليلة بكل أبعادها المادية والمعنوية، يجب ألا نهول وألا نهون، فكلا الأمرين خطر لا تحمد مغبته، بل ينبغي أن تكون النظرة متزنة، حتى نبدأ من واقعنا السيء الذي انحدرنا إليه، فنعمل على الفور على إحداث عملية تغيير نفسي يشمل الأمة الإسلامية من أقصاها إلى أقصاها، وكل قطر إسلامي أعرف بأدوائه.. وهو مطالب سريعًا بأن يرتفع من واقعه المؤسف إلى وضع أفضل يمكنه من أداء رسالته الخالدة في الحياة!!

والسؤال الذي يطرح نفسه على الموقف تلقائيًا هو: أين يمكن إيقاف ذلك الانهيار في حياة هذه الأمة؟

والجواب الحاسم: هو أن هذا التحول ينبغي أن يبدأ في أنفسنا، قبل أن يبدأ في أوطاننا فإن النفس إذا صلحت من الداخل أمكن أن تنقل صلاحها إلى المجتمع الواسع العريض فتستقيم مسيرته، وتتضح وجهة.. أما إذا ظلت الأنفس على ما بها من دَخَل وغش وفساد فمحال أن تستقيم مسيرتنا مهما خطبنا وصحنا وألقينا الشعارات.. لأن مثل ذلك لا يكون تغييرًا من داخل النفس.. بل من خارجها.. فهو تغيير صوري لا يلبث أن يذهب مع الريح وتبقى نقائض المجتمع على ما هي عليه!!

إن على المسلمين إذا أرادوا النهوض من هذه الكبوة.. أن ينتزعوا أنفسهم من حياة الشهوات والنقائض إلى حياة إسلامية نظيفة، فإذا تحولنا إلى مسلمين حقيقيين كما يريد الإسلام، تحول بنا مجتمعنا، وتحول بنا المسلمون في كل مكان، وتحول العالم كله بنا، وحدث التغيير الكبير في هذه الآفاق، وبذلك نكون أداة كريمة لهذا التغيير الرائد والعميق في الدنيا بأسرها.. كما أراد لنا رب العزة والجلال: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} (البقرة: 143).

تلك هي وظيفتنا وهذه رسالتنا.. أن نحرس معاقل الوحي حتى لا يتطاول عليها السفهاء، وأن نوقظ رقابة الضمير حتى لا يطغى اللصوص، وأن نكافح الرذائل كيلا تطفح الشهوات، ولا يمكن بغير هذا أن يتم التحول الكبير في حياة هذه الأمة.. مهما تكلمنا وعقدنا المؤتمرات!!

بل إن جهودنا تتحول إلى ضروب من الخداع والعبث، لأن التحولات الكبيرة في حياة الشعوب والأمم لا تحدث بالأقوال دون الأفعال.

إن التغيير النفسي هو تحول عميق في أغوار النفس الإنسانية تؤازره إرادة قوية في التخلص من واقع سيئ مهين إلى مستقبل عزيز كريم، تنتقل فيه النفوس من الشر إلى الخير، ومن الرجس إلى الطهر، ومن الباطل والضلال إلى الحق والواجب، ومن المهانة والمذلة إلى العزة والكرامة.

وتلك معان كريمة قد نذهل عنها ونحن نخوض معركة الحياة، ونحصل مطالب العيش، ونمضي مع أهدافنا القريبة غير ملتفتين إلى ما وراءها من تسام وجلال.

6 4 2015 9 52 12 AM

د.عبد الرحمن العيسوي:

في التعريف العلمي للضمير الأخلاقي (conscience) كان يعتقد قديمًا في الإطار اللاهوتي أن الضمير الأخلاقي عبارة عن ملكة فطرية أو موروثة أو ملكة يغرسها الله في الإنسان (facuulty)، وتساعد هذه الملكة الفطرية صاحبها في الحكم الصائب في المسائل أو الأمور أو القضايا الأخلاقية (moral issues) كفكرة الحق والصواب والعدل والحلال والحرام وما إلى ذلك.

