الأحد، 20 سبتمبر 2020
رئيس التحرير
فهد محمد الخزّي

محدث عصره العلامة الألباني

✍ هشام الصباغ - باحث لغوي: انطلاقا من مقولة «الناس موتى وأهل العلم أحياء»، نسلط في ...


 

 

المتواجدون على الموقع

المتواجدون الأن

200 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

هذا ديننا

200122

د. مسعود صبري:

شاع بين بعض الشباب على مواقع الإنترنت التعارف بين الشباب والفتيات، ويقع الحب بينهما، ولبعد المسافات بين الشاب والفتاة، ولشدة التعلق بينهما يتزوجان على الإنترنت بصيغة أن تقول الفتاة للشاب: زوجتك نفسي، ويتعاملان كأنهما زوجان عبر الإنترنت لبعد المسافات..

وتفاجأ الفتاة بعد فترة باختفاء الشاب الذي لا تعرف عنه كثير تفاصيل، ثم على أرض الواقع يتقدم لها شاب ليتزوجها، لكنها تظل في حيرة، هل هي زوجة لمن تزوجها على الإنترنت ثم اختفى؟ هل تبقى أسيرة على الزواج الالكتروني، حتى يطلقها زوجها الالكتروني الذي فر منها بعيدا لا تعرف عنه شيئا، أو ربما يظلان على علاقة لكن لبعد المسافة – كما يزعمان- لا يستطيعان الزواج، ولكنها تشعر بحاجتها إلى الزواج الحقيقي، وربما يتقدم بعض الخطاب وترفض زعما أنها متزوجة، لكنها تظل في صراع بين حاجتها للزواج الحقيقي لمن تقدم لها، وبين زواجها الالكتروني..

إن هذه العلاقة  نوع من الوهم يحلل الشاب والفتاة لكليهما العلاقة المحرمة تحت مسمى الزواج حتى يخففا الضمير المؤنب لهما، وحتى يوهما نفسيهما بالزواج كي يمارسا ما يحبان تحت غطاء وهم الزوجية.

فالزواج في الشريعة والعرف الاجتماعي له شكل معين عرفته البشرية منذ القدم، وكان موجودا على مر العصور والدهور وفي كل البيئات والأعراف، واشتهر بين كل الأقوام وإن اختلفت بعض تفاصيله، وقد عرفته العرب الجاهلية وأقره الإسلام، من أن يذهب الرجل إلى والد الفتاة ويطلب الزواج منها، فتتم الموافقة منه ومن الفتاة ومن أبيها، ويكون بينهما شهود، ويدفع لها مهرا، ثم تنتقل المرأة إلى بيت زوجها بزفاف ونحوه، ويعرف كل الناس أن فلانا قد تزوج فلانة، ويعيشان حياة مستقرة بينهما تحت مرأى ومسمع من الناس بعد استيفاء الشروط الشرعية التي توجت بما يعرف حديثا بالتوثيق عند المأذون، أو في الدوائر الشرعية.

إن من أهم مقاصد الزواج في الإسلام هو السكن والارتباط والحياة الدائمة والمشاركة في الحياة؛ لأن الأسرة هي بنية المجتمع الرئيسة، وقد امتن الله تعالى على عباده بذلك فقال: { وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } [الروم: 21].

ولما خلق الله تعالى حواء من ضلع آدم – عليه السلام- وكان نائما، فوجد امرأة بجواره، فسأل الملائكة: من هذه؟ قالوا: حواء. قال: ولم خلقت؟ قال: لتسكن إليها.

إن الزواج في الإسلام أكبر من أن يكون متعة جنسية واتصالا جسديا بين اثنين، وإلا فالزنى الذي حرمه الله تعالى في كتابه هو اتصال جنسي، وهذا الفارق الكبير بين الزواج والزنى، فالزواج فيه المتعة الجنسية التي هي فطرة وحاجة لكل إنسان، لكنه في إطار شرعي واجتماعي لا يخجل الإنسان منه، لكنه في الوقت نفسه لا يكون الزواج مجرد متعة جنسية، بل شراكة اجتماعية راقية بين الرجل والمرأة.

إن العلاقة بين الزوجين في الإسلام لا تتوقف على أداة تواصل مؤقتة، فالعقد في الإسلام مبني على الدوام، ولهذا حرم الإسلام نكاح المتعة؛ لأنه مجرد نظر إلى متعة جنسية مؤقتة، أو لمصلحة مؤقتة، إنه يتخطى حدود الدنيا إلى حدود الآخرة، فكما أن الزواج في الدنيا فهو يمتد إلى الآخرة، كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ } [الطور: 21].

والزواج في الآخرة شرطه الزواج الشرعي في الدنيا، لكنه منزوع الخلافات والمنغصات، فما في الآخرة إلا السعادة والفرح والسرور، وكل ما بين الزوجين من خلاف واختلاف لا مكان له في الآخرة.

وفي الزواج مالا يحصى كثرة من الفوائد والمقاصد من حفظ النساء والقيام عليهن والإنفاق على الزوجة والأولاد، وصيانة النفوس من الزنى المحرم، وتكثير عباد الله تعالى وأمة محمد صلى الله عليه وسلم، وإعمارا للأرض، والمشاركة الاجتماعية بين الزوجين، وتحقيقا لغريزة الأنس بين الرجل والمرأة، وإنشاء لجيل جديد، وإمضاء لسنة الله تعالى في الخلق من البقاء إلى يوم القيامة.

وكل هذا لا يتحقق بما يعرف بالزواج الالكتروني الذي هو ليس زواجا، ولا يترتب عليه أي آثار، فهو والعدم سواء، فتلك العلاقة العابرة المحرمة لا يترتب عليها أي شيء، ولا تكون الفتاة زوجة للمتحدث معها، بل هو مجرد حديث وكلام لا قيمة له في ميزان الشريعة إلا كونه كلاما محرما.

فالزواج في الإسلام له شروط وأركان، إن لم تتوافر؛ فلا يعد زواجا شرعا، من ذلك الإيجاب والقبول، فلابد من رضا الفتاة بمن تتزوج، وقد رد النبي صلى الله عليه وسلم زواج أب زوج ابنته دون رضاها، ومن شروطه موافقة الولي من الوالد أو من يقوم مقامه، كما قال تعالى: {فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ} ، فمن تزوج امرأة بغير إذن ولي لم يصح الزواج. ومن أركانه المهر، كما قال تعالى: {وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ}، كما اشترط الإسلام العفة والأخلاق فيمن يتزوجها فقال: {مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ} [النساء: 25]،أي ليس لهن أصدقاء.

ومن شروطه أن يشهد المسلمون على ذلك العقد، كما في حديث ابن حبان عن عائشة – رضي الله عنها- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل، وما كان من نكاح على غير ذلك، فهو باطل".

