الثلاثاء، 22 أكتوبر 2019
رئيس التحرير
فهد محمد الخزّي

الشيخ مناع القطان.. بنّاء العقول

✍ هشام الصباغ - باحث لغوي:  في البدء كانت «اقرأ».. أدرك رواد النهضة في الكويت ...


 

 

المتواجدون على الموقع

المتواجدون الأن

165 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

hqdefltau

  السنوسي محمد السنوسي - باحث وصحافي

من رحمة الله سبحانه بعباده، ومن تفضله وإنعامه عليهم، أنه تعالى لم يجعلهم نسخا مكررة بعضهم من بعض؛ سواء في الخلق والبنيان، أو في الطاقات والمواهب.

ومن معاني هذا التفاضل والتمايز والتمييز السعي إلى إيجاد نوع من التكامل بين بني البشر؛ لأن ما عند أحدهم لا يوجد عند الآخر، وما لا يستطيعه هذا ينجح ذاك في إنجازه بإبداع.. وهكذا، يشعر الناس بأن بعضهم يحتاج إلى بعض، وتؤدي هذه الحاجة إلى تكاملهم، ومن ثم إلى تعارفهم، وإلى العمل على تنظيم هذا التكامل والتعارف بما يحفظ الحقوق ويلبي الحاجات ويسير حركة الحياة؛ فتعمر المجتمعات، وتشيد الحضارات.

أما لو كان الناس نسخا مكررة بعضهم من بعض، فإن الحياة عندئذ تصاب بنوع من الرتابة والملل، ولا تكون هناك فرصة لعمل شيء مبدع متميز، ولا إمكانية للخروج على النص، كما يقال.

بجانب هذا، فإن ذلك التمايز والتمييز الذي وضعه الله بين البشر في المواهب والقدرات، هو من حكمته تعالى في خلق الناس طبقات، وجعلهم درجات بعضها فوق بعض؛ حتى يختبرهم ويرى منهم من يؤدي شكر النعم ويسعى في حاجة الآخرين، ممن يتذمر على ما ابتلي به ويسخط على قضاء الله، قال تعالى: { وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ } (الأنعام:165).

مع المفهوم

و«الموهبة» اسم من الفعل الثلاثي وهب؛ يقال: وهب له الشيء - يهبه، وهبا وهبة: أعطاه إياه بلا عوض؛ فهو واهب ووهوب ووهاب. و«الموهبة» تطلق على عدة معان؛ منها: السحابة تقع حيث وقعت؛ وغدير ماء صغير. ونقرة في الجبل يستنقع فيه الماء. والعطية؛ وربما أطلقت على الموهوب. والجمع: مواهب. و«الموهبة»: الاستعداد الفطري لدى المرء للبراعة في فن أو نحوه(1).

فالموهبة، من حيث معناها اللغوي، مشتقة من فعل يدل على العطاء بلا حدود، ومرتبطة بعدة معان، ففيها معنى الخير والنفع، وتعدي هذا النفع للآخرين.

ومعناها في علم النفس لا يبعد عن هذه الدلالات اللغوية؛ فالموهبة أو الموهوبية: ظهور الفرد بين أقرانه بشكل بارز ومتفوق في الأداء في مجال أو أكثر من المجالات التي ترتبط بالنشاط الإنساني؛ بشرط أن يكون هذا المجال موضع تقدير من المجتمع(2).

المواهب نعمة

وإذا كانت «الموهبة» تعني العطية بلا مقابل، والاستعداد الفطري لدى المرء للنبوغ؛ فإن أول ما ينبغي استشعاره في هذا المقام، لاسيما عند الموهوب، أن هذه العطية نعمة من الله تعالى قد منحها المرء دون استحقاق منه، ولا جهد سابق عليها.

ومن ثم، فعلى المرء الموهوب أن يشكر الله تعالى على ما أولاه من نعم، وعلى ما تفضل به من عطايا.. وهذا الشكر يتحقق بعدة أمور؛ منها:

أولا: رد الفضل كله لله تعالى، والاعتراف بحق المنعم سبحانه: { وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ } (النحل:53). وهذا الاعتراف والإقرار لله بتفضله يمنع الإنسان من الطغيان بالنعمة، ومن إساءة استخدامها والبطر بها.

