الجمعة، 16 نوفمبر 2018
رئيس التحرير
فهد محمد الخزّي

الدكتور محمد كمال شبانة.. عاشق الأندلس

✍ أبو الحسن الجمال - كاتب ومؤرخ مصري            ...


 

 

المتواجدون على الموقع

المتواجدون الأن

105 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

hejra

علاء الدين حسن - كاتب ومفكر سوري:

عندما نستعرض سيرة النبي ، نجده أنه قد أمضى معظم حياته مهاجرا في سبيل الله، منذ بدء وعيه، وإلى أن لحق بالرفيق الأعلى.

لقد هاجر عليه الصلاة والسلام ابتداء ما كان عليه قومـه من ظلم وطغيان، ثم هاجر إلى غار حراء متأملا قدرة الله عز وجل حتى تهيأت روحه لتلقي خبر السماء، ومن أول يوم في الدعوة الإسلامية المباركة والرسول يعلم أنه سيخرج من بلده مهاجرا؛ ففي حديثه مع ورقة بن نوفل عندما اصطحبته زوجه خديجة رضي الله عنها إلى ابن عمها ورقة قال له «هذا الناموس الذي نزل على موسى، يا ليتني فيها جذعا، ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك»، فقال رسول الله «أومخرجي هم»، قال نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا، ثم لـم ينشب ورقة أن توفي» (1).

لقد بعث الله عز وجل محمدا بدعوة تملأ القلوب نورا، وتشرق بها العقول رشدا، فسابق إلى قبولها رجال عقلاء، ونساء فاضلات، وصبيان لا زالوا على فطرة الله، وبقيت سـائرة في شيء من الخفاء، وكفار قريش لا يلقون لهم بالا، حتى أخذ رسول الله يقرع بها الأسماع في المجامع، ويحذر من عبادة الأصنام، ويسفه أحلام من يعبدونها، فكان ذلك مثيرا لغيظ المشركين، وحافزا لهم على مناوءة هذه الدعوة، والصد عن سبيلها، فوجدوا في أيديهم وسـيلة، هي أن يفتنوا المؤمنين، ويسـوموهم سوء العذاب؛ حتى يعودوا إلى ظلمات الشرك، وحتى يرهبوا غيرهم مـمن تحدثهم نفوسهم بالدخول في دين القيِّمة.

ثـم إن المشركين فرضوا على رسـول الله ، وعلى من آمن معه الحصار الاقتصادي، فأمر بهجرتين إلى الحبشـة.

ومـرت الأيام، وجاء عام الحزن؛ حيث فقد [ عمه أبا طالب، وزوجه خديجة رضي الله عنها، وزادت قريش من طغيانها، فهاجر إلى الطائف، فلم يجد فيها إلا عدم القبـول، فعاد يدعو ربه شـاكيا إليه ضعف قوته، وقلة حيلته، وهوانه على الناس.

شـجاعة وأمل

لقد كان شجاع القلب، فلم يهب أن يدعو إلى التوحيد قوما مشركين يعلم أنهم غلاظ جفاة، يحبون آلهتهم حبهم لأبنائهم وآبائهم.

نعم، لقد كان على ثقة من نجاح دعوته، وكان حليما سمح الأخلاق؛ فلم يزعجه أن كان قومه يؤذونه، ويزدرونه، ويضعون التراب على رأسه، ويلقون على ظهره أمعاء الشاة، وسلى الجزور، وهو في صلاته، بل كان يقول «اللهم اغفر لقومي؛ فإنهم لا يعلمون» (2).

كان واسع الأمل، كبير الهمة، صلب النفس، كان يقـول «والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في شمالي، على أن أترك هذا الأمر ما تركته، حتى يظهره الله، أو أهلك دونه» (3).

ثم جاءت الهجرة الكبـرى إلى المدينة المنورة بوحي من الله تعالى، ومع هذه الهجرة المباركة، نتذكر مواقف عظيمة غيرت مجرى التاريخ.