فهذا الزواج الذي شرعه الله تعالى في كتابه وعلى لسان رسوله، وما سوى ذلك فليس بزواج شرعا، ولا اعتبار له مطلقا، وتوبة الفتاة مما يعرف بزواج زوجتك نفسي بالزواج الذي شرعه الله تعالى من أحب الأعمال إلى الله تعالى، بل هو الواجب، ولا تجد الفتاة في نفسها حرجا من ترك المحرم إلى ما أحل الله تعالى.

lqrn 11112

د. أمان محمد قحيف :

لعل من أفضل ما يناط بالعقل العربي والإسلامي تعلمه من القرآن الكريم في اللحظة الحضارية الراهنة، الكيفية السليمة للانخراط في حوار فكري ومعرفي مع من ينتقد حضارتنا، وثقافتنا، ولغتنا، وديننا، وطرائق تفكيرنا - من كتّاب ومثقفي الحضارات الأخرى.. إذ الملاحظ أن فضاءنا الثقافي لم يتعامل مع العديد من الأطروحات الفكرية والثقافية التي تمسنا من قريب أو من بعيد بآليات ناجعة وأساليب مثمرة بالقدر الكافي؛ فمازال أسلوب تناولنا لأفكار الآخرين بحاجة ماسة إلى المزيد من الدراسة المتأنية والتحليل الموضوعي السليم.. ولعل ما حدث إبان ظهور ردود أفعال ثقافتنا المعاصرة على ما طرحه «صمويل هنتنجتون» في «صدام الحضارات» يظهر هذا المعنى ويؤكده؛ إذ تبين أن مسافة مازالت موجودة بيننا وبين التناول الواعي الخلاق لرؤى الآخرين وأفكارهم، وبالتالي لم نتمكن من التعامل مع رؤى الآخرين وتصوراتهم بشكل إيجابي وفعال.. فقد اتسمت ردود أفعال ثقافتنا حول ما طرحه «هنتنجتون» بالعاطفية، والانفعالية، والخطابية، إلى حد كبير.

والراصد للحركية الفكرية في عالمنا العربي والإسلامي وقتذاك يتبين له غياب الخطاب التحليلي والرؤية المنهجية في تناول هذه القضية، وتغلَّب الخطاب المعتمد على المهارات اللفظية والمماحكات الفكرية التي تتوقف عند القشور دون ملامسة جوهر الموضوع ومكنونه ومحتواه.. والدليل على ذلك أننا لم ننجز رؤية فكرية متكاملة تتسم بالنسقية والمنهجية في الرد على الأفكار والرؤى والتصورات التي طرحها هذا الكاتب الذي كان مغمورا قبل نشره لهذه الأطروحة.. لقد جاءت الردود التي أفرزتها زوبعة «صدام الحضارات» أشبه بمجموعة من الأفكار المتناثرة، أو المقتبسة من هنا وهناك، واختفى الموقف الفكري القائم على أسس واضحة من التحليل المعتمد على أساسيات البحث ومنهجيته.

واللافت أن يكون هذا حالنا في الوقت الذي نمتلك فيه تراثا فكريا ضخما، به العديد من المؤلفات والمراجع التي تتحدث عن منهجية الجدل والحوار مع الآخر.. وفيه العديد من المؤلفات التي تحض على الوعي النقدي، وتتحدث عن أصول التباينات الفكرية ومبادئها وأخلاقياتها!.

وإذا كنا نهدف - كأمة - إلى أن تكون لدينا المقدرة الفعالة على التواصل الفكري والحوار الجدلي مع مَن هم من خارج إطار حضارتنا، فإن الأمر يقتضي الالتزام بمجموعة من الأسس والعوامل التي تكون في مجملها منهجا متكاملا يساعدنا على محاورة الآخرين وممارسة الوعي النقدي معهم، بما يساهم في إجلاء الحقائق وتوضيح الأمور.. هذا المنهج يرتكز على مجموعة من الأسس وردت في القرآن الكريم، ونشير إليها على النحو التالي:

أولا: التعامل مع النقد بسعة أفق وروية

فمن طبيعة العقل الواعي أنه غير متسرع، بالتالي فهو لا ينفعل، ولا يغضب إذا دخل في حوار مع الآخرين.. ولقد أعطى القرآن الكريم درسا للبشرية جميعا، وليس للمسلمين وحدهم، في سعة الصدر ورحابة الأفق، عندما طلب من النبي  " صلى الله عليه وسلم"  أن يعرض عن الذين يخوضون في آيات الله حتى ينتهوا عن هذا الأمر تماما، موضحا أنه لا جناح عليه في مخالطتهم بعد ذلك إذا انتقلوا بالحديث إلى موضوعات أخرى.. يقول الحق سبحانه: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ} (الأنعام:68).

إلى هذا الحد بلغ الحلم والصبر على المتطاولين والمنتقدين للإسلام.. إن كل ما يطلبه القرآن الكريم هنا هو أن يعتزل المسلم مَن يخوض في آيات الله تعالى؛ حتى ينتهي عن ذلك وينشغل بأمر آخر، ولا مانع ساعتها من مخالطته والتعامل معه في إطار الثوابت الإسلامية - التي جاءت في القرآن الكريم وأوضحتها السنَّة النبوية المطهرة - للتعامل مع الآخر.

والحق أن القرآن الكريم أسس لقاعدة مهمة في هذا السياق، وهي اللجوء إلى الهدوء والسكينة في حالة قيام الآخرين بطرح ما يتعارض مع موروثنا وثقافتنا من أفكار وآراء وتصورات.. إنه الهدوء الذي يجعل الإنسان ممتلكا لزمام أمره، ولا يفقده صوابه أو عقلانيته.. كي ما يتمكن من التفكير الهادئ، ويستطيع الدخول في حوار رصين ينطلق من أسس متفق عليها، وينتهي إلى نتائج يفرزها الانتقال المنطقي المنظم من فكرة إلى أخرى.

والحق أن الآية التي أشرنا إليها سابقا تقع في سورة «الأنعام»، وهي مكية، حيث لم يكن المسلمون من القوة بحيث يردعون من يتطاول على دينهم وعقيدتهم.. غير أن القرآن الكريم اتخذ الموقف نفسه حيال نفس الأمر عندما حدث والمسلمون بالمدينة المنورة، وكانوا يمثلون القوة العظمى بها، بل إن القرآن الكريم ذكّرهم بأن هذه القضية سبق معالجتها من قبل، قال ربنا: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا  وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا } (النساء:140).

وإذا كان الله تعالى قد أوقف الأمر عند حدود عدم مجالسة من يخوض في آياته تعالى، وطلب منا أن نقيم معه «مقاطعة مؤقتة» حتى ينتقل إلى حديث غيره؛ فذلك يتوافق تماما مع المنهاج الإسلامي الذي يقوم على جواز التواصل مع غير المسلم، ما لم يسع إلى حربنا أو إخراجنا من ديارنا أو ديننا، قال العزيز الحكيم: {لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} (الممتحنة:8).

من هنا فإن المنهج القرآني على توافق تام - لأنه تنزيل من رب العالمين - فيما يتعلق بالموقف من الرؤى النقدية التي يطرحها الآخرون، من حيث أنه لابد من التعامل مع تلكم الرؤى والتصورات من خلال ذهن متفتح وعقل مستنير متسامح غير متشدد.. ولا يجوز للمسلم تجاوز مرحلة «المقاطعة المؤقتة» هذه إلا إذا تخطت الأمور حدود النقد إلى محاولات المحاربة في الدين أو الإخراج من الوطن.