في إطار مدرسة التحليل النفسي تعبر الذات العليا في الإنسان (Superego) عن الضمير الأخلاقي والذات العليا- وفقا لمفاهيم التحليل النفسي- هي أحد العناصر المكونة للشخصية الى جانب عنصر الذات الدنيا (id) والذات الوسطى (ego)وتختص الذات العليا هذه بالأمور الأخلاقية والروحية والمثالية، فهي مستودع القيم والمثل العليا والمعايير الأخلاقية. 

ولكن يلاحظ أن الذات العليا هذه مكتسبة من خلال خبرات الطفولة الباكرة، بمعنى أنها تتكون لدى الطفل من خلال ما يلقاه من الأوامر والنواهي وما يلقاه من الثواب والعقاب على أفعاله، أي عن طريق التعلم أو عن طريق عملية التنشئة الاجتماعية.

وبذلك يلعب الوالدان دورًا حاسمًا في تكوين الضمير الأخلاقي لدرجة القول بأن الذات العليا هي «البديل» عن الأم وعن الأب «لأنهما المسؤولان عن غرسها أو زرعها في حس الطفل وفي وجدانه أو شعوره، وعلى ذلك فإن الذات العليا تقوم بذات الوظائف التي يقوم بها الضمير الأخلاقي في الإنسان، والذات العليا هي مستودع القيم والمثل والمبادئ والقواعد والمعايير الأخلاقية كالفضيلة والعفة والشرف والأمانة والصدق (moral valuues) (1)، حيث تساعد الفرد على قبول أو رفض سلوكاته أو تصرفاته.

في ضمير الإنسان تتكون مجموعة متماسكة أو مترابطة من المبادئ الأخلاقية الداخلية أو الذاتية أو المستدخلة (internalized moral principles). تلك المبادئ التي تمكن الإنسان من تقدير أو معرفة الصواب من الخطأ أو الحق من الضلال والفساد أو الحلال من الحرام، وذلك بالنسبة للأفعال أو التصرفات أو السلوكات التي يقوم بها الفرد أو التي يفكر فيها، وكأن الضمير يحمل صوت الله فينا، ولذلك يعد الضمير من هذا المنطلق قدرة فطرية (lnnaate).

وفي إطار علم النفس الحديث، فإن مجموعة النواهي ومجموعة الواجبات أو الممنوعات والمباحات هي أمور متعلمة أي مكتسبة من خلال البيئة التي يعيش في كنفها الفرد.

فالضمير هو الذي يحدد لصاحبه الممنوعات (prohibition) والواجبات التي يتعين عليه القيام بها (2) (obligations)، والضمير هو مستودع ما لدى الفرد من المعايير الأخلاقية والمثالية التي تجعله يرضى عما يقوم به من أعمال أو تصرفات أو سلوكات أو أفعال أو ما يود أو ينوي القيام به قبل القيام به، تجعله يرضى أو يرفض هذه السلوكات وينكرها، والضمير هو القدرة على إصدار الأحكام على ما يقوم به الفرد أو ما ينوي القيام به قبل القيام به (3). فالضمير يحكم على السلوك سواء قبل القيام به أو بعد القيام به.

وظيفة الضمير الأخلاقي

يشبه ضمير الإنسان بأنه «السلطة الذاتية الداخلية» الكامنة في الإنسان، سلطة الردع والمحاسبة وإنزال العقاب بصاحبه إذا ما اقترف إثماً أو قام بعمل محرم أو غير أخلاقي، ينزل الضمير العقاب بصاحبه على شكل لوم الذات أو الشعور بالذنب (feelling of guilt)، والإثم والندم أو تأنيب الذات، وهو ما يعرف باسم تأنيب الضمير، والضمير بذلك يقوم بعمل «القاضي» الذي يحاكم ويحاسب ويردع ويعاقب، ومن هنا يوصف ضمير الفرد بأنه ذلك «القاضي الصغير» الذي يكمن داخل كل منا، وهذا القاضي قد يكون حاسمًا وحادًا ويقظًا وقد يكون فاترًا ومتساهلًا وضعيفًا.