ثانيا: الحفاظ على هذه النعمة؛ وذلك برعايتها والعمل على تنميتها من خلال الدراسة والجهد المنظم؛ حتى لا تتبخر في الفراغ أو لا يستفاد منها على النحو الأمثل.. وما أكثر من يضيعون ما وهبهم الله! إما بأن يهملوه ولا يعملوا على صقله، وإما بإساءة استخدامه، والتفاخر به على الخلق، تماما مثلما فعل قارون حين قال: { إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي } (القصص:78)، ولم ينسب الفضل لله تعالى!

ثالثا: توظيف هذه الموهبة في نفع الآخرين، وعدم البخل بها؛ فالقانون الذي قرره القرآن الكريم هو: { لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ } (آل عمران:92). وإذا كان الإنسان يحب النعمة التي وهبه الله إياها، فعليه ألا يقصر نفعها عليه، بل يجعل هذا النفع متعديا للآخرين.

ولهذا عد العلماء من فروض الكفايات بذل العلم للناس، ممن وهبهم الله العلم، وكذا في سائر المهن مثل الطب والهندسة وغيرهما؛ بل قد تصير هذه المهن فرض عين إذا تعينت على فرد محدد، ولم يوجد من يقوم مقامه؛ مثل إذا اجتمع الناس في مكان ومرض أحدهم ولم يوجد إلا طبيب واحد؛ فيجب على الطبيب حينئذ أن يطبب المريض، ويكون هذا الواجب بحقه فرض عين(3).

وهذا المنهج في التعامل مع النعم، ومع ما يحتاج إليه الناس؛ هو مما يميز الرؤية الإسلامية التي تنظر للنعم لا باعتبارها حقوقا وأملاكا فردية يمكن لصاحبها أن يصرفها كيفما شاء، بل باعتبارها منحا من الله تعالى وملكا له على وجه الحقيقة، بينما الإنسان مستخلف فيها ومؤتمن عليها. ولهذا سمى القرآن الكريم الزكاة: حقا؛ أي واجبا على الغني ومستحقا للفقير؛ فهي ليست عطية يمن بها الغني ويمنعها متى شاء { وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ } (المعارج:24-25).

قال الزركشي: «ومنه، أي من فرض الكفاية، تصنيف كتب العلم لمن منحه الله تعالى فهما واطلاعا. ولا تزال هذه الأمة مع قصر أعمارها في ازدياد وترق في المواهب. والعلم لا يحل كتمه؛ فلو ترك التصنيف لضيع العلم على الناس، وقد قال الله تعالى: { وَإِذَ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ } (آل عمران:187)»(4).

ما قبل الموهبة.. تهيئة التربة

أشرنا من قبل إلى أن ظهور المواهب في المجتمع هو من نعم الله سبحانه التي يتفضل بها على الناس عموما، وليس على صاحب الموهبة فحسب.

ولا شك أن اكتشاف هذه المواهب والتقاطها، يتطلب أولا تهيئة التربة المجتمعية بحيث تكون صالحة للكشف عن الموهبة، ثم، في مرحلة لاحقة، صالحة لتنميتها وصقلها.

فنحن نرى في واقعنا أن كل البيئات المجتمعية، وتقريبا بلا استثناء، بها العديد من المواهب وفي كل المجالات.. غير أن هناك بيئة قد أحسنت تهيئة تربتها بحيث إن قليلا من الماء يكفي لاستنبات الزرع، وتوفير الغذاء.. بينما هناك بيئات أخرى مثل الأرض الجدباء التي وصفها الحديث الشريف بأنها «لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ»(5).

وقد ذكر د. عبدالوهاب المسيري في سيرة حياته أن الإنسان في الوضع الحضاري المتراجع يكتشف نفسه متأخرا؛ وربما تفوت السنوات وهو لا يدري بما منحه الله من عطايا ومواهب..

بينما البيئة الصحية، تعمل ليس على تنمية مواهب أفرادها فقط، وإنما تعمل أيضا على استكمال جوانب النقص لدى البعض، وعلى توفير المساعدات المعنوية والمادية لمن هم بحاجة إليها.. فتراهم وقد أبدعوا وأنتجوا كما لو كانوا أسوياء؛ بينما هم في بيئات أخرى يكونون عالة وعبئا ثقيلا على الآخرين!

والفرق في الحالين هو فرق البيئة الحضارية التي وجدوا فيها.. ولهذا، نحن بحاجة إلى تهيئة التربة أولا، حتى نكتشف مبكرا أصحاب المواهب، وبالتالي نعمل على صقلها وتنميها.