وإذا كان الإسلام الحنيف قد انتهى إلى ضرورة محاربة من يحارب المسلمين في دينهم وأوطانهم، فإنه يتفق في ذلك مع كل الدساتير والقوانين التي تعارفت عليها الأمم واتفقت عليها الحضارات، فلا يوجد دستور أو قانون في الدنيا كلها يمنع الإنسان، أي إنسان، من الدفاع عن وطنه ومعتقداته، بل إن القوانين المعمول بها دوليا تعاقب من يتخاذل في الدفاع عن هذين الأمرين، الدين والوطن.. من ثم فلا مجال للتطاول على تشريعات الإسلام الحنيف من هذه الناحية، بحجة أنه أجاز القتال.

ومن هنا أقرت المنظمات الدولية الدفاع المسلح من أجل تحرير الأوطان، وتم إقرار الحرية الدينية التي تعطي لكل إنسان الحق في أن يعتنق ما يشاء من الأديان، وهذا الأمر يتفق شكلا وموضوعا مع التصور الإسلامي الذي أكد حرية الاعتقاد من خلال قول العزيز الحكيم: {لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} (البقرة:256).. وقوله تعالى: {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} (الكهف:29).

ثانيا: استيعاب ما عند الآخر

الحق أن مما يلاحظه الراصد لما يحدث في ثقافتنا عند وجود نوع من الحراك الفكري أن ثمة تعجل - لدى البعض - في الرد على من وجه إلينا سهام نقده.. وهذه نقطة لها أهميتها، لأنه لكي تحسن الرد على أحد فلابد أن تحسن استيعاب ما عنده من أفكار.. إن التعجل عادة ما يكون مصحوبا بحماس وحسن نية، لكن هذه الأمور ليست ناجعة في محاجة الآخرين ومناقشة أفكارهم.. لابد إذن من التؤدة، والتروي، والدرس، والتحليل.. ولا مانع من أن نبدأ الحوار بأن نبين للآخر ما فهمناه من مقصوده، ونشرح رؤيته كما وصلتنا كي ما يكون على ثقة من أننا استوعبناه وأدركنا أهدافه ومراميه.. على النحو الذي فعله الإمام «أبوحامد الغزالي ت 505 هـ / 1111 م» الذي شرح «مقاصد الفلاسفة» في كتاب خاص قبل أن يرد عليهم في «تهافت الفلاسفة» (1).

والحق أنه يتبين للمتأمل في كتاب ربنا أن القرآن الكريم يذكر قول المنتقدين - للوحي المنزل - أو شبهتهم قبل أن يرد عليها.. وهذا أمر لا نقف عليه في أية حضارة أخرى، فمن ذا الذي يعطي خصمه الحق كاملا لدرجة أنه يذكر له شبهته، ويذكر له حجته التي يحتج بها، قبل أن يقوم هو بدحضها والرد عليه؟

لقد مارس القرآن الكريم ذلك ليعطي للآخر حقه في إبراز ما عنده من أفكار وتصورات حول القضية الإيمانية.. وهذا ظاهر في أكثر من موضع من كتاب الله تعالى، وإليك بعض الأمثلة:

أ – لقد زعم بعضهم أن الرسول  " صلى الله عليه وسلم"  يتعلم القرآن من شخص آخر، وفي هذا نفي للوحي وتكذيب للنبي  " صلى الله عليه وسلم" ، فقال تعالى مثبتا ومبرهنا على تهافت عقولهم وتفاهتها: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ۗ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ} (النحل:103).. وهكذا ساق القرآن الكريم ردا منطقيا، قضى به على حجتهم وأبطل به زعمهم، من دون أن يغمطهم حقهم في التعبير عن رأيهم، حتى وإن كان من الآراء الباطلة والمزاعم المدحوضة.

ب – ولأنهم لم يستوعبوا فكرة الوحي بشكل سليم فقد زعم بعضهم أن القرآن الكريم ليس منزلا، بل هو أضغاث أحلام، أو كلام مفترى على الله تعالى، أو شعر.. وتناول القرآن الكريم هذه القضية بمنتهى الوضوح والشفافية، فعبَّر عن رأيهم بقوله تعالى: {بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ} (الأنبياء:5).. ثم عادوا فاتهموا الرسول  " صلى الله عليه وسلم"  بأنه شاعر مجنون، وذكر الله تعالى ذلك بقوله: {وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آَلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ} (الصافات:36).. وأورد القرآن الكريم قولا آخر لهم في نفس المعنى، حيث قال تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ} (الطور:30).

إلى هذا الحد أعطى القرآن الكريم الآخرين حقهم في أن تطرح وجهة نظرهم، وينزل بها نص قرآني يتعبد به.. الأمر الذي يؤكد لنا ارتقاء وسمو المنهج القرآني في التعامل مع المنتقدين، ويؤكد من جهة أخرى مدى تسامحه معهم وصبره عليهم، ويبرز أيضا حرصه الشديد على أن يواجه الفكر بالفكر، وليس بأية وسيلة أخرى.

ج – وكان مما ادعوه وزعموه أيضا أنهم وصفوا القرآن الكريم بالسحر، قال تعالى: {وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتنا بَيِّناتٍ قال الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ هذا سِحْرٌ مُبِينٌ (7) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلَا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا  هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَى بِهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} (الأحقاف:7-8).

والحق أنهم وصفوا القرآن بالسحر لأنه يؤثر في نفس وعقل وروح من يسمعه تأثيرا كبيرا، فبدلا من أن يعترفوا بأنه كلام معجز منَزَّل من السماء وليس من أقوال البشر؛ ذهبوا يدعون أنه من أقوال السحرة وأفعالهم، متأثرين في زعمهم هذا بثقافة السحر والسحرة التي كانت منتشرة في بيئتهم.

ولنا أن نرد على هذه الفرية من خلال نقطتين، هما: أولا: لقد نسي هؤلاء أو تناسوا أن القرآن الكريم حريص طوال الوقت على رفض تلك الترهات والخرافات!. ثانيا: إذا كان القرآن الكريم سحرا فلماذا لم يسحر كل مناهضيه ومعارضيه؟ أم أنه كان سحرا على مجموعة من الناس وليس سحرا على الآخرين؟!.

د – ومما عرضه القرآن الكريم من ادعاءاتهم أيضا أنهم لما قرأوا القرآن ووجدوا فيه بعض السجع، ذهب جماعة منهم إلى الزعم بأن القرآن سجع وكهانة؛ مستدلين على ذلك بقوله تعالى: {وَالطُّورِ (1) وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ (2) فِي رَقٍّ مَّنشُورٍ (3) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (4)} (الطور:1-4).. فرد القرآن الكريم على هذا الزعم بقول الله تعالى: {فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (38) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (39) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (40) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَّا تُؤْمِنُونَ (41) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ (42)} (الحاقة:38-42).. وورد في هذا المعنى عدة آيات منها قوله تعالى: {فَذَكِّرْ فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ } (الطور:29).. وقوله تعالى: {وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ} (التكوير:25).. ورد ربنا سبحانه وتعالى على هذا الادعاء بما يدحضه ويظهر ضعفه وسذاجته قائلا {وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ (210) وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ (211) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (212) } (الشعراء:210-212).. ثم يوضح القرآن الكريم أن الشياطين لا يتعاملون إلا مع نوعية معينة من البشر: {هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ {221} تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ {222} يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ {223} } (الشعراء:221-223).. فالشياطين كذبة ويتعاملون مع الأفاكين والكذبة أمثالهم.

