الإثنين، 22 أكتوبر 2018
رئيس التحرير
فهد محمد الخزّي


 

 

المتواجدون على الموقع

المتواجدون الأن

141 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

 12884499 10153515956579639 486470787 n

أركز على عنصر المقارنة في قراءة حيثيات العلاقة بين أمريكا والعالم العربي والإسلامي

الاستقرار النفسي من أهم أسباب نجاح المبتعث ونجاته من الطاقة السلبية وغير المنتجة

الإسلاموفوبيا ترتبط ارتباطاً وثيقاً بتاريخ الاستشراق والذي أفرز تركة مثقلة بأخطاء جوهرية

نحتاج إلى تنْشِئة أجيال قادرة على فرض رؤى جديدة تسهم في إعادة إنتاج الفكر النهضوي

علمتني الحياة أهمية التواصل مع البشر باختلاف ثقافاتهم ودياناتهم ومشاربهم الفكرية

أنصح الشباب بالتعلم من قصيدة إرادة الحياة اعتناق الطموح وصناعة أهداف يعيشون من أجلها

فرجينيا- محمد عبدالعزيز يونس:

تبلورت فلسفته لمفهوم النجاح حول قدرة الانسان على تبني فكرةٍ ما وصياغة هدف يسمو إليه وتوظيف كل جهده ووقته إلى تحقيقه. وسعى باجتهاد إلى فهم عُمق الثقافة والتّاريخ والدين والسياسة، لاسيما في المجتمع الغربي الذي نهل من معارفه وعلومه دون أن ينسلخ من هويته العربية وعقيدته الإسلامية.. د.وليد مهدي، الأستاذ المساعد بجامعة جورج ميسن الأمريكية، والذي التقيناه في حوار موسع يتسم بثراء فكري تعكسه شخصية هذا العالم اليمني الشاب الذي حفر باجتهاده مكانة مرموقة في المجتمع الأمريكي.. إلى التفاصيل.

بداية، نود أن نتعرف إليك وإلى تجربتك المتميزة في أمريكا؟

اسمي الكامل وليد فارع محمد مهدي الفقيه، وأنا من مواليد مدينة تعز "الحالمة" جنوبي اليمن. تنحدر جذوري الأسريَّة من محافظتي إب والحديدة، من أسرةٍ توارثت العلم والفقه والقضاء. نشأتُ في أسرة متوسطة الدخل، وسرعان ما تعثرت بسبب الظروف الاقتصادية الناتجة عن أزمة الخليج الأولى والحرب الأهلية عام 1994م واستشراء الفساد كثقافة مجتمعية. على الرغم من تلك التغيرات، أصر والدي ووالدتي على الاستمرار في تعليمي مع بقية إخوتي وأخواتي. وفي المقابل، دفعا ثمن ذلك التحدي غالياً، ماديَّاً وصحيّاً، حيث استغنينا عن مستوى معيشي أفضل في سبيل الاهتمام بمواصلة تعليمنا إلى أعلى المستويات العلمية والأكاديمية. قصتي عنوانها "التضحية التي قدمها والديّ وكفاحهما لانتشال أطفالهما من مخالب الأمية"، والتي نالت منهما، بالإضافة إلى الكثير من أبناء جيلهما وجيلي أيضاً.

بدأت قصتي مع المعرفة بتحدٍ من نوع آخر. كنت متفوقاً في مجال العلوم التطبيقية في مرحلة التعليم الثانوي، لكنني قررت أن أُبحر في مجال العلوم الإنسانية في مرحلة دراستي الجامعية. تَطلّب مني ذلك القرار بذل الجهد الشاق والمُضني في إقناع أهلي وأصدقائي وجيراني أن النجاح بالنسبة إليّ هو التفوق في مجال اهتمامي. قد يبدو العائد المادي والمستوى الاجتماعي الناتجان عن التخصص في مجالي الطب أو الهندسة مضموناً ومغرياً، لكن فلسفتي لمفهوم النجاح تبلورت حول قدرة الإنسان على تبني فكرةٍ ما وصياغة هدف يسمو إليه وتوظيف كل جهده ووقته إلى تحقيقه. كنت مهتماً بالتَّوتر والعنف القائم بين العالمين الغربيّ والإسلاميّ؛ ولهذا قررت دراسة -ومن بعد ذلك تدريس- اللُّغة الإنكليزية وآدابها في جامعة تعز لأتمكَّن من فهم عمق الثّقافة والتّاريخ والدّين والسياسة في المجتمع الغربي.

