الأربعاء، 15 يوليو 2020
رئيس التحرير
فهد محمد الخزّي

محدث عصره العلامة الألباني

✍ هشام الصباغ - باحث لغوي: انطلاقا من مقولة «الناس موتى وأهل العلم أحياء»، نسلط في ...


 

 

المتواجدون على الموقع

المتواجدون الأن

148 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

hkshkd

  د. محمد حسن بدر الدين - دكتوراة في العلوم الإنسانية - تونس

تهدف جميع العبادات التي فرضها الله تعالى على عباده، إلى تحقيق تمام العبودية. وفي تحقيق العبودية تمام الحرية، حيث يتحرر المسلم من جميع المظاهر التي تكبل ذاته، ومن جميع القيود التي تحيط بحياته. والصيام يمثل هذا المنزع التحرري الذي أراده الإسلام لأتباعه، باعتباره انعتاقا من الضغوط المادية، ورغبات الجسد الجامحة.

إن الحرية في معناها العميق تقوم على مبدأين هما: القدرة على الاختيار، والتحرر من القيود. وتأكيدا لهذه الحقيقة ربط الإسلام تعاليمه بهذين المبدأين، فالإنسان المكلف شرعا هو القادر على الاختيار والتمييز، ولذلك فالمجنون والصبي والنائم، غير مكلفين، لأنهم لا يملكون هذه القدرة. قال صلى الله عليه وسلم: «رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن المعتوه، وعن الصبي»(1).

ذلك أن مناط التكليف في الإسلام، كما قرر علماء أصول الفقه، هو القدرة على الاختيار. أما التحرر من الضغوطات فمدلوله يتعلق بقدرة الإنسان على التحرر من كل ضغط داخلي أو خارجي. أما الضغط الداخلي فيشمل رغبات الجسد وهوى النفس وانفلاتها نحو نوازع الشر، وتحقيق ما يحلو لها من رغبات وشهوات، استجابة لطغيان الغرائز، وهي الموصوفة في قوله تعالى: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا} (الشمس:7-10).

وأما الضغط الخارجي فيتعلق بالقوانين والقواعد التي تتحكم في علاقات الإنسان بغيره، في محيطه الاجتماعي، المحكوم بكثير من الموانع والعوائق، الموصوفة في قوله تعالى: {إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءهُمْ ضَالِّينَ فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ} (الصافات:69-71).

فكثير من الناس يحيطون أنفسهم بمجموعة من الموانع والأعذار، التي تعطل رسالة العقل والتفكير، وتمنع من الوصول إلى الحق. قال عباس محمود العقاد مجليا رسالة الإسلام في تحرير الإنسان من الضغط الخارجي: «إن الإسلام ليأبى على المرء أن يحيل أعذاره على آبائه وأجداده، كما يأبى له أن تحال عليه الذنوب والخطايا، من أولئك الآباء والأجداد، وإنه لينعى على الذين يستمعون الخطاب، أن يعفوا أنفسهم من مؤونة العقل، لأنهم ورثوا من آبائهم وأجدادهم، عقيدة لا عقل فيها»(2).

ومن المتفق عليه أن حرية الإنسان لا تعني أبدا الانطلاق وراء الأهواء والرغبات، والخروج على القوانين والقواعد الاجتماعية، بحجة التحرر والحرية المطلقة، فهذا مسلك لا يقول به أي عاقل. ولكن تمام الحرية أن يتحرر الإنسان من قيود نفسه التي بين جنبيه، المتمثلة أساسا في الرغبات والشهوات. فإذا ما سيطر عليها كان حرا بالفعل وسيدا لنفسه، تمشيا مع قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاء وَنِدَاء صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} (البقرة:170-171).

سفينة النجاة

إن المطلب الأساسي من رسالة الصيام، هو تحرير الإنسان من أعباء المادة، وأن يسيطر على هواه، وينتصر على ما يكبله حقا من قيود. فهو عندما يرى الأكل ولا يأكل، يكون بالفعل متميزا عن الحيوان، الذي لا يمتلك مقومات الحرية والتحرر والعزم. ولذلك يمكن الجزم بأن في الصيام تمام الحرية والانعتاق، وأن رمضان هو بحق شهر القوة والتمكين الروحي.