والغريب في أمر هذا «القاضي الصغير» أنه يحاسب صاحبه حتى في غيبة السلطات الخارجية كالشرطة أو القضاء، بل إنه يحاسب صاحبه حتى عندما يكون واثقًا من أن أمره لن ينكشف، ذلك لأن الضمير قوة داخلية تكمن في داخل كل منا.

وإلى جانب وظيفة الردع والعقاب هذه، فإن الضمير يقوم بوظيفة أخرى تشبه وظيفة «رجل الشرطة»، فكأن الضمير رجل شرطة صغير يكمن داخل كل منا، مهمته منع وقوع الخطأ قبل وقوعه أو منع السلوكات المحرمة أو المجرمة أخلاقيًا أو الممنوعة بالضبط، كما يمنع رجل الشرطة الجريمة قبل وقوعها، وهنا يمنع الضمير الحي صاحبه من الإتيان بالأعمال المحرمة أو المؤثمة قبل حدوثها، وكأنه يقوم بعمل «الشرطي الصغير» داخل الإنسان، ويشبه عمل الضمير هنا أيضا عمل رجل الجمارك الذي يمنع دخول المواد الممنوعة أو الخطرة أو الخطيرة إلى داخل البلاد، وهنا يقوم الضمير مقام الرقيب الذي يمنع حدوث المخالفات الأخلاقية قبل وقوعها حتى وإن كان الإنسان متأكدًا من أن أمره لن ينكشف للسلطات الخارجية، ففي الإنسان سلطة ذاتية هي الضمير.

وعلى ذلك نتوقع أن الضمير الحي الوخاز يعمل على منع تفشي مظاهر الفساد والرشوة والوساطة والمحسوبية والتربح والغش والضلال والظلم والقهر والاستبداد والعنف وما إلى ذلك من المفاسد. تلك الظواهر التي أصبحت تهدد كثيرًا من مجتمعات العالم، إلى جانب جرائم استغلال النفوذ والإضرار بالمال العام وهدره واستغلال السلطة، وخصوصا عندما تجتمع الثروة والسلطة في يد شخص واحد ضعيف الضمير، الضمير هو الحامي الحقيقي والحارس الحقيقي لبسط العدالة والقضاء على الفساد.

ولذلك كم نحن في حاجة ماسة الى إحياء ضمائر الناس وخاصة تلك «الضمائر الغائبة» أو الميتة أو الضعيفة والتي أصبح من ثمارها ظواهر سلبية مثل الدروس الخصوصية والارتشاء والغش والغلاء والثراء الفاحش، والفساد المالي والإداري والسياسي والاجتماعي تستطيع الدولة أن تضع شرطيًا على رأس كل مواطن، ولكنها تستطيع أن تنمي ضمائر الناس وتوقظها وتغرسها في عقول الناس وفي وجدانهم ومشاعرهم.

كيف يتكون الضمير؟

إذا كان للضمير كل هذه الأهمية فمن الجدير البحث في نشأته أو تكوينه، وكيف يصبح حيًا ويقظًا وحارسًا أمينا لسلوك صاحبه في السر والعلن، إننا اليوم في مسيس الحاجة لإحياء الضمائر وإيقاظها وتنميتها وتقويتها وتدعيمها في الإنسان، وذلك يبدأ منذ الطفولة الباكرة، حيث يتكون ضمير الطفل عن طريق ما يتلقاه الطفل من الأوامر والنواهي والنصائح والتوجيهات والارشادات والتوعية من الوالدين في أول الأمر، ثم من الكبار عامة كرجل التعليم ورجال الدعوة والوعظ والإرشاد ورجال الإعلام والكتاب والمصلحين في المجتمع والقادة والزعماء، حيث يتقبل الطفل أولا هذه الأوامر على أنها صادرة من خارجه وأن عليه أن ينفذها، وبمرور الوقت يمتص الطفل هذه القيم ويكتسبها ويهضمها ويستوعبها أو يستدمجها في ذاته أو يستدخلها في كيانه، وتصبح بمرور الوقت قيمه هو ومعاييره هو، بمعنى أنها تصبح جزءًا لا يتجزأ من كيانه الشخصي.