تجربتي في الولايات المتحدة مثيرة ومثرية فكرياً. في البداية، حصلت على منحة دراسية من جامعة تعز وأخرى عبر برنامج "فولبرايت" الأمريكي للتبادل الثقافي نلت من خلالهما درجة الماجستير من جامعة نيومكسيكو في تخصص الدّراسات الثَّقافيَّة والأدب المقارن. ومن ثم، التحقت ببرنامج الدكتوراه في مجال الدّراسات الأمريكية في جامعة منسوتا. وفي نفس الجامعة، حصلت على درجة عليا أخرى في تخصص دراسات التنمية والتغيير المجتمعي في مركز "التخصصات المتعددة لدراسة مفهوم التغيير في العالم". انتقلت بعد ذلك إلى جامعة جورج ميسن؛ حيث أدرس حالياً علاقة الثقافات العربية والإسلامية والأمريكية ببعضها.

استطعتُ من خلال رحلتي تلك أن أنمو في مجال البحث والتدريس والخدمة المجتمعية، وتقديم قراءاتي الخاصة بعلاقة الولايات المتحدة مع العالم العربي والإسلامي في القاعات الدراسية والمؤتمرات الأكاديمية والمراكز التعليمية الصيفية والمنتديات الثقافية. وتقديراً لإسهاماتي المنطوية على التعددية الفكرية؛ تم إدراجي في قائمة التميُّز التابعة للمركز الوطني للتعددية المؤسساتية في جامعة متشجن. مهَّدت لي تلك المشاركات العلمية الفرصة للتَّعرف على المجتمعات الأمريكية والعربية والإسلامية والتعريف بها، بعيداً عن الصُّور النَّمطيَّة والمختزلة في وسائل الإعلام المختلفة.

الهوية والانتماء

ما طبيعة تخصصك؟ وكيف أصبحت أحد البارزين فيه في الولايات المتحدة الأمريكية؟

أهتمُ بشكل أساسي بتقديم التحليل النقدي للمنتجات الثقافية الأمريكية والعربية والإسلامية لمعرفة أثر الخطاب السياسي والديني والتاريخي في تشكيل الوعي الفكري لتلك المجتمعات. على سبيل المثال: يتناول مشروع كتابي الحالي -عبر منهج دراسي مقارن- حقل السينما في أمريكا (هوليوود) والعالم العربي (السينما المصرية) ودورهما في عكس وفرض رؤى ضيقة فيما يخص الهوية العربية والإسلامية والأمريكية بشكل عام، وبما يتعلق بهوية عرب أمريكا على وجه الخصوص. وهنا تلفت الدراسة الانتباه إلى دور التداخلات الثقافية والسياسية في عرض الصور النمطية للأمريكيين العرب على مواطني الولايات المتحدة من جانب، والجماهير العربية من الجانب الآخر. وبم أنّ صناع السينما في هوليوود سعوا منذ مرحلة السبعينيات إلى تقديم عرب أمريكا في إنتاجهم من خلال صور امتزج فيها عاملا "الاستشراق" (المتأثر بالصراع العربي الإسرائيلي) و"العنصرية" (الموجهة ضد الأقليات)، فإن صناع السينما المصرية انخرطوا منذ مرحلة التسعينيات -في المقابل- لتقديمهم من خلال النقد المباشر للولايات المتحدة، بناءً على تداخلات الفكر القومي العروبي والإسلامي والوطني.

إن مشروع هذه الدراسة يهدف إلى تجاوز المخاوف الحالية بشأن الصورة النمطية المبثوثة لدى الجانبين، وكذلك يهدف إلى تناول القضايا الأشمل لمسائل الهُوية والانتماء. وأيضًا يتم الأخذ في الحسبان الجهود المبذولة في أفلام السينما العربية، والأمريكية، والأمريكية العربية، والتي تسعى إلى تسليط الضوء على حالة الشتات العربي في الولايات المتحدة من خلال نشاطه العام، وتمثله الذاتي للهوية. فضلاً عن ذلك، تكمن أهمية مشروع الدراسة في سجالها مع الحيثيات العلمية الحديثة في مجال الدراسات الأمريكية، وكذلك مجال الدراسات الإثنية الأمريكية العربية، وذلك لتحديد موقع الولايات المتحدة في الفضاء العابر للحدود، وتعريف تجربة المهاجرين إليها، بعيدًا عن مقيدات الدولة القومية. ولعل مشروع الدراسة -وفق هذا المعطى- يثير الجدل حول "الشأن الوطني المحدود" كمجال للتحليل النظري، ويقترح "الفضاء الإنساني الأوسع" كمجال بديل، ذلك الذي يخلق مساحة لفهم أعمق يتعلق بصورة عرب أمريكا عند التقاطعات الاجتماعية والثقافية والجيوسياسية العربية الأمريكية.

