الخميس، 23 مايو 2024
رئيس التحرير
فهد محمد الخزّي

مرزوق العمري يكتب: من أعلام الدعوة الإسلامية.. الشيخ عمر العرباوي

الجزائر – مرزوق العمري: قيض الله عز وجل لخدمة دينه والدعوة إليه رجالا تميزوا بما آتاهم الله ...


 

 

المتواجدون على الموقع

المتواجدون الأن

84 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

قدوتى

gd eyGTCc 

درس الهندسة الإلكترونية وعلوم التلاوة والقراءات ليجمع خيري الدنيا والآخرة

ختم القرآن الكريم كاملا برواية حفص عن عاصم وله إصدارت صوتية متعددة الروايات

القاهرة - محمد عبدالعزيز:

(يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ).. و(عن عثمان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال خيركم من تعلم القرآن وعلمه).. عبر هذين الهديين القرآني والنبوي شب في أرض العراق نبت مسلم، اتخذ من التنزيل الحكيم رفيقا دائما لحياته وسراجا يشع ضياء وإيمانا على خطواته.. فحمله القرآن إلى آفاق أبعد من كل طموحاته وأحلامه.. تعالوا نتعرف إلى مسيرة قارئ صدق ما عاهد الله عليه، فصدقه الله.

21143

صلاح فضل توقه :

يستحق الدكتور عبدالرحمن السميط، عن جدارة، أن يكون رائد العمل الخيري في العالمين العربي والإسلامي في هذا العصر، فخلال عمره، الذي ناهز خمسة وستين عاما، قدم كثيرا من وقته، بل جل سنوات عمره، في نشر الدعوة الإسلامية، وخدمة المسلمين وغير المسلمين، ولا سيما في قارة أفريقيا، التي حمل على عاتقه من مشكلاتها ومآسيها ما تنوء بحمله الجبال، ولكن السميط حملها، وتحملها، استشعارا منه بمسؤولية المسلم تجاه إخوانه المسلمين مهما باعدت بينهم المسافات، أو فصلت بينهم الحدود، مقتفيا في ذلك حديث النبي  " صلى الله عليه وسلم"  عن النعمان ابن بشير قال: قال رسول الله  " صلى الله عليه وسلم" : «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد؛ إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» (1).

تعتبر هذه النقطة تحديدا (جسدية الأمة) القاعدة التي انطلق منها الدكتور عبدالرحمن السميط في عمله الخيري والإنساني، والتي تفسر لنا أيضا تفانيه العظيم في هذا المجال، وريادته المستحقة له، وتميزه فيه.

فقد لفت انتباه الدكتور السميط أثناء استكماله دراسته العليا للطب في جامعتي ليفربول البريطانية وماكجل الكندية، حجم الأعمال الخيرية الموجهة لمصلحة الفئات المستضعفة والمعوزة في تلك المجتمعات، كما لاحظ أيضا أن هناك جهودا مبذولة وموجهة إلى الخارج، خصوصا في دول القارة الأفريقية، في صورة حملات، تحمل في ظاهرها الجهود الإغاثية بينما باطنها يحوي أخطارا محدقة، ولا سيما بالمجتمعات المسلمة، التي توضع الخطط من أجل تنصيرها، وتعتبر مثل هذه الحملات الإغاثية من الأدوات الرئيسية المهمة لتنفيذ هذه المخططات.

ولذلك، قرر مواجهة هذه الأخطار، والحد من آثارها المحتملة على عقيدة المسلم، والمجتمعات المسلمة. وكان سبيله إلى ذلك هو العمل الخيري، الوسيلة نفسها التي يستخدمها أعداء الأمة لاختراق عقول أبنائها وتبديل معتقداتهم وقيمهم.

ورغم العاطفة الجياشة للدكتور السميط تجاه أمته وأبنائها وقضاياها، فإنه تخطى مرحلة العمل المدفوع بنوازع الحب والرحمة والشفقة، وهذا وإن كان في مجمله أمرا حسنا ومحمودا، إلا أنه لا يقيم عملا يرجى منه بناء جيل ورفعة أمة، فهذا لن يتحقق إلا عن طريق عمل منهجي قائم على أصول شرعية ومنهجية علمية، وهذا ما قام به على أرض الواقع. ولذلك، فإن ريادة الدكتور عبدالرحمن السميط للعمل الخيري في العصر الحديث، لم تأت من فراغ، ولم تكن وليدة الصدفة، وإنما كانت نتيجة لمنهج اختطه لنفسه، وتابعه بخطوات وإجراءات مخططة ومحددة ومضبوطة شرعيا بأحكام الشريعة الإسلامية ومتطورة علميا بمواكبة أحدث ما وصل إليه العمل الخيري، علميا وفنيا.

ومن خلال تحليل سيرة السميط نستطيع أن نضع أيدينا على أهم ملامح هذا المنهج.

التأصيل للعمل الخيري

كان الدكتور السميط على قناعة كاملة باحتواء الدين الإسلامي ونصوصه الواردة في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة على قواعد العمل الخيري وأصوله، وهو ما يجب أن نعود إليه في تأصيلنا للعمل الخيري، وتفعيله على أرض الواقع. وكان يرى أن الإسلام سبق بهذه الأصول غيره من الملل السابقة عليه، كاليهودية والنصرانية. ولم تستطع أن تجاريه في ذلك النظريات والفلسفات الوضعية التي جعلت من خدمة الإنسان محورا لها، كما أدعت في ذلك الشيوعية.

وكان عمل الدكتور السميط الخيري هو تطبيق لهذه الأصول النظرية التي وردت في الكتاب والسنّة، والتي تتحدث عن عمل الخير وأنواعه، وأهميته، وجزاء فاعله في الدنيا والآخرة.

دعوة إلى الله

لم تقف جهود الدكتور السميط عند العمل الخيري وجوانبه المختلفة التي تظهر في صورة مشروعات ومساعدات اجتماعية، وإنما جعل من العمل الخيري وسيلة وطريقة للدعوة إلى الإسلام، ومواجهة خطط المنصِّرين في الدول الإسلامية، ولا سيما في أفريقيا، التي أفزعه ما يفعله المنصرون بها، فشد إليها الرحال، وأعطاها من عمره وجهده ما لم يعط لغيرها، ولم يعطها غيره مثل ما أعطاها الشيخ السميط، وكأن الله قد اطلع على صدق نيته تجاه دينه وأمته ففتح الله على يديه قلوب الملايين فدخلوا في دين الله أفواجا، حتى لقب بفاتح أفريقيا، كما بنى بها المئات من المساجد، والمدارس، والمستشفيات، والمراكز الإسلامية الشاملة.

وفي هذا الصدد، تشير كثير من الإحصائيات المنشورة عن جهود الشيخ الدعوية إلى أنه أسلم على يديه:

- مئات الألوف من القبائل الوثنية، والقبائل النصرانية.

- الملايين من الأفراد.

كما أنه صحح المعتقدات الباطلة، التي يعتنقها بعض من ينتسبون إلى الإسلام اسما لا إيمانا واعتقادا، وكان سببا في عودتهم من جديد إلى حظيرة الإسلام. كما اهتدى على يديه كثير من أبناء الأسر المسلمة الذين راحوا ضحية للمنظمات التنصيرية، فأعادهم إلى الإسلام من جديد.

ولم تقف جهود الدكتور عبدالرحمن السميط الدعوية عند هذا الحد فقط، وإنما قام بإعداد وتدريب الدعاة ليقوموا بالدعوة بين قومهم وقبائلهم، وفي هذا الأمر نجاح كبير للدعوة، حيث إن الداعية المنتمي إلى هذه الشعوب يكون أدرى بحال قومه، وأقدر على التواصل معهم بلغتهم، وأكثر استيعابا لعاداتهم وتقاليدهم، مما يساهم في نجاح الدعوة وتقدمها بين هذه الشعوب، وهو ما فطن إليه الشيخ السميط فوظفه لخدمة الدعوة الإسلامية.

كما طبع الشيخ السميط الآلاف من الكتب الإسلامية بمئات اللغات المحلية ووزعها على أبناء القبائل، وكان السميط حريصا على إيصال الإسلام إلى كل مكان في أفريقيا، فأنشأ العديد من الإذاعات باللغات القومية والمحلية، لمخاطبة الناس، ولا سيما الذين لا يستطيعون القراءة، فكانت هذه الإذاعات منبرا قويا لإيصال رسالة الإسلام إلى هذه الشعوب.

فلم يكن تحرك الشيخ -رحمه الله- بين هذه الشعوب تحركا عشوائيا، أو بدافع العاطفة، إنما كان تحركه ودعوته بين هذه القبائل والشعوب، بشكل مدروس قائم على معرفة طبيعة هذه الشعوب من حيث ماهية الأديان التي يعتنقونها (يهودية - نصرانية - وثنية)، والعادات والتقاليد والثقافات والأفكار السائدة بها.

ونشير أيضا إلى درس نتعلمه من المنهج الدعوي للشيخ السميط -رحمه الله- وهو «التسامح» مع الآخر المخالف في العقيدة، وهذا التسامح في حد ذاته دعوة قائمة بنفسها. فالتسامح وسيلة دعوية، وخلق إسلامي حميد، إن أخلصناه لله سيكون سببا في فتح القلوب لدين الله، وهذا ما قام به الشيخ في أفريقيا، فمما يذكر له أن الله فتح على يديه قلب أحد قادة القبائل النيجيرية، وهو سلطان إيسالي، وقد أراد أن ينهي وجود النصارى في قبيلته ويهدم كنائسهم، ولكن الشيخ السميط رفض هذا العمل، وبين له أن ذلك ليس من هدي الإسلام، بل إن الإسلام يكفل حرية العبادة لهم ولا يجبر أحدا على الدخول فيه.

ومما يؤثر للشيخ أيضا أنه في دعوته للإسلام، لم يكن يتحدث عن النصرانية أو يهاجمها، كما يفعل المنصرون في مهاجمتهم للإسلام، ولكنه كان يصون لسانه عن ذلك، ويركز كلامه على بيان محاسن الدين الإسلامي، وبراهين أنه الدين الحق ورسوله  " صلى الله عليه وسلم"  هو الرسول الخاتم.

تعظيم مشاركة المرأة

قد يعتقد بعض الناس خطأ، أو ظلما وجحودا، أن الإسلام ظلم المرأة ومنعها كثيرا من حقوقها، ومنها حقها في المشاركة المجتمعية والعمل التطوعي، ولكن هذه كلها أكاذيب ودعاوى باطلة، نسجت في عقول أظلمها وأعياها الحقد على الإسلام، والجهل به كعقيدة ومنهج حياة.

وقد أكد الشيخ -رحمه الله- على أهمية مشاركة المرأة في خدمة قضايا الأمة والنهضة بها، انطلاقا من فهمه وفقهه لمكانة المرأة في الإسلام، فكانت زوجته، السيدة أم صهيب، رفيق دربه، وشريكه في عمله الخيري والدعوي.. اصطحبها معه، حالا ومرتحلا، في مجاهل أفريقيا وأدغالها، داعية إلى الإسلام، ومعلمة لبني جنسها من الأفريقيات، أصول الإسلام ومبادئه، عن طريق عقد دورات تعليمية، ودروس تثقيفية عن الإسلام وحضارته وتاريخه، بالإضافة إلى إعدادها فرق عمل نسوية لتواصل الدعوة والعمل الخيري فيما بعد.

العمل الخيري أداة للتنمية

أن تعطي المحتاج أو الفقير أموالا، أو طعاما، أو ملبسا، أو غير ذلك مما يحتاج إليه، فليس هذا هو الهدف الحقيقي للعمل الخيري، ولكن الأمر عكس ذلك تماما، فهدف العمل الخيري هو القضاء على كل ما يعوق الأفراد ويمنعهم من المشاركة الفاعلة في بناء مجتمعاتهم وخدمة أمتهم، وهذا هو جوهر العمل الخيري في الإسلام، والذي ارتكن إليه الدكتور عبدالرحمن السميط في عمله التطوعي، وهو ما يطلق عليه في أدبيات العمل الخيري حاليا «الأبعاد التنموية للعمل الخيري». لم يهدف الشيخ إلى إعطاء الفقراء مسكنات تستمر فترة، ثم ما تلبث مشكلاتهم أن تعود، ومن ثم يمدون أيديهم من جديد، ويبحثون عمن يقضي حاجاتهم، بل كان يعتمد على إقامة مشروعات تتناسب مع البيئة التي يعمل بها من جهة، ومن جهة أخرى تتناسب مع قدرات طالبي المساعدة. ولهذا لم يكن الشيخ السميط يعتمد في مساعداته للفقراء على العطاء النقدي، أو العيني، وإنما كان يدرس حالة طالب المساعدة تفصيليا، ثم يقيم مشروعا يدر عليه دخلا، ويكفيه ذل المسألة، مثل: «الورش الصغيرة، محلات البقالة أو الملابس، المزارع السمكية، مشاغل الحياكة».

وهذا التوجه كانت له آثار اجتماعية ودعوية، تتمثل في القضاء على الفقر وآثاره، ودعم الاقتصاد المحلي للقبيلة، وهذا ما لم تقم به البعثات التنصيرية، التي كانت تعتمد دوما على ربط المحتاج بها أسبوعيا، حيث تصرف المساعدات بحضور القداس والصلاة في الكنيسة. ولا شك في أن هذا التوجه التنموي كان له أكبر الأثر في تعميق الإسلام في النفوس، وبيان اختلافه عن الملل الأخرى، وتقبل دعوة الشيخ السميط للدخول فيه.

الشفافية ودقة المحاسبة

من المبادئ المعمول بها في قطاع المنظمات الخيرية غير الربحية مبدأ «الشفافية ودقة المحاسبة»، وهو ما كان يطبقه الشيخ انطلاقا من أصوله الإسلامية، حيث إن المسلم مسؤول أمام ربه عما ولي عليه من أمور الناس «كلكم رع وكلكم مسؤول عن رعيته» (2) كما جاء في حديث النبي  " صلى الله عليه وسلم" . وكان يدرك ثقل المسؤولية الملقاة على عاتقه، وعظم الأمانة التي يحملها، لذلك كان حريصا على دقة المحاسبة المالية، وأن يوضع كل درهم في موضعه، وأشد ما يؤرقه ألا يكون الانفاق في غير محله. لذا كان يشرف بنفسه ويتابع دقائق الأمور في مشاريعه الخيرية ويتفقدها بنفسه ليطمئن قلبه على حسن سيرها.

ومما يؤثر عن الشيخ السميط قوله «أموال الناس التي دفعوها لعمل الخير لا يمكن أن أفرط في ريال واحد منها».

وهذه الدقة المحاسبية والشفافية في عمل الشيخ أفضت إلى نتيجة متوقعة، وهي ثقة الممولين والمتبرعين، وإيثارهم مؤسسة الشيخ وما تقوم به من مشاريع عن غيرها، لأنهم يرون ثمرة تبرعاتهم في مشاريع قائمة تغطي كل مجالات الحياة تقريبا، وفي مقدمتها خدمة الإسلام ونشره.

إنسانية العمل الخيري

يؤكد الإسلام على مبادئ الرحمة، والشفقة، ومساعدة المحتاجين، وتفريج كربات المكروبين، بغض النظر عن الدين أو الجنس أو اللون. وتظهر تطبيقات هذه المبادئ وغيرها من الخصائص الإنسانية، في ممارسة العمل الخيري، ولعل هذا الجانب لا يحتاج إلى تدليل عليه في منهجية العمل الخيري عند الشيخ السميط، فكل أعماله الخيرية كان هدفها الإنسان فقط.

ولكني أتوقف عند موقف يحمل دلالات عظيمة، في تجرد الشيخ السميط وسعيه لخدمة المحتاجين، حتى ولو كانوا ممن آذوه، وأساءوا إليه في فترة من الفترات، فمعروف أن الشيخ السميط اعتقل أثناء الغزو العراقي للكويت عام 1990، ونقل إلى سجون بغداد، ولاقى هناك أشد أنواع العذاب والتنكيل، لدرجة نزع لحم وجهه ورجليه، ورغم تجربة اعتقاله المريرة هذه، إلا أنها لم تكن حائلا بينه وبين مد يد العون لإخوانه العراقيين ونجدتهم مما ألم بهم بعد غزو قوات التحالف الأنجلو أمريكية، وسقوط النظام العراقي، حيث أعد قافلة إغاثية لتقديم مساعدات عاجلة للشعب العراقي لتخفيف آثار الحرب.

لقد كانت إنسانية العمل الخيري معلما واضحا في عمل الدكتور عبدالرحمن السميط.. فضح أدعياء الإنسانية والمتاجرين بها، وكشف عن زيف دعاويهم، خصوصا في أفريقيا، التي أسلم كثير من أبنائها على يديه، بسبب هذه السلوكيات التي أعلت من قيمة الإنسان كإنسان. وهذه الظاهرة استرعت انتباه أحد القساوسة المنصرين، كما يروي الشيخ نفسه فيقول: «جاءني قسيس كاثوليكي أوروبي وقال لي: أنا وأبي ولدنا هنا، وقد جاء جدي إلى هنا منذ مئة عام تقريبا. وهدفنا التنصير، ولكن لم يتنصر إلا أعداد قليلة، بينما أنتم أمضيتم هنا بضعة أيام وأسلم على يديكم المئات».