وتلعب عملية التنشئة الاجتماعية الصالحة دورًا رئيسًا في غرس هذه القيم وترسيخها وزرعها في كيان الطفل، ذلك لأن عملية التنشئة الاجتماعية هي العملية التي تكسب الإنسان إنسانيته، وتجعله مواطنًا صالحًا، حيث يكتسب عن طريقها القيم والمثل والعادات والتقاليد والمعايير والقواعد والنظم والأعراف السائدة في المجتمع، وإذا كانت عملية التنشئة الاجتماعية (socialization)صالحة شب الطفل مواطنًا صالحًا، ومعظم حالات الإنحراف والحالات المرضية نفسيًا ترجع إلى حدوث خلل في عملية التنشئة الاجتماعية.

والضمير يتكون من خلال جهود المسجد ورجال الدعوة والوعظ والإرشاد ورجال الدين عامة، وتسهم في تكوينه مؤسسات اجتماعية من أهمها مؤسسة الأسرة والمدرسة والجامعة والقرآن والزملاء والأنداد.

وعلى الجملة يتكون الضمير من خلال توافر القدوة الحسنة والمثال الطيب أو النموذج الطيب الذي يقتدى به، ويتكون الضمير وينمو من خلال الهدي الإسلامي المبارك وما فيه من قيم يتم غرسها في الطفل وترسيخها مثل القيم الآتية:

1- الحق

2- العدل

3- المساواة

4- الرحمة

5- الشفقة

6- البر

7- الإحسان.

8- الصدق.

9- الولاء.

10- الوفاء.

11- الإخلاص.

12- الطهر والطهارة.

13- العفة.

14- الشرف.

15- الأمانة.

16- الولاء

17- الإخاء

18- الكرم

19- الجود

20- الرجولة

21 - الشهامة

22- إغاثة الملهوف.

23- نصرة المظلوم.

24- النبل.

25- التضحية والفداء.

26- الجهاد.

27- الكفاح.

28- النضال.

29- الحب في الله.

30- الرفق والأناة.

وإسلامنا الحنيف حافل بكل هذه القيم والمثل والمعايير، ولذلك يحيط الهدي الإسلامي المبارك بالمسلم منذ نعومة أظفاره حتى حماه بالرعاية والحماية والتوجيه والنصح والإرشاد والتعليم والتربية.

ويوفر إسلامنا الخالد لنا معشر المسلمين القدوة الحسنة والمثال الطيب الذي يقتدى به وهو رسولنا الكريم والذي وصفه رب العزة والجلالة بالقول {إنك لعلى خلق عظيم} (القلم: 4)، وما أحوجنا نحن المسلمون في هذه الأيام إلى القدوة الحسنة التي يقتدي بها الشباب والتي تربيهم على خلق الإسلام وعلى أساس من الهدي الإسلامي المبارك.

يربط القرآن الكريم بين فضيلة الإحسان والتقوى ويدعونا إليهما كما في قوله عز وجل: {للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ولدار الآخرة خير} (النحل: 30)، كما في قوله تعالى: {وإن تحسنوا وتتقوا فإن الله كان بما تعملون خبيرًا} (النساء: 128).

ورسولنا العظيم يمثل القدوة الحسنة والمثال الطيب فهو المعلم والمرشد والموجه لأمته، وللمسلمين فيه أسوة حسنة كما في قوله تعالى {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة} (الأحزاب: 21).