في اعتقادي الشخصي، العامل الأساسي الذي يميزني في مجال البحث والتدريس هو إيماني بأهمية عنصر المقارنة في قراءة حيثيات العلاقة بين الولايات المتحدة والعالم العربي والإسلامي. في مناقشتي لظاهرة الإسلامفوبيا (الخوف من الإسلام والمسلمين) مثلاً، لا يقتصر نقدي على تحليل إفرازات الخطابات اليمينية والليبرالية المستهلكة في الغرب، بل يشمل التمعن في قراءة تجليات الظاهرة في بعض مجتمعاتنا العربية؛ حيث يتم دمج التوجهات السياسية ذات الطابع الإسلامي بشتى صورها ضمن قائمة الإرهاب. ساعدتني كثيراً قدرتي على التواصل باللغتين العربية والإنجليزية وما تحملانه من موروثات معقدة ومتأثرة بعمق التاريخ المرتبط بالدين والسياسة والسلوك المجتمعي. تجربتي الشخصية في التعامل مع مجتمعي العربي والمسلم وهجرتي إلى الولايات المتحدة رغبةً في سبر أغوار المجتمع الأمريكي كان لهما الأثر البالغ أيضاً في تكويني الفكري العابر للحدود الإقليمية.

تحديات وعراقيل

كونك عربيًا ومسلمًا، هل كان الطريق أمامك ميسرًا للتحصيل العلمي والمنافسة وتبوء مكانة رفيعة في المجتمع الأمريكي أم تعرضت إلى عراقيل؟

لا شك أنني واجهت عدة تحديات من أجل الحصول على الدعم المادي، ولكن كان أغلبها يتعلق بوضعي كطالب لا يملك الإقامة الدائمة أو الجنسية الأمريكية وما تحملانه من مزايا. لم تكن هناك أية عراقيل واضحة ذات صلة بهويتي العربية والإسلامية، ولا أتذكر أي موقف معينًا انتابني فيه شعور بالاضطهاد العرقي أو الديني. هذا لا ينفي بالطبع وجود تجارب مغايرة لبقية الطلاب العرب والمسلمين. إن غياب هذه النوعية من العراقيل في مسيرتي التعليمية لا يعني أبداً أن حياتي كانت خالية من الصراع الذاتي حول الهوية. تمثل ذلك حول إمكانية خلق حالة انسجام وتصالح دائم في هويتي العربية والإسلامية مع واقعي الأمريكي الجديد. توقفتُ كثيراً عند نقطة عدم الانجراف وراء ردود الفعل المبالغ فيها في تجاربي الحياتية اليومية. كيف يمكنني التعامل مع المواقف ذات الطابع العنصري كإيقافي المتكرر في المطارات للتفتيش المضاعف (على سبيل المثال لا الحصر) أو تلك النظرات التي يحملها بعض المارة إليَّ أو بعض الأصوات الغاضبة من نقدي لسياسة الخارجية الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط؟! كيف يمكنني الاستفادة من واقع التسامح -المتاح إلى حد كبير في الولايات المتحدة- في تنقيح ثقافتي الإسلامية بشكل يمكنني من تفادي الالتباس الديني الذي نشأت عليه في اليمن بين العادة والعبادة؟!

قد لا يكترث البعض لأهمية هذا الصراع النفسي حول الهوية، لكنني تعرفت إلى عدد من الطلاب ممن تعثروا في تعليمهم لعدم قدرتهم على التعامل مع هذا الموضوع بشكل إيجابي. البعض قرر التقوقع على دينه خوفًا من تضييعه؛ حتى إنك تحسبهم لم يغادروا أوطانهم، وفقدوا بذلك القدرة على الاستفادة من الفرص المتاحة عبر التواصل الاجتماعي. وهناك من ترك ثقافته العربية والإسلامية وراءه واندمج في الثقافة الأمريكية وعاش في اضطراب نفسي بين تأنيب الضمير والحنين والشعور بالقلق المستمر. والبعض الآخر لم يستطع فصل ما يحدث للوطن العربي من مآسٍ عن ضرورة التحصيل العلمي، وعاشوا بذلك أزمة نفسية تملؤها الكثير من الطاقة السلبية وغير المنتجة.