قد يفهم بعض الناس كبارا أو شبابا، أن الحرية هي انطلاق وراء الأهواء والرغبات المحرمة، فيفعل الواحد منهم ما يشاء، ويأكل متى أراد. وهذه في الحقيقة عبودية، ولكنها لغير الله: عبودية النفس الضعيفة، التي لا تقوى على مجابهة الصعاب، ولا تلتزم الصواب. فضلا عن كونها فوضى، تضر بالأفراد والمجتمعات، ولا يقبلها عقل ولا نظام. فلو أن كل إنسان سار على حسب هواه، دون ضوابط وقواعد، لفسدت المجتمعات والحياة.

وقد أرشدنا الرسول صلى الله عليه وسلم إلى طبيعة الحدود الفاصلة بين الحرية والمسؤولية، حين ضرب لنا مثالا بالسفينة ذات الطابقين. فلو أن الركاب في أسفل تلك السفينة قالوا: نريد أن نخرق في مكاننا خرقا، نأخذ منه الماء الذي نحتاجه من البحر، «فإن تركوهم وما أرادوا، هلكوا وهلكوا جميعا، وإن أخذوا على أيديهم، نجوا ونجوا جميعا»(3).

إنه مثال عظيم من أستاذ الإنسانية ومنقذ البشرية، وضع فيه الضوابط الحضارية بين الحرية الشخصية، التي لا تؤذي أحدا، وبين الحرية التي تعرض المجتمع للانهيار والفناء.

وعلى هذا الأساس، ومن منطلق الإصلاح النفسي والاجتماعي، كان الصوم تدريبا عمليا على الالتزام بالحرية المسؤولة، عن طريق التعود على مجاهدة رغبات النفس والجسد، من أجل تقوية الإرادة، كي تسير في النهاية في مسالك النفع العام، الذي يبني المجتمعات السديدة، وينشر القيم الرشيدة، ولكي يكون السير في النهاية خالصا لله تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} (الأنعام:162-163).

يبدو أن المقصد الأسمى لهذه الآية الكريمة من سورة الأنعام، هو تأكيد أن جميع العبادات والفرائض الإسلامية، التي أرساها الدين في الواقع الاجتماعي للعباد، إنما تهدف في التقدير النهائي إلى دعوة الناس إلى الدخول في رحمة الله، والإخلاص له، والتحرر من جميع العبوديات التي شكلت على الدوام، مشكلة خضوع الإنسان للإنسان، أو ترديه في مهاوي الشرك والانحراف.

بناء الذات

يعتبر الصيام من وجهة نظر التحليل الديني، أكبر ممارسة عملية لمفهوم العبودية الخالصة لله تعالى. فالصلاة على سبيل المثال، رغم ما تمثله من أهمية في حياة المسلم، باعتبارها عماد الدين، إلا أنها يمكن أن تكون غير خالصة لله، بمعنى أن تخضع لأنماط من الرياء وحب الظهور، أو مخادعة الناس. أما الصوم فبحكم كونه باطنيا، لا يمكن أن يخالطه أي لون من الخداع أو الغش والرياء. فالصائم عندما يصوم، لا يظهر عليه صومه، ولا يمكن أن نتأكد من التزامه بالصوم. ولذلك فهو إن صام لا بد أن يكون خالصا لله وحده، ولا مجال للشرك فيه البتة. ولذلك اعتبر بحق، من وجهة نظر الدين نفسه، عبادة مخصوصــة لله وحده. ولذلك جاء في الأثــــــر عن أبي هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال الله: «كل عمل ابن آدم له إلا الصوم، فإنه لي، وأنا أجزي به، يدع الطعام، والشراب، وشهوته من أجلي»(4).

وإلى جانب هذه الخصوصية المتفردة لفريضة الصيام، فإن له جوانب تربوية على درجة كبيرة من الشمول والالتزام، منها أنه مجاهدة لرغبات النفس والجسد، وتقوية أكيدة للإرادة الإنسانية، التي تقود إلى كبح جماح الغرائز والأهواء، التي تتصارع في شخصية الإنسان. وخاصة في هذا العصر، الذي كثرت فيه المغريات المادية، وضعفت فيه وسائل التسامي الروحي. بل إننا لا نجد للإنسان المعاصر أي باب من أبواب التمكين التي تفسح له مجالات هذا الصفاء الروحي، وتدربه على القيم الأخلاقية والمبادئ الرفيعة، مثل الصبر والقناعة والإيثار والسماحة ومشاركة الآخرين همومهم وأحزانهم.

