السبت، 22 يونيو 2024
رئيس التحرير
فهد محمد الخزّي

الدكتور أحمد زكي عاكف وتأديب العلم

د. محمود صالح البيلي - دكتوراه في الأدب والنقد: قيض الله سبحانه وتعالى للعربية من الكتاب من جمع ...


 

 

المتواجدون على الموقع

المتواجدون الأن

40 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

5222558555

د. آندي حجازي:

هل مر بخلدك يوما لم ينزع بعض الأبناء نحو العنف تجاه إخوتهم؟ ولم يتعامل بعض الإخوة مع بعض بتنافر، وبغض أحيانا؟ أو لم يثور بعض الأبناء ضد الوالدين؟ ولم يعاني بعض الأبناء من التوتر والانفعالات الحادة في غالبية أوقاتهم؟ أو لم يلجأون إلى الصراخ ورفع الصوت؟ أو بالعكس ينزوون في جانب من البيت بلا تفاعل؟

كل تلك التساؤلات قد تكون إجاباتها ومحركها واحدا، وهو الغيرة بين الأبناء؛ فالغيرة شعور طبيعي فطري يولد بداخلنا، يؤجج فينا مشاعر معينة تجاه الآخرين، يبنى عليها الكثير من العلاقات الاجتماعية والسلوكيات والانفعالات.

وقد قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: «ما غرت على امرأة قط؛ ما غرت على خديجة من كثرة ما كان رسول الله  " صلى الله عليه وسلم"  يذكرها». فالغيرة أمر موجود في الطبيعة البشرية. وهي قد تكون إيجابية حميدة ومطلوبة، وقد تكون سلبية وضارة منبوذة! فتكون إيجابية مرغوبة حينما تولد تنافسا شريفا بين الأبناء أو بين الأشخاص الموجودين في المكان ذاته، كالذين يعملون في الشركة أو المؤسسة نفسها، فلولا الغيرة الحميدة بين أعضائها لما كان هناك إنتاج وتطور وتحسين وإبداع. ومن الغيرة الحميدة غيرة الرجل على زوجته وبناته لحمايتهن، وقد قال سعد بن عبادة  "رضي الله عنه" : «لو رأيت رجلا مع امرأتي لضربته بالسيف، غير مصفح». فبلغ ذلك رسول الله  " صلى الله عليه وسلم"  فقال: «أتعجبون من غيرة سعد؟ والله لأنا أغير منه، والله أغير مني، ومن أجل غيرة الله حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن» (صحيح البخاري، ج6).

أما الغيرة السلبية البغيضة فهي المدمرة للنفس، القاضية على الكثير من الجهود والسعادة والعلاقات الاجتماعية، وهي تعرقل صفو الإخوة في أحايين كثيرة؛ لأنها تؤدي إلى الحسد والحقد والغيبة والعنف والحزن. والغريب أن كلا نوعي الغيرة، الإيجابية والسلبية، نحن البشر من ندرب عليه، ونؤجج مشاعره بدرجات مختلفة!

والغيرة قد تتطور لتصبح من الأمراض النفسية أو القلبية التي تصيب الشخص، كالكذب والغش والتحايل والحسد، وضعف تقدير الذات.. وقد تبدأ من المراحل الأولى من العمر، مما يتسبب في سلب طاقة الشخص وفاعليته وحيويته، كالمرض حينما يسري في الجسد. والأسوأ أن تستمر مع الشخص سمة مميزة له، طوال حياته، فيصبح يعرف عنه أنه شخص كثير الغيرة من الآخرين، لا يحب الخير لهم، وأناني يحب الخير لذاته أو لأبنائه فقط، دون الآخرين، فيكرهه من حوله.

الأسباب المؤججة لمشاعر الغيرة بين الأبناء

السبب الأول: عدم العدل والمساواة

إن عدم المساواة بين الأبناء في التعامل، من قبل الوالدين، وعدم العدل معهم في كل النواحي، كالمساواة في نوعية الملابس والأدوات والحاجيات، وفي تقديم مشاعر الحب والحنان والتعاطف، وفي التقبيل والاحتضان والابتسام والنظرات الحانية، وفي الرعاية الجيدة، والعطايا والهدايا والمصروف، هي السبب الرئيسي والمحرك الأكبر لمشاعر الغيرة بين الإخوة، فشعور الابن بعدم العدل والمساواة بينه وبين إخوته في البيت يؤدي إلى ثورة نفسية تنشأ داخله، لإحساسه بالظلم. وبالتالي، يقرر الابن أن يقوم ببعض التصرفات الغاضبة أو الإجراءات التي يراها مناسبة لمعاقبة والديه، أو لإشعارهما برفضه لتلك التفرقة؛ فنلحظ بعض الأبناء يعبر بشكل صريح عن امتعاضه من هذه التفرقة، وقد يبدأ بتهديد الوالدين (خصوصا إن كان في سن المراهقة) بأنه سيفعل كذا، وسيفعل كذا إن لم يعاملاه كما يعاملان بقية إخوته، وغالبا ما ينفذ تهديداته إن لم يعمل الوالدان على تغيير أسلوب تعاملهما معه.

فتزداد مشاعر الغيرة حدة بين الأبناء كلما عمل الآباء على التفرقة بين الأبناء، فيزداد الشعور بالظلم، وتأخذ مشاعر الغيرة في التطور والنماء، وتؤثر سلبا على سير العلاقات الودية بين الإخوة في البيت، بل قد تكون الغيرة سببا لخلافات أبدية مستمرة بين الإخوة، وسببا في العداء والكراهية الدائمة.. وهل قتل قابيل هابيل إلا نتيجة مشاعر الغيرة التي جعلته يشعر بأن الله تعالى تقبل من هابيل قربانه ولم يتقبل منه! فما كان من غيرته إلا أن أفرغها في أمر عنيف لا رجعة فيه، ولا ينفع معه الندم، ألا وهو التخلص من أخيه، ليحمل وزره ووزر كل من قتل بعده!

السبب الثاني: المقارنة بين الأبناء

والمقارنة من أسوأ ما يفعله الوالدان، وقد تكون بين الأبناء بعضهم ببعض، أو أمام الناس بمدح بعضهم من دون بعض، فقد يمدح الأب أحد أبنائه دوما، أمام الأقارب والأصدقاء لتفوقه أو مهاراته أو لموهبة لديه أو لقدراته القيادية أو لجمال في شكله.. وفي المقابل، لا يذكر أي شيء إيجابي عن طفله الآخر، ويتكرر ذلك الموقف مرات ومرات، مما يشكل عقدا نفسية لدى الطفل المهمَل، تتحول مع الوقت إلى مشاعر غيرة وكراهية وعدوان، أو انعزال وقنوط. وأحيانا قد لا تتم المقارنة أمام الناس والأقارب والأصدقاء، بل مُوجّهة للطفل نفسه، بتوجيه التقريع إليه، بمقارنته بأخيه، فيقال له: «انظر إلى أخيك، إنه أفضل منك في دراسته، ناجح في عمله.. أو أكثر ذكاء ومهارة وإبداعا منك، وأنت لا تفلح في شيء!..»، مما يحطم قدراته، ويضعف ثقته بذاته، ومع الوقت يؤمن بما يقوله عنه والداه؛ فتضعف ثقته بنفسه، وتضمحل قدراته، وتزداد غربته عن أسرته ومجتمعه.

السبب الثالث: التفوق والتميز

وهو شعور الأخ بتفوق أخيه عليه في جانب معين، كتفوقه عليه في دراسته أو شكله وجماله الخَلقي، أو تميزه في مهاراته، أو مواهبه، كالرسم والرياضة، أو في محبة الآخرين له، أو تفوقه في عمله ورزقه.. مما يثير لديه مشاعر الغيرة، التي لو عولجت، منذ الصغر، بشكل جيد، لكان تعود الابن حب الخير لغيره، وتقبل الفروقات بين البشر، ولتعلم أن الكمال لله وحده، وأن لا أحد لديه كل شيء، بل كل إنسان يتفوق في جانب، ولا يتفوق في كل شيء، وعليه أن يحمد الله على كل حال، لا أن يحسد غيره.

< مظاهر الغيرة بين الإخوة (وقد تظهر واحدة منها أو أكثر)

أولا- الشجار والعراك بينهم

وهو من أوضح مظاهر مرض الغيرة وأعنفها، فبعض الأبناء، خصوصا الكبار منهم، قد لا يعبرون صراحة عن رفضهم للتفرقة وشعورهم بالغيرة من بعض إخوتهم، بسبب أسلوب والديهم في التعامل معهم، ولكن هذا يصبح باديا للعيان من خلال تصرفاتهم التي قد تؤدي إلى صراعات وتوترات نفسية في البيت، وعنف مع الآخرين، واعتداء على إخوته بالضرب والصراخ والشتائم.

ثانيا- البكاء والعناد

وغالبا ما يظهر لدى الصغار، فبكاء الأخ الصغير لأتفه الأسباب، وعناده، وضرب رأسه في الأرض أو بيديه، ورميه للحاجيات بعصبية.. كلها مظاهر تشير، في أحيان كثيرة، إلى مشاعر الغيرة لدى هذا الطفل، وأحيانا كثيرة تكون نتيجة ولادة طفل جديد في الأسرة، فيشعر كأنه أخذ مكانه.. فيبكي، ويعلو صراخه لأي سبب، مثل عدم تلبية طلباته بالسرعة اللازمة، أو لسقوطه على الأرض، أو لأخذ شيء من حاجياته. وكثيرا ما يحدث ألا تعرف الأم سبب هذا البكاء والعناد والنكد والفوضى التي يحدثها، ولكن لو راجعت سلوكياتها وطريقة تعاملها فستعرف.

ثالثا- الخجل والانطواء والعزلة عن أهل بيته

الانزواء وترك مخالطة الآخرين هما من أسوأ ما يصل إليه الابن، نتيجة الغيرة، ففي الوقت الذي يتصور فيه الوالدان أنه يلعب في غرفته وحده، ويمارس هواياته، فلا يقدمان له الاهتمام، وأنه هادئ ووديع... يكون هو يعاني من مشكلة نفسية بداخله، لا يعرف كيف يعبر عنها، وكيف يصارح والديه بما يجد، فتتفاقم وتتحول إلى عقد نفسية وحقد وكراهية للآخرين.. فإهمال الوالدين لطفلهما المنعزل خطير للغاية. ولا يعلم الوالدان أن الغيرة حين تصل إلى مستوى كبير تقضي على مرح الطفل ونشاطه وحيويته التي لا بد أن يتصف بها في مرحلة الطفولة، وأن لهذا الانطواء أثرا سلبيا على الطفل في المستقبل، حيث يصبح يخاف الاختلاط بالناس، مما يقلل ثقته بنفسه وبنجاحه في الحياة.

رابعا- مشاكل سلوكية ملحوظة

تظهر لدى الابن الذي تعتريه مشاعر الغيرة والغيظ سلوكيات ظاهرة للعيان، كقضم الأظافر، والتبول اللاإرادي، أو العبث في حاجيات البيت بفوضى، أو التظاهر بالمرض.. لمحاولة الحصول على الاهتمام والتقرب من الوالدين، وجذب انتباههما وعطفهما. ولكن للأسف كثيرا ما تبوء محاولاته بالفشل، نتيجة عدم إصغاء الوالدين لصوت طفلهما، ولعدم تحرك الجهاز العاطفي لديهما، والذي قد لا يتحرك بالدرجة نفسها لكل الأبناء! الأمر الذي يؤدي إلى تفاقم مشكلة الغيرة بينهم، والتي تستمر حتى عندما يكبرون، فتكبر معهم مشاعر الغيرة والاستياء، وأحيانا الكراهية أو التباعد والجفوة بينهم، ويستمر الوضع حتى بعد أن يتزوجوا ويصبح لكل منهم بيت وأسرة! بل قد تزداد أكثر بعد ذلك.

< كيف أقــلل مشــاعر الغيــرة بين الأبنــاء؟

أيها الآباء والأمهات، حاولوا قدر الإمكان ما يلي: لتقليل مشاعر الغيرة بين أبنائكم، ولتعزيز ثقتهم بنفسهم والمحبة فيما بينهم:

1- العدل والمساواة بين الأبناء،

وهما السبب الأول والأخير والأهم لحل مشكلة الغيرة، فالعدل بين الأبناء في كل النواحي المادية والمعنوية هو المطلوب لوأد مشاعر الغيرة بين الإخوة، فلا تظهر الحب والحنان لطفل دون آخر، حتى وإن كان بحاجة، لمعاناته من مرض ما، أو إعاقة ما، أو مشكلة نفسية أو جسدية.. وكذلك لا تفرق في المعاملة أو العطايا.. إلا إذا أوضحت لهم سبب هذا الاهتمام وأقنعتهم به.

فلابد من إشعار كل ابن بالحب والحنان والتكريم والاحترام والمكانة، في الأسرة وفي قلب الوالدين، وذلك يكون قولا وعملا، خصوصا للابن الذي يعاني من اضطرابات سلوكية أو عصبية زائدة، أو من توتر وحالة نفسية.. وتذكر كيف توهّم إخوة يوسف عليه السلام أن أباهم قد أحب يوسف عليه السلام أكثر منهم، فآذوه، وحاولوا التخلص منه برميه في بئر عميقة مظلمة؛ {إِذْ قَالُوا لَيُوسُف وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا} (يوسف:8)، فاحذر من تصرفاتك ومشاعرك غير المتساوية.

