الأحد، 04 ديسمبر 2022
رئيس التحرير
فهد محمد الخزّي

البخاري.. أمير المؤمنين في الحديث

د.محمد صالح عوض - عضو المجمع العلمي لبحوث القرآن والسنة: إن الحياة في ظلال الحديث الشريف، نعمة ...


 

 

المتواجدون على الموقع

المتواجدون الأن

89 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

hajjjjjjj

أشرف زاهر محمد أستاذ الحديث وعلومه - بجامعة المدينة - ماليزيا:

يجتمع المسلمون مرة كل عام من أقطار الأرض في أكرم بقعة شرفها الله تعالى، وهي بيت الله الحرام، قبلة المسلمين في الصلاة، وذلك في أعظم حشد بشري اجتمعت كلمة أصحابه على الطاعة والتقوى؛ ليؤدوا الركن الخامس للإسلام، تنفيذا لقوله تعالى: {وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} (آل عمران:٩٧).

ومما ابتليت به أمتنا، لاسيما في عصورها الأخيرة، أن مفهوم العبادة أصبح عند بعض أبنائها لا يتعدى الشعائر الظاهرة، دون فقه حقيقة العبادة وأسرارها وحكمها، فاقتصر الحج عندهم على عمل الجوارح، من إحرام وسعي وطواف ووقوف بعرفة وغيرها من مقومات الحج، وهي أعمال لا تتم الفريضة من دونها، بيد أن هذه المناسك كلها لا تؤتي ثمارها إلا بتدبر القلب لمعانيها السامية، لاسيما أن الحج عبادة تزخر أعمالها بالرمزية؛ فحري بنا أن نتأمل حقيقة الحج بعقولنا وقلوبنا؛ كي نعيش في ظلاله الوارفة، ونقتطف من ثماره الدانية، تلك الثمار التي عبر عنها القرآن بـ«المنافع»، في قول الله تعالى: {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ} (الحج:٢٨).

والمتأمل في فريضة الحج، لاسيما في عصور الإسلام الأولى، يلاحظ ما هو جدير بالتفكر والتدبر، فقد كان السفر إلى بيت الله الحرام يكتنفه كثير من الجهد، ومخاطر السفر على متون الدواب في الصحاري المقفرة، مما يرهق الأبدان، بل قد تزهق معه الأرواح.

وقد عبر القرآن عن صورة من هذا التعب في قوله تعالى: {وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} (الحج:٢٧)، أي: يأتوك مشاة وركبانا على كل بعير، و«الضامر» أي: البعير المهزول الذي أتعبه السفر، وقدم «رجالا» على الركبان في الذكر؛ لزيادة تعبهم في المشي(1).

وإذا كانت رحلة الحج على هذا النحو، ومن الثابت أن شريعتنا الغراء توخت حفظ النفس في تشريعاتها، وجعلته مقصدا كليا، فلماذا لم تتحاش تلك المخاطر، بأن يكون لأهل كل قطر أو قارة كعبة يقصدونها بالحج، أو يتكرر الحج في العام الواحد عدة مرات، أو غير ذلك مما يجنب الناس النصب؟

والحق أن إرادة الله تعالى اقتضت ألا يكون شيء من ذلك، فلا تعدد في المكان، ولا في الزمان، وإنما هو صعيد واحد، وكعبة واحدة، وزمان واحد، ولاشك أن الله تعالى، وهو الرحيم بعباده، والحكيم في تشريعه، لم يشرع ذلك إلا لمصالح كبرى، وحكم عليا، لا تتحقق إلا بهذا الحشد الهائل في موسم الحج الجامع، وقد فهم أعداء الأمة هذه الحقيقة جيدا؛ فهذا أحد الـمبشرين يقول عن التبشير في البلاد الإسلامية: «سيظل الإسلام صخرة عاتية، تتحطم عليها كل محاولات التبشير، مادام للمسلمين هذه الدعائم الأربع: القرآن، والأزهر، واجتماع الجمعة الأسبوعي، ومؤتمر الحج السنوي العام»(2).

ونحاول في هذه السطور أن نقبس بعضا من أبرز أنوار الحج وأسراره، وحكمه وآثاره، ورسائله التي يبثها في الحجيج وفي جميع أمة الإسلام، من التئام شمل الأمة ووحدتها، والمساوة والأخوة بين آحادها، وارتباط حاضرها بماضيها المجيد وأصلها التليد.

أمة واحدة

إن في الحج تجسيدا وتأكيدا للحجاج ولبقية المسلمين على أنهم أمة واحدة، وإن اختلفت ألوانها وأجناسها، أو تباينت ألسنتها ولهجاتها، أو تباعدت ديارها وأوطانها، فلا شيء من ذلك كله يحول دون أن يكون المسلمون أمة واحدة، فها هي جموعهم تلتقي في هذا الموسم الكبير، فيطوف العربي وبجواره العجمي، ويلبي الأبيض ومعه الأسود، ومن ثم تتآلف كلمة المسلمين، ويلتئم شملهم تحت راية التوحيد، وما أحوج المسلمين إلى ذلك؛ فإنهم لم يذوقوا مرارة الضعف والتخلف إلا بالتنازع والتمزق، وضياع معنى الأمة الواحدة، ويأتي الحج ليوقظ في ضمائر المسلمين هذا المعنى العظيم، فهو فرصة، وأي فرصة، لتوحيد الصف، والوقوف في وجه العدو، ففي وحدة الحجاج تنبيه للمسلمين إلى أنهم مهما كانوا ضعافا يتكالب عليهم أعداؤهم، فإنهم إذا توحدوا وأصبحوا أمة واحدة أضحوا قوة لا يستطيع عدوها أن يهزمها، أو يكسر إرادتها.