هـ - ومما أبرزه القرآن الكريم من دعاويهم الواهية وطلباتهم الطائشة - أيضا - ما ذكره الله تبارك وتعالى في قوله: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً } (الفرقان:32).. وفي نفس الآية رد الله تبارك وتعالى قائلا {كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا} (الفرقان:32).. فالعلة في نزوله منجما هي أن يتم تثبيت قلب النبي  " صلى الله عليه وسلم"  به في مواجهة ما يتعرض له من محن ومصاعب.. وثمة علة أخرى تتعلق بارتباط القرآن الكريم بمعالجة كل واقعة حال حدوثها، وهي أنه لو نزل القرآن الكريم كله مرة واحدة لتعجبوا من كثرة موضوعاته وتعدد قضاياه، وأنكروه واعترضوا عليه.

والخلاصة هنا: أن القرآن الكريم بلغ الذروة في النزاهة في عرض فكر خصومه ومنتقديه ليعلّم الناس جميعا أن الحوار الهادئ المستنير هو الآلية الوحيدة الناجعة في تمييز الحق من الباطل، والصواب من الخطأ.

ثالثا: القدرة على نقد الذات

من الأسس التي نرى أن يقوم عليها علم «نقد الأفكار» هو أن يقوم الحوار الفكري على استعداد الذوات المتحاورة للاعتراف بوجوه التقصير لدى الأنا، إن وجد، مع الاستعداد أيضا للاعتراف للآخر بحقه ومكانته.. غير أنه يتبين للراصد للكتابات - شبه السجالية - التي تنتجها مطابعنا وبعض المطابع الغربية أو الشرقية على السواء- أن بعض الكتاب سواء من هنا أو من هناك يتبنون وجهة نظر مفادها أن الأنا هي الأفضل دائما، وأن الآخر هو المسؤول عن كل شيء غير مقبول وغير حضاري.. فهناك من الأقلام الغربية من لا يكف عن التذكير بأن العرب حَمْلٌ على الحضارة، وأن الغرب هو من ينتج لهم كل متطلبات حياتهم, ويزعم بعضهم أن الفكر والإبداع غربي في القديم والحديث.. وبالمقابل منا أناس يطنطنون طوال الوقت بمسؤولية الغرب عن تخلفنا، بسبب نظرته الاستعمارية لنا ولثرواتنا.. ويتهمون الغرب بأنه يحتكر التكنولوجيا، ناسين أو متناسين عدة أمور:

أ – أن الغرب لا يحتكر التكنولوجيا بدليل أن مجتمعات شرق آسيا قد نجحت إلى حد كبير في اكتساب العلم والتكنولوجيا، وأضحت تمتلك مستويات متقدمة من الاقتصاد والمعرفة، بما يتيح لها أن تتنافس مع دول الغرب الأوروبي، وربما تتفوق عليها.

ب - عجزنا وتقصيرنا نحن عن الوصول إلى التكنولوجيا، سواء كان ذلك بسبب قصور في تنمية القدرات الإبداعية في طرق التعليم ببلادنا العربية والإسلامية، أم بسبب كسلنا واعتمادنا على الآخر!.

ج – إن أحدا لن يتصدق علينا بالمعرفة العلمية.. من ثم فلابد من بذل الجهد والعرق والمال من أجل الوصول إلى المفتاح السحري للتكنولوجيا، إذا أردنا أن نكون من الأمم التي تسمع لها كلمة ويؤخذ لها رأي في قضايا العالم ومسائله.

والحق أن تاريخ ثقافتنا زاخر بما يفيد أننا أمة تعترف لغيرها بالفضل, إذا كان له ذلك، فـ «ابن رشد» -مثلا- ذهب إلى أنه علينا أن نطلع على ما عند غيرنا، فإن وجدنا فيه خيرا أفدنا منه وشكرناهم عليه، وإن كان غير ذلك تركناه وعذرناهم (2).

الخلاصة

والخلاصة أن التناول الحقيقي لقضية حوارية يجب أن يتسم بالموضوعية، والموضوعية تعني عدم السعي نحو تبرئة الذات ومدحها والتغني بأمجادها طوال الوقت، بل تعني التحليل العلمي السليم، القائم على أسس معرفية تنطلق بالدرجة الأولى من الوعي بهدف النقد والتحاور بين الطرفين، وبأن المصلحة يجب أن تكون متبادلة.

إن عالمنا المعاصر بات متداخلا تداخلا شديدا، والأفكار تنتقل من هنا إلى هناك من دون تصريح ولا استئذان.. بالتالي فعلينا أن نسعى لامتلاك آليات فكرية تتيح لنا التواصل الواعي مع الجميع، الأمر الذي يجنبنا الانكفاء على الذات، وينجينا من الاستلاب الحضاري.

الهوامش :

(1) ألف الإمام أبوحامد الغزالي كتاب «مقاصد الفلاسفة» ليبين أنه فهم فلسفتهم وأفكارهم على هذا النحو.. ولقد وفق الغزالي في ذلك كثيرا لدرجة أن بعضهم قال إن الغزالي شرح آراء الفلاسفة أفضل من شرحهم لها، ثم عمد بعد ذلك إلى الرد على أفكارهم في كتاب آخر سماه «تهافت الفلاسفة»، والكتابان مطبوعان بدار المعارف بمصر.

 (2) ابن رشد، فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال، القاهرة، المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، تحقيق د. محمد الشحات الجندي، ص10.

1926801222

د. يحيى حسن وزيري :

عندما نذكر أرض الله الحرام، فإننا نعني بذلك مساحات محددة من مكة المكرمة (وينطبق ذلك أيضا على المدينة المنورة)، وذلك طبقا لما ورد وجاء ذكره في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة.

ويروى أن أول من نصب حدود الحرم إبراهيم عليه السلام، ثم إن قريشا قلعوها في زمن النبي  " صلى الله عليه وسلم" ، فشق ذلك عليه، ثم إنهم أعادوها وجددها النبي  " صلى الله عليه وسلم"  (1)، فقد روى أبونعيم عن ابن عباس  "رضي الله عنه" ، أن النبي  " صلى الله عليه وسلم" : بعث عام الفتح أسدا الخزاعي فجدد أنصاب الحرم، وكان إبراهيم وضعها يريه إياها جبريل» (2).

ويخبرنا القرآن الكريم عن حرمة مكة المكرمة في قول الله تعالى: {أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى  إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} (القصص:57)، وقوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ} (العنكبوت:67)، كما يقول الله سبحانه وتعالى: {إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ   وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} (النمل:91)، كما يوضح القرآن الكريم في موضع آخر حرمة الصيد على المحرم في قول الله تعالى: {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا} (المائدة:96).

