الأحد، 26 مايو 2019
رئيس التحرير
فهد محمد الخزّي

أمير الإنسانية .. تاريخ حافل بالعطاء

✍ محمود نصر الدين المعلاوي:      تأتي ذكرى الاحتفال بالأعياد الوطنية ...


 

 

المتواجدون على الموقع

المتواجدون الأن

88 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Uitlednt

مرهف حسين أسد - كاتب وباحث إسلامي سوري                                    :

لعل حسن الظن بالله عزوجل من جملة العبادات القلبية الهامة التي غاب بريقها، وخفت نورها عند معظم الناس، كبيرهم قبل صغيرهم، فتحولت أنظار الناس من رؤية المنح في الابتلاء إلى يأس وقنوط، وبعد عن الله سبحانه، فتبدلت المفاهيم، وتشوهت الرؤى، وغاب اليقين بخيرية اختيار الله سبحانه وتعالى لعباده المتضمن في قوله صلى الله عليه وسلم: «عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن؛ إن أصابته سرّاء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضرّاء صبر فكان خيرا له»(1).

وعلى اعتبار أن أغلب المفاهيم التي ينشأ ويترعرع عليها الأبناء، ما هي إلا انعكاس لما يمثله أهلوهم من قيم وأفكار، فالأبوان إما أن يقومان السلوك والمفاهيم، وإما أن يشوهان كل ذلك بما يحملانه من تصورات؛ فمبدأ القدوة من المبادئ الخطرة في التربية التي لا ينتبه له كثير من الناس، حتى بتنا نرى أن الناس يتوارثون ما تشوه من سلوكيات ومفاهيم كابرا عن كابر، فما يطبقه الآباء والقدوات، يمثله الأبناء والمقتدون، دون تغيير أو تبديل.

من هنا لابد من الانتباه والتثبت والتمحيص، واتباع أسلوب التصفية والتنقية لكل اعتقاد أو فكرة أو سلوك، كي يبقى للمبادئ والسلوكيات بهاؤها ونصاعتها، فتتطور عبر الأجيال صعودا ورقيا، وإلا فالهبوط والانحدار والانحطاط هو المآل.

فتوقع الجميل من الله سبحانه وتعالى ابتعد عن الأذهان، وحل محله مفاهيم تبتعد بالمرء عن حسن الظن، وتحول مفهوم الحب لله سبحانه وتعالى لمجرد كلام بعيد عن أي رصيد عاطفي في النفوس، وغدت الأوامر والنواهي عند الكبار والصغار عبئا ثقيلا يسعى الجميع للتملص والهروب منه.

فكيف نغرس هذا المفهوم الجميل، وتلك الصلة الراقية بين أطفالنا وبين خالقهم سبحانه وتعالى؟ وكيف نغرس هذا المفهوم في قلوبهم وعقولهم لتنعكس على سلوكهم رضا ومحبة؟، أسئلة سنحاول الإجابة عليها بالنقاط التالية:

1– القدوة الحسنة: كما أسلفنا فالقدوة هي الأساس المتين، والركن الركين في كل جوانب التربية، وفي جملتها غرس حسن الظن في نفوس الناشئة، فمتى تمثل القدوات تلك المبادئ فكرا واعتقادا وتنفيذا، سرت تلك المفاهيم بين الأبناء والطلاب وغيرهم دون كبير عناء أو عظيم مجهود.

ومتى استشعر الطفل علامات الرضى، بعبارات سمحة يلفظها اللسان، وتصرفات وسلوكيات تفيض بها الجوارح، تحصل المطلوب، وغدا الطفل مستشعرا لمعاني اللطف الرباني، والرحمة الإلهية بالعباد، وعنده تتولد في نفسه المحبة والقرب من الله عزوجل.

2- بيان المعنى الصحيح لحسن الظن للأبناء، وأن على المسلم حسن الظن بالله في كل حال، فهو مما افترضه الله علينا ومعنى حسن الظن بالله أن تأمل من الله ما تطلبه منه، فتظن بأن الله تعالى سيرحمك ويعفو عنك في الآخرة، وإذا سألته شيئا من أمور الدين، ظننت أنه سيجيب دعوتك، وإذا نزل بك ما لا تحب ودعوته، ظننت أنه سيرفع عنك ما نزل بك، وإذا أصابك ما أهمك، ظننت أنه سيفرج همك ويزيل كربك، وحين ترى في بعض أولادك ما لا يسرك، تحسن الظن بالله بهدايتهم ورجوعهم إلى الصراط المستقيم، فحسن الظن بالله ناتج من معرفة فضله وجوده ولطفه بجميع خلقه.