إن العصر الحديث بما أفاءه على العباد من إمكانات البذخ والترفيه والإشباع المادي، جعل من الإنسان كائنا أنانيا همه الأساسي تحصيل الكماليات المادية والاستهلاكية، دون تفكير البتة في تقوية ذاته، أو بناء روحه، مما تسبب في نشوء فراغ روحي كبير ملأته التقليعات الغريبة وحب المغامرة، وانتشار الجريمة، والقلق والتوتر، وغيرها من الأمراض النفسية، مصداقا لقوله تعالى: {قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} (طه123-124).

فسر الشيخ محمد سيد طنطاوي المعيشة الضنك بأنها معيشة ضيقة، مليئة بالهم والغم والأحزان وسوء العاقبة، حتى ولو ملك المرء المال الوفير، والحطام الكثير، في مقابل المعيشة الطيبة التي تكون مع طاعة الله، وامتثال أمره، واجتناب نهيه. قال تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} (النحل:97)(5).

أما الإمام ابن كثير، ففسر قوله تعالى: {فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا}. أي: في الدنيا، فلا طمأنينة له، ولا انشراح لصدره، بل صدره ضيق لضلاله، وإن تنعم ظاهره ولبس ما شاء، وأكل ما شاء، وسكن حيث شاء، فإن قلبه ما لم يخلص إلى اليقين والهدى، فهو في قلق وحيرة وشك، فلا يزال في ريبة يتردد. فهذا من ضنك المعيشة(6).

من المؤكد أن هذا العطش الروحي، يمكن للصوم أن يرويه، وأن هذا التوتر النفسي يمكن أن يداويه، بفضل ما يحمله من علاج متوازن ومتكامل، يصب في بناء الذات البشرية، وتكوين الشخصية الإسلامية، وملء الفراغ بصنوف من ألوان التربية على الصبر والجوع والعطش، والتحمل والذكر والتلاوة، التي تمثل في مجموعها سلاحا فعالا، وحلا رشيدا لإعادة توازن الإنسان، من خلال شهر كامل من التدريب على تربية الجوارح، وتهذيب النفوس.

الهوامش

1- النسائي، السنن الكبرى، دار الكتب العلمية، ط1، بيروت، 1411ه/1991م. ج5، ص346.

2- عباس محمود العقاد، التفكير فريضة إسلامية، دار الكتاب العربي، ط2، بيروت،1391ه/1971م. ص28

3- الحميدي، الجمع بين الصحيحين البخاري ومسلم، تحقيق: علي حسين البواب، دار ابن حزم، ط2، بيروت، 1423هـ/ 2002م.ج1، ص310.

4- صحيح ابن خزيمة (ت:311هـ) تحقيق: محمد مصطفى الأعظمي، المكتب الإسلامي، ط2، بيروت، 1424هـ /2003م.ج2، ص916.

5- محمد سيد طنطاوي، التفسير الوسيط للقرآن الكريم، دار نهضة مصر، الفجالة، القاهرة، 1998م، ج9، ص164.

6- ابن كثير (ت 774هـ) تفسير القرآن العظيم، دار طيبة للنشر والتوزيع، ط2، المدينة المنورة، 1420هـ/ 1999م. ج4، ص601.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

الملا وفهد ناصر يكرمان بطل العالم يوسف العبدالرزاق

  الكويت – الوعي الشبابي: كرم د.صقر الملا نائب المدير العام للرياضة التنافسية، ورئيس ...

أطفالنا والصيام

  نهى الفخراني أطفالنا شديدو الذكاء والملاحظة.. فتراهم يلحظون متى ننشغل عنهم وإن بدا أننا ...

الطوفان الرقمي.. يكشف خبايا الشبكة العنكبوتية

 القاهرة – عبد الحليم حفينة: بالتأكيد إنك أحد مستخدمي الشبكة العنكبوتية طالما شرعت في ...

اتصل بنا

  • صندوق البريد: 23667 الصفاة 13097 - الكويت
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
  • 22467132 - 22470156

عندك سؤال