مأسسة العمل الخيري

إدراكا منه لحجم العمل المطلوب لمقابلة حاجات الأمة ومواجهة مشكلاتها، ومساعدتها في الرقي والتقدم، انتقل الدكتور عبدالرحمن السميط من مرحلة العمل الفردي إلى مرحلة العمل المؤسسي، الذي يعتمد على جماعية الأداء، والشورى عند اتخاذ القرارات، والارتكان إلى القواعد الشرعية والأسس العلمية المعمول بها في هذا المجال. ونذكر في هذا الصدد أنه أسس «لجنة مسلمي أفريقيا» عام 1981، والتي تحولت فيما بعد (1999) إلى «جمعية العون المباشر»، علاوة على عضويته في كثير من الهيئات والمراكز والجمعيات العاملة في مجال الإغاثة والعمل الخيري.

هذه هي أهم ملامح المنهجية في العمل الخيري عند الدكتور عبدالرحمن السميط -رحمه الله- تقصيناها رغم عدم وجود مراجع علمية موثقة لجهوده. وهذا الجانب يتطلب بذل كثير من الجهود من المهتمين بالعمل الخيري، ولعل جمعية العون المباشر تتبنى مثل هذه الأعمال مستقبلا.

هوامش

(1) رواه البخاري ومسلم.

(2) جزء من حديث - رواه البخاري.

كما تم الرجوع إلى مواقع

http://direct-aid.org/cms/ http://ar.wikipedia.org/wiki

21143.psd

25654252

أحمد أمين :

يحفل تاريخنا الإسلامي بسير العظماء والقادة الذين تركوا بصمتهم واضحة على ما قدموه إلى الإسلام والمسلمين. لكن كثيرا من هؤلاء العظماء أصبحوا شخصيات حبيسة بطون الكتب؛ حيث ضن المؤرخون بذكرهم أو تناول سيرتهم العطرة، حتى استغل الغرب ذلك فقام بتشويه صور الكثير من شخصياتنا التاريخية، ولطخ تاريخها الناصع البياض.

فأردنا أن نزيح بعض الغبار عن سيرتهم وكفاحهم؛ لتستلهم الأجيال القادمة بطولاتهم وصولاتهم، ولتكون نبراسا لنا في طريق المجد والصعود نحو قيادة العالم مرة أخرى كما قاده هؤلاء المجاهدون.

من هذه الشخصيات أمير البحار المجاهد خير الدين بربروس ، أبرع من ركب البحر، وقاد السفن، وخاض المعارك الحربية البحرية، وفتح للمسلمين بلادا عديدة، وحرر كثيرا من البلاد المحتلة، ووجه ضرباته القوية المؤلمة إلى أعداء الإسلام، فكسر شوكتهم، وهزم جيوشهم، وذاع صيته في أوروبا كلها، وأطلق عليه الأوروبيون لقب: بربروس ، وهو يعني: ذو اللحية الحمراء.

وبلغ من شدة خوفهم وهلعهم منه أنهم كانوا يدعون في صلواتهم:

بربروس بربروس

أنت صاحب كل شر

ما كان من ألم أو عمل

مؤذ وجهنمي مدمر

إلا والــســـبب فـــــيه

هذا القرصان الذي

لا نظير له في العالم (1)

ومن أجل تشويه صورته قام الغرب بإنتاج سلسلة أفلام ضخمة حملت اسم: قراصنة الكاريبي، وصور فيها المجاهد خير الدين بصورة وحشية ودموية، ووصفه بالخسة والنذالة؛ محاولا أن ينال من ذلك القائد العظيم الذي أذل قادتهم، وهزم جيوشهم، حتى إن كارلوس الخامس ملك إسبانيا كان يصرخ في قواده قائلا:

«لقد جعلتموني مسخرة بين الملوك، فليس فيكم من يستطيع التصدي لبربروس» (2(

الاسم والمولد والنشأة

هو خضر بن يعقوب، الملقب بخير الدين، ولد عام 1472م في جزيرة لسبوس اليونانية، لأب من الانكشارية (3) ترك في أبنائه حب الجهاد، وأم أندلسية كان لها الفضل الكبير في اهتمام خير الدين وأخيه عروج بمسلمي الأندلس فيما بعد (4(

كان لبربروس ثلاثة أشقاء، هم: عروج، وإلياس، وإسحاق، شاركوه في جهاده البحري، وخاضوا معه المعارك، وقد استشهدوا جميعا في معارك حربية، بينما توفي هو في 4 يوليو 1546م في مدينة إسطنبول.

بداية الحركة الجهادية

عمل هو وإخوته في بداية حياتهم في التجارة البحرية، وعندما وجدوا فرسان القديس يوحنا (جزيرة رودس) عاثوا فسادا في سواحل المدن الإسلامية، وأن الإسبان احتلوا بعض المدن الإسلامية في المغرب العربي، اندفعوا إلى جهاد هؤلاء المعتدين بحريا.

كون خير الدين أسطوله البحري الصغير بمساعدة أخيه عروج، وبدأ رحلته الجهادية مهاجما بعض السفن الأوروبية الحربية، وأسر من فيها، ومبادلتهم بأسرى مسلمين.

وقد استعان خير الدين بالبحارة الأندلسيين الفارين من بطش محاكم التفتيش، واستفاد من مهارتهم العالية في صناعة السفن وقيادتها، وكانوا يشكلون جزءا كبيرا من طاقمه البحري.

وتوجه عروج وخير الدين نحو جزيرة جربة في تونس سنة 1504م، واتفقا مع أميرها أبي عبدالله محمد بن الحسن الحفصي (5) على أن يمنحهما ميناء حلق الوادي؛ ليجعلا منه قاعدة لهما مقابل أن يدفعا له خمس الغنائم التي يغنمانـها، فوافق الحفصي، وعقد معهما الاتفاق.