ولا شك أن هذا الأمر، أي تهيئة التربة واكتشاف المواهب، يتطلب عناية فائقة بالنشء، وبالإنسان في مراحله الأولى؛ لاسيما فيما يتصل بإعادة النظر في مناهج التعليم؛ التي يجب أن تعتمد على التدريب لا التلقين، والمهارية لا النظرية.

كما يتطلب توفير حدود الأمان اقتصاديا واجتماعيا لأبناء المجتمع؛ فليس مثل الفقر قاتلا للمواهب، ومجففا لمنابع الإبداع! ومن الصعب على المجتمعات غير المستقرة التي تنعدم فيها حدود الأمان هذه، أن تبدأ مسيرة التحضر والتطور!

ما بعد الموهبة.. دراسة وصقل

أوضحنا أن اكتشاف الموهبة، بعد تهيئة التربة المجتمعية أولا، يتطلب العمل على تنميتها من خلال صقلها بالعلم، وتدعيمها ببرامج مكثفة تضمن إبقاء جذوة الإبداع مشتعلة.

وهذه نقطة غاية في الأهمية.. فكم مواهب تبخرت في الهواء حين لم يعمل أصحابها على تنميتها ولم يجدوا من يساعدهم في ذلك، أو حين اكتفوا من الموهبة بتوهجها وبريقها، ولم يحاولوا استدامة هذا التوهج والبريق بدراسة مكثفة منتظمة.

إن معادلة الإبداع تعني استعدادا فطريا مضافا إليه جهد متصل وسعي حثيث.. أما مجرد الاستعداد فلا يغني عن صاحبه إلا شعورا وقتيا سرعان ما يزول وينطفئ!

وفي هذا الصدد، من الأهمية بمكان أن تتوافر لدينا برامج خاصة بمن لديهم مواهب فائقة، بحيث لا نجبرهم على الدخول في المسارات الموضوعة لعموم الدارسين.. فإننا بهذا نظلمهم ولا نساعدهم على تطوير مواهبهم؛ فالموهبة طاقة غير طبيعية بإمكانها أن تختصر الزمن المتعارف عليه بالنسبة إلى عموم الأفراد.. أما إذا فرضنا عليهم المسارات الطبيعية، فإننا نخسر إمكانية الإفادة منهم، وربما أدى هذا إلى انطفاء وهج الموهبة!

نماذج من السيرة النبوية

لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم على علم تام بقدرات أصحابه الكرام، وبكل مجال يتميز فيه أحدهم عن الآخر؛ واستطاع أن يوظف هذه الإمكانات في خدمة الدعوة، وبما يتناسب مع أصحابها..

فهذا يجيد الشعر فهو يتولى الرد على الدعايات الكاذبة لمشركي مكة؛ مثل حسان بن ثابت.. وهذا يجيد القتال، فيوليه إمارة الجند، حتى لو أسلم حديثا؛ مثل خالد بن الوليد في فتح مكة وحنين.. وهذا يجيد لغة التفاوض وعنده من الهدوء واللين ما يناسب تلك المهمة، فيرسله لمفاوضة قريش في صلح الحديبية؛ مثل عثمان ابن عفان.. وهكذا.

أما تعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع الصحابي الجليل زيد بن ثابت(6)، فهو مثال واضح على كيفية توجيهه صلى الله عليه وسلم لما عند أصحابه من مواهب وطاقات. فقد قدم زيد المدينة وعمره إحدى عشرة سنة، وقيل للنبي صلى الله عليه وسلم إن زيدا قرأ مما أنزل من القرآن سبع عشرة سورة، ثم قرأ زيد ما يحفظه على النبي صلى الله عليه وسلم، فأعجب صلى الله عليه وسلم بقراءة زيد. ولم يتوقف الإعجاب عند هذا الحد، بل أدرك صلى الله عليه وسلم ما تنطوي عليه شخصية زيد الفتى من قدرات فائقة يمكن أن توجه في خدمة الدعوة.

يقول زيد بن ثابت عن موقف النبي صلى الله عليه وسلم معه: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أتعلم له كلمات من كتاب يهود. قال: «إني والله ما آمن يهود على كتاب». قال زيد: فما مر بي نصف شهر حتى تعلمته له؛ فلما تعلمته كان إذا كتب إلى يهود كتبت إليهم، وإذا كتبوا قرأت له كتابهم(7).

هجرة العقول وطرد المواهب

إذا كانت هناك بيئات لا تساعد على نمو المواهب، كما أشرنا، فهناك بيئات طