الأربعاء، 15 يوليو 2020
رئيس التحرير
فهد محمد الخزّي

محدث عصره العلامة الألباني

✍ هشام الصباغ - باحث لغوي: انطلاقا من مقولة «الناس موتى وأهل العلم أحياء»، نسلط في ...


 

 

المتواجدون على الموقع

المتواجدون الأن

157 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

vs

د. محمد بن أحمد الحجوي - أستاذ التعليم العالي - المغرب

كل فريضة في شريعة الإسلام السمحاء في العبادات والمعاملات والسلوك والأخلاق تجد فيها رحمة الله الشاملة بالإنسان وبكل المخلوقات، هذه الرحمة قد تكون جلية يشعر الإنسان بها ماديا ومعنويا بما تجلب له من راحة وسعادة وطمأنينة نفس يظهر أثرها على جسمه ونفسه وعقله وأمنه..

وقد تكون خفية لا يدركها إلا حينما تشمله ألطاف الله في الطوارئ والحوادث الجسام التي تعترض سبيله فيعرف آنذاك أن ألطاف الله معه لا تفارقه أينما حل وارتحل {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} (البقرة:186)، ولذلك أوجب الله عزوجل على عباده الشكر الدائم والحمد والإقرار بالنعم ظاهرها وخفيها ليكون قريبا من خالقه، فلا نعم إلا من الله عزوجل القادر على كل شيء {فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ حَلالاً طَيِّبًا وَاشْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} (النحل:114).

وقوله عز من قائل في بيان نعمه الوافرة: {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا} (النحل:18) فعناية الله بالإنسان دائمة ومسُتمرة شريطة قربه من خالقه وشكره على نعمه واعترافه بكل ما أعطاه. والصيام من الفرائض التي أراد الله بها الرحمة الشاملة للإنسان، فيما يوفر له به من سعادة وراحة وطمأنينة نفس وصحة جسم وصفاء روح ومغفرة ورضوان أكبر في الآخرة. قال عز من قائل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ}(البقرة:184،183).

فيها رحمة

فريضة فيها رحمة بهذا المخلوق سواء كان قادرا على أدائها جسميا ونفسيا أو غير قادر نتيجة حدوث مرض أو سفر يجد فيه مشقة أو أسباب أخرى فوق قدرته وطاقته، لأن القاعدة العامة في الإسلام هي التيسير والتخفيف. لكن إذا زالت تلك الأسباب فلا يحق لهذا المخلوق التمرد على أمر الله، لأنه لو تدبر ما فرضه عليه في العبادات والمعاملات لوجد فيها كل الخير لنفسه ولمجتمعه {وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ}، إن الإنسان حينما يتأمل بدقة معاني الآية الكريمة يجد فريضة الصيام مشمولة برحمة واسعة من الله بالإنسان في حياته الدنيا وفي حياته الأخرى، فليس المقصود منها حرمانه من الطعام والشراب والملذات والشهوات التي أحلها الله له، وإنما وراءها غايات نبيلة وفضائل سامية تحقق للفرد والمجتمع كل الخير والسعادة والطمأنينة والتضامن والأمن الاجتماعي.

إن الطب الحديث أثبت بما لا مجال فيه للشك والجحود أن أعضاء كثيرة في جسم الإنسان تتخلص من أمراض عديدة عن طريق الصيام، إذا لم يكن الفرد مصابا بمرض مزمن يمنعه من القيام بهذه الفريضة، فالخير كل الخير في الصيام للذين لهم القدرة على ذلك من الناحية الجسمية ولم تكن هناك أسباب داعية للإفطار. وحتى الذين أعطيت لهم رخصة الإفطار تجد في هذه الرخصة رحمة الله بالعباد {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} فتتحول هذه الرخصة إلى وجهة أخرى فيها بر وإحسان بالفقراء والمساكين وذوي الحاجات عن طريق «الفدية» التي يعود نفعها على فئة كبيرة في المجتمع.