لقد تــجلى في حدث الهجرة صــدق الإرادة، وكمـال البطولة، وقوة الإيـمان، كيف لا وهي التي فرقت بين الحق والبــاطل، والخير والشر، وفصلت بين الهدى والضلال، والنور والظلام، وأرســت دعائم العدالة، وأعلت صروح المجد والفخـار.

تحريــر الإنسان

لقد بدلت هذه الهجـرة معالم الحياة؛ لينبثق فجـر أعلى شموخا، وأقوى أركانا، وأعمق جذورا؛ حيث أخـذ كل دوره

- علي بن أبي طالب رضي الله عنه ينام على فراش رسول الله مضحيا بحياته من أجل رسول الله ؛ ليكون أول من يفدي بروحه في تاريخ الإسـلام.

- عبد الله بن أبي بكر رضي الله عنه ينقـل الأنبـاء العاجلة عبر فضاء المحبة لرسول الله .

- عبد الله بن أريقط، يـدل على معالم الطريق.

- عامر بن فهيرة، يغيب أثر سير الرسول [ وصاحبه ].

ولم يغب اسم المرأة؛ حيث أعدَّت عائشة وأسماء رضي الله عنهما الزاد لرسول الله [ وصاحبه ].

هذا عليٌ في فراش المصطفى

يفديه من سيف العدا البتار

ومناقبُ الصديق جل بهاؤها

قد أهلته لصحبة المختار

أسماءُ تأتي بالطعام إليهما

وشقيقها متعهد الأخبار

مولى أبي بكر يسمى عامرا

في رعيه يعفي على الآثار.

وأحبط الله عز وجل خطط المشركين الذين اتفقوا على أن يأتوا من كل قبيلة برجـل؛ ليضربوا محمدا ضربة رجل واحد، فيتفرق دمـه بين القبـائل قال تعالى { وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ } (الأنفال 30).

كلمة سـواء

وفي الليلة الموعودة فيما بينهم لسفك الدم الزكي، وإزهاق روح الدعوة، أحاط النفر الأشقياء بدار النبوة، وكان فيهم أبو جهل، وعقبة بن أبي معيط، وأمية ابن خلف، والنضر بن الحارث، وطعمة ابن عدي، وزمعة بن الأسود، وغير هؤلاء الصناديد، ممن بلغوا مائة عدا.

وما كان بيت النبوة مدينة محصنة، ولا قلعة محكمة، ولم يكن بداخله عدد غفير، حتى تواجهه قريش بهذا الحشد الجلد بعد تشاور وتحاور، وإنما كان بيتا متواضعا، لا يعز على مقتحم، ولا يستعصي على متسلق، وكان في داخله مع محمد شاب تحدى وحده جموع الشباب المتربص، في شجاعة مؤمنة، وفدائية جريئة.

واقعية التوكل

ويجعـل الله تعالى من بين أيدي المشركين سـدا ومن خلفهم سـدا، ويلقي على أبصـارهم غشاوة قال سبحانه { وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ } (يوسف21).

لقد قام بتأمين زاده ولم ينتظر مائدة من السماء، وقام بالتمويه على أعدائه ولم يكتف بالغشـاوة على أعينهم والسد من بين أيديهم ومن خلفهم، وقام بتضليلهم عن غاره ولم ينتظر ريحا صرصرا عاتية تخفي آثاره عنهم، وقام بدراسة تقارير عبد الله بن أبي بكر بدقة متناهية ليعرف تحرك أعدائه ولم يكتف ببيان روح القدس، واستأجر ابن أريقط ليدله وصاحبه على الطريق على الرغم من أنه كان يستنير بنور الله، واتخذ لنفسه صاحبا على الرغم من أنه يعلم أن الله معه في كل حال، وكل هذا يؤكد على أن الإيمان لا يتلاقى البتة مع الفهم التواكلي الذي تروج لـه كثير من الفضائيات وهي تمارس صناعة النجومية للدجاجلة والمشعوذين.

وعندما يقترن العزم الصحيح بالتوكل على من بيده ملكوت كل شيء، تكون العاقبة رشدا وفلاحا يقول الله تعالى { فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ } (آل عمران159).

