الأحد، 27 سبتمبر 2020
رئيس التحرير
فهد محمد الخزّي

محدث عصره العلامة الألباني

✍ هشام الصباغ - باحث لغوي: انطلاقا من مقولة «الناس موتى وأهل العلم أحياء»، نسلط في ...


 

 

المتواجدون على الموقع

المتواجدون الأن

75 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

coverc ov

  د. سليمان علي سليمان - دكتوراه في الفقه المقارن – مصر:

الإسلام دين الرحمة وهذا مما لا يشك فيه عاقل علم عن الإسلام القليل أو الكثير؛ والرحمة ظل وارف على كل مبادئ الإسلام وتشريعاته وتعاليمه.

وتتجلى هذه الرحمة في كتاب الله عزوجل وبين طيات صفحاته واصفة رب العزة بالرحمة وكتابه ورسوله بالرحمة؛ فيقول الحق تبارك وتعالى مفتتحا كتابه: {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} (الفاتحة:1)، وعن كتابه يقول: {وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ} (النمل:77)، وعن رسوله صلى الله عليه وسلم: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} (الأنبياء:107).

وإذا نظرنا إلى الأحكام الشرعية وجدناها رحمة في أدائها ليس فيها اعوجاج ولا مشقة يتحملها الإنسان بوجه عام {لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} (البقرة:286). قد تبدو بعض الأحكام والتشريعات التي نزل بها القرآن الكريم للوهلة الأولى شاقة وثقيلة على النفوس المطبوعة على الضعف والقصور؛ لكن الله عزوجل الذي خلق الخلق أعلم بما يصلح أحوالهم، فهو عليم بعباده وبضعفهم.

فلربما لا يستطيع الإنسان الصلاة لتعب ألم به؛ فأحل له الإسلام الصلاة جالسا أو حتى مضطجعا حسب قوته واستطاعته. أو لربما لا يستطيع إخراج الزكاة لقلة ذات اليد فأسقط عنه الإسلام هذا الفرض حتى يبلغ النصاب، وكذلك الحج أسقطه الشارع الحكيم عن العاجز والفقير وجعله لمن استطاع إليه سبيلا.

ومن العبادات والتكاليف الشرعية التي شرعها الله عزوجل وتبدو شاقة فريضة الصيام، فالنفوس تستثقلها؛ لأنها عبادة يمتنع فيها المسلم عن الطعام والشراب والشهوات، فالصيام حرمان للنفس من أحب الأشياء إليها.

ولنعلم أن الصيام كما كتبه الله علينا كتبه على من كان قبلنا {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (البقرة:183)، وإن كان يختلف صورة وشكلا. وإذا نظر العاقل منا في آيات الصيام لوجد أن الله تعالى يقول: {يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} (البقرة:185)، وهو تقرير لقاعدة شرعية عامة كلها رحمة ورأفة ولطف؛ فالله عزوجل يريد التيسير والتخفيف على العباد في كل ما يشرعه ويأمر به.

ومن غاية الرحمة واللطف أن تأتي هذه القاعدة الشرعية العامة في ثنايا أحكام الصيام، فهي تضفي على الآيات ظلال المودة ونسمات الأنس بمحبة الله اللطيف الرؤوف بعباده المؤمنين؛ إذ إن هذه القاعدة تنفي كل ما قد يخامر القلب من إحساس بثقل هذه العبادة التي كلف بها، وتزرع الثقة بأن كل أحكام الله يسر ورحمة، وأن الله سبحانه لا يشرع ما فيه العسر والمشقة على العباد، كيف يكون ذلك وهو أرحم الراحمين؟!

غاية الصوم

وإذا نظرنا بعين البصيرة إلى آيات الصيام لوجدنا أن الله قال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}(البقرة:183)؛ فذكر الله الغاية من الصوم، وهي حصول التقوى، وهي أعظم ما يتمناه المؤمن وغاية ما يسعى إلى تحقيقه، ويجهد لبلوغه. فإذا علم المؤمن أن الصوم قائد إلى تلك الغاية الغالية أقبل إليه مسرعا؛ فالنفس تقبل على الأمر الذي يكون له هدف واضح ومرغوب وتتردد أمام الأمر الذي لا تعرف حكمته ولا هدفه.

ومن رحمة الله بعباده أن يبين لهم علة التكليف وغايته التي تعود على المكلف نفسه بالنفع. ومن فضل الله علينا أنه لم يجعل الصيام طول العام ولا أكثر أيامه، فجعل الله الصيام «أياما معدودات»، فيظهر من تلك اللفظة القرآنية لمحة من لمحات رحمات الله وهي: تقليل مدة الصيام. قال ابن كثير: «بين الله مقدار الصوم وأنه ليس في كل يوم لئلا يشق على النفوس، فتضعف عن حمله وأدائه»(1).

أصحاب الأعذار

ومن فضل الله علينا كذلك أن جعل رخصة لمن لا يستطيع الصيام {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} (البقرة:184).

فهذه الرحمة للمريض والحائض والنفساء والحامل والمرضع والمسافر، تدل على أن الشارع الحكيم لم يرد بفرض الصيام علينا أن يجوعنا ويعطشنا ويعذبنا، وإلا لعم الجميع، وفرض علينا المواصلة في الصوم، ولكن الله بخلقه عليم رحيم.