وأن حسن الظن بالله سبحانه وتعالى دافع على العمل، مبعد عن الكسل. قال الحسن البصري رحمه الله: «إن المؤمن أحسن الظن بربه فأحسن العمل، وإن الفاجر أساء الظن بربه فأساء العمل»(2).

وقال ابن القيم رحمه الله مبينا ذلك: «وقد تبين الفرق بين حسن الظن والغرور، وأن حسن الظن إن حمل على العمل وحث عليه وساعده وساق إليه فهو صحيح، وإن دعا إلى البطالة والانهماك في المعاصي فهو غرور، وحسن الظن هو الرجاء، فمن كان رجاؤه جاذبا له على الطاعة زاجرا له عن المعصية فهو رجاء صحيح، ومن كانت بطالته رجاء ورجاؤه بطالة وتفريطا فهو المغرور»(3).

3- عرض الفضل العميم، لحسن الظن بالله سبحانه للأبناء، وبسط ذلك لهم، ويكفي في الدلالة على ذلك أن جعل النبي صلى الله عليه وسلم حسن الظن بالله سبحانه وتعالى دليلا على حسن العبادة، فقال صلى الله عليه وسلم: «حسن الظن من حسن العبادة»(4).

ويكفي في فضل حسن الظن ما جاء في الحديث الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله جل وعلا يقول أنا عند ظن عبدي بي، إن ظن خيرا فله، وإن ظن شرا فله»(5).

فمعاملة الله سبحانه وتعالى لعباده على حسب ظنهم به، وفي بيان هذا الحديث يقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «والذي لا إله غيره ما أعطي عبد مؤمن شيئا خيرا من حسن الظن بالله عزوجل، والذي لا إله غيره لا يحسن عبد بالله عزوجل الظن إلا أعطاه الله ظنه؛ ذلك بأن الخير في يده»(6).

4- بيان فضل الله سبحانه وتعالى وعظيم رحمته التي وسعت كل شيء، وهو القائل سبحانه وتعالى: {وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا} (الأحزاب:43)، ما دفع سلفنا الصالح لترجمة ذلك قناعة وسلوكا، وعبر عنه سفيان الثوري رحمه الله تعالى بقوله: «ما أحب أن حسابي جعل إلى والدي؛ فربي خير لي من والدي».

وقد صور النبي صلى الله عليه وسلم ذلك في صورة حسية مشاهدة أمام أعين صحابته رضوان الله عليهم في الحديث الذي رواه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال: «قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبي، فإذا امرأة من السبي تبتغي إذا وجدت صبيا في السبي أخذته، فألصقته ببطنها وأرضعته، فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار؟ قلنا: لا والله وهي تقدر على أن لا تطرحه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لله أرحم بعباده من هذه بولدها»(7).

جاء في الحديث الذي رواه مسلم وغيره في صحيحه: «... ثم يفرغ الله تعالى من القضاء بين العباد، ويبقى رجل مقبل بوجهه على النار وهو آخر أهل الجنة دخولا الجنة، فيقول: أي رب اصرف وجهي عن النار، فإنه قد قشبني ريحها، وأحرقني ذكاؤها، فيدعو الله ما شاء الله أن يدعوه، ثم يقول الله تبارك وتعالى: هل عسيت إن فعلت ذلك بك أن تسأل غيره؟ فيقول: لا أسألك غيره، ويعطي ربه من عهود، ومواثيق ما شاء الله، فيصرف الله وجهه عن النار، فإذا أقبل على الجنة ورآها، سكت ما شاء الله، أن يسكت ثم يقول: أي رب قدمني إلى باب الجنة، فيقول الله له: أليس قد أعطيت عهودك، ومواثيقك، لا تسألني غير الذي أعطيتك، ويلك يا ابن آدم، ما أغدرك، فيقول: أي رب، ويدعو الله حتى يقول له: فهل عسيت إن أعطيتك ذلك، أن تسأل غيره؟ فيقول: لا وعزتك، فيعطي ربه ما شاء الله من عهود، ومواثيق، فيقدمه إلى باب الجنة، فإذا قام على باب الجنة، انفهقت له الجنة، فرأى ما فيها من الخير والسرور، فيسكت ما شاء الله أن يسكت، ثم يقول: أي رب أدخلني الجنة؟ فيقول الله تبارك وتعالى له: أليس قد أعطيت عهودك، ومواثيقك، أن لا تسأل غير ما أعطيت، ويلك يا ابن آدم، ما أغدرك، فيقول: أي رب لا أكون أشقى خلقك، فلا يزال يدعو الله، حتى يضحك الله تبارك وتعالى منه، فإذا ضحك الله منه، قال: ادخل الجنة، فإذا دخلها، قال الله له: تمنه، فيسأل ربه ويتمنى، حتى إن الله ليذكره من كذا وكذا، حتى إذا انقطعت به الأماني، قال الله تعالى: ذلك لك ومثله معه»(8).