وبدأت هجمات الأخوين تزداد قوة وشراسة، وتدفق عليهما المجاهدون من كل صوب وحدب، وبدأ أسطولهما الحربي في النمو، وهاجما به الأساطيل الأوروبية، واستطاعا - رغم قلة عدتهما وعتادهما - إلحاق أضرار جسيمة بتلك الأساطيل، وهزيمتهم في العديد من المواقع، وأسر جنود منهم، ونصب أكمنة، ومحاصرتهم، ومنع وصول الإمدادات إلى القوات الغازية لشمال إفريقيا، مما جعل الأخوين مصدر خطر على أوروبا في ذلك الحين.

التحالف مع العثمانيين

بدأ عود أسطوله يشتد، فهاجم شواطئ جنوة والبندقية، وإسبانيا وإيطاليا، وأصبح وجوده مثيرا لفزع الدول الأوروبية. واستطاع الإخوان استعادة مدينة بجاية من الإسبان، وحماية الجزائر من هجماتهم، واتخاذها مقرا لهم.

وفي عام 1518 استشهد عروج، وتولى القيادة من بعده خير الدين، وأرسل إليه السلطان العثماني سليم الأول أسطولا بحريا، وعددا كبيرا من المدافع، و2000 جندي للعمل تحت إمرته، ومنحه رتبة بكلر بك، والتي تعني: القائد الأعلى للقوات الإسلامية في إقليمه، وأصبحت مدينة الجزائر تابعة للخلافة العثمانية، كأول مدينة في الشمال الإفريقي (6)

وكان انضمام بربروس إلى العثمانيين بمنزلة طعنة رهيبة لقوى الاستعمار الأوروبي، وأصبح خير الدين حجر عثرة في طريق طموحهم الاستعماري، لذلك قام ملك صقلية هيكو دي مينكادا في سنة 1519م بحملة ضد خير الدين لكنها باءت بالفشل؛ لصلابة خير الدين وقوته وتصديه الباسل لتلك الحملة (7)

وقد وجه خير الدين أسطوله نحو تونس وتلمسان وحررهما، وتمكن أيضا من طرد الإسبان نهائيا من قلعة البينيون، والتي كانوا قد احتلوها قبالة مدينة الجزائر، وكان ذلك عام 1530م (8)، حيث حاصر القلعة لمدة عشرين يوما، وقصفها بالمدافع حتى هدم أسوارها، واقتحمها مع جنده، وأسر قائد القلعة وكبار ضباطه.

ثم طلب منه السلطان سليمان القانوني فتح تونس، التي كان يحكمها مولاي حسن، آخر سلاطين بني حفص، وكان متعاونا مع الإمبراطور الأوروبي شارلكان (كارلوس الخامس)، وكان الشعب التونسي ناقما على ذلك الوضع، فتوجه خير الدين بأسطوله وفتح تونس (9)، وسط ترحيب كبير من سكانها. وحكمها باسم العثمانيين، وعينه السلطان سليمان القانوني قائدا عاما للأساطيل العثمانية.

بعد توالي انتصارات بربروس ، وفرض سيطرته على المتوسط والكاريبي، تداعى الأوروبيون للقضاء عليه، فتكون تحالف على رأسه البابا بفرسانه وإسبانيا وفرنسا والبندقية والبرتغال، وتم تجهيز أكثر من 600 سفينة حربية؛ بغرض إنهاء سيطرة بربروس على المتوسط والقضاء على دولته.

وكانت المعركة في خليج بروزة، 4 من جمادى الأولى 945هـ - 1538م؛ حيث التقت أساطيل التحالف الأوروبي بأساطيل خير الدين، المكونة من 122 سفينة، ودارت معركة حسمت لخير الدين، الذي فاجأ السفن الأوروبية بهجوم غير متوقع، فتفرقت سفنهم، وفقدت تشكيلاتها العسكرية، فوقعت فيهم الهزيمة، ووقع أكثر من 2000 جندي في الأسر، وغنم ما يربو على 36 سفينة حربية، وفرض خير الدين سيطرته وهيمنته كاملتين على البحر المتوسط (10)

نجدة مسلمي الأندلس

انتشرت هجمات خير الدين لتطول مدنا أوروبية ساحلية، إلا أن أعظم ما قام به كان إنقاذ كثير من مسلمي الأندلس من بطش محاكم التفتيش؛ حيث كان صريخ الموريسكيين يتوالى كل يوم طالبا النجدة والغوث مما تفعله بهم محاكم التفتيش.

فكان يتم الاتفاق سرا مع المسلمين أن يكونوا موجودين ليلا في أماكن محددة من شواطئ بلنسية؛ لتنقلهم سفن بربروس إلى مدينة الجزائر.

وقد ذكرت مصادر تاريخية أنه نقل أكثر من 70 ألف مسلم، حملهم في 7 رحلات بأسطول بحري مكون من أكثر من 30 سفينة.

ولم يكتف بذلك، بل هاجم سفن الأسطول الإسباني، وأسر جنودا منه؛ ليقايضهم بمسلمين أندلسيين (11)

وأصعب الرحلات التي تعرضت للمخاطر كانت عام 1529م، حين أرسل بعض المسلمين الموريسكيين رسالة إلى خير الدين ليقلهم إلى الجزائر، فأرسل خير الدين نائبيه ريس صالح وإيدين ريس، واستطاعا جمع أكثر من 600 موريسكي، لكن قبل مغادرة الميناء هجم عدد كبير من السفن الإسبانية، وتمت مطاردة رجال خير الدين حتى مياه الجزائر الشرقية (البليار)، لكن فجأة انقلبت سفن المجاهدين من الدفاع إلى الهجوم، ودمرت عددا كبيرا من السفن الإسبانية، وغنمت بعضها، وعادت إلى مدينة الجزائر سالمة، حاملة معها الموريسكيين، وبعض أسرى الإسبان (12)

