الأربعاء، 26 سبتمبر 2018
رئيس التحرير
فهد محمد الخزّي

إبراهيم الشطي.. رحيل «الموسوعة التاريخية» للكويت

الكويت - الوعي الشبابي                ...


 

 

المتواجدون على الموقع

المتواجدون الأن

235 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

024324 590x377

محمد علي الخطيب - باحث دراسات إسلامية:

الأزمة في اللغة(1): من أزَمَ، وتجمع على أزَمات وأَزْمات وإِزَمٌ. والأزمة تعني: الشدة، والضيق، وتداني الشيء من الشيء بشدة والتفاف، والقحط والسنة المجدبة، يقال: أزم العام: اشتد قحطه، وسنة أزمة: شديدة.

أما الأزمة اصطلاحا، فهي: «حالة توتر، ونقطة تحول تتطلب قرارا ينتج عنه مواقف جديدة سلبية كانت أو إيجابية، تؤثر على مختلف الكيانات ذات العلاقة» (2). ويعرف قاموس رندام الأزمة بأنها: «ظرف انتقالي يتسم بعدم التوازن، ويمثل نقطة تحول تحدد في ضوئها أحداث المستقبل التي تؤدي إلى تغيير كبير» (3). وهناك تعريفات أخرى لكنها جميعها تتفق في أن الأزمة وقت عصيب وفترة حرجة وحاسمة، تهدد الكيان أو الجماعة، وتتطلب اتخاذ قرار خطر ومصيري، لتلافي آثارها المستقبلية. وعليه يمكننا أن نعرف الأزمة بأنها: «شدة تأخذ بالخناق على حين غرة، وتحدث صدمة واختلال توازن عند الفرد أو الجماعة، وتستغرق فترة من الزمن تكون عصيبة وحاسمة وحرجة جدا، وتشكل تهديدا واضحا ومباشرا للشخص أو للكيان، ويكون لها آثارها وتداعياتها المستقبلية، وقد ينجم عنها عواقب وخيمة إن لم يجر حلها بصورة سريعة».

هلم بنا إلى السيرة النبوية، وهي حافلة بالأزمات المكتملة العناصر، من حيث المفاجأة، والشدة، والتهديد لكيان الجماعة، وخذ مثلا: حصار الشِّعب، عام الحزن في العهد المكي، ومصيبة أحد، ووقعة الأحزاب وحصار المدينة، وموت النبي صلى الله عليه وسلم وحركة الردة، وعام الرمادة.. إلى آخره. وقد وقع اختياري على «حادث الإفك» نموذجا للدراسة، وهو من أشد الأزمات التي عصفت بالجماعة المسلمة، وشكلت خطورة وتهديدا مباشرا للبيت النبوي ولكيان الجماعة والدولة الناشئة وقيادتها!

والقصة رواها البخاري وغيره، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة بني المصطلق بعدما أنزل الحجاب، فكنت أحمل في هودجي وأنزل فيه، فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوته تلك وقفل، دنونا من المدينة قافلين، أذن ليلة بالرحيل...، وهنا أختصر القصة لطولها، فقد شغل أم المؤمنين عائشة عقد لها ضاع منها لدى ذهابها لقضاء حاجتها، فرحل الجيش هودجها على بعيرها، وهم يحسبون أنها فيه؛ لخفتها يومذاك، وكانت جارية حديثة السن، فبعثوا الجمل فساروا، ووجدت عقدها ورجعت لتفاجأ بالجيش وقد رحل، فجلست تنتظر، وكان صفوان ابن المعطل السلمي من وراء الجيش، فحملها على راحلته، وانطلق يقود بها الراحلة ماشيا حتى أقبلا على الجيش في نحر الظهيرة وهم نزول، فقال عبدالله بن أبي ابن سلول - لعنه الله: ما كانت وكان إلا كذا وكذا، واتهمها - حاشا لها - بالفاحشة، وشاعت تلك المقالة وهي لا تعلم، وخاض فيها عصبة أهل الإفك، ومنهم حسان بن ثابت، ومسطح بن أثاثة، وحمنة بنت جحش.

قالت عائشة: فقدمنا المدينة، فاشتكيت حين قدمت شهرا، والناس يفيضون في قول أصحاب الإفك، لا أشعر بشيء من ذلك، ويريبني في وجعي أني لا أعرف من رسول الله صلى الله عليه وسلم اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي! ثم عرفت - رضي الله عنها - بالأمر من أم مسطح، فازدادت مرضا على مرضها، ثم إنها استأذنت، فأتت أمها، فسألتها لتستيقن من الخبر، فقالت: أي بنية، هوني عليك، فوالله لقلما كانت امرأة حسناء عند رجل يحبها لها ضرائر إلا كثرن وكثر الناس عليها. فقالت رضي الله عنها: سبحان الله، أولقد تحدث الناس بهذا؟! قالت: فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، ثم أصبحت أبكي.

