الأحد، 15 سبتمبر 2019
رئيس التحرير
فهد محمد الخزّي

الشيخ مناع القطان.. بنّاء العقول

✍ هشام الصباغ - باحث لغوي:  في البدء كانت «اقرأ».. أدرك رواد النهضة في الكويت ...


 

 

المتواجدون على الموقع

المتواجدون الأن

172 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

4 8 2015 9 23 08 AM

محمد شعطيط :

يعتبر الإسلام دين الحنيفية السمحة. فهو الدين الذي تساير مبادئه الفطرة وتتماشى مع طبيعة الإنسان. وقد جاءت أحكامه وسطية من دون إفراط ولا تفريط. ففي مجال العبادة لم يدع الإسلام إلى الرهبانية والانقطاع في الصوامع والمساجد، كما أنه لم يترك الأمر سبهللا، بحيث يأتي العبد إلى ربه متى شاء حيثما تيسر له الأمر. وقد لا يتفرغ العبد لطاعة ربه أبدا وسط مشاغل الدنيا التي لا تنقطع بالليل أو النهار، بل شرع الله لعباده عبادات متنوعة؛ لتبقى صلة العبد بربه دائمة متصلة.

والناظر في هذه العبادات بمختلف أنواعها يجدها من حيث الأغلبية بعد استقراء مجموعة من النصوص - حسب الإمكان والجهد وما يسمح به الوقت - لا تتعدى من حيث القدر الثلث في أغلبها؛ تخفيفا على العباد، ولينال نصيبه من العاجلة تطبيقا لمبدأ الآية الكريمة: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ} (القصص:77). ومن خلال هذا الاستقراء لبعض هذه الأحكام يمكن القول: إن الإسلام هو عبادة الثلث بامتياز. يأخذ الله منك الثلث لمعادك ويترك لك الثلثين لمعاشك. وما ترك لك يعود أجره إليك، إذا خلصت النية وابتغي بها وجه الله عزوجل {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ  وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163) } (الأنعام:162 -163). وما لم تتم الإشارة فيه تصريحا إلى نسبة الثلث فهو، من حيث العموم، الأصل فيه التيسير والتخفيف اللذان هما مقصد من مقاصد البعثة، ومن أهم مرامي التشريع وغاياته، كما قال عزوجل: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ  فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ  أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ  } (الأعراف:157)

والآن إلى بعض هذه المثلثات:

الثلث الأخير من الليل

يبدأ ثلث الأسرة الأول في الثلث الأخير من الليل، حيث تتعرض للنفحات الربانية في هذا الوقت الشريف من الليل، حين ينزل ربنا عز وجل إلى السماء الدنيا، كما يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، وينادي سبحانه: «من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟» (متفق عليه).

فهذا الخالق عز وجل يعرف حاجة عباده إلى الراحة في أول الليل، فيترك لهم الفرصة لأخذ نصيبهم منها، ثم إذا هدأت العيون وأخذت حظها من السكن دعاها سبحانه في مشهد مهيب: «من يدعوني فأستجيب له؟»، سبحانه من إله رحيم. جعل لعباده وقتا هو مظنة الإجابة، وهو ثلث الليل الأخير.

وهذا السلوك هو دأب الرسول  " صلى الله عليه وسلم"  وصحبه الكرام. يمر المسلم على دور الصحابة فيجد الأسر المسلمة قد نفضت عنها غبار الكسل والخمول واصطفت جماعات ووحدانا تسأل ربا كريما لتأخذ نصيبها من قول الله عز وجل: {كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (18)} (الذاريات:17-18). ومن قول الله عز وجل: {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ} (المزمل:20). نعم طائفة من الأسر المؤمنة المخبتة الخاشعة المنيبة، بل دأب الأنبياء قبلنا، فهذا نبي الله داود عليه السلام يقول عنه الحبيب  " صلى الله عليه وسلم" : «أحب الصلاة إلى الله صلاة داود، كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه، وينام سدسه» (متفق عليه). فأين نصيبك من هذا الثلث أخي المسلم، أختي المسلمة، حتى تتربى أسرتك في هذه المدرسة الربانية فتكتبا من الذاكرين الله كثيرا والذاكرات؟ ففي الحديث: «من استيقظ من الليل وأيقظ امرأته فصليا جميعا ركعتين، كتبا ليلتئذ من الذاكرين الله كثيرا والذاكرات» (أخرجه أبوداود). وحتى توافقوا ساعة الإجابة التي قال عنها الرسول  " صلى الله عليه وسلم" : «إن في الليل لساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله فيها خيرا إلا أعطاه إياه، وذلك كل ليلة» (رواه مسلم)

قام طفل صغير للصلاة مع والده في ليلة باردة، فقال له الوالد بلسان الشفيق الرحيم: عد يا بني في هذه الليلة إلى فراشك، فالجو بارد وأنت صغير. فأجابه الابن بكلام لا يصدر إلا عن حكيم خبر تجارب الحياة، وكيف لا يكون كذلك ومدرسة الليل أعظم المدارس وأشدها وطئا: يا أبت، لقد رأيت أمي إذا أرادت أن توقد النار تستعين بأعواد الحطب الصغيرة، فأخشى أن أكون أنا ذلك الحطب الصغير الذي يوقد الله به النار يوم القيامة، وقد قال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} (التحريم:6)

أيتها الأسرة المسلمة، نامي ثلثي الليل واغتنمي فضل الثلث الأخير، ولا يغلبنك عليه اشتغالك بالمسلسلات والأفلام، فيوشك أن ينادي المنادي بالرحيل. فالزاد الزاد قبل يوم المعاد.

الصيام

نمر إلى ثلث آخر من مثلثات الأسر المسلمة، وهو ثلث الصيام. الأسرة المسلمة أسرة موصولة بربها، ذاكرة لله، صوامة، قوامة، تصوم الأيام البيض (وهي ثلاثة أيام من كل شهر)، فإذا أضافت إليها صيام الاثنين والخميس (وهي تتكرر أربع مرات في الشهر لكل منهما)، حصلت في المجموع على أحد عشر يوما، وهو بالتقريب ثلث الشهر. فالأسرة المسلمة تقضي ثلث دهرها في الصيام، قربة لله عزوجل، وهي تعلم فضل ما أعده الله عزوجل للصائمين، قال الحبيب  " صلى الله عليه وسلم" : «إن في الجنة بابا يقال له: الريان، يدخل منه الصائمون يوم القيامة، لا يدخل منه أحد غيرهم، يقال: أين الصائمون؟ فيقومون فيدخلون، فإذا دخلوا أغلق فلم يدخل منه أحد» (متفق عليه)

فتخيل معي أخي المسلم، فرحة أسرة كاملة تدخل من باب الريان، اجتمعت على مائدة الإفطار في الدنيا فجمعها الله في هذا الموكب العظيم في الآخرة. وهو أيضا نجاة ووقاية لشباب الأسرة وتحصين لهم من الوقوع في الرذيلة حتى يغنيهم الله من فضله، قال  " صلى الله عليه وسلم" : «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء» (متفق عليه)

الوصية

ثم يأتي ثلث الوصية، الذي جعله الله عز وجل تحت تصرف ذوي المال الراشدين من الأسرة، يجعلونه في من يشاءون من ذويهم أو قرابتهم أو غيرهم؛ تقربا إلى الله عز وجل. وتحديد الثلث هنا ظاهر، وهو معلل في حديث رسول الله  " صلى الله عليه وسلم"  حين دخل على سعد بن أبي وقاص  "رضي الله عنه"  فقال له سعد: قلت: يا رسول الله، أنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة لي واحدة، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: «لا». قلت: أفأتصدق بشطره؟ قال: «لا». قلت: أفأتصدق بثلثه؟ قال: «الثلث، والثلث كثير، إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس» (متفق عليه)

ثلث الطعام والشراب والنفس

فإذا حل وقت الطعام عاشت الأسرة المسلمة في ظل ثلث آخر، يذكرها بوصايا الحبيب  " صلى الله عليه وسلم" ، الذي ما ترك خيرا إلا ودل أمته عليه. وهذا الخير هذه المرة يتعلق بصحة الإنسان. فصلاح الأديان في صلاح الأبدان، كما قيل، و«المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف وفي كل خير» (رواه مسلم). وهذا الإرشاد النبوي يدل الأسرة المسلمة على باب واسع من باب العافية، وهو الاقتصار على الضروري من الغذاء، وعدم الإسراف في الأكل. يقول الرسول  " صلى الله عليه وسلم" : «ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطن. بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه» (1)