ويوضح الرسول  " صلى الله عليه وسلم"  المعاني الجليلة الواردة في الآيات القرآنية الكريمة السابقة، في الحديث الذي رواه الإمام مسلم في صحيحه في كتاب الحج عن حرمة مكة (3): عن ابن عباس  "رضي الله عنه"  قال: قال رسول الله  " صلى الله عليه وسلم"  يوم الفتح: «لا هجرة ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا» وقال يوم الفتح: «إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي، ولم يحل لي إلا ساعة من نهار، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يعضد شوكه، ولا ينفر صيده، ولا يلتقط إلا من عرفها، ولا يختلى خلاها. فقال العباس: يا رسول الله إلا الإذخر فإنه لقينهم ولبيوتهم، فقال: إلا الإذخر».

فالحديث الشريف ينهى بوضوح عن قطع أشجار الحرم ونباته، وإن كانت شوكا، كما ينهى عن تنفير صيد الحرم، فما بالنا بصيده، وهو ما يشير إلى أهمية المحافظة على البيئة الطبيعية لمكة المكرمة بكل عناصرها النباتية والحيوانية.

كما أنه يحرم القتال بمكة المكرمة، ففي الصحيحين: أن عمرو بن سعيد لما أراد بعث الناس إلى مكة لقتال ابن الزبير، قال له أبوشريح: «يا أيها الأمير أحدثك حديثا سمعته أذناي ووعاه قلبي، أنه  " صلى الله عليه وسلم"  قال: إن مكة حرّمها الله ولم يحرّمها الناس، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما، ولا يعضد بها شجرة، فإن أحد ترخص بقتال رسول الله فيها، فقولوا: إن الله عزوجل أذن لرسوله، ولم يأذن لكم، وإنما أذن لي فيها ساعة من نهار ثم عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، فليبلغ الشاهد الغائب».

وجدير بالذكر هنا أن نوضح أن الرسول  " صلى الله عليه وسلم" ، قد حرّم المدينة المنورة وقرر حدود الأرض الحرام بها، فقد روى الإمام البخاري في صحيحه (4)، عن أنس  "رضي الله عنه"  عن النبي  " صلى الله عليه وسلم"  قال: «المدينة حرم من كذا إلى كذا، لا يقطع شجرها، ولا يحدث فيها حدث، من أحدث حدثا، فعليه لعنة الله والملائكة، والناس أجمعين»، والحدث: الأمر الحادث المنكر الذي ليس بمعتاد ولا معروف في السنة، وأما المحدِث فيروى بكسر الدال (وهو فاعل الحدث) لا بفتحها وهو الأمر المبتدع نفسه.

كما روى الإمام مسلم في صحيحه (5)، عن رافع بن خديج  "رضي الله عنه"  قال: قال رسول الله  " صلى الله عليه وسلم" : «إن إبراهيم حرم مكة، وأنا أحرم ما بين لابتيها». (يريد المدينة). و«اللابّة»: الحرة، وهي الأرض ذات الحجارة السود، والمدينة بين حرتين.

وبذلك يتضح لنا سبق المنهج الإسلامي من خلال القرآن والسنة الصحيحة في حماية البيئة الطبيعية للمدن، وهو بذلك قد سبق ما يعرف اليوم بنظام «المحميات الطبيعية» بتحريمه الصيد أو قطع الأشجار في مكة والمدينة، ولا يظن أحد أنني أذهب بالحديث بعيدا عن السبب الذي سيق من أجله وهو تقديس هذه الأماكن، وأن تبقى بقعا آمنة يأمن كل مخلوق فيها على نفسه، غير أن هذا الأمر يجعل موضوع المحميات الطبيعية غير غريب أيضا عن الحس الإسلامي.

مما سبق يمكن أن نحدد الأحكام المتعلقة بالأرض الحرام والتي تتصل ببيئتها وحدودها، فيما يلي (6):

1- تحريم تنفير الصيد بمكة وقتله، ويستثنى من ذلك الفواسق الخمس لحديث رسول الله  " صلى الله عليه وسلم" .

2- تحريم قطع الشجر والشوك والخلى، ويستثنى من ذلك نبات الإذخر لحديث الرسول  " صلى الله عليه وسلم" .

3- تحريم أخذ لقطة الحرم إلا للتعريف.

ومن الأشياء المهمة أيضا التي تتعلق بالحرم المكي هو تحريم القتال وسفك الدماء فيه، فقد روى الإمام البخاري عن أبي شريح  "رضي الله عنه" ، عن النبي  " صلى الله عليه وسلم"  (7): «فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بِهَا دما ».

ولم يأذن الله لرسوله  " صلى الله عليه وسلم"  وللمسلمين بقتال فيها، إلا إذا ابتدرهم الكافرون بالقتال، قال تعالى: { وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى  يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ} (البقرة:191).

وبناء على ما سبق فإننا إذا ما عقدنا مقارنة مع القوانين الوضعية بشأن المحميات الطبيعية، وما ورد في القرآن والسنة بشأن أحكام الحرم المكي، يتضح لنا سبق وتميز المنهج الإسلامي في هذا الصدد.

فإذا أخذنا القانون المصري في هذا الشأن كنموذج، فقد صدر القانون رقم 102 لسنة 1983م في شأن المحميات الطبيعية بمصر، لتوفير الحماية للموارد الطبيعية والتنوع البيولوجي، وللحفاظ على الاتزان البيئي (8)، نجد أن المادة الأولى من هذا القانون تعرف المحمية الطبيعية على أنها: «مساحة من الأرض أو المياه الساحلية أو الداخلية تتميز بما تضمه من كائنات حية، أو نباتات، أو حيوانات، أو أسماك، أو ظواهر طبيعية ذات قيمة ثقافية، أو علمية، أو سياحية، أو جمالية». أما المادة الثانية من نفس القانون فتضع ضوابط التعامل مع تلك المحميات كما يلي: «يحظر القيام بأعمال، أو تصرفات، أو أنشطة، أو إجراءات من شأنها تدمير أو إتلاف أو تدهور البيئة الطبيعية، أو الإضرار بالحياة البرية أو البحرية أو النباتية أو المساس بمستواها الجمالي بمنطقة المحمية».

أي إن قانون المحميات الطبيعية في مصر يحظر تدمير أو إتلاف الحياة البرية (الحيوانات)، أو البحرية (الأسماك)، أو النباتية، وهو ما سبق إليه المنهج الإسلامي (القرآن والسنة) بحوالي أربعة عشر قرنا من الزمان، بل وتفوّق على القانون الوضعي ليس في قتل صيد البر فقط بل وتنفيره أيضا، ووصل نهيه بالنسبة للحياة النباتية بعدم قطع الشوك وليس فقط الأشجار الموجودة في أرض الله الحرام، بل وتحريم القتال وسفك الدماء.

وفي المادة السابعة من قانون المحميات الطبيعية بمصر عقوبات تتراوح ما بين الغرامة المالية والحبس، لمن لم يلتزم بما ورد في مواد القانون، وفي هذا الشأن أيضا نجد أن علماء المسلمين أوجبوا إيقاع عقوبة على من يقطع شجر الحرم.

