الأحد، 04 ديسمبر 2022
رئيس التحرير
فهد محمد الخزّي

البخاري.. أمير المؤمنين في الحديث

د.محمد صالح عوض - عضو المجمع العلمي لبحوث القرآن والسنة: إن الحياة في ظلال الحديث الشريف، نعمة ...


 

 

المتواجدون على الموقع

المتواجدون الأن

76 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

hobbbbb

القاهرة - عبدالسلام الشبراوي:

تظل محبة المسلمين لدينهم ونبيهم صلى الله عليه وسلم ساكنة في أعماق نفوسهم متخللة شغاف قلوبهم، فما ذكر صلى الله عليه وسلم في مجلس إلا لهجت الألسنة بالصلاة والسلام عليه وخفقت القلوب شوقا إليه،

وكيف لا وهو الحبيب المحبوب والشفيع المرتجى الذي لا يكتمل إيمان مؤمن حتى يكون أحب إليه من الدنيا وم فيها، عن أنس ابن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين» (رواه البخاري).

فمحبة النبي صلى الله عليه وسلم من أصول الإيمان، وهي مقرونة بمحبة الله عزوجل، وتوعد الله من قدم عليها شيئا من الأمور المحبوبة في الطبع؛ من الأقارب والأموال، والأوطان وغير ذلك، فقال تعالى: {قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} (التوبة:24).

ولا يكون المؤمن كامل الإيمان حتى يقدم محبة الله ومحبة رسوله صلى الله عليه وسلم على محبة جميع الخلق، قال تعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (آل عمران:31) فالمحبة الصحيحة تقتضي المتابعة والموافقة في حب المحبوبات وبغض المكروهات وفي جميع الأحوال، فإذا كان هذا الحب صادقا فإنه يحمل صاحبه على متابعة النبي صلى الله عليه وسلم، والعمل بسنته؛ فإذا تعارضت طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم في أوامره، مع داع آخر يدعو إلى غيرها من الأشياء المحببة إلى النفس، فإن قدم المرء طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم وامتثال أوامره على ذلك الداعي؛ كان ذلك دليلا على صحة محبته للرسول صلى الله عليه وسلم، وإن قدم على طاعته وامتثال أوامره شيئا من هذه الأشياء المحبوبة طبعا، دل ذلك على عدم إتيانه بالإيمان التام الواجب عليه.

لقد رفع الله سبحانه وتعالى قدر نبيه صلى الله عليه وسلم فقال سبحانه: {لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ} (آل عمران:164)، قال بعض أهل التفسير: أي أنعم على من آمن مع النبي صلى الله عليه وسلم، ووجه هذه المنة أن الرسول صلى الله عليه وسلم يدعوهم إلى ما يخلصهم من عقاب الله تعالى ويوصلهم إلى ثوابه، كقوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} (الأنبياء:107)، وهو من جنسهم عربي مثلهم ليفهموا كلامه بسهولة، ويكونوا واقفين على أحواله في الصدق والأمانة فكان ذلك أقرب إلى تصديقه والوثوق به، لا ملكا ولا عجميا، وقرئ شاذا: (من أنفسهم) بفتح الفاء، أي من أشرافهم لأنه صلى الله عليه وسلم كان من أشرف قبائل العرب وبطونهم، ولم أذكر في التفسير قراءة شاذة إلا هذه لكونها في شرف الرسول صلى الله عليه وسلم(1).

وهذا الكلام من الخطيب الشربيني -رحمه الله- يدل على مدى حبه وتوقيره للنبي صلى الله عليه وسلم حبا جعله يتنازل عن منهجه في تفسيره للقرآن الكريم بعدم تضمينه قراءات شاذة إلا في هذا الموضع لكونه في شرف الرسول صلى الله عليه وسلم.