قالت: فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم من يومه فاستعذر من عبدالله بن أبي، وهو على المنبر، فقال: «يا معشر المسلمين، من يعذرني من رجل قد بلغني عنه أذاه في أهلي، والله ما علمت على أهلي إلا خيرا، ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا، وما يدخل على أهلي إلا معي». فقام سعد بن معاذ، فقال: أنا يا رسول الله أعذرك، فإن كان من الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك، فقام سعد بن عبادة، وهو سيد الخزرج، وكان قبل ذلك رجلا صالحا، ولكن احتملته الحمية، فقال لسعد: كذبت لعمر الله لا تقتله، ولا تقدر على قتله، ولو كان من رهطك ما أحببت أن يقتل. فقام أسيد بن حضير، وهو ابن عم سعد، فقال لسعد بن عبادة: كذبت - لعمر الله - لنقتلنه، فإنك منافق تجادل عن المنافقين، قالت: فثار الحيان، الأوس والخزرج، حتى هموا أن يقتتلوا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم على المنبر، قالت: فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخفضهم، حتى سكتوا وسكت. قالت عائشة: فبكيت يومي ذلك كله لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، وأصبح أبواي عندي، وقد بكيت ليلتين ويوما، لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، حتى إني لأظن أن البكاء فالق كبدي، فبينا أبواي جالسان عندي وأنا أبكي، ومعي امرأة من الأنصار تبكي معي، دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم علينا فسلم ثم جلس. قالت: ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل قبلها، وقد لبث شهرا لا يوحى إليه في شأني بشيء. قالت: فتشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جلس، ثم قال: «أما بعد، يا عائشة، إنه بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة، فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب، فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف ثم تاب، تاب الله عليه». فقلت: إني والله لقد علمت: لقد سمعتم هذا الحديث حتى استقر في أنفسكم وصدقتم به، فلئن قلت لكم: إني بريئة، لا تصدقوني، ولئن اعترفت لكم بأمر، والله يعلم أني منه بريئة، لتصدقني، فوالله لا أجد لي ولكم مثلا إلا أبا يوسف حين قال: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ} (يوسف:18)، ثم تحولت واضطجعت على فراشي، والله يعلم أني حينئذ بريئة، وأن الله مبرئي ببراءتي، ولكن والله ما كنت أظن أن الله منزل في شأني وحيا يتلى، فوالله ما رام رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلسه، ولا خرج أحد من أهل البيت، حتى أخذه ما كان يأخذه من البرحاء، حتى إنه ليتحدر منه من العرق مثل الجمان، وهو في يوم شات من ثقل القول الذي أنزل عليه، قالت: فسري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يضحك، فكانت أول كلمة تكلم بها أن قال: «يا عائشة، أما والله فقد برأك». فقالت لي أمي: قومي إليه. فقلت: والله لا أقوم إليه، فإني لا أحمد إلا الله عز وجل، وأنزل الله تعالى في براءتي: {إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ} (النور:11)، والحديث في الصحيحين.

الأزمة هنا: إشاعة بثها رأس المنافقين، وفي الناس سماعون له يأخذون بالإشاعة من دون تثبت، وهي كفيلة بتحطيم الصف المسلم كله. وتتجلى خطورتها في أنها تستهدف النيل من بيت النبوة والقيادة، وهي سلاح خبيث فتاك وحرب نفسية تدمر ما عجزت عنه الحرب العسكرية في الغزوات والمعارك التي خاضها المشركون ضد رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولو ظلت الفرية منحصرة في صفوف المنافقين لكان الخطب أيسر، لكن عندما تنتقل إلى داخل الصف المسلم فتسري فيه سريان النار في الهشيم عندئذ تكون الأزمة قد بلغت الذروة! لا جرم أنها أزمة مكتملة العناصر والأركان.

ملامح الأزمات(4):

1- أنها نقطة تحول وتوتر تشتد فيها الحاجة إلى مواجهة الظروف الراهنة.

2- تتميز بدرجة عالية من الشك في القرارات المطروحة.

3- يصعب فيها التحكم في الأحداث، وتسود فيها ظروف عدم التأكد ونقص المعلومات.

4- ضغط الوقت والحاجة إلى اتخاذ قرارات صائبة وسريعة.

5- التهديد الشديد للمصالح والأهداف.

6- التفاعل والتشعب في الأسباب والعناصر والقوى واتساع جبهة المواجهة.

7- سيادة حالة من الخوف والهلع قد تصل حد الرعب وشلل التفكير.

وهذه الملامح أغلبها تتوافر في «حادث الإفك» من حيث التهديد والخطورة، والتوتر والاضطراب، ونقص المعلومات، وسنرى ذلك لدى عرض الأحداث والإجراءات التي اتخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

لا شك أن حادث الإفك شكل صدمة عنيفة جدا للجماعة المسلمة، اضطربت لها اضطرابا شديدا إلى حد الزلزال وارتجت لها المدينة، وكادت أن تقع فتنة بين الأوس والخزرج، وفي المسجد النبوي، وبين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قائم يخطب فيهم، إذ الطعن جاء في بيت النبوة وفي القدوة، وفي عفة هذا البيت وطهارته واستقامته، فأي قيادة ستستقيم وأي قدوة ستبقى وأي هيبة؟!

تعال، لنرى كيف تعامل الرسول صلى الله عليه وسلم مع الأزمة والإجراءات والقرارات التي اتخذها لمواجهة تحدياتها وتطوراتها، وكيف تعامل المسلمون مع الحدث، أي ما يسمى اليوم بـ «إدارة الأزمة» (5)؟!

نرى هنا صلابة الرسول القائد صلى الله عليه وسلم وقوته النفسية في تعامله مع الأزمة، بصبر وضبط للنفس وسيطرة وقدرة على التواصل وجرأة وحكمة وعدل وخبرة. والجدير بالذكر أن علم الإدارة ينبه إلى أهمية القيادة في الأزمات وضرورة توافر قائد يتمتع بصفات تؤهله لإدارة الأزمات وحل المشكلات. وأريد منك هنا أن تتخيل نفسك مكان رسول الله صلى الله عليه وسلم - فداه أبي وأمي وعرضي - وقد طعن في عرضك وأهلك، فماذا أنت فاعل؟

1-الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو الحاكم والقائد وبيده السلطة، لم يلجأ إلى سلطاته في معالجة الأزمة، وكان يملك - لو أراد - أن يهدد أو يعاقب أو يقتل من بث تلك الفرية وخاض فيها، ويؤكد براءة زوجه وهو أعرف بها وبطهارتها، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يلجأ إلى ذلك كما فعل العزيز مثلا، عندما أودع يوسف الصديق في السجن بضع سنين حتى تهدأ العاصفة.

2-حين تأخر الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم لجأ إلى استشارة بعض أصحابه، والاستشارة ضرورية للقائد في الأزمات خاصة، فهي غالبا ما تعصم من القرار الخطأ، فضلا عن أنها هنا من دلائل النبوة، فلو كان محمد صلى الله عليه وسلم يفتري هذا القرآن، لاختلق من الكلام ما يبرئ زوجه، وأنهى هذه الأزمة من فورها لكنه رسول الله حقا وصدقا، لبث شهرا كاملا لا يوحى إليه بشيء، وهو يكابد آلام هذه المحنة الشديدة.

3-دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي، يسألهما ويستشيرهما في فراق أهله، فأما أسامة، فقال: أهلك، ولا نعلم إلا خيرا. وأما علي، فقال: يا رسول الله، لم يضيق الله عليك، والنساء سواها كثير، وسل الجارية تصدقك! ونلمح هنا أن الأزمة تقاد من فريق ومستشارين ولا تقتصر على شخص القائد، وهذا ضروري جدا في إدارة الأزمات.

4-التحقق من صحة الإشاعة والتأكد من المعلومات، من خلال استدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم الجارية بريرة وسؤالها عن عائشة، فقال: «أي بريرة، هل رأيت من شيء يريبك؟». قالت له بريرة: والذي بعثك بالحق، ما رأيت عليها أمرا قط أغمصه غير أنها جارية حديثة السن، تنام عن عجين أهلها، فتأتي الداجن فتأكله.

كذلك سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش (زوج النبي صلى الله عليه وسلم) عن عائشة (وهي ضرتها): «ما علمت؟ أو ما رأيت؟». فقالت: يا رسول الله، أحمي سمعي وبصري، والله ما علمت إلا خيرا. قالت عائشة: وهي التي كانت تساميني من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، فعصمها الله بالورع، وطفقت أختها حمنة بنت جحش تحارب لها، فهلكت فيمن هلك. وأن تستطيع ضرة أن تكتم هواها وتضبط عاطفتها في فرصة سانحة لتشفي غليلها من ضرتها التي تساميها المنزلة عند زوجها، فهذا يدل على الأفق العالي الذي ارتقت فيه زينب رضي الله عنها.

5- ثم لم يملك رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقضي في هذا الأمر شيئا إلا أن يخطب في الناس، ويستعذر في ابن سلول! وهنا اشتعلت الحمية الجاهلية، ووقعت مشادة كلامية بين الأوس والخزرج، سبق سرد تفاصيلها، وكادت أن تكون فتنة وشرا لكن الله سلم. وهذا يؤكد ما ذكرته من قبل من توافر عنصر التهديد والخطورة في الأزمة التي عصفت بالمسلمين.

مما يلفت النظر في هذه الحادثة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن ليملك إلا أن يكون حكما بين الفريقين ويصلح ذات بينهم، ولم يتحيز للفريق الذي يدافع عن عرضه، لأنه لا يملك البينة بعد، وهذا العدل لا يمكن أن يبلغه إلا نبي.

6- ومن تطورات الأزمة التي استطاع الرسول القائد أن يحتويها بحكمته وحنكته وسياسته الراشدة، وهو ما يسمى في علم إدارة الأزمات بـ«احتواء الأضرار»، ما جاء في السيرة، من أن صفوان بن المعطل همّ بقتل حسان، إذ اعترضه بالسيف، حين بلغه ما كان يقول فيه، فوثب ثابت بن قيس على صفوان، فجمع يديه إلى عنقه بحبل، ثم انطلق به، فلقيه عبدالله ابن رواحة، فقال: ما هذا؟ قال: أما أعجبك ضرب حسان بالسيف! والله ما أراه إلا قد قتله، قال له عبدالله بن رواحة: هل علم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء مما صنعت؟ قال: لا والله. قال: لقد اجترأت، أطلق الرجل. فأطلقه، ثم أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا ذلك له، فدعا حسان وصفوان بن المعطل، فقال ابن المعطل: يا رسول الله، آذاني وهجاني، فاحتملني الغضب، فضربته. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحسان: «أحسن يا حسان في الذي أصابك». قال: هي لك يا رسول الله. (سيرة ابن هشام، ت: السقا، 2/304). ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاه عوضا عن إصابته أرضا، وأهداه سيرين (أمة قبطية)، ولمن هذا العطاء الجزيل؟ لمن خاض في عرضه واتهم أهله ومضى في الإشاعة دون توقف، واعجباه! فأي عدل هذا وأي اتزان في أزمة مزلزلة!

7- وهذا يقودنا إلى الكلام في كيفية تعامل المجتمع المسلم مع الأزمة، وسنرى نضج الجماعة في التوقف وعدم الأخذ بالإشاعة إلا المنافقون ومعهم نفر من المؤمنين، سمت الروايات ثلاثة منهم، وهم: حسان بن ثابت، ومسطح بن أثاثة، وحمنة بنت جحش.

صور ونماذج

ودونك بعض الصور والنماذج من أفراد المجتمع المسلم، التي تدلك على مدى وعيه ونضجه ومتانة نسيجه وتضامنه، وهو شرط ضروري أو عنصر رئيسي في تجاوز أي مجتمع أو مؤسسة للأزمة؛ وقد رأيت مقالة زينب بنت جحش في ضرتها آنفا، واستمع إلى هذا الحديث الذي جرى بين أبي أيوب الأنصاري وزوجه أم أيوب، رضي الله عنهما، إذ قالت لزوجها: «أما تسمع ما يقول الناس في عائشة؟ قال: نعم، وذلك الكذب. أكنت فاعلة ذلك يا أم أيوب؟ قالت: لا والله ما كنت لأفعله. فقال: فعائشة، والله خير منك»، فأي إشاعة ستنجح، عندما تكون الثقة بين الناس وحسن الظن بأنفسهم، وهو ما أمر الله به المؤمنين: {وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ} (النور:16).

8-ولنلق الضوء على موقف آل أبي بكر رضي الله عنه من حادث الإفك، وقد نزل بهم من البلاء ما لا طاقة لهم به، إذ تعرض عرضهم للثلم والإهانة، فواجهوا المحنة بالصبر وانتظار الفرج، وقد سمعت في القصة ما قالته أم عائشة، وهي أم رومان، تهون على ابنتها المكلومة مصيبتها. وقال أبوبكر رضي الله عنه وهو يتجرع مرارة الإهانة وما أصعبها: «ما أعلم أهل بيت من العرب دخل عليهم ما دخل على آل أبي بكر. والله ما قيل لنا هذا في الجاهلية حيث لا نعبد الله، فيقال لنا في الإسلام!». وكان أبوبكر ينفق على مسطح، لقرابته منه وفقره، فحلف: والله لا أنفق على مسطح شيئا أبدا؛ لأنه طعن في عرضه، فأنزل الله: {وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (النور:22)، قال أبوبكر الصديق: بلى، والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه، وقال: والله لا أنزعها منه أبدا.

أما صاحبة الشأن عائشة، رضي الله عنها، التي نيل من عرضها وهي الحصان الرزان الطاهرة، فإنها لم يغمض لها جفن ولم يرقأ لها دمع حتى ظنت أن البكاء سيصدع كبدها! وما زادت أن قالت: «فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون». وقد مر معنا حوارها مع زوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

أما الزوج، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن الإشاعة (الأزمة) لم تحمله على هجر زوجه أو تطليقها أو إلحاق أي أذى بها، خلا أن زوجته افتقدت منه اللطف الذي كانت تجده منه حين مرضها، وهو ما رابها. وإنك لتسمع عن أمثالها فتجد الزوج يقتل زوجه أو يضربها ضربا مبرحا أو يطلقها، ولو أن أحدنا أصيب بمصيبته - نسأل الله العافية - فما أدري ماذا سيصنع؟

9-انتهت الأزمة بأن أنزل الله تعالى براءة عائشة في سورة النور، وانكشفت أشد محنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وآل بيته وصاحبه، بعد نحو شهر من العذاب النفسي الذي لا يوصف. واعجباه! أطهر أهل الأرض قاطبة يوصمون بشرفهم وعرضهم!

والموقف الأخير الذي نستخلصه من حديث الإفك هو عقوبة المفترين من مثيري الفتنة ومدبري الأزمة، فلا يكفي أن تثبت براءة المتهم، ولا يكفي أن تدفع القيادة عنها قالة السوء وانتهى الأمر، بل لابد من العقوبة الرادعة مع من يثير الإشاعة، ويسعى في زعزعة الصف المسلم. وإن لم يزجر أولئكم المفسدون بالعقوبة الصارمة فإنه لا تنتهي الجماعة المسلمة من فتنة إلا وتقع في أخرى. وقد نفذ رسول الله صلى الله عليه وسلم حد القذف ثمانين جلدة في الثلاثة الذين ساروا في الإفك، مسطح بن أثاثة، وحسان ابن ثابت، وحمنة بنت جحش.

وهنا نلمس بوضوح المرحلة الأخيرة من مراحل الأزمة، وهي مرحلة التعلم، وتتمثل في مجموعة الإرشادات والإجراءات والضوابط التي تمنع تكرار الأزمات في المستقبل، ففي صحيح البخاري: «لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين»، واستخلاص الدروس والعبر منها، مثل: البعد عن مظان التهمة، وعدم الأخذ بالإشاعة، والثقة وحسن الظن بالمؤمنين، والحذر من المنافقين والذين في قلوبهم مرض، وهذا ما تضمنته الآيات التي نزلت في حادث الإفك: {إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} (النور:11 وما بعدها)، وفي قوله {إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ}، إشارة إلى عصبة تكيد للإسلام والمسلمين، وتثير هذه الأزمات، وهي عصبة اليهود والمنافقين في المدينة. وتأمل يا رعاك الله قوله: {لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ}، ويتمثل الخير في كشف الأعداء وتدبيرهم ومنهج الجماعة المسلمة في مواجهته! ونكون بذلك قد بلغنا آخر مراحل الأزمة، وهي مرحلة إعادة التوازن (6).

الهوامش

1- لسان العرب لابن منظور، دار صادر، بيروت، ط3 - 1414هـ، أزم، (12/16).

2- إدارة الأزمات، د. فهد أحمد الشعلان، مكتبة الملك فهد الوطنية، الرياض، ط1، 1999م، ص:24.

3- الأزمات والإعلام والعلاقات العامة، د. إسماعيل عبدالفتاح عبدالكافي، مركز الإسكندرية للكتاب، 2012م، ص:16.

4- الأزمات والإعلام والعلاقات العامة، د. إسماعيل عبدالفتاح عبدالكافي، مركز الإسكندرية للكتاب، 2012م، ص:18-19.

5- إدارة الأزمة بين نقطتي الغليان والتحول، د. حسن البزاز، ط1، 1422هـ/2001م، المؤسسة الجامعية، بيروت، ص:24.

6- إدارة الأزمات والكوارث، د. فاروق عمر عبدالله العمر، دار قرطاس، ط1، الكويت، 1998م، ص:25.

 

 

أضف تعليق


كود امني
تحديث

اتصل بنا

  • صندوق البريد: 23667 الصفاة 13097 - الكويت
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
  • 22467132 - 22470156

عندك سؤال