غزو فرنسا

أثناء الحرب الدائرة بين ملك فرنسا فرنسوا الأول والإمبراطور كارلوس (شارل الخامس) حول دوقية ميلان (شمال إيطاليا)، استنجد فرنسوا بالسلطان سليمان القانوني وطلب مساعدته، فأرسل السلطان سليمان حملة كبيرة على رأسها أمير البحار خير الدين، فغادر إسطنبول في 23 من صفر 950هـ 28 من مايو 1543م. وفي طريقه إلى فرنسا استولى خير الدين على مدينتي مسينة التابعة لصقلية، وريجيو الإيطالية من دون مقاومة، ثم استولى على ميناء أوستيا الإيطالي، حتى وصل إلى ميناء مارسيليا الفرنسي، ورفعت السفن الفرنسية الأعلام العثمانية احتفالا بقدوم خير الدين ورجاله، ونجح خير الدين في استعادة ميناء نيس الفرنسي من حاكمه الإسباني، وتسليمه إلى الملك الفرنسي (13)

ميناء طولون

كان لمساعدة العثمانيين للفرنسيين أثر كبير، فقام الفرنسيون بالتنازل عن ميناء طولون، وتسليمه إلى السلطان العثماني، وتحول الميناء إلى مركز للقوات البحرية الإسلامية، ومن خلاله قام العثمانيون باعتراض الأساطيل الإسبانية التي كانت تهدد المغرب العربي.

وخلال إدارة المسلمين للميناء أخلت الحكومة الفرنسية الثغر كله للمسلمين؛ ليتحول إلى مدينة إسلامية، وارتفع الأذان في جنبات المدينة (14)

صفاته وأخلاقه

كان خير الدين يمتاز بالقوة والدهاء والإقدام والشجاعة، وكان سخيا كريما محبا للفقراء والمساكين، كثير العطف عليهم، قوي الإيمان بالله، ذا صلابة في الجهاد وقناة لا تلين، إلى جانب تصميم وعزم لا يتطرق إليهما أي ضعف، ونظرة صائبة خاطفة، لا تكاد تخطئ التقدير ولا التدبير، وجرأة واندفاع لا يباليان بالصعوبات، ولا يحسبان حسابا للعقبات، ودقة في السياسة، وتدبير الملك، وعبقرية ترافقه ساعة الحرب وساعة السلم.

وصفه المؤرخ التونسي ابن المضياف: «خير الدين هذا من رجال الدنيا، بل والآخرة، فهو كما قال بعض الأدباء: خير الدين والدنيا» (15)

قاد خير الدين حروب الإيمان، وحقق فوزا عظيما، واتصف بالوفاء والإخلاص وإنكار الذات، والاستعداد الدائم للتضحية، والصدق، والشجاعة بكل أشكالها. ويحفظ لنا التاريخ رده على شارلكان عندما قال له: «يجب ألا تنسى أن الإسبان لم يخذلوا في معركة، وأنهم قتلوا أخويك إلياس وعروج، وإن تماديت فيما أنت عليه وركبت رأسك فإن عاقبتك ستكون كعاقبة أخويك».

فأجاب خير الدين: «سترى غدا، وإن غدا ليس ببعيد، أن جنودك ستتطاير أشلاؤهم، وأن مراكبك ستغرق، وأن قوادك سيرجعون إليك مكللين بعار الهزيمة» (16)

وعندما حاصر شارلكان (كارلوس الخامس) ملك إسبانيا الجزائر خرج له خير الدين ومعه حزم وعزم، وتلا على جميع قواده وجنوده قوله تعالى: {إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} (محمد:7)، وتقدم إلى الميدان ومعه رجاله، وقال لهم: «إن المسلمين في المشرق والمغرب يدعون لكم بالتوفيق؛ لأن انتصاركم انتصار لهم، وإن سحقكم لهؤلاء الجنود الصليبيين سيرفع من شأن المسلمين وشأن الإسلام».

فصاحوا كلهم: «الله أكبر»، وهاجموا الإسبان فأبادوهم عن آخرهم (17)

وفاة بربروس

كانت حملة خير الدين بربروس على ميناء طولون هي آخر حملة، فلم تطل به الحياة بعد عودته إلى إسطنبول؛ حيث توفي في 953هـ - 1547م، تاركا خلفه تاريخا عظيما سطره هو وإخوته بدمائهم الزكية التي سالت من أجل الدفاع عن راية التوحيد وحماية بلاد المسلمين.

الهوامش :

 (1) مجلة تاريخ وحضارة المغرب في كلية الآداب في الجزائر 1969م، العدد 6.

(2) مذكرات خير الدين بربروس، ترجمة د. محمد دراج، ص148.

(3)  الانكشارية: مقاتلون كانت تتم تربيتهم منذ الصغر على الجهاد والقتال في مدارس خاصة أعدها العثمانيون، تشبه المدارس الحربية حاليا.

 (4) انظر: أحمد توفيق مدني، حرب الثلاثمئة سنة بين الجزائر وإسبانيا، ص15.

 (5) انظر: المصدر السابق، ص158.

 (6) تاريخ الدولة العلية العثمانية لمحمد فريد، ص231.

(7) انظر: حرب الثلاثمئة، ص206.

 (8) الدولة العثمانية لعلي الصلابي، ص214.

 (9) انظر: الدولة العلية العثمانية لمحمد فريد، ص232.

(10) انظر: مذكرات خير الدين بربروس ، ترجمة د. محمد دراج، ص188-190.

 (11) دولة الإسلام في الأندلس نهاية الأندلس وتاريخ العرب المتنصرين، ص386.

(12) المرجع السابق، الصفحة نفسها.

(13)  انظر: خير الدين بربروس والجهاد في البحر لبسام العسيلي، ص165-166.