فقد قال الواقدي (9): «لما أرادت قريش البنيان قالوا لقصي: كيف نصنع بشجر الحرم؟ فنهاهم وحذرهم في قطعها وخوفهم من العقوبة في ذلك، فكان أحدهم يحوق بالبنيان حول الشجرة حتى تحصل في منزله، قال: وأول من رخص في قطع شجر الحرم في البنيان عبدالله بن الزبير، حين ابتنى دورا بقعيقعان (جبل بمكة)، لكنه جعل دية كل شجرة بقرة، وكان يروى عن عمر أنه قطع دوحة كانت في دار أسد بن عبدالعزى، وكانت تنال أطرافها ثياب الطائفين بالكعبة، وذلك قبل أن يوسع المسجد، فقطعها عمر  "رضي الله عنه" ، ووادها (دفع ديتها) ببقرة».

وقال النووي (10): «اتفق العلماء على تحريم قطع أشجار مكة التي لا يستنبتها الآدميون في العادة، وعلى تحريم قطع خلاها وهو الرطب من الكلأ، واختلفوا في ضمان الشجر إذا قطع، فقال مالك: يأثم ولا فدية، وقال الشافعي وأبوحنيفة: عليه الفدية، وأوجب أبوحنيفة القيمة، والشافعي في الكبيرة بقرة والصغيرة شاة، وكذا جاء عن ابن عباس».

الخلاصة:

سيظل المنهج الإسلامي سبّاقا ومهيمنا على القوانين التي يضعها البشر في كل زمان ومكان، وهو ما ظهر في دراستنا هذه التي تناولت سبق القرآن والسنة في حماية البيئة الطبيعية للحرمين الشريفين، واستخدام مصطلح «الأرض الحرام»، وهو مصطلح شرعي تتعلق به أحكام وواجبات شرعية، ولكن في نفس الوقت يسهم بطريقة مباشرة في الحفاظ على البيئة الطبيعية للحرمين الشريفين، وكذلك الارتقاء بالتربية البيئية للمسلمين زوار الأماكن المقدسة في الحرمين الشريفين، وتهذيب سلوكهم في التعامل مع البيئة النباتية والحيوانية لأرض الله الحرام، مما ينعكس على سلوكهم بصفة عامة في بقاع الأرض المختلفة.

الهوامش

(1) بدر الدين الزركشي، إعلام الساجد بأحكام المساجد، ص 63.

(2) انظر كتاب: الإصابة في تمييز الصحابة 1/183.

(3) انظر صحيح مسلم: (باب تحريم مكة وصيدها وخلاها وشجرها ولقطتها إلا لمنشد على الدوام).

(4) انظر صحيح البخاري: (كتاب فضائل المدينة).

(5) انظر صحيح مسلم: (كتاب الحج).

(6) البلد الحرام فضائل وأحكام، إعداد كلية الدعوة وأصول الدين بجامعة أم القرى (1423هـ)، ص43 وما بعدها.

(7) انظر صحيح البخاري: (باب لا يحل القتال بمكة).

(8) يمكن الاطلاع على القانون المصري الخاص بالمحميات الطبيعية على شبكة الإنترنت.

(9) بدر الدين الزركشي، إعلام الساجد بأحكام المساجد، ص 155.

 (10) بدر الدين الزركشي، إعلام الساجد بأحكام المساجد، ص 226 ومابعدها.

large 1238

د. مسعود صبري:

ضجت المجلات العلمية والمراكز الطبية بالحديث عن علاج الشيخوخة ومنعها، وقد دفعت طوائف من الناس آلاف الأموال أملا في أن يؤخروا الشيخوخة أو يمنعونها، لكن مؤخرا امتنعت شركات الأدوية عن تمويل أبحاث علاج الشيخوخة؛ استنادا إلى أن كل الأبحاث التي كتبت، بالأموال التي صرفت؛ لم تفد في علاج الشيخوخة، وأنه من الأولى إغلاق هذا الباب في الطب والعلاج.

وهذه النتيجة التي توصل إليها الأطباء من كون الشيخوخة لا تعالج، وجدت في السنة النبوية من أكثر من ألف وأربعمائة عام، ولو عُمل بها، لوفرت على العالم ملايين الدولارات التي أنفقت بلا طائل، فكل دارس للشريعة، وعالم ببعض مبادئه يدرك تلك النتيجة التي توصل لها العلماء بعد سنوات من الجهد وإنفاق والمال، وهي أنه: لا علاج للشيخوخة.

وهذا يشير إلى الإعجاز النبوي في عالم الطب، والحديث الذي أشار إلى هذه الحقيقة الطبية هو قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما صح من حديث الترمذي وغيره: " إن الله لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء إلا الهرم" .. يعني الشيخوخة.

وهذه الحديث يحمل حقيقتين في الطب:

الحقيقة الأولى: لا علاج بلا مرض:

 أن كل الأمراض التي يصاب بها الإنسان يمكن أن يتداوى منها، لأن القاعدة أن الله تعالى خلق الداء والدواء، وهذا يفتح آفاقا للعلماء في الطب، من البحث عن الدواء، وأن الدواء مخلوق موجود، ولكن مطلوب البحث والكشف عنه، مما يعطي دفعة قوية للأطباء في اكتشاف كل الأمراض، وهذا الفكر الراقي يجعل الأطباء غير محجمين عن الاختراعات والاكتشافات الطبية للعلاج، لأن عندهم القاعدة التي تقول: لا داء إلا له دواء.

الحقيقة الثانية: الشيخوخة لا علاج لها:

 إن الشيخوخة ليست مرضا حتى يعالج، فالشيخوخة لا تتغير، فهي أقصى الكبر، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم ذكرها مع الأمراض؛ لأنه مع هذه السن تكثر أمراض الإنسان، فيتعالج الإنسان من الأمراض التي تصيبه مع الشيخوخة، لا أن يترك نفسه بغير علاج، لكن هذا التداوي خاص بالأدوية دون الشيخوخة نفسها.

تعريف الشيخوخة في الطب:

و الشيخوخة في الطب  معناها إصابة الأعضاء الجسدية بالضعف وإصابتها بالتدهور.

فالشيخوخة تقدم في العمر يصيب الإنسان فيحدث خللا وتلفا في عملية النمو، فيحدث فقدان الخلايا لقابلية الانقسام فلا يتجدد، فيضمر وينتهي رويدا رويدا.

وكان أول من تنبه لظاهرة الشيخوخة كعلم مستقل، الطبيب الفرنسي شاركوت عام 1881م، ولكن هذه المعلومة العلمية من الطبيب الفرنسي لم يتبعه الأطباء فيها، إلا أنه أعيد الحديث عنها في القرن العشرين، لكنَّ بيعَ الوهم دفع شركات الأدوية بإنفاق أموال طائلة لظن الوصول إلى علاج، محاولين طمس حقيقية نبوية وقرآنية، من أن الشيخوخة لا علاج لها، وهو ما قاله الله تعالى في قوله:

 (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۖ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ) الروم :54.


الشيخوخة في الفقه:

ولقد عرف الفقهاء الشيخوخة ووضعوا لها حدا، وجعلوا لها أحكاما خاصة، فالشيخوخة والهرم تشمل:

الشيخ الفاني , وهو الذي فنيت قوته , أو أشرف على الفناء , وأصبح كل يوم في نقص إلى أن يموت .

و العجوز , وهي المرأة المسنة .