2- وزع المهام والمسؤوليات بين أبنائك

شارك أبناءك جميعهم بعض المهام والمسؤوليات التي تشعرهم بالحب والاهتمام والألفة، وتزيد من ثقتهم بأنفسهم، وتدعم مسيرتهم في الحياة، فلا تجعل تلك المسؤوليات ملقاة على عاتق بعض الأبناء، دون الآخرين، بحجة أن هذا قادر وهذا غير قادر، أو هذا الكبير وهذا الصغير، وإلا فستكون أنت من يسبب التفرقة والغيرة بين أبنائك.

3- هيئ أبناءك لقدوم مولود جديد

لا تعط كل الحب للطفل الصغير، وتهمل الكبير، فهيئ الأخ الأكبر لتقبل قدوم المولود الجديد، وعلمه كيف يحبه، فمثلا عندما تشتري للمولود الجديد بعض الملابس، اشتر أيضا للإخوة الأكبر؛ لأنهم لابد أن يفسروا ما تفعله للصغير بأنك تحبه أكثر منهم، فيشعروا أن المولود الجديد قد أخذ مكانهم من حبكما واهتمامكما، فيحاول بعضهم إيذاءه أو إهماله وإنكار وجوده، كما فعل إخوة يوسف به.

4-استمع لأبنائك كلهم

استمع لجميع أبنائك ولآرائهم ومشاكلهم وأفكارهم، خصوصا المراهقين منهم، ولا تجعل استماعك مقتصرا على واحد منهم دون الآخرين، واحترم آراءهم، لأن الاستماع إليهم يزيد من ثقتهم بحبك لهم، ويقلل مشاعر الغيرة والحسد بين الإخوة، خصوصا إن كنت تفعل ذلك مع جميع أبنائك، وبجلسات تحاورية، أما إن كنت تستمع إلى بعضهم وتحترم مثلا آراء الكبير، دون الصغير، فإنك تؤجج مشاعر الغيرة والغيظ لديهم، فتكون أنت، أيها الوالد أو الوالدة، سببا للتفرقة بين أبنائك، وكراهية بعضهم لبعض!

5- ازرع الثقة والمحبة فيما بين أبنائك

تقع على الوالدين مسؤولية زرع المحبة المتبادلة بين الإخوة في البيت، فذكر ابنك دوما أن هذا أخوك، وهو جزء منك، وأنه يحبك، وأنك تحبهم بالمقدار نفسه.. وعلمه أن لدى إخوته مواهب معينة، كما أن لديه مواهب مختلفة، وأن عليه تحسين نفسه وتطوير مواهبه ومظهره وإنتاجه... مع تركيز الوالدين على تنمية موهبة كل ابن على حدة؛ لزرع الثقة بنفسه وبقدراته، فتتطور بدلا من أن تضمحل وتتلاشى، بمرور الزمن.

6- لا تقارن أبدا بين أبنائك

إن المقارنة بين الأبناء سبب رئيسي للغيرة، فلا تقارن أبدا بين ابنك وآخر أمام إخوته، ولا أمام الآخرين، ولا حتى في نفسك، لأن لكل ابن مواهبه وقدراته وطاقاته وميوله وأهدافه في الحياة، فالمقارنة بين الأبناء هي من أكثر الأسباب المحبطة التي تثير مشاعر الغيرة والحقد الدائم، فلا تقل: «ابني فلان أكثر ذكاء من الآخر، أو متى ستصبح مثل أخيك؟ أو أنت لا تتقن شيئا.. وانظر إلى أخيك وتعلم منه...» فهذه عبارات تقريع قاتلة للمواهب والقدرات ومشاعر الحب بين الإخوة، بل بالعكس ازرع الثقة النفسية في أبنائك بمدح كل واحد منهم على ميزاته وقدراته ومواهبه، واتق الله في رعاية أبنائك.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

جامعة ولاية سونورا بالمكسيك تمنح عبد الوهاب زايد الدكتوراه الفخرية

سونورا – الوعي الشبابي: منحت جامعة ولاية سونورا بالولايات المتحدة المكسيكية شهادة الدكتوراه ...

حسن بن محمد يكتب: العيد.. وتعزيز القيم الأسرية

حسن بن محمد - كاتب وباحث - تونس: يعتبر العيد مناسبة للفرح والاحتفال لدى كل العائلات المسلمة، وهو ...

مواجهة الإلحاد بالعلم والعقل والدين.. كتاب جديد للدكتور خالد راتب

القاهرة – الوعي الشبابي: أصدر الدكتور خالد محمد راتب، مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر ...

اتصل بنا

  • صندوق البريد: 23667 الصفاة 13097 - الكويت
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
  • 22467132 - 22470156

عندك سؤال