وهذا الاقتصار على الثلث في الأكل هو الذي يعين، بفضل الله، على الاستيقاظ في الثلث الأخير من الليل، فالأمر بعضه مفتول في بعض، وأحكام الدين، بحمد الله، لا تتجزأ. ولذلك، من يحاول إصلاح المجتمعات الإسلامية بأخذ بعض الكتاب وترك بعض إنما يخط في رمل أو يرسم في سحاب. وفي الأثر عن بعض الحكماء أنه كان يقول لتلامذته: يا معشر المريدين، لا تأكلوا كثيرا، فتشربوا كثيرا، فتناموا كثيرا، فتتحسروا عند الموت كثيرا.

ثلث الأضحية

ثم إذا حل العيد حلت معه البهجة والمسرات، وشاركت الأسرة فقراء المسلمين في أفراحهم بالتصدق عليهم بثلث أضحيتها، وهو المختار عند غالبية الفقهاء. وهو استجابة لنداء الرسول الكريم الرؤوف الرحيم، الذي علم أمته كيف تنال الأجر مع الانتفاع من الأضحية بالأكل. فعن عائشة، رضي الله عنها، أن النبي  " صلى الله عليه وسلم"  قال في شأن أضحية العيد: «كلوا وادخروا وتصدقوا» (رواه مسلم)

الثلث الأخير من رمضان

فإذا أتى شهر رمضان شهر الرحمة والغفران، تأهبت الأسرة المسلمة لصيامه، وتشمرت لقيامة. فإذا دخل الثلث الأخير منه رفعت من وتيرة العبادة؛ اقتداء بسيد الخلق وحبيب الحق سيدنا محمد  " صلى الله عليه وسلم" . فقد كان عليه الصلاة والسلام إذا دخل العشر، أحيا ليله، وأيقظ أهله، وجد، وشد المئزر. وعن عائشة، رضي الله عنها، أيضا قالت: «كان رسول الله  " صلى الله عليه وسلم"  يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره» (رواه مسلم). وقد كان عليه الصلاة والسلام يعتكف فيها ويتحرى ليلة القدر.

الثلث الأول من ذي الحجة

ثم تنتقل الأسرة إلى ثلث آخر من أثلاث الشهر، وهذه المرة مع شهر ذي الحجة، الذي أقسم الله بلياليه العشر فقال سبحانه: {وَالْفَجْرِ (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ } (الفجر:1-2)، وقال الرسول  " صلى الله عليه وسلم"  عن أيامه: «أفضل أيام الدنيا أيام العشر» (2). والأحاديث في فضلها معلومة.

لو تتبعنا المثلثات الشرعية لطال بنا المقام، وحسبنا أن أشرنا إلى فضل هذا الدين ورحمة الله بعباده وما وضع عنهم من الإصر والأغلال التي كانت عليهم؛ حتى يقبلوا على الله إقبال المحبين المخبتين، وحتى يعلموا أن دين الإسلام دين السماحة واليسر، من غير مشقة ولا عنت. فالحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.

الهوامش:

1-أخرجه الإمام أحمد والترمذي، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، وهو في «الصحيحة»، (2265)، وقد ضعفه غير واحد، وأبحاث العلم تشهد له، والله تعالى أعلم.

2-أخرجه البزار، وهو في ص ج ص، 1133.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

العتيبي يكرم موظفًا بإدارة المخطوطات لتميزه وتفانيه وإخلاصه في العمل

الكويت – الوعي الشبابي: قام مدير إدارة المخطوطات والمكتبات الإسلامية مشعل فهد العتيبي ...

الأب المحبوب

✍ د. هانئ محمد:     الأسرة هي البيئة الأولى لحدوث التفاعل بين الوالدين ...

هيئة الكتاب المصرية تصدر مختارات محمد ناصف

القاهرة – الوعي الشبابي: صدرت مؤخرا المختارات المسرحية للكاتب المسرحى المصري محمد ...

اتصل بنا

  • صندوق البريد: 23667 الصفاة 13097 - الكويت
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
  • 22467132 - 22470156

عندك سؤال