ومن رحمة الله تعالى بالرجل الشيخ والمرأة العجوز إن أسقط عنهما الصيام، إذا كان الصوم يجهدهما ويشق عليهما مشقة شديدة، كما قال تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} [البقرة: 184]

كما ذهب بعض الفقهاء إلى سقوط الجزية عن الكتابي إن أصيب ببعض العاهات منها الشيخوخة.

قال القرطبي: "قال علماؤنا: الذي دل عليه القرآن أن الجزية تؤخذ من المقاتلين... وهذا إجماع من العلماء على أن الجزية إنما توضع على جماجم الرجال الأحرار البالغين، وهم الذين يقاتلون دون النساء والذرية والعبيد والمجانين المغلوبين على عقولهم والشيخ الفاني".

ومن أحكام الشيخوخة تقدير وتوقير كبار السن والمسنين، والتعامل معهم برحمة ورفق، ويسطر الإسلام في قانونه النبوي نصا يوجب على المسلمين التعامل بالرفق واللين معهم، فهي من رحمة الإسلام، فأخرج أحمد والترمذي عن ابن عباس – رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ليس منا من لم يوقر كبيرنا، ويرحم صغيرنا، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر".

وسيظل العلم يثبت لنا تلك الحقائق الكبرى المسطورة في القرآن، لكن لا ينتبه إلى قيمتها إلا بعد قرون عديدة، مما يدل على صدق هذا الكتاب وأنه كما قال تعالى: {وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (41) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ } [فصلت: 41، 42]، فالقرآن كتاب الحقائق لا الأباطيل.



22252225

هاني إسماعيل محمد :

لم يحظ فن من فنون الأدب العربي بكثرة الدراسات وتنوعها، سواء القديمة منها أو الحديثة، مثلما حظي الشعر العربي، وخاصة الجاهلي منه، إذ يعد المرجع الموثوق به لأساليب العرب البلاغية والبيانية والمصدر الأصيل لمفرداتهم اللغوية وطرقهم التعبيرية، فضلا عما يحويه الشعر العربي من مآثر العرب ومفاخرها، وأحداث أيامها ووقائعها، فهو الوثيقة الرسمية الأولى التي دونت تاريخ العرب الوجداني والاجتماعي منذ بزوغ الجنس العربي ونبوغ عقليته.

يفسر لنا هذا مدى احتفاء القبائل العربية بالشعراء الذين كانوا بمثابة المتحدثين الاعلاميين أو الرسميين لقبائلهم، فهم الذين يعبرون عن آراء قبيلتهم وتوجهاتها وينافحون عن جنابها وحرماتها، وهذا ما أكده ابن رشيق في عمدته فقال:

«كانت القبيلة من العرب إذا نبغ فيها شاعر أتت القبائل فهنأتها، وصنعت الأطعمة، واجتمع النساء يلعبن بالمزاهر كما يصنعن في الأعراس، ويتباشر الرجال والولدان، لأنه حماية لأعراضهم، وذب عن أحسابهم، وتخليد لمآثرهم، وإشادة بذكرهم، وكانوا لا يهنئون إلا بغلام يولد، أو شاعر ينبغ فيهم، أو فرس تنتج»(1).

وكما احتفت القبيلة العربية بالشعراء وأشعارهم احتفى المفسرون على اختلاف توجهاتهم وتباين مناهجهم بالشعر، وقاموا بتوظيفه في تفسير النص القرآني الكريم وكشف ما فيه من غريب الألفاظ وغامض المعاني، فالقرآن نزل بلسان عربي مبين، ومن ثم كانت معرفة اللغة وأسرارها شرطًا أساسيًا من شروط من يتصدر للتفسير «وروى البيهقي في الشعب عن مالك قال: لا أوتى برجل غير عالم بلغة العرب يفسر كتاب الله إلا جعلته نكالا»(2)، وقال أبوالليث: «وأما من لم يعرف وجوه اللغة فلا يجوز أن يفسره إلا بمقدار ما سمع فيكون ذلك على وجه الحكاية لا على وجه التفسير»(3).

ويؤكد هذا الشاطبي في موافقاته فيقول:

«إن القرآن نزل بلسان العرب على الجملة، فطلب فهمه إنما يكون من هذا الطريق خاصة، لأن الله تعالى يقول: {إنا أنزلناه قرآنا عربيا}، وقال {بلسان عربي مبين}، وقال: {ولو جعلناه قرآنا أعجميًا لقالوا لولا فصلت آياته أأعجمي وعربي}، إلى غير ذلك مما يدل على أنه عربي وبلسان العرب، لا أنه أعجمي أو بلسان العجم، فمن أراد تفهمه فمن جهة لسان العرب يفهم، ولا سبيل إلى تطلب فهمه من غير هذه الجهة»(4).

ومع بداية ظهور التفسير بدأ الاهتمام بالشعر في فهم المفردة القرآنية ودلالتها اللغوية، وذلك نظرا لما يتضمنه الشعر من ثراء لغوي، ولما يحتويه من خصائص الأسلوب العربي المبين، «فقد كان المفسرون من علماء اللغة الذين يحرصون على حفظ الشعر وقراءة الدواوين ودراستها حتى ذكر الواحدي انه درس اللغة ودواوين الشعراء على شيخه العروضي»(5).

وتشير المصادر إلى أن حبر الأمة عبدالله بن عباس  "رضي الله عنه"  ورد عنه كثيرًا من الشواهد الشعرية في تفسير آي الذكر الحكيم، يقول عكرمة: «ما سمعت ابن عباس فسر آية من كتاب الله عز وجل إلا نزع فيها بيتًا من الشعر، وكان يقول: إذا اعياكم تفسير آية من كتاب الله فاطلبوه في الشعر، فإنه ديوان العرب»(6).

وعن سعيد بن جبير قال: «سمعنا ابن عباس يُسأل عن الشيء من القرآن فيقول فيه كذا وكذا، أما سمعتم الشاعر يقول كذا وكذا»(7)، وعنه أيضا وعن يوسف بن مهران أن ابن عباس، «قال: إذا تعاجم شيء من القرآن، فانظروا في الشعر، فإن الشعر عربيّ، ثم دعا ابن عباس أعرابيًا، فقال: ما الحرج؟ قال: الضيق. قال: صدقت»(8).

وعلى الرغم من كثرة هذه الروايات التي وردت عن ابن عباس في هذا الباب إلا أن هناك بعض الروايات التي تفيد بأن قصب السبق كان لعمر بن الخطاب  "رضي الله عنه"  فهو أول من لفت الأنظار إلى أهمية الشعر في فهم القرآن الكريم وغريب ألفاظه، فقد روي عنه أنه سُئل على المنبر عن قوله تعالى: {أو يأخذهم على تخوف} فقال له رجل من هذيل التخوف عندنا التنقص، ثم أنشده.

تخوّف الرجل منها تامِكا قَرِدا

كما تخوف عود النَّبْعَة السَّفَن

فقال عمر: أيها الناس تمسكوا بديوان شعركم في جاهليتكم، فإنه فيه تفسير كتابكم(9).