5- سرد قصص الأنبياء والصحابة والتابعين على الأبناء، كنماذج حية لحسن ظنهم بالله عزوجل، وواسع فضل الله سبحانه وتعالى. فهذا يعقوب، عليه السلام، يفقد يوسف، ثم يفقد أخاه، ويبقى حسن الظن بربه: {يَا بَنِيَّ اذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} (يوسف:87)، فلم يخيب الله سبحانه حسن ظنه بربه، فرد عليه أبناءه وهم على أحسن حال.

وهذا حبيب الرحمن يخرج من مكة مهاجرا، فيختفي في الغار ويطلبه كفار مكة حتى لم يبق بينه وبينهم إلا خطوات، ومع ذلك يبقى محسنا الظن بربه، فتعمى أبصارهم عنه وعن صاحبه؛ فعن أبي بكر رضي الله عنه، قال: «قلت للنبي صلى الله عليه وسلم وأنا في الغار: لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا، فقال: ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما»(9)، بل الأعجب أنه بشر سراقة بسواري كسرى، وهو طريد شريد، لكن نور اليقين بوعد الله عزوجل وحسن ظنه بربه ما خبى وما اضمحل.

ومن تأمل في خلق نفسه وفي لطف الله تعالى بعباده ورحمته بهم، وتجاوزه عنهم، وستره لهم، وعافيته لهم، حَسُن ظنه بالله، وازداد حبه له سبحانه وتعالى، فهو سبحانه وتعالى أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين، يطاع فيشكر، ويعصى فيغفر، وهو أرحم بعباده من الأم بولدها. ولعل من أهم وسائل استجلاب حسن الظن بالله تعالى، القرآن الكريم وتدبر معانيه، وكثرة الدعاء، وقراءة كتب الترغيب والترهيب، عندها سيكون الأب والقدوة سليم التصور، حسن العرض للأبناء بشكل شمولي لا يعتريه تشويه.

الهوامش

1- أخرجه مسلم في الزهد (2999)، باب: المؤمن أمره كله خير.

2- رواه أحمد في الزهد.

3- الجواب الكافي، ص: (24).

4- أخرجه أحمد 2/ 297، وأبو داود في الأدب (4993) باب: في حسن الظن، وإسناده جيد.

5- أخرجه ابن حبان في صحيحه (639).

6- أخرجه ابن أبي الدنيا في حسن بالله (83).

7- أخرجه البخاري في الأدب (5999)، باب: رحمة الولد وتقبيله ومعانقته.

8- أخرجه مسلم في الإيمان (184)، باب: معرفة طريق الرؤية.

9- أخرجه البخاري في المناقب (3653)، باب مناقب المهاجرين وفضلهم.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

إدارة نظم المعلومات تكرم موظفيها المتميزين بحضور وليد العمار

الكويت – الوعي الشبابي: نظمت إدارة مركز نظم المعلومات في وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية ...

تفعيل دور المرأة.. رؤية إسلامية

✍ السنوسي محمد السنوسي - باحث وصحفي - مصر:    مازالت قضية المرأة تطرح نفسها على ...

طلقني.. كلمة تكتب النهاية أم البداية؟

القاهرة - محمد عبدالعزيز ...

اتصل بنا

  • صندوق البريد: 23667 الصفاة 13097 - الكويت
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
  • 22467132 - 22470156

عندك سؤال