حب الديـار

لقد هاجر عليه الصلاة والسلام وصاحبه أبو بكر الصديق ]، وما أن بلـغ [ مشارف مكة، حتى التفت إليها قائـلا «والله إنك لخيـر أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت» (4).

فحب الأوطان والديار فطرة فطر الله الناس عليها، ومن قديم قال عنترة

أحن إلى تلك المنازل كلما

غدا طائر في أيكة يترنم

ومهما كان هذا الوطن صغيرا أو كبيرا؛ فإن مكانته ومنزلته تبقى في نفوس أبنائه كبيرة وغالية، وعندما جاء الإسلام أكد على ضرورة هذا الحب، وجعل حفظ الوطن والأرض من أساسيات هذا الدين.

ودخل غار ثور، ودخل الصديق أولا؛ ليؤمن النبي الكريم من الخطر، وهذا ما يجب أن يكون عليه حال كل مؤمـن.

ويلتقي المشركون على باب الغار، فيقول الصديق رضي الله عنه لو نظروا تحت أقدامهم لرأونا، فيقول «ما ظنك باثنين الله ثالثهما» (5).

من كان الله معه فلا أحد عليه، ومن كان الله عليه فلا أحد معه، كن مع الله ترى الله معك.

إلهي يا رب ماذا فقد من وجدك؟ وماذا وجد من فقدك؟

يا نازل الغار والأعداء تنتظر

لا تخش كيـدا فإن الحق منتصر

ولن تقوم لحزب الشرك قائمة

مهما تجمع أهل الشرك وائتمروا

وأعمى الله أبصار المشركين، ولم يخطر ببال أحد منهم أن يتساءل عما بداخل الغار، و والله لو أن أحدهم وضع عينيه تحت قدميه لما رأى رسول الله وصاحبه؛ لأنهما كانا في معية من لا تدركه الأبصار.

وأمده بحراسة وعناية

محفوفة باللطف والإحسان

وهو الجدير بأن يعظم قدره

عند القديـر مدبر الأكـوان

وتابع الرسـول [ وصاحبه ] الرحلة المظفرة سالمين غانمين قال الله تعالى {إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (التوبة40).

عزيزٌ في انتقامه وانتصـاره، لا يضام من لاذ ببابه، واحتمى بالتمسك بخطابه.. حكيمٌ في أقواله وأفعاله.

وعـد بالعـودة

هاجر سرا؛ ليعلمنا الأخذ بالأسباب، وودع وطنه مستعينا بالكتمان، والقلب يخفق، وجبريل يبشره بأن الله سيعيده عما قريب ظافرا فاتحا يقول تبارك وتعالى { إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ } (القصص85).

وبينما هما في الطريق إلى المدينة المنورة، كان الصديق رضي الله عنهيتوجس خيفة على رسول الله ، فساعة يمشي إلى يمينه، وتارة إلى شماله، وطورا من خلفه، وحينا من أمامه، ويواصلان السير في تلك الصحراء، فيراهما سراقة بن مالك، وكان قد خرج يطلب رسول الله [ وصاحبه ] طمعا في الفوز بمائة ناقة جعلتها قريش جائزة لمن يأتي بمحمد [ وصاحبه ] حيَّين أو ميِّتَين، ولكن الله حال بينه وبين ما أراد، وسـقط من على ظهر فرسه، فعلم بأن محمدا رسول الله، وراح يطلب الأمان، ويستجيب نبي الرحمة .

وإذا رحـمت فأنت أم أو أب

هذان في الدنيـا هما الرحماء

يستجيب نبي الرحمة ويقول لـه «كيف بك يا سراقة إذا ألبسك الله سواري كسرى» (6).

لقد خرج سراقة أول النهار جاهدا على رسول الله وصاحبه، فصار آخر النهار حارسا لهما (7).

وعاش سـراقة، وأطال الله عمره، وأسلم وحسن إسلامه، وفي عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، جاءت الغنائم من بلاد الفرس، ومنها غنائم كسرى وتحفه الشخصية وحلـيه، ومنها، سـواراه،

وتذكر الفاروق وعد الرسول وبشارته لسراقة بن مالك، فقـال أين سراقة بن مالك؟ فقام رجل من القوم وقال ها أنا يا أمير المؤمنين، قال أتذكر يوم قال لك رسول الله كذا؟ قال نعم، قال عمر فتعال ألبسك سواري كسرى، فارفع يديك وقل الحمـد لله الذي سلبهما كسرى، وألبسهما سـراقة الأعرابي (8).

البيــع الرابـح

ولـما أراد صهيب الرومي رضي الله عنهأن يلحق برسول الله ، فوجئ بـمن يريدون منعه قائلين أتيتنا صعلوكا وها أنت أضحيت ذا مال وبنين، فقال إن دللتكم على مكان مالي، أكنتم تاركي من أجل أن أهاجر؟ قالوا نعم. فدلهم على أواقي من ذهب تحت باب دار له في مكة، وقال هنالك الذهب فخذوه، ثـم لحق برسول الله ، فقال لـه «ربح البيع يا أبا يحـيى» (9).

طلـع البدر

ولما وصل المدينة المنورة، عام ستمائة واثنين وعشرين للميلاد بعد أحد عشر يوما من خروجه من مكة، استقبل أروع استقبال، ووجد فيها قلوبا تفتحت لدعوة الحق، كل يعمل لخير الإسلام وتحقيق العزة والحرية، إنها هجرة في سبيل الرحمن، أما عندما ينضم الإنسان إلى الباطل، فإن هجرته تكون في سبيل الشيطان.

يقول سلطان العلماء العز بن عبد السلام رحمه الله «الهجرة هجرتان هجرة الأوطان، وهجـرة الإثم والعدوان، وأفضلهما هجرة الإثـم والعدوان؛ لما فيها من إرضاء الرحمن، وإرغام الشيطان» (10).

والهجرة حركة مبدئية ذات منطلق وغاية وهدف، يغلفها اطمئنان ناتج عن الثقة بالله عز وجل، ومن أجل تحديد المنطلق لا بد أن نستند إلى أمر الله، ومَن عمل من غير أمر الله فقد ضل وتاه.

وتكشف الصورة التي استقبلت بها المدينة المنورة رسول الله ، عن مدى المحبة التي كانت تفيض بها أفئدة الأنصار.

لقد كان أهل طيبة ينتظرون تحت لفح الشمس وصول النبي الكريم، حتى إذا أدبر النهار عادوا صباح اليوم الثاني، فلما طلع رسول الله عليهم، جاشت عواطف الأنصار، وانطلقوا يعبرون عن مدى محبتهم الشديدة لرسولهم الكريم.

وبركت ناقته [ أمام دار أبي أيوب الأنصاري ]، فأكرمه أعظـم تكريم.

وكان بناء المسجد أول عمل قام به لدى وصوله المدينة، وكان يباشر العمل مع أصحابه، وينقل الحجارة بنفسه؛ لأن روح المحبة والمساواة لا تتم إلا في المسجد الذي، فيه عقدت الرايات، ومنه تخرج القادة، وهو مركز الشعائر، ومن على منبره تلقى تعـاليم المودة.

ولم يكن المسجد الذي أقامه النبي مزخرفا، وإنما كان مفروشا بالرمل، مسـقوفا بسعف النخيل، أعمدته جذوع الشجر، وهذا المسجد هو الذي بنى الحضـارة، فاستماع الناس إلى صوت نبيهم وهو يقرأ القـرآن، أمدهم بقـوة روحية وأدبية وحماسية.

صرخ الصديق من الظلام وقال بعـد تردد

أين الطريق وأيــن أين درب المهتـدي

جاوبته برضى وقلـب صادق هذي يدي

خذها تعال نصيحـة من مؤمن وموحـد

الراحة الكبرى تجـدها في رحاب المسجد

فالمساجد مشارق إيمان، وينابيع هدى ورحمة، يتجرد الإنسان بارتيادها من مشاغل الدنيا؛ ليكون مع الله في ذكر وعبادة، وليتمثل معنى صدق الإخاء.