وفلسفة الحساب والعقاب والثواب في الهدى الإسلامي توفر أعظم دافع للإنسان المسلم كي يخاف الله وكي يوقظ ضميره ويبتعد عن الرذائل والفواحش والخبائث ما ظهر منها وما بطن. ذلك لأن المسألة ليست فوضى وليست عماء، وإنما كل شيء بقدر وسلوك الإنسان محسوب عليه وسوف يلقى حسابه في الدار الآخرة، وكذلك يشجع الإسلام ويحث ويحض أبناءه على التحلي بالسلوك القويم والأخلاق الحسنة ويحثهم على التمسك بالفضائل الإسلامية وأداء العبادات وكلها تقود إلى تقوية الضمير وتقوية الشعور بالمسؤولية والخوف من الحساب والعقاب.

ومن سمات الإنسان صاحب الضمير الحي توخي العدل والعدالة في كافة مناحي سلوكه وتصرفاته. وإسلامنا الحنيف يهدي إلى الالتزام بالعدل في تربية الأبناء وعدم تفضيل واحد منهم على سائر أشقائه، وبذلك يتربى الطفل، منذ الصغر، على خلق العدل والمساواة لأنه تربى عليها ولم يلحقه الظلم من الوالدين.

وعن هذا الهدي البليغ يقول الحديث النبوي الشريف الذي رواه النعمان بن بشير رضي الله عنهما أن أباه أتى رسول الله  "صلى الله عليه وسلم"   فقال إني نحلت ابني هذا غلامًا كان لي، فقال رسول الله  "صلى الله عليه وسلم"   «أكل ولدك نحلته مثل هذا؟ فقال: لا، فقال رسول الله  "صلى الله عليه وسلم"   فارجعه».

كذلك ينهى الإسلام المسلمين عن الهجران أو الخصام بين المسلمين. ولعل من يشعلان نار الحرب بين المسلمين أن يتذكروا قوله تعالى {إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم} (الحجرات: 10) ونهى القرآن الكريم عن الإثم والعدوان كما في قوله تعالى: {ولا تعاونوا على الإثم والعدوان} (المائدة: 2).

والمسلم الحق منهي عن المقاطعة والخصام مع أشقائه في الإسلام لقول رسولنا الكريم «لا تقاطعوا ولا تدابروا ولا تباغضوا ولا تحاسدوا، وكونوا عباد الله إخوانًا، لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث» (متفق عليه).

وينهانا إسلامنا العظيم عن كل المفاسد والرذائل والفواحش والجرائم، ومن ذلك النهي عن الحسد وعن التجسس وعن سوء الظن أو الاحتقار أو إظهار الشماتة بالمسلمين وعن الغش والخداع والغيبة والنميمة والغدر، والظلم والطغيان، والبغي إلى جانب تحريم الربا وأكل مال اليتيم وتحريم الزنا، وكذلك سائر الجرائم والآثام كالقتل وسفك الدماء والسرقة والضرب والاعتداء وأكل حقوق الآخرين أو استغلالهم وابتزازهم وهدر حقوقهم.

وصاحب الضمير الحي يكره التعذيب أو الإيذاء. وإسلامنا الحنيف ينهانا عن تعذيب العبد والدابة والمرأة والولد. وفي هذا الصدد يقول القرآن الكريم {وبالوالدين إحسانا وبذى القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالًا فخورًا} (النساء: 36).

وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله  "صلى الله عليه وسلم"   قال: «عذبت امرأة في هرة حبستها حتى ماتت، فدخلت فيها النار، لا هي أطعمتها ولا سقتها إذ هي حبستها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض» (متفق عليه)، أي تأكل من الهوام والحشرات في الأرض.