وتضامن وتكافل

إن الفدية والزكاة والنفقات الدائمة يتحقق بها الاستقرار والتضامن والتكافل الاجتماعي في أبهى كماله وأبدع صوره، وهو ما تسعى إلى تحقيقه كل المجتمعات التي تريد السلم الاجتماعي، والشريعة السمحاء حثت المسلمين على الإكثار من الإنفاق في شهر رمضان لينال العبد رضوانا من الله أكبر وأوسع، وهو صائم قد استجاب لأمر ربه، وأسوتنا في ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد كان كثير العطاء والجود والإحسان في سائر الأيام، ويزداد ذلك في هذا الشهر الكريم شهر التوبة والمغفرة والرحمة، عن ابن عباس رضي الله عنه، قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكـــــان يلقاه في كل ليلة من رمضـــــــــان فيدارسه القرآن. فرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة» (رواه البخاري).

وكل فريضة في الإسلام حينما يتأمل الإنسان ما فيها من رحمة فإنه يجد الرحمة تشمله جسميا أو نفسيا أو أخلاقيا أو اجتماعيا، فقد حثت الشريعة على وجوب المحافظة على سلامة الأجسام بتناول الطعام الجيد وعدم الإسراف فيه {يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً} (البقرة:168)، وطلبت منهم الشريعة أن يبتعدوا عن كل ما يضر جسمهم {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللّهِ} (البقرة:173)، فالابتعاد عن كل ما يضر الجسم في المأكل والمشرب مطلب تحث عليه الشريعة بقوة لأن الإنسان خلق لأداء غايات سامية، والحفاظ على الأجسام هو السبيل لتحقيق تلك الغايات.

وها هو شهر الصيام يحقق للإنسان هذه الرغبة ليبتعد عن كل ما كان يتناوله في أوقات أخرى لاسيما الخمور والسجائر وآفة العصر الحديث وهي المخدرات التي تفتك بالأجسام والعقول. وديننا السمح يحث المسلم على الخلق الحسن والسلوك المرضي مع الناس جميعا في القول والفعل والمعاملات التجارية {وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً} (البقرة:83). وقوله عــــــــز من قـــائل {وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} (الإسراء:53).

وقــــــــال صلى الله عليه وسلم: «المسلم من سلم الناس من لسانه ويده» (سنن الإمام أحمد). وهذا الشهر الكريم يزيد في تثبيت هذه الفضيلة في خلق المسلم، فيحرص وهو صائم ألا يصدر منه إلا الطيب من القول والحسن من الفعل والمرضي من السلوك ليقبل الله صيامه ويكتب له الأجر العظيم والثواب الكبير والمغفرة الواسعة. بل تجد المسلم في هذا الشهر يراجع كل ما كان يصدر منه من قبل من أخطاء وما يرتكب من رذائل تضر نفسه وأسرته ومجتمعه، فيقف موقف حزم لكي لا يعود إليها في هذا الشهر الذي يضاعــــــف الله فيه الحسنــــــــات وقد جعل له ليلة هي خير من ألف شهــــــــر في كل ما يقوم به من عبــــــادات وسلـــوك ونفقــــــات {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ} (القدر:1-3)، أفــــــلا يحق للمسلم أن يسعى بكل جهــــــده في هذا الشهر وفي ليلة القدر خاصة لينال الأجـــــر العظيم والثــــــواب الجزيل من خالقه الذي لا يخلف الوعد؟

{مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}(النحل:97). لقد جعل الله عزوجل لكل مسلم هذا الشهر لكي يفكر في كل ما يصدر منه ويبحث عن الأعمال الصالحة التي تفتح فيه أبواب الجنة وتغلق أبواب النار، فلا شياطين تمنعه من ذلك، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا دخل رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب جهنم وسلسلت الشياطين» (رواه البخاري).

الرسول أسوتنا

ورسولنا عليه السلام أسوتنا في العبادة والمعاملات، فقد روت السيدة عائشة، رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم «كان إذا دخل العشر الأواخر من رمضان أحيا الليل وأيقظ الأهل وشد المئزر» (رواه البخاري).

فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وهو سيد الخلق أجمعين وإمام الرسل وحبيب الله يجتهد في هذا الشهر الكريم لينال الأجر العظيم عند الله، وحينما يسأله الصحابة الكرام عن سر ذلك الاجتهاد يقول صلى الله عليه وسلم: أفلا أكون عبدا شكورا؟ فأين نحن من مثل هذه المواقف لمن صلى الله عليه وملائكته؟

إن الله عز وجل خلق الإنسان وزوده بأعضاء متكاملة في ظاهر جسمه وباطنه لكي يقوم بواجبه في العبادات وفي إصلاح نفسه وأسرته وبناء مجتمعه وفي الحفاظ على هذا الكون، وكل ما فرض الله علينا من عبــــــادات تحثه على استغلال ما وهبه {أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ {90/8} وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ {90/9} وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} (البلد:8-10) إنها أعضاء تحتوي على حواس ومشاعر ينبغي أن يستغلها هذا المخلوق الضعيف في كل مناسبة لفعل الخير والعمل الصالح، وعبادة الصيام تحقق للمسلم استغلال كل الأعضاء والحواس والمشاعر ليحافظ على جسمه من الأمراض نتيجة الإسراف في الطعام أو تناول ما حرم عليه من خبائث، ولتصفو روحه وتتهذب نفسه ويسمو إلى المعالي وذلك حينما يقبل وهو صائم على عبادة خالقه بكل مشاعره وحواسه، ويناجيه بقلب خاشع وعين دامعة ونفس تائبة، فهو أقرب إليه في تلك اللحظات الروحية، فيستجيب له فيما دعاه في سلامة جسمه وفي توجيهه إلى الطريق الذي ينال به المغفرة والرحمة؛ فيحس أن وجوده في هذه الحياة الدنيا يحمل دلالات خلقية وإنسانية وتربوية تدعوه ليسارع في الخيرات وليبتعد عن الشرور والآثام؛ هكذا يجعل الله عز وجل كل فريضة تقرب الإنسان إلى الفضائل والمثل العليا والأخلاق النبيلة، فلا يرى الصيام عطشا وجوعا وحرمانا من الشهوات التي أحلها الله له وإنما يرى فيه الطهر والصلاح في العبادة وفي المعاملات والاجتهاد في العمل الذي يرضي خالقه.

حقيقة العبادات

إن الدعوة إلى التأمل في حقيقة العبادات في الإسلام بمنهج علمي وعقل واع ونفس مطمئنة قد يجعل الكثير من العيون العمياء تتفتح لترى هذا النور الذي جاءت به الشريعة، والنفوس المريضة التي انساقت للشهوات بدون حدود تعود لصوابها ورشدها، والآذان الصماء تسمع نداء الحق بدون حواجز وحجب. بهذا النهج تنفض العقول ما تراكم عليها من غبار حجب عنها حقيقة شريعة الإسلام التي جاءت لتنقذ الإنسان من الضلال، وتبني المجتمع على أسس متينة، وتسير الإنسانية بخطوات ثابتة، ويدرك كل مغرور بدون غلو وأوهام أن هذه الشريعة هي التي ينبغي أن تتشبث بها الإنسانية لاسيما في هذا العصر الذي اختلطت فيه الأمور فانحرف الناس عن مسالك الخير وسبل الإحسان وطرق المحبة التي تؤلف بين القلوب وتوحدهم جميعا للعمل في كل ما يسعدهم في دنياهم وينجيهم من عذاب يوم القيامة.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

الملا وفهد ناصر يكرمان بطل العالم يوسف العبدالرزاق

  الكويت – الوعي الشبابي: كرم د.صقر الملا نائب المدير العام للرياضة التنافسية، ورئيس ...

أطفالنا والصيام

  نهى الفخراني أطفالنا شديدو الذكاء والملاحظة.. فتراهم يلحظون متى ننشغل عنهم وإن بدا أننا ...

الطوفان الرقمي.. يكشف خبايا الشبكة العنكبوتية

 القاهرة – عبد الحليم حفينة: بالتأكيد إنك أحد مستخدمي الشبكة العنكبوتية طالما شرعت في ...

اتصل بنا

  • صندوق البريد: 23667 الصفاة 13097 - الكويت
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
  • 22467132 - 22470156

عندك سؤال