ومع أن هذه الدعوات صدرت من الرعيل الأول من صحابة الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام بيد أن فريقًا من المفسرين انصرف عن «الولوج في الشواهد الشعرية لتفسير الآيات القرآنية حذرا من الزلل لاسيما في كتاب الله»(10)، وقد ذكر السيوطي أن الفضل بن زياد نقل عن الإمام أحمد رحمه الله «أنه سئل عن القرآن، يمثل له الرجل ببيت من الشعر؟ فقال: ما يعجبني فقيل ظاهره المنع»(11)، وهذا يفسر لنا عزوف بل إنكار فريق من المفسرين الاستشهاد ولو ببيت من الشعر مفرد في تفاسيره.

وما عزف المفسرون عن الشعر إلا ورعا وكراهة أن يُصرف معنى من معاني القرآن إلى غير مقصوده، وفي هذا يقول السيوطي: «الكراهة تحمل على صرف الآية عن ظاهرها إلى معان خارجة محتملة يدل عليها القليل من كلام العرب، ولا يوجد غالبا إلا في الشعر ونحوه، ويكون المتبادر خلافها»(12).

ومع هذا نجد أن هذا الاتجاه الذي تورع عن توظيف الشعر العربي في فهم النص القرآني لم يكن اتجاهًا سائدا بل كان محدودًا، وعلى العكس من ذلك كان معظم المفسرين ومن قبلهم النحويون يلجأون إلى الشواهد الشعرية لتفسير غريب ألفاظ القرآن، ويصرح بذلك ابن الأنباري بعدما ذكر دور ابن عباس في الاستشهاد بالشعر في الرد على مسائل نافع بن الأزرق عن مواضع في القرآن فيقول: «فيه دلالة على بطلان قول من أنكر على النحويين احتجاجهم على القرآن بالشعر، وأنهم جعلوا الشعر أصلا للقرآن، وليس كذلك، وإنما أراد النحويون (وعلى إثرهم المفسرون) أن يثبتوا الحرف الغريب من القرآن بالشعر، لأن الله تعالى قال:{ إنا أنزلناه قرآنا عربيا} وقال تعالى: {بلسان عربي مبين} (13).

وقد قال أبوهلال العسكري في صناعتيه وهو ينوه إلى فضائل الشعر: «من ذلك أيضا أن الشواهد تنزع من الشعر، ولولاه لم يكن على ما يلتبس من ألفاظ القرآن وأخبار الرسول شاهد»(14).

وهذا القول يلفت انظارنا إلى قضية الطعن في الشعر العربي، والجاهلي منه خاصة، كما رأينا في كتاب الدكتور طه حسين «في الشعر الجاهلي»، فالطعن في المصدر الرئيسي والمنبع الأول للغة القرآن الكريم يعد طعنًا صريحًا في القرآن الكريم وطعنا في شواهدها التي عول عليها المفسرون(15)، حيث أراد الطاعنون من مستشرقين وتلامذتهم أن يطعنوا في القرآن ومعانيه «عن طريق خافت الضوء هو الشعر، حتى لا تحدث ضجيجًا أو صياحًا يفسد عليها هدفها الذي تسير فيه حتى تصل إلى غايتها الخطيرة، وهي تقصد أساسًا إلى محاربة القيم الإسلامية وإزاحة فكرة الأصول الثابتة»(16)، عبر التشكيك في شاهد القضية الرئيسي، الشعر العربي الذي وصفه ابن رشيق في عمدته: «بأكبر علوم العرب، وأوفر حظوظ الأدب، وأحرى أن تقبل شهادته، وتمتثل إرادته»(17)، ومن قبله وصفه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب  "رضي الله عنه"  بأصح علوم العرب حين قال: «كان الشعر علم قوم لم يكن لهم علم أصح منه»(18).

ومن الأمثلة الموضحة لمدى توظيف الشعر في كشف غموض الدلالة اللفظية والتراكيب اللغوية في السياق القرآني ما جاء في تفسير القرطبي لقوله تعالى: {إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم} أي قعر النار، ومنها منشؤها ، ثم هي متفرعة في جهنم، طلعها أي ثمرها، سمي طلعها لطلوعه، كأنه رؤوس الشياطين قيل: يعني الشياطين بأعيانهم، شبهها برؤوسهم لقبحهم، ورؤوس الشياطين متصور في النفوس وإن كان غير مرئي، ومن ذلك قولهم لكل قبيح هو كصورة الشيطان، ولكل صورة حسنة هي كصورة ملك، ومنه قوله تعالى مخبرًا عن صواحب يوسف: {ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم} وهذا تشبيه تخييلي، روي معناه عن ابن عباس والقرظي، ومنه قول امرئ القيس:

أيقتلني والمشرفي مضاجعي

ومسنونة زرق كأنياب أغوال

وإن كانت الغول لا تعرف، ولكن لما تصور من قبحها في النفوس، وقد قال الله تعالى: {شياطين الإنس والجن} فمردة الإنس شياطين مرئية، وفي الحديث الصحيح: ولكأن نخلها رؤوس الشياطين وقد ادعى كثير من العرب رؤية الشياطين والغيلان، وقال الزجاج والفراء: الشياطين حيات لها رؤوس وأعراف، وهي من أقبح الحيات وأخبثها وأخفها جسمًا.

مع بداية ظهور التفسير بدأ الاهتمام بالشعر في فهم المفردة القرآنية ودلالتها اللغوية

---

الهوامش

1- ابن رشيق: العمدة 1/65.

2- السيوطي: الاتقان في علوم القرآن 2/444.

3- السابق: 2/447.

4- الموافقات: 2/305.

5- الشاهد الشعري في تفسير القرآن عبدالرحمن الشهري ص 209.

6- التبريزي، شرح حماسة أبي تمام 3/1.

7- القرطبي، الجامع لأحكام القرآن 41.

8- تفسير الطبري: 690.

9- الموافقات: 2/321.

10- المفسرون واهتمامهم بالشعر العربي: د.أحمد حمد سليمان الصقعبي، مجلة الشريعة والدراسات الإسلامية، ع 83 ديسمبر 2010، ص 31.

11- الإتقان للسيوطي: 2/444.

12- السابق: نفس الصفحة.

13- البرهان في علوم القرآن للزركشي: 1/397.

14- الصناعتين لأبي هلال العسكري: 1/43.

15- انظر تفصيل الطعن في الشعر والرد عليه في الشاهد الشعري للدكتور الشهري ص 212 وما بعدها.

16- أنور الجندي: مقال الحداثة، مجلة منار الإسلام الإماراتية، عدد ربيع الأول 1406هـ.

17- العمدة: 1/16.

18- طبقات فحول الشعراء للجمحي: 1/24.

الملا وفهد ناصر يكرمان بطل العالم يوسف العبدالرزاق

  الكويت – الوعي الشبابي: كرم د.صقر الملا نائب المدير العام للرياضة التنافسية، ورئيس ...

أطفالنا والصيام

  نهى الفخراني أطفالنا شديدو الذكاء والملاحظة.. فتراهم يلحظون متى ننشغل عنهم وإن بدا أننا ...

الطوفان الرقمي.. يكشف خبايا الشبكة العنكبوتية

 القاهرة – عبد الحليم حفينة: بالتأكيد إنك أحد مستخدمي الشبكة العنكبوتية طالما شرعت في ...

اتصل بنا

  • صندوق البريد: 23667 الصفاة 13097 - الكويت
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
  • 22467132 - 22470156

عندك سؤال