وبلغ من شرف الرسول صلى الله عليه وسلم أن الله سبحانه أخذ العهد والميثاق على الرسل من قبل أن أدركوه أن يؤمنوا به وينصروه قال تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ} (آل عمران:٨١) الرسول هنا محمد صلى الله عليه وسلم في قول علي وابن عباس رضي الله عنهما. واللفظ وإن كان نكرة فالإشارة إلى معين، كقوله تعالى: {وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ وَلَقَدْ جَاءهُمْ رَسُولٌ مِّنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ} (النحل:112-113) فأخذ الله ميثاق النبيين أجمعين أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وينصروه إن أدركوه، وأمرهم أن يأخذوا بذلك الميثاق على أممهم(2).

طريق الجنة

إن محبة محمد صلى الله عليه وسلم طريق إلى الجنة، وبوابة إلى حب الله عزوجل، وعبور إلى منازل الرضوان، ودليل على إيمان المرء وإخلاصه لله، ومن كانت محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم متربعة في قلبه فهو معه في الآخرة، جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله متى قيام الساعة؟ فقام النبي صلى الله عليه وسلم إلى الصلاة فلما قضى الصلاة قال: «أين السائل عن ساعته؟» فقال الرجل: أنا يا رسول الله قال: «ما أعددت لها؟» قال: ما أعددت لها كبير شيء ولا صلاة ولا صيام أو قال: ما أعددت لها كبير عمل إلا أني أحب الله ورسوله فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «المرء مع من أحب» أو قال: «أنت مع من أحببت» قال أنس: فما رأيت المسلمين فرحوا بشيء بعد الإسلام مثل فرحهم بهذا» (رواه ابن حبان).

إذا نحن أدلجنا وأنت إمامنا

كفى بالمطايا طيب ذكرك حاديا

وإن نحن أضللنا الطريق ولم نجد

دليلا كفانا نور وجهك هاديا

فجزاء محبته صلى الله عليه وسلم هو أن محبه سيكون معه صلى الله عليه وسلم في الجنة، وسيكون قريبا منه في المنزلة والدرجة، عن عائشة قالت: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله: إنك لأحب إلي من نفسي وأحب إلي من أهلي، وأحب إلي من ولدي، وإني لأكون في البيت فأذكرك فما أصبر حتى آتيك فأنظر إليك، وإذا ذكرت موتي وموتك عرفت أنك إذا دخلت الجنة رفعت مع النبيين، وإن دخلت الجنة خشيت ألا أراك. فلم يرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم حتى نزلت عليه: {وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} (النساء:69) فدعا به فقرأها عليه» (رواه الطبراني في الأوسط).

دليل المحبة

المحبة عاطفة تملأ شغاف القلب وتقود صاحبها إلى اتباع ما يحب والامتثال لأمر من يحب، لذلك فإن محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم تتمثل في الشوق إلى لقائه في جنة عرضها السموات والأرض، وتحتاج من المسلم أن يتوج هذه العاطفة باتباع منهج النبي صلى الله عليه وسلم والتزام سنته في عبادته وأخلاقه ومعاملاته وكل أمور الحياة، عن ربيعة بن كعب الأسلمي أنه قال: كنت أبيت عند النبي صلى الله عليه وسلم فأتيته بوضوئه وحاجته، فقال لي: «سل». فقلت: يا رسول الله، أسألك مرافقتك في الجنة. فقال: «أوغير ذلك؟» قلت: هو ذاك. قال: «فأعني على نفسك بكثرة السجود» (صحيح مسلم).

إن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ضربوا أروع الأمثلة في صدق محبتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقدموا من أجله الغالي والنفيس، فكل شيء يهون عليهم مقابل حب رسول الله، فالمال والولد والزوجة بل النفس تهون مقابل حب رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «لما كان يوم أحد حاص أهل المدينة حيصة، وقالوا: قتل محمد، حتى كثر الصراخ في ناحية المدينة، فخرجت امرأة من الأنصار متحزمة، فاستقبلت بأبيها وابنها وزوجها وأخيها (أخبرت بمقتلهم)، لا أدري أيهم استقبلت به أولا، فلما مرت على آخرهم قالوا: أبوك، زوجك، أخوك، ابنك، فتقول: ما فعل رسول الله؟ يقولون: أمامك، حتى دفعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذت بناحية ثوبه، ثم قالت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لا أبالي إذا سلمت من عطب!» (رواه الطبراني).