يُعدُّ الاستقرار النفسي من أهم أسباب النجاح، ويتطلب ذلك إيجاد حالة من التوازن الصحي في تعامل الطلاب العرب والمسلمين مع متطلبات الحياة في الولايات المتحدة، وخاصة مع تداعيات التحولات السياسية في منطقة الشرق الأوسط وارتباطها بطبيعة الخطاب الإعلامي والسياسي الأمريكي. مما ساعدني على إيجاد التوازن وضع الأمور في سياقها الطبيعي، وإيماني بأن المجتمع البشري بكل تنوعه مبنيّ على قوائم مشتركة تمكن الانسان من إثراء عالمه الخاص عبر التلاقح الثقافي. سهل لي ذلك التواصل مع أفراد المجتمع العربي والإسلامي وكذلك الأمريكي باختلاف دياناتهم وعرقياتهم ورؤاهم السياسية، بحيث تضيف كل تجربة تواصلًا إلى تكوين شخصيتي بطريقة مكنتني من الابتعاد عن خطر الوقوع في فخ الصدمة الثقافية.

الإسلاموفوبيا والاستشراق

هذا يدعونا إلى التساؤل عن مدى انتشار ظاهرة الإسلاموفوبيا في المجتمع الأمريكي خاصة والغرب عامة.. فما دوركم والمؤسسات الإسلامية في التصدي لهذه الظاهرة والتعريف بسماحة الإسلام؟

ترتبطُ ظاهرة الإسلاموفوبيا ارتباطاً وثيقاً بتاريخ الاستشراق في الغرب، والذي أفرز تركة معرفية مليئة بالأخطاء الجوهرية فيما يتعلق بالإسلام والمسلمين. في الولايات المتحدة، اختلط هذا الموروث بالفكر العنصري، وعانت منه كل الأقليات عبر المراحل المختلفة للتاريخ الأمريكي. ولعل الأثر المباشر في رسم صورة مشوهة عن الإسلام يعود إلى تجليات التدخل الأمريكي في الصراع السياسي في العالم العربي والإسلامي منذ فترة الحرب الباردة، ومروراً بأحداث 11 سبتمبر 2001م الدامية، وإفرازات تلك المرحلة من الإفراط في الاستخدام الممنهج للقوة (سواءً للقوى الدولية أو الإقليمية أو المحلية) التي فتحت المجال أمام الجماعات التكفيرية مثل داعش. طبعًا، يتم توظيف المشاعر الإسلاموفوبية في الولايات المتحدة الناتجة عن هذه التراكمات بشكل دوري، يصل إلى ذروته في فترات الانتخابات الرئاسية والبرلمانية.

تُواجَه ظاهرة الإسلاموفوبيا بالرفض الدائم من قِبَل بعض التيارات الليبرالية والأقليات التي تقدم خطاباً هاماً يسهم في تحجيم المشكلة والتخفيف من وطأتها على مسلمي أمريكا. يتبنى الرئيس (أوباما) هذه الرؤية، وإنْ كانت إدارته قد ساهمت بشكل مباشر في توسيع الفجوة بين أمريكا والعالم الإسلامي من خلال سياساته التي لم تنصف المسلمين وقضاياهم. يظل الدور الريادي في التصدي لهذا الخطاب ملقى على عاتق منظمات المجتمع المدني، التي تقوم بنشر التوعية ضد مخاطر هذه الظاهرة على اللُحمة الوطنية للبلد. من أبرز المنظمات الناشطة في هذا المجال مركز العلاقات الأمريكية-الإسلامية (كير) واللجنة الأمريكية العربية لمناهضة التمييز (إيه دي سي) ومركز العلاقات العامة للمسلمين (إم باك)، فضلاً عن المراكز الفكرية المُمَثلة في المعهد الدولي للفكر الإسلامي (تربل آي تي) وهيئة أمريكا الشمالية لدراسات الإسلام والمسلمين (نيمز) ومبادرة "الجسر" التابعة لجامعة جورج تاون. هناك عدد كبير من الأكاديميين والباحثين المهتمين بهذه القضية، وللمساحات الإعلامية في صفحات التواصل الاجتماعي دورها أيضاً، وأخص بالذكر الدور الهام لـ"أرسلان ميديا" و"دين عبيد الله". الجهود كثيفة ومستمرة، وأرى أن لها دورًا هامًا في توصيف الظاهرة ووضعها في قالبها المُحدَد.