ويربي الإسلام المسلم على الإيمان بأن المؤمنين إخوة، وبذلك يزرع مشاعر الإخاء في قلوب المسلمين وكذلك التراحم والتواد والشفقة بينهم كما في قوله تعالى: {إنما المؤمنون إخوة} (الحجرات: 10).

وكم نحن في حاجة في هذه الأيام إلى تنمية روح الإخاء بين المسلمين والذين يدب الخلاف بينهم للأسف الشديد لأتفه الأسباب، فلا ينبغي أن يشهر المسلم سيفه في وجه أخيه المسلم، قال تعالى {أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين} (المائدة: 54)، ويربي الإسلام أبناءه على الشعور بالعزة والكرامة والافتخار بأنهم سلالة أمة كانت بحق خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر. وفي هذا الصدد يقول القرآن الكريم {محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفاء رحماء بينهم} (الفتح: 29).

ويربي الإسلام أبناءه على التعاون على البر والإحسان وعلى التقوى وخشية الله تعالى كما في قوله تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى} (المائدة: 2).

وهناك دعوة جماعية إلى تكاتف وتضامن وتساند وتعاون المسلمين بشكل جماعي كما في قوله تعالى {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون} (آل عمران: 104).

فالمسلم ليس مطالبًا فقط بأن يصنع المعروف وإنما عليه أن يدعو إلى ذلك، والى كراهية المنكر والبغي والظلم والفساد. وهنا تبدو إيجابية الشخصية الإسلامية، فعلى المسلم تقع مسؤولية نشر العدل والرحمة والتعاون والإخاء.

والمفروض أن تسود المودة بين المسلمين كما في قوله تعالى {المؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر} (التوبة: 76).

والمسلم ليس مطالبًا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وحسب ولكن أعماله يجب ألا تخالف أقواله مما يدل على غياب ضميره الأخلاقي، وذلك كما في قوله تعالى: {أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون} (البقرة: 44) وهنا يربط القرآن الكريم بين قوة الضمير والتفكير أو التعقل.

ويحض الإسلام المسلمين على أن يتحلوا بالأمانة وبأداء الأمانات كما في قوله تعالى: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها} (النساء: 58).

والإنسان صاحب الضمير الحي يتصف بالأمانة والعدل والعفة والنزاهة.

والإنسان إذا غاب ضميره أصبح ظالمًا معتديًا وإسلامنا ينهانا عن الظلم كما في قوله تعالى: {ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع} (غافر: 18)، وقوله أيضًا: {والظالمون ما لهم من ولي ولا نصير} (الشورى: 8).

فالإسلام يربي ضمائر الناس ويظل يوقظها ويحرك دوافع الخير في الإنسان.

المراجع:

1- القرآن الكريم.

2- بدوي أحمد زكي، (1986)، معجم مصطلحات العلوم الاجتماعية، مكتبة لبنان، بيروت.

3- محمد فؤاد عبدالباقي، المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم.

4- رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين.

5- English, H.B.and English. A.C. (1958), A comprehensive dictonary of psychological and psychoanalytical terms, Longmans, London.

جامعة ولاية سونورا بالمكسيك تمنح عبد الوهاب زايد الدكتوراه الفخرية

سونورا – الوعي الشبابي: منحت جامعة ولاية سونورا بالولايات المتحدة المكسيكية شهادة الدكتوراه ...

تربية إبداعية لأبنائك.. كيف؟

رويدا محمد - كاتبة وباحثة تربوية: يعرف الإبداع بأنه النشاط الإنساني المختلف عن المألوف، والذي يؤدي ...

مواجهة الإلحاد بالعلم والعقل والدين.. كتاب جديد للدكتور خالد راتب

القاهرة – الوعي الشبابي: أصدر الدكتور خالد محمد راتب، مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر ...

اتصل بنا

  • صندوق البريد: 23667 الصفاة 13097 - الكويت
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
  • 22467132 - 22470156

عندك سؤال