ومن عجب أن طائفة من المسلمين غفلت عن أن وحدة المسلمين هي سر نهضتهم وقوتهم، بينما أدرك بعض المستشرقين هذا المعنى، فهذا المستشرق الأميركي فيليب حتى (filib hataa)، وهو واحد ممن هالهم ما وصل إليه الإسلام في أول عهده من عز ومجد، فسجل إعجابه في مقدمة كتابه عن تاريخ العرب فقال: «لم تمض على وفاة النبي محمد مئة سنة، حتى أصبح العرب أسياد دولة أعظم من دولة الرومان في أوج عزها... ودخل في دين العرب وفي لسانهم ودمهم من الشعوب والأجناس ما لم يعهده التاريخ من قبل، حتى في أخبار اليونان والرومان»(3).

وهكذا لا يخفي هذا المستشرق ذهوله ودهشته في صدر كتابه، ومن ثم راح يبحث في تاريخ العرب ودينهم عن أسرار هذه العظمة، وكان مما وصل إليه ووعاه جيدا أثر الحج في تحقيق معنى الأمة الواحدة، فقال: «فالحج أتاح للزنوج والبربر والصينيين والفرس والسوريين والترك والعرب، الفقير منهم والغني، والرفيع والوضيع، أن يجتمعوا، ويتآخوا على أساس الإيمان المشترك. والحق أن الإسلام قد وفق أكثر من أديان العالم جميعا إلى القضاء على فوارق الجنس، واللون، والقومية، وخاصة بين أبنائه، ولاشك في أن الاجتماع في موسم الحج له الفضل الأكبر في تحقيق هذه الغاية»(4).

أخوة عالمية

لا يمكن لمعنى الأمة الواحدة أن يستقر في الأمة إلا إذا سادت الأخوة العالمية، ولذا ففي الحج تذوب الفوارق التي تجعل التفاضل بين الناس حسب أجناسهم وألوانهم ومكانتهم في الدنيا، فالجميع يلبسون ملابس واحدة، تجردوا فيها من الثياب المألوفة، ولبسوا ملابس خلت من كل أنواع الزينة، فهي أشبه بأكفان الموتى، ويتعبدون بشعائر واحدة، وفي مكان واحد، وزمان واحد، فيحيي ذلك في قلوبهم مبدأ المساواة، فكلهم من آدم، وآدم من تراب، ولا فرق بينهم جميعا، ولا فضل لأحدهم على الآخر إلا بالتقوى.

ومن الفضل الذي شهدت به الأعداء تصريح بعض المستشرقين بما في الحج من مبدأ المساواة والأخوة، وأثر ذلك على تقدم المسلمين، فهذا المستشرق البريطاني رونالد فيكتور كورتيناي بودلي (Ronald Victor Courtenay Bodley) صرح بانبهاره برسول الإسلام صلى الله عليه وسلم ودولته، حيث قال في مقدمة كتابه: «سمعت عن محمد الرجل الذي وحد حفنة من القبائل المتنافرة المتنافسة، وجعلهم دعامة إمبراطورية من أعظم إمبراطوريات العالم قوة. وسمعت عنه أنه الرجل ذو القلب الحار، الذي حول الوثنيين وعبدة الأصنام إلى مؤمنين صادقين»(5)، ثم استعرض هذا المستشرق النصراني سيرة رسولنا الأكرم صلى الله عليه وسلم ليحاول الوصول إلى أسباب القوة التي مكنت رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم من بناء هذا المجد الكبير، ولـما وصل الكاتب إلى نهايات كتابه سطر واحدة من أعظم هذه الأسباب، وهو المساواة والأخوة وأثر الحج في غرسها، فقال: «قضى محمد على فروق الطبقات واللون والأجناس، والحج أعظم شاهد على ديموقراطية الإسلام؛ فهناك يجتمع المسلمون الأوروبيون والآسيويون والأفريقيون، والصعاليك والأمراء، والتجار والمقاتلون في نفس الإزار البسيط، الذي كان محمد وأتباعه يرتدونه في حجة الوداع؛ إنهم جميعا يتناولون نفس الطعام، ويتقاسمون نفس الخيام، ويعاملون دون تمييز... أكان في مقدور رجل ما لم يكن ملهما أن يأتي إلى الوجود بمثل هذه الأخوة العالمية»(6).