3 أطروحات

ما أبرز الأطروحات التي تتبناها في مجالك وتخصصك؟ وما مدى ما تلمسه من تجاوب؟

أتبنى ثلاث أطروحات نقدية في إطار اهتمامي البحثي والمعرفي. تتناول الأطروحة الأولى الموروث الثقافي الأمريكي وما يحمله من تبعات ساهمت في تشويه صور العرب والمسلمين والتشكيك في مواطنتهم من خلال التعامل معهم على أنهم مجرد ملف متعلق بالسياسة الخارجية والأمن القومي لا أكثر. يُبرِز نقدي في طياته ماهية الخطاب الذي يستخدمه صُنّاع الثقافة الأمريكية في محاولتي لتوصيف ظاهرتي العنصرية والإسلاموفوبيا. بينما تسبر الأطروحة الثانية أغوار الثقافة العربية وتفاعلها مع الصراع الدائر في المنطقة بين مختلف التيارات القومية والإسلامية والشعوبية، والتدخلات الإقليمية والدولية. من أهم ما أقدمه في هذا المجال قراءتي النقدية للواقع العربي الذي غابت فيه القدرة على صياغةِ مُصطلحات لِمفاهيم تُعبر عن خصوصية المنطقة وتنوعها الديني والإثني والقومي. دون أن يتم مراعاة ذلك التنوع حتى أثناء استقدام مصطلحات غربية مثل العلمانية أو الليبرالية أو الأصولية أو الديمقراطية أو الإرهاب. أما الأطروحة الثالثة فتطالب أبناء المجتمع العربي والمسلم في أمريكا بلعبِ دورٍ أكبر في التعاطي مع قضاياهم المتعلقة بالصراع حول المواطنة، والانخراط في قضايا الشرق الأوسط سياسياً وفكرياً وثقافياً. النقد الذي أقدّمه في هذه الأطروحات يلامس الواقع الأمريكي والعربي وكذلك المتعلق بعرب ومسلمي أمريكا. يتطلب الأمر تنْشِئة أجيال في عالمنا العربي وفي المجتمع الأمريكي العربي قادرة على تجديد الخطاب الديني في المنطقة وفرض رؤى جديدة تسهم في إعادة إنتاج الدور الريادي للفكر النهضوي في رسم واقع جديد يشكل نواة حقيقية للتواصل الحضاري مع المجتمع الأمريكي.

الطلاب العرب

كيف تقيم حال الدارسين العرب في الغرب؟ وهل لديهم الحرص على التميز؟

ينقسم الطلاب العرب في الولايات المتحدة إلى مجموعتين: تضم الأولى أبناء المهاجرين العرب. يتميز هؤلاء الطلاب بقدرتهم على التواصل باللغة الإنجليزية وهم على دراية تامة بالثقافة الأمريكية كونهم من أبناء البلد ولديهم القدرة على فهم المناهج الدراسية هنا. تتوفر لهؤلاء الطلاب الفرصة للمنافسة والحصول على الدعم المادي المخصص للأمريكيين. يبدو أن التحدي الأكبر الذي تواجهه هذه المجموعة هو حرمان الطلاب من المزايا المخصصة للأقليات، حيث يتم التعامل معهم وكأنهم جزءٌ من الأغلبية المتمثلة في العرق الأبيض. قد يبدو هذا الأمر غريباً على القُرَّاء، لكنه واقع يعود إلى بدايات القرن العشرين؛ حين حاول عرب أمريكا في ذلك الحين إثبات انتمائهم للعرق الأبيض ليتمكنوا من الحصول على الجنسية الأمريكية، والتي كانت آنذاك مشروطة بالعرق. تسبب هذا التاريخ في أزمة حقيقية لكثير من الأمريكيين العرب في الوقت الراهن، حيث لا يعتد بإثنيتهم، وبهذا لا يُعدُّون من الأقليات.

ويشكل الطلاب الوافدون من مختلف البلدان العربية (سواء بدعم حكومي أو مؤسساتي أو شخصي) المجموعة الأخرى. وتختلف التحديات التي تواجه هؤلاء الطلاب، منها: حرمانهم من حق التنافس على الدعم المادي المخصص للطلاب المقيمين في البلد، بالإضافة إلى تحديات اللغة التي يواجهها البعض في مواصلة برنامجهم الدراسي، وطبيعة المناهج الدراسية التي تتطلب الفهم والمهارة في استنباط المعلومة بعيداً عن أساليب الحفظ المعتمدة في كثير من المناهج التعليمية في بلداننا العربية، وإشكالية الصدمة الثقافية التي تفرض على كثير من الطلاب الإمعان في إيجاد حالة تصالح مع هوياتهم الإثنية والدينية ومعطيات الثقافة الأمريكية، خاصة مع تنامي مشاعر الحنين إلى الأهل والأصدقاء والوطن.

إجمالاً، توفر أمريكا الفرصة الحقيقية لكل من يبحث عن التعليم والتطوير الذاتي والمهني. هناك العديد من الطلاب العرب المتفوقين في شتى مجالات العلوم الإنسانية والاجتماعية والتطبيقية وفي مختلف المراحل الدراسية، وهذا الأمر يبهج القلب ويحمل معه آمالًا كثيرة معقودة عليهم في مواكبة الحاضر والتعامل مع مفردات العصر والمساهمة الفاعلة في بناء مجتمعاتهم، سواءً في الولايات المتحدة أوفي عالمنا العربي.

خرجتَ من المجتمع اليمني وتحديدًا مدينة تعز.. فماذا ينقص الشباب في وطنك ليحقق ما وصلت إليه من نجاح أكاديمي؟

صَدرت لي مؤخراً مشاركة مع د.عبدالغني الحطامي تحمل عنوان "الشباب والثورة: دعوة الى إصلاح التعليم العالي في اليمن"، تم نشرها في كتاب عن التعليم والتحول السياسي في العالم العربي. نستعرض في مشاركتنا ثلاثة مداخل رئيسة كان لها الأثر البالغ في إضعاف شخصية طلاب الجامعات اليمنية وتحجيم قدرتهم على قيادة العملية السياسية في البلد، والتي قادت العديد منهم إلى حمل السلاح والالتفاف حول القوى المسلحة تحت مختلف الشعارات. يتعلق المدخل الأول بسياسة القبول في الجامعات اليمنية، التي تعتمد على درجة التحصيل في آخر عام دراسي لمرحلة التعليم الثانوي، دون الاكتراث للفروق الهائلة في التحصيل العلمي في مدارس الريف والمدينة، وعوامل أخرى متعلقة باهتمام الطالب بالحقل المعرفي، بالإضافة إلى ظروفه الاجتماعية والمعيشية، الأمر الذي دفع بكثيرين إلى اعتناق ظاهرة الغش التي غدت وسيلة لضمان الحصول على القبول الجامعي في التخصص المرغوب. يتطرق المدخل الثاني إلى طرق التدريس المتبعة في التعليم الجامعي، والتي لا تختلف في أغلبها عما يقدم في مرحلة الثانوية، فالأسلوب المتبع في تقصي المعلومة يرتكز على المعلم بشكل كامل ويفرض على الطلاب ثقافة الحفظ المؤقت. وتصير بهذا الشكل المعرفة محدَّدة ومحدِّدة لمهارات الطالب في تبني التفكير النقدي الذي يمثل العنصر الأهم في بناء شخصية الطالب الجامعي. ويناقش المدخل الثالث قضية تسييس الجامعات كي تصبح بوتقة لخدمة المصالح الضيقة للأحزاب الرئيسية المتنافِسة على السُلطة. تتبنى أغلب الجامعات اليمنية التبعية السياسية في توظيف الإداريين وأعضاء هيئة التدريس، وإن وجدت معايير للتوظيف. كما أن اتحادات الطلبة وأعضاء هيئة التدريس يغلب عليها ذلك الطابع التنافسي السياسي الذي يحول الحرم الجامعي إلى ساحة أخرى للصراع السياسي، يدفع ثمنه الطلاب من قدرتهم على بناء فكر مستقل لهم يمكنهم من مواجهة التحديات التي تعصف بالبلاد من أزمات داخلية وانتهاكات مستمرة للسيادة. في ظل هذه السياسات، يواجه الطلاب في المجتمع اليمني صعوبة التحصيل العلمي البنَّاء.

ومع ذلك، استطاع العديد من أبناء اليمن مواجهة كل تلك التحديات، وتمكن الكثير من السفر إلى بلدان أخرى للتحصيل العلمي. هناك عدد لا بأس به من طلابي وطالباتي ممن تمكنوا من مواصلة دراساتهم العليا في الخليج وآسيا وأوروبا والولايات المتحدة. وقد أنْشأتُ صفحة فيسبوكية تسمى "منح دراسية للطلاب اليمنيين" تنشر بشكل دوري معلومات عن بعض المنح الدراسية المعلنة، وهناك العديد من المساحات المشابهة أنصح الطلاب في اليمن بمتابعتها.

يشكل عاملا القلق الأمني وعدم الاستقرار التهديد الحقيقي لطلاب اليمن، خاصة في مناطق مثل تعز التي تحولت إلى ساحات لحرب الشوارع لم تسلم منها الجامعات. ومع التغافل الدولي لما يحدث في البلد والأزمة الإنسانية المتصاعدة وإغلاق أغلب الدول سفاراتها وأبوابها أمام اليمنيين وتقلص فرص التنمية، فإن الوضع يتطلب إنهاء معاناة بلد بأكمله وإيقاف دائرة الحرب التي تكاد تهوي باليمن إلى نفق مُظلم. ومع ذلك، يبقى الأمل سيد الموقف، ونصيحتي للطلاب العالقين أن يعملوا جاهدين وألا يتوقفوا عن تعليمهم مهما قست الظروف عليهم، وألا ييأسوا في البحث عن فرص تعليمية لهم، وأن يعلموا أن مع العسرِ يسراً.