وروى ابن هشام في السيرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عدل صفوف أصحابه يوم بدر وفي يده قدح يعدل به القوم إذ مر بسواد بن غزية حليف بني عدي بن النجار وهو مستنتل من الصف فطعن في بطنه بالقدح وقال: «استو يا سواد». فقال: يا رسول الله أوجعتني وقد بعثك الله بالحق والعدل فأقدني. قال: فكشف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بطنه وقال استقد، قال: فاعتنقه فقبل بطنه! فقال: ما حملك على هذا يا سواد؟ قال: يا رسول الله حضر ما ترى فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدي جلدك، فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بخير وقال له: استو يا سواد»(3).

نصرة واجبة

ويظل الصراع بين الحق والباطل سجالا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وفي كل مرة يحاول أعداء الإسلام النيل من النبي صلى الله عليه وسلم ينبري المسلمون ويجتمعون على قلب رجل واحد لرد الإساءة والدفاع عن الرسول صلى الله عليه وسلم وليثبتوا للعالم أجمع أن حب نبيهم صلى الله عليه وسلم لا يساوم عليه، وأن من تجرأ على الإساءة للحبيب صلى الله عليه وسلم فلا عذر له، ولا تهاون معه حتى يعتذر صاغرا عما اقترفته يداه.

لكن هل ستظل محبتنا لنبينا مقتصرة على ردود أفعال لما يقوم به غير المسلمين من افتراءات وكيد وإساءة تحت مسمى حرية التعبير ذات المعايير المزدوجة؟! أم أننا ينبغي علينا البحث عما أوصل للغرب هذه الصورة المشوهة عن الإسلام ونبي الإسلام صلى الله عليه وسلم والمسلمين، لنقدم صورة حقيقية مشرفة تليق بنا وبديننا، بخلاف الواقع الذي نعيشه بعيدا عن هدي النبي صلى الله عليه وسلم وروح الإسلام؟

إن مجالات نصرة الإسلام والذب عن النبي صلى الله عليه وسلم تشمل جوانب كثيرة من حياة المسلمين بدءا من امتثال أخلاقه وتعاملاته على المستوى الشخصي، وتنطلق بعد ذلك لتشمل الجوانب العلمية والمعرفية والتربوية والمشاريع الإعلامية التي تسهم في تحسين صورة المسلمين، نعم لقد آتت المقاطعة -وهي رد فعل امتناعي- ثمرتها، فكيف لو اتخذنا مبادرات إيجابية وتقدمنا خطوات إلى الأمام سعيا لكسب الآخر وتعريفه بديننا وأخلاق نبينا صلى الله عليه وسلم؟ هل نفعل أم أننا سننتظر إساءة قادمة لنرد وندافع ونشجب وندين؟!

متى نحمل لواء المبادرة ونكون نحن الفاعلين لا المفعول بهم على الدوام؟!

الهوامش

1- تفسير السراج المنير للخطيب الشربيني- ج1- ص262- بتصرف يسير.

2- تفسير القرطبي- ج 5- ص189.

3- السيرة النبوية لابن هشام- ج1- ص626.

 

أضف تعليق


كود امني
تحديث

23 حافظًا وحافظة يتوجون الدفعة الثانية من كتّاب البخاري

القاهرة – الوعي الشبابي: احتفل كتّاب البخاري لتحفيظ القرآن الكريم بالتجمع الخامس بالعاصمة ...

الحياة الأسرية في بيت النبوة

صابر علي عبدالحليم - إمام وخطيب بوزارة الأوقاف المصرية: خير نموذج لحياة أسرية تنعم بالأمن ...

التلعيب.. مفهوم تعليمي جديد يعزز المفاهيم المهمة والمثيرة للجدل والنقاش

القاهرة – محمد عبدالعزيز يونس: لا يتوقف مجال تكنولوجيا التعليم عن الابتكار والتغيير ...

اتصل بنا

  • صندوق البريد: 23667 الصفاة 13097 - الكويت
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
  • 22467132 - 22470156

عندك سؤال