فالمريض خفف الله عنه وأذن له بالفطر حتى يبرأ من مرضه؛ وذلك حتى لا يهلك المسلم نفسه لأن رب الأرباب الرحيم قال: {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} (النساء:29)، فإن برئ وعوفي وجب عليه قضاء هذه الأيام المعدودات. أما إن كان المرض مزمنا لا يستطيع المسلم معه الصيام فقد بين لنا الشرع الحكيم بأن عليه الفدية، فعن ابن عباس، قال: «رخص للشيخ الكبير أن يفطر، ويطعم على كل يوم مسكينا ولا قضاء عليه»(2).

ويشمل هذا الأمر المسافر الذي لا يقوى على الصيام، وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم قدوة لأصحابه ومعلما لهم في هذه الرخصة، فقد ورد عنه أنه قال: «ليس من البر الصوم في السفر»(3)، بل لقد ورد عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: «كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان، فمنا الصائم ومنا المفطر، فلا يجد الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم، يرون أن من وجد قوة فصام فإن ذلك حسن، ويرون أن من وجد ضعفا فأفطر، فإن ذلك حسن»(4).

والمرأة الحائض والنفساء أذن الله الرحيم لهما بالإفطار حتى وإن استطاعتا الصيام، وإن صامتا لا يقبل منهما ولا يجزئ عنهما، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: «كنا نحيض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم نطهر، فيأمرنا بقضاء الصوم، ولا يأمرنا بقضاء الصلاة»(5). أما الحبلى والمرضع فمن رحمة الله بهما أن خفف عنهما.

النهي عن الوصال

ومما يؤكد أن الشارع لم يقصد تعذيب المرء نفسه بالصيام؛ نجد أن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن الوصال في الصيام، فعن عائشة رضي الله عنها، قالت: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوصال رحمة لهم»، فقالوا: إنك تواصل، قال: «إني لست كهيئتكم إني يطعمني ربي ويسقين»(6).

فعندما يرحم الله عز وجل الكبير الطاعن في السن، ويقول لمن لا يستطيع الصيام بأن يفطر، ومن كان عنده عذر ينتظر حتى يزول العذر ثم يقضي فقط، يا لها من رحمات متتاليات من رب رحيم لأمة مرحومة لعلنا نتعلم أن نتراحم فيما بيننا {هَلْ جَزَاء الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ} (الرحمن:60). ويلزم كل صائم أن يكون رحيما مع غيره فلا سباب ولا فسوق ولا قتال ففي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال الله: كل عمل ابن آدم له، إلا الصيام، فإنه لي وأنا أجزي به، والصيام جنة، وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله، فليقل إني امرؤ صائم»(7).

وبذا نكون أخذنا ثمرة الصيام ونتعلم أن الإسلام دين رحمة لا تكلف فيه ولا عناء ولا مشقة كما يجب أن نتراحم فيما بيننا... وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

الهوامش

1- تفسير القرآن العظيم لابن كثير (ت774هـ)، ط: دار الغد العربي، 1/213.

2- سنن الدارقطني، أبو الحسن علي بن عمر الدارقطني (ت:385هـ)، الناشر: مؤسسة الرسالة، بيروت – لبنان 3/195، والحاكم في المستدرك على الصحيحين الناشر: دار الكتب العلمية – بيروت. وقال هذا حديث صحيح على شرط البخاري، 1/ 606.

3- صحيح البخاري رقم (1946)، فتح الباري شرح صحيح البخاري، ك:الصوم، ب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: لمن ظلل واشتد عليه الحر، ط: دار الغد العربي، 6/336.

4- المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم للإمام مسلم النيسابوري (ت:261هـ)، (رقم 1116)، ك: الصوم، ب: جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر، الناشر: دار إحياء التراث العربي – بيروت 2/787.

5- سنن الترمذي، محمد بن عيسى الترمذي (ت:279هـ)، وقال حديث حسن، ك الصوم، ب: ما جاء في قضاء الحائض الصيام دون الصلاة، الناشر: شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي – مصر، 3/145.

6- صحيح البخاري، رقم (1964)، فتح الباري شرح صحيح البخاري، ك: الصوم، ب: الوصال، 6/371.

7- صحيح البخاري، رقم (1904)، فتح الباري شرح صحيح البخاري، ك: الصوم، ب: هل يقول إني صائم إذا شتم.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

الملا وفهد ناصر يكرمان بطل العالم يوسف العبدالرزاق

  الكويت – الوعي الشبابي: كرم د.صقر الملا نائب المدير العام للرياضة التنافسية، ورئيس ...

أطفالنا والصيام

  نهى الفخراني أطفالنا شديدو الذكاء والملاحظة.. فتراهم يلحظون متى ننشغل عنهم وإن بدا أننا ...

الطوفان الرقمي.. يكشف خبايا الشبكة العنكبوتية

 القاهرة – عبد الحليم حفينة: بالتأكيد إنك أحد مستخدمي الشبكة العنكبوتية طالما شرعت في ...

اتصل بنا

  • صندوق البريد: 23667 الصفاة 13097 - الكويت
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
  • 22467132 - 22470156

عندك سؤال