قال رسـول الله [ «من تطهر في بيته، ثم مشى إلى بيت من بيوت الله؛ ليقضي فريضة من فرائض الله، كانت خطوتاه إحداها تحط خطيئة، والأخرى ترفع درجة» (11).

وفي حديث آخر «من غدا إلى المسجد، لا يريد إلا ليتعلم خيرا، أو يعلمه، كان لـه أجر معتمر تام العمرة» (12).

وقال عليه الصلاة والسلام «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله تعالى، يتلون كتاب الله، ويتدارسـونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده» (13).

وصـلاة الجماعة تفضل صلاة الفرد بسبع وعشرين درجة، وأدركَ مَن سبقنا أهمية المسـجد، فكانوا يعقدون فيه كل عقد مهم. ومن بين السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله «رجل قلبه معلق بالمساجد» (14).

استراتيجية التآخي

ثم آخى النبي بين المهاجرين والأنصـار، فجرت بينهم أنهار العطـاء، وتكونت القاعدة الإسلامية الحرة التي انطلق منها دين الإسلام ليغمر بقاع الأرض بأنوار هديه، وفي أعقاب أحداثها اكتمل التشريع الإسـلامي الحنيف، واستقبلت البشرية منهج الله في واقعه العملي بتفاصيله المحكمة؛ فالهجرة الشريفة جسدت أسمى مواقف الصبر والثبات، وأعظم مظاهر التضحية والفداء؛ حيث انطلق المسلمون تاركين بيوتهم وأهليهم وأموالهم، صابرين محتسبين في سبيل سلامة عقيدتهم، فسجل التاريخ في حركة هجرتهم أسطع الصفحات.

ولم تكن الهجرة فرارا من الميدان، ولا مجرد انتقال من بلد إلى آخر، وإنما كانت هجرة من أرض جثم فيها الشرك، وحكمها الجهل، وسادها البغي، إلى أرض سطع فيها نور الحق، وأشرق منها ضياء التوحيد.

وكانت نجاةً من الظلم؛ ظلم النفس بالشرك والرذيلة، وظلم المجتمع بالطغيان والفوضى.

ولقد أدرك عمر بن الخطاب رضي الله عنه عظمة الهجرة، كما أدرك المسلمون ذلك، فجعلوها بدءا للتاريخ الإسلامي؛ لأنها ساعدت على نشر الإسـلام، ولأن نسـماتها عدل ورحمة، وأهدافها عزة ورفعة، وسماتها صلاح وإصلاح، ودعوتها بناء وإحسـان، وركائزها بر وتعاون.

وبعـد

إنه لشرف لنا عظيم أن نمتثل عزيمة وثبات المهاجرين والأنصار، المهاجرين { الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ } (الحشر8). والأنصار { وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } (الحشر9).

الهوامـــــش

1- مسند أحمد (43/53)، و صحيح البخاري (1/7).

2- أخرجه البخاري، برقم (3477)، ورقم (6929)، ومسلم، برقم (1792).

3- أورده ابن هشام في السيرة النبوية (1/266).

4- رواه الترمذي، برقم (3925).

5- رواه البخاري، برقم (4386).

6- أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (6/357).

7- زاد المعـاد (3/45).

8- الإصابة في تمييز الصحابة، الترجمة رقم (3115).

9- رواه الحاكم في المستدرك وقال صحيح على شرط مسلم، وقال الذهبي بصحته.

10- نضرة النعيم (8/440).

11- رواه مسلم، برقم (666).

12- رواه الحاكم في المستدرك، برقم (311).

13- رواه أبو داود، برقم (1455).

14- رواه البخاري، برقم (629).

 

أضف تعليق


كود امني
تحديث

أطفالنا... وحسن الظن بالله

✍ مرهف حسين أسد - كاتب وباحث إسلامي سوري            ...

طلقني.. كلمة تكتب النهاية أم البداية؟

القاهرة - محمد عبدالعزيز ...

اتصل بنا

  • صندوق البريد: 23667 الصفاة 13097 - الكويت
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
  • 22467132 - 22470156

عندك سؤال