القدوة.. منارة مضيئة

ماذا تشكل القدوة في حياتك؟

بالنسبة إليّ، أعتبر أن القدوة بشقها الإيجابي بمثابة المنارة التي بضوئها تستنير السفن. طبيعة رحلتنا في هذه الحياة تتطلب أكثر من منارة في مختلف الأمكنة والأزمنة. لقد ساعدني كثيرًا اعتناقي لهذا المفهوم؛ لأنه مكنني من التمعن في اختيار قدوتي وتوخي الحذر في الاتباع الأعمى لمفردات تلك القدوة. وبهذا فإني أبحث دائماً عن ضالتي في كل من أتعرف إليه كوني مؤمناً بفلسفة "أبحث عن الخير في كل من تجده". أنصح باعتناق هذا المنحى؛ لأن فيه من الإيجابية ما يُمكّن الإنسان من إدراك أهمية رحلته في هذه الحياة وضرورة الاستفادة من الحكمة الإلهية للتنوع البشري. علمتني الحياة أن التجربة المعرفية والحياتية تتجلى في أبرز صورها عند تبنيّ القدرة على التواصل مع البشر باختلاف ثقافاتهم ودياناتهم ومشاربهم الفكرية، مع الاقتداء بمن يمكنني من التصالح مع ذاتي وإبراز ثقتي بنفسي والإلمام بمكنون قدراتي، وألاَّ أحصر نفسي في مجتمع محدد بطاقاته الإيجابية والسلبية. إن من مقتضى الحكمة الإلهية دفعنا إلى السير في الأرض والتفكر والتدبر، وهذا لا يتأتى إلاَّ بالابتعاد عن القيود التي تفرضها علينا تلك الانتماءات الضيقة المدمرة لمذهب أو طائفة أو أيديولوجية معينة. طبعاً، استخلصتُ مفهوم القدوة الذي أطرحه هنا من تجربة المجتمعات والثقافات عبر التاريخ، والتي التمست في هذا المفهوم حاجتها للاستمرار في التعمير والتطور، وكيف أن الانكفاء على الذات والاكتفاء بها كانا مع أهم أسباب انهيار الحضارات.

وبماذا تنصح به المقبلين على الدراسة في الغرب؟

لدي أربع نصائح أقدمها لكل من ينوي الدراسة في الغرب إجمالاً والولايات المتحدة على وجه الخصوص:الأولى أن يدرك الطلاب أهمية عامل الوقت في تيسير البرنامج الدراسي. تتجلى المقولة العربية "الوقت كالسَّيف إن لم تقطعه قطعك" بامتياز أثناء العيش والدراسة في هذا الجزء من العالم. النجاح مرتبط كلياً بقدرة الطلاب على استخدام الوسائل التي تمكنهم من القيام بالمهام الموكلة إليهم في الفترة الزمنية المحددة. ونظراً لتنوع طبيعة تلك المهام، فضلاً عن متطلبات الحياة اليومية؛ فإن ذلك قد يستهلكهم وقد يشكل مصدر تشتيت بالنسبة إليهم. ولهذا، فإني أنصح باستخدام أداة التقويم لترتيب حياة الطلاب بشكل يضمن قدرتهم على إنجاز العديد من المهام بشكل منتظم.

النصيحة الثانية، أنْ يدرك الطلاب أنَ الاختلاف المعرفي بين العالم العربي والولايات المتحدة لا يُمْكِن تلخيصه باختلاف اللغة. تعلّم اللغة هام جداً؛ لأنها مصدر رئيسي من مصادر قوة وشخصية الإنسان، وكلَّما امتلكت اللغة بمهارة أضفت قوة إلى شخصيته. ولكن يُعد تعلم اللغة الخطوة الأولى في الرحلة المعرفية. هناك خطوات إضافية لا تقل أهمية، وأخص بالذكر أسلوب التفكير والتعبير. التفكير اللولبي عند بعض العرب وأسلوب التعميم في الوصف قد يشكل عائقًا أثناء دراستهم في الجامعات الأمريكية والتي تتطلب التفكير بشكل أفقي يتسم بالوضوح والمباشرة واستخدام اللغة بشكل مبسط والالتزام بالتفكير العام مع مراعاة توثيقه بتفاصيل وحيثيات موضوعية.

تحمل النصيحة الثالثة شعاري في هذه الحياة: "حُب التعلم يقهر الصعاب". هناك طلاب وافدون للدراسة في الولايات المتحدة يتم توفير ظروف النجاح لهم، ولكنهم يفشلون في تحقيق الهدف الذي أتوا من أجله. أسباب الفشل كثيرة، ولكن أهمها غياب عامل حب التعلم. طلاب آخرون عاملتهم الحياة بقسوة ولكنهم وقعوا في غرام المعرفة، وبهذا تيسرت لهم الظروف تباعاً. قد تبدو كل الأبواب مغلقة أمام بعض الراغبين في الدراسة في الولايات المتحدة أو أمام من التحقوا بالجامعات هنا وواجهتم ظروف صعبة. أقول لهم: ثقوا بأن الرغبة تخلق الطموح وتولد روح الإصرار الكفيلين بتسهيل الصعاب مهما بلغت.

وفي نصيحتي الأخيرة، أطلب منهم التزام الوسطية في علاقاتهم، كأفضل وسيلة تحميهم من وقع الصدمة الثقافية، والتي وإنْ لم يشعروا بها في البداية ستتسرب إليهم بطريقة ما في وقت لاحق. التجربة الحياتية في الولايات المتحدة مليئة بعوامل التنمية الشخصية والتي يسهم في تكوينها التنوع الإثني والثقافي والديني. أنصحهم بالتواصل مع كل أطياف المجتمع وأن يبحثوا عن الخير في كل ما يجدونه وينبذوا كل ما هو منافٍ لهم.

نصيحتي للشباب

وبماذا تنصح الشباب عامة؟

أنصح الشباب بقراءة قصيدة "إرادة الحياة" لأبي القاسم الشابي، وألا يتوقفوا فقط عند مدلولاتها السياسية. تقدم القصيدة فلسفة الشاعر للحياة والموت بشكلها البلاغي لا الحرفي، والتي تتفق مع فلسفتي. يدعو الشاعر الشباب أن يعتنقوا الطموح وأن يصنعوا أهدافاً يعيشوا من أجلها وأن يبتعدوا عن كل عوامل الموت، والتي بنظري تشمل اليأس وعدم الثقة بالنفس والتفكير الضيق والتقوقع حول المألوف ورفض الغير والتغيير الإيجابي. يقول الشاعر: "وَمَنْ يتهيب صُعُودَ الجِبَـالِ يَعِشْ أَبَدَ الدَّهْرِ بَيْنَ الحُفَـر". المسافة التي تفصل بين الجبال والحفر هي خلاصة تجربة كل إنسان، وعلى الشباب أن يسعوا جاهدين الى إطالة تلك المسافة من خلال نبذ أية نزعات للتطرف وأن يؤمنوا بأن فلسفة وجودنا التي اتفق عليها جميع الأديان مبنية على أساس تعمير الأرض لا هدمها، وأن يبتعدوا عن الاشتراك في المعرفة الزائفة التي تصلهم عبر الإنترنت؛ من خلال قراءة المراجع الموثقة والتدقيق في كل ما يرد إليهم، ومتابعة المساحات الفكرية البنّاءة كـ"الوعي الشبابي" و"الأوان"، وإثراء مجتمعاتهم من خلال المشاركة في حركات تنويرية نحن في أمسّ الحاجة إليها في عالمنا العربي والإسلامي.

التعليقات   

0 #2 Jewel 2017-05-15 23:54
Just what I was searching for, thanks for posting.


Also visit my weblog - swollen toe (jeseniaringuette.jimdo.com: http://jeseniaringuette.jimdo.com/2015/03/22/the-truth-about-adult-aquired-flat-feet-aaf)
اقتباس
0 #1 يحيى 2016-03-21 00:08
نبارك لدكتور وهيب نجاحات العلمية و نبارك لتعز ابنها البار. لكن لتصحيح تعز ليست جنوب اليمن إنما تنتمي إلى المناطق الوسطى و سياسياً الشمالية. وأيضاً وهنا المهم ا الدكتور حصل على منحة من جامعة تعز على خلاف عبارة الطلاب الدي لا يوجد لهم الوساطة أو المعرفة ليست القدرة العلمية. المقصود لولا الوساطة و طريقة حصوله على المنحة إلى أمريكا لم يستطع حتى بدأ الطريق. للعلم تعز من أكبر مدن الشمال سكانها. و المعروف باليمن هذه المنح الدراسية لا يحصل عليه أحد سوا أصحاب الوساطة و اللعب تحت الطاولة خصوصاً أن تخصصه نظري ويستطيع أن يدرسه باي بلد غير غربي
اقتباس

أضف تعليق


كود امني
تحديث

اتصل بنا

  • صندوق البريد: 23667 الصفاة 13097 - الكويت
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
  • 22467132 - 22470156

عندك سؤال