ارتباط بالأصل

من آثار الحج أنه يربط الجيل الآخر بالجيل الأول، فالحجاج يرحلون إلى البيت الحرام والديار المقدسة التي كانت مهبط الوحي، ومحضن الإسلام، ولا ريب أن الارتباط بهذه البقاع الطاهرة يجعل الحاج أقرب إلى الاقتداء بالرعيل الأول، الذين جاهدوا حتى بلغوا الإسلام إلى آفاق الدنيا، والحاج -كما يقول الغزالي- حينما يزور المدينة يتذكر أنها البلدة التي اختارها الله عزوجل لنبيه؛ ليهاجر إليها، وفيها داره التي شرعت فيها الفرائض، ثم جعل فيها قبره صلى الله عليه وسلم وقبر وزيريه أبي بكر وعمر، رضي الله عنهما، ثم يتمثل الحاج في نفسه مواقع أقدام رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الأماكن الشريفة(7).

بل إن الحجاج يغوصون في تاريخ أبعد من ذلك؛ فإن البيت الحرام ضارب بجذوره في أعماق الزمن، حيث أمر الله تعالى خليله إبراهيم ببناء أول بيت لعبادة الله تعالى، ثم أمره أن يدعو في الناس ليقصدوا البيت العتيق فقال: {وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} (الحج:٢٧)، وقد عبر في الآية بلفظ «يأتوك» وإن كانوا يأتون البيت؛ إذ من أتى الكعبة حاجا فقد أتى إبراهيم لأنه أجاب نداءه(8).

يتذكر الحجاج هذا التاريخ البعيد حين يطوفون حول الكعبة، فيتذكرون أباهم إبراهيم وابنه إسماعيل، عليهما السلام، وهما يرفعان القواعد من البيت ويدعوان الله تعالى أن يتقبل منهما، ويسعى الحجيج بين الصفا والمروة فيستحضرون قصة أم إسماعيل مع رضيعها، ولطف الله تعالى بهما بتفجر ماء زمزم، الذي يشرب منه الحجاج، وكذلك إذا رمى الحاج الجمار فجدير به -كما يقول صاحب الإحياء- أن يقصد التشبه بإبراهيم، عليه السلام، حيث عرض له إبليس في ذلك الموضع فأمره الله تعالى أن يرميه بالحجارة؛ طردا له وقطعا لأمله(9).

وما من ريب في أن الحاج حين يتنقل بين مناسك الحج، فإن هذا التاريخ البعيد ينبعث ماثلا أمام عينيه، كأنه يسمعه ويراه، فيربطه بأصله، ويذكره بهويته.

وهكذا تفيض فريضة الحج بالأسرار الباهرة، والمعاني الظاهرة، حتى إن بعض المستشرقين عرفوا مكامن القوة في شعيرة الحج، ولم يستطيعوا إنكارها، وما أجدر أمتنا أن تتأمل في هذه العبادة وجوهرها؛ ليكون الحج نقطة تحول في مسيرتها، وحري بنا أن ننظر ونتدبر مرة بعد مرة تلك الجموع الملبية من الحجاج، وهم يؤدون مناسك واحدة، وفي وقت واحد، رغبا ورهبا، كي تثور في نفوس أمتنا بواعث الشوق إلى تراص الأمة ووحدتها؛ فتنجو من كيد عدوها، وتفوز برضوان ربها.

الهوامش

1- فتح القدير للشوكاني، 3/530، دار ابن كثير، دمشق، ط. الأولى.

2- الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة، (2/669)، الندوة العالمية للشباب الإسلامي، إشراف: د. مانع بن حماد الجهني، دار الندوة العالمية، ط. الرابعة.

3- العرب تاريخ موجز، د. فيليب حتى، ص:9، دار العلم للملايين، بيروت، يوليو 1991م.

4- السابق، ص:58-60.

5- الرسول حياة محمد، ر. ف. بودلي، ص:3-4، ترجمة: محمد محمد فرج وعبدالحميد جودة السحار، مكتبة مصر، د. ت.

6- السابق، ص:338-339.

7- إحياء علوم الدين للغزالي، 1/270-271، دار المعرفة، بيروت.

8- فتح القدير للشوكاني، 3/530.

9- إحياء علوم الدين، 1/270.

 

 

أضف تعليق


كود امني
تحديث

23 حافظًا وحافظة يتوجون الدفعة الثانية من كتّاب البخاري

القاهرة – الوعي الشبابي: احتفل كتّاب البخاري لتحفيظ القرآن الكريم بالتجمع الخامس بالعاصمة ...

الحياة الأسرية في بيت النبوة

صابر علي عبدالحليم - إمام وخطيب بوزارة الأوقاف المصرية: خير نموذج لحياة أسرية تنعم بالأمن ...

التلعيب.. مفهوم تعليمي جديد يعزز المفاهيم المهمة والمثيرة للجدل والنقاش

القاهرة – محمد عبدالعزيز يونس: لا يتوقف مجال تكنولوجيا التعليم عن الابتكار والتغيير ...

اتصل بنا

  • صندوق البريد: 23667 الصفاة 13097 - الكويت
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
  • 22467132 - 22470156

عندك سؤال