 (14) المصدر السابق نفسه.

 (15) حرب الثلاثمئة بين إسبانيا والجزائر، ص203.

 (16) خير الدين بربروس ، ص170-171.

(17) السابق.

hqdefault

لم يتوقف طويلا عند إعاقته.. فكان من أوائل قراء المملكة وذو نشاطات متعددة

واجه المرض بصبر ونقاء سريرة وامتثال لأمر الله حتى أسلم الروح إلى بارئها

القاهرة - محمد عبدالعزيز:

لا يماري أحد في أن مكة المكرمة والمدينة المنورة وعموم منطقة الحجاز أنجبت العديد من القراء المتميزين، الذين حملوا أمانة أقدس الكلم، كلام رب العالمين، وكما تميز قراء أرض الكنانة في تلاوتهم التي جذبت إليهم محبة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، لا يماري أحد أيضا في أن للقراءة الحجازية مكانة متميزةوشيوخ حملوا الأمانة دون كلل أو سأم على الرغم من أن أبرز علماء هذه المدرسة كانوا كفيفي البصر وعلى رأسهم الشيخ عباس مقادمي رحمه الله، والشيخ محمد زكي داغستاني الذي يدور حديثنا عنه عبر هذه السطور.

22200100

محمد الهدوي:

لم يحظ هذا الفتى بنصيب وافر من التعليم إلا ما حصل عليه من المعلومات الضرورية في المدارس الابتدائية، ولم يستطع كذلك أن يستمتع برواق المدرسة ورحابها الواسعة التي يحمل فيها الطلبة من أبناء الميسورين حقائب كتبهم لكي يحضروا الفصول صباحا ومساء.

 ولكنه بسبب الفقر المحدق بأسرته اضطر أن ينهي دراسته ويسرع إلى العمل في باكر عمره. وكان في عهد صباه، يعود من المدرسة إلى المبنى الذي كان يسكن فيه ليأخذ قسطه من الطعام من مطعم قريب منه، مما شكل في حياته نظاما روتينيا. وأما غياب أمه الرؤوم، التي يحبذ كل صبي وجودها معه في تلك الفترة تهيئ له طعاما يحبه، وتداعبه، وتجالسه في أحزانه ومسراته، فقد خلف في نفسه وحشة قاتلة. ولا لوم على أب كان يعمل لكفاف أسرته، وينشغل بعالمه الأبوي المسؤول. صاحبنا، أحمد ديدات، الذي نتحدث عنه، كان طالبا متفوقا بين أقرانه، وذكيا، ولامعا على الرغم من المشاكل التي هو فيها. وفي السادسة عشرة من عمره، اكتسب لنفسه مهنة ليتقي بها وطأة الفقر المحيط بعائلته. فصار بائعا. وهو اليوم، بعد خمس وتسعين سنة منذ ولادته، ليس فقط واحدا من فرسان الدعوة الإسلامية، بل أخطر المدافعين عن الإسلام في الغرب، لسانا وقلما، وأسد المنابر إذا أطلق زمجرة دبت في أحشاء الباباوات على مستوى العالم قشعريرة مقلقة. وفوق كل ذلك، إنه داعية فريد من نوعه، أحكم نشاطاته الدعوية، وتنوع فيها بما يلائم عقلية القرن الحادي والعشرين.

 ولد أحمد حسين قاسم ديدات عام 1918م في سورات بالهند. كان أبوه حسين قاسم ديدات عاملا بالخياطة في جنوب إفريقيا. لحق بأبيه عام 1927م في السنة التاسعة من عمره، وعقب مغادرته الهند توفيت أمه رحمها الله. والتحق بالمدرسة، حيث يعمل والده، وواصل دراسته حتى الصف السادس، ثم توقف عن التعليم بسبب الفقر، الذي أعجزه عن دفع الرسوم المطلوبة. ورغم أن أباه اتصل بكثير من التجار المسلمين لمساعدته على مواصلة دراسة ابنه، فإنه لم يجد إليها سبيلا، فبحث عن سبل أخرى. واختبر ديدات حظه في كثير من الأعمال المهنية، فعمل في عدة محال تجارية، ثم ارتحل من مدينة «دربان»، التي تسكن فيها أسرته، إلى دكان رجل مسلم شريف يقع على مسافة خمسة وعشرين ميلا من تلك المدينة، فمكث هناك بائعا فيه، ثم رجع إلى دربان ليعمل في مصنع كسائق للشاحنات الكبيرة، ثم عمل ككاتب ضابط للصادرات والواردات، ثم مديرا للمصنع. وفي عام 1949م سافر إلى باكستان وعمل فيها ثلاث سنوات في معمل للنسيج. وفي عام 1937م تزوج بالسيدة حواء غنغت، وأنجبت منه بنتا وولدين. وفي عام 1996م، عقب عودته من أستراليا، بعد مناظرة ناجحة مع أكابر الباباوات هناك، أصيب بجلطة تحت عنقه شلته تماما، فصار طريح الفراش لمدة تسع سنوات.

وكان في فترة مرضه يتلقى عناية كريمة من الدول العربية ورؤسائها، حيث نقل إلى مستشفى الرياض للعلاج بطريقة أفضل وليعتني به متخصصون.

انتقل رحمه الله إلى جوار ربه عام 2005م، عن عمر يبلغ السابعة والثمانين عاما وهو يستمع إلى القرآن الكريم، الذي كان يحبه حبا جما.

عناية إلهية في حياته رحمه الله

توالت في حياته عناية الله غير المتوقعة، على حد قوله. فهيأ له ظروفا وأسبابا، كان من أولها تعطشه للقراءة، فأصبحت الكتب خير جليس له في فترات وحشته، وأصبح قارئا نهما، لا يترك شيئا يقع في يده من كتب ومجلات وغيرها إلا ويقرأه بدقة متناهية، لدرجة أنه لم يبق كتاب في المكتبة لم يقرأه، إلى جانب ما وهبه الله من فهم ثاقب، وذكاء لامع، وطلاقة لسان، وتوفيق وسداد، وجهد ومثابرة.

ورغبته الجامحة في القراءة ذللت أمامه ظروفا صعبة، لأن الدفاع عن الإسلام كان جل همه، فبدأ يجادل كل من يتصدى له في المواضيع المختلفة، مما جعله يفوقهم في المعقولات والقدرة على المناظرة، بالإضافة إلى امتلاكه قدرات لغوية هائلة.

وثانيها حصوله على كتاب «إظهار الحق» للعلامة رحمة الله الهندي، وذلك عندما كان يبحث يوما في كومة من الصحف المكدسة في أحد المخازن للحصول على شيء للقراءة، ففوجئ بهذا الكتاب القديم جدا، الذي صدر عام 1915م في الهند، أخذه في يده ليقرأ العنوان المكتوب بالإنجليزية «Izharul Hakk»، ولكنه لم يستطع فهم معنى هذه الكلمة لأنها عربية، إلا أنه وجد تحتها معناها مترجما إلى الإنجليزية: Truth revealed. وكان هذا الكتاب قد ألفه رحمة الله ردا على النصارى في خمس مسائل من النسخ والتحريف, والتثليث, وحقية القرآن, والنبوة، حين كانت الإرسالية تعمل بشدة في الهند بين المسلمين.

وبعد أن مكن نفسه بالدلائل والحجج الدامغة بدأ يلقي محاضرات جذابة ومفيدة للمختصين والعوام في القاعات, على نفقته. ولم يمض وقت طويل حتى جذب هذا الفتى الخطيب انتباه الناس في المدينة.. معلوماته عن الكتب المقدسة، وإيمانه القوي بالقرآن والرسول  " صلى الله عليه وسلم"  مدهشان للغاية.. ذات يوم، قدم عليه من جوهانسبرج بعض من كانوا يحضرون خطبه ومحاضراته في دربان، وطلبوا منه أن يلقي خطبة في مدينتهم في يوم الاحتفال بمولد النبي  " صلى الله عليه وسلم" . وبتردد رفض هذه الفكرة، فهو رجل من الطبقة العاملة، ولا يستطيع تحمل كلفة الرحلة، لكنهم تكفلوا بنفقة الرحلة كاملة، ذهابا وإيابا، فسافر لأول مرة بالطائرة ليلقي خطبة مثيرة للانتباه جدا في قاعة مدينة جوهانسبرج، غير أنها لم تكن خطبة فحسب، بل زرعت في نفسه ثقة كبيرة، وجعلته يفكر أكثر في مجال الدعوة، وتوسعة نطاقها، وفي كيفية التعامل معها وابتكار طرق جديدة، وفكر في أنه إذا كان قد حاضر في قاعة مدينة جوهانسبرج، فإن قاعة مدينة دربان أحرى أن يلقي المحاضرات فيها، فبدأ بقاعة مدينة دربان عام 1958م، وجعل المسجد الجامع الكبير هناك مقرا لنشاطاته الدعوية. وبسبب نشاطه القوي هناك بدأ الناس يعتنقون الإسلام. ولم يخف أحمد ديدات أحدا في سبيل الحق، وكم كانت كلماته ممتلئة بالشجاعة حينما ناظر ثلاثة أساقفة في باكستان وتحداهم في عقر دارهم.

العصور برجالها

 ديدات رحمه الله كان ممن أرى المسلمين منحى جديدا للدعوة، أوقف حياته على الإسلام والقرآن، وقر في قلبه أنه لا يتوجب عليه الإيمان بهما فقط، بل إعطاؤهما حقهما الذي يستحقانه، نشرا وتعليما، بين الناس من غير المسلمين، الذين لم تصل إليهم الدعوة الصحيحة، وإخبارهم بخطورة الأمر المتعلق بالإنسان في الدنيا والآخرة، وأصحاب الأوهام الخاطئة المستشرية عن الإسلام والقرآن منذ فترة طويلة. ولا شك في أنه تمتلئ عين كل مسلم حريص على الإسلام بالدمع حين يرى هذا الشيخ المتقدم في السن يناظر كبار القساوسة مدافعا عن إسلامه بكل عزم وقوة، لا ترى على وجهه مسحة من تردد وارتباك بينما ينتظر دوره، ولكنه، بلحيته البيضاء، وظرافته، وابتسامته الوديعة التي لا تفارق محياه، والقلنسوة البيضاء التي تستريح على رأسه المحلوق على الدوام مرتفعة قليلا إلى ناصيتيه، يجلس في مكانه مسلحا بالحجة الدامغة, وجعبته مملوءة بالسهام الصائبة، منصتا إلى كلمات خصمه حتى ينتهي ليصرعه.. يمكنكم أن تروا كل مرة يحاضر ويناظر فيها كيف يرفع القرآن عاليا ويقول: «هذا من عند الله»، لتبقى كلمة الله هي العليا.

جامعة ولاية سونورا بالمكسيك تمنح عبد الوهاب زايد الدكتوراه الفخرية

سونورا – الوعي الشبابي: منحت جامعة ولاية سونورا بالولايات المتحدة المكسيكية شهادة الدكتوراه ...

حسن بن محمد يكتب: العيد.. وتعزيز القيم الأسرية

حسن بن محمد - كاتب وباحث - تونس: يعتبر العيد مناسبة للفرح والاحتفال لدى كل العائلات المسلمة، وهو ...

مواجهة الإلحاد بالعلم والعقل والدين.. كتاب جديد للدكتور خالد راتب

القاهرة – الوعي الشبابي: أصدر الدكتور خالد محمد راتب، مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر ...

اتصل بنا

  • صندوق البريد: 23667 الصفاة 13097 - الكويت
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
  • 22467132 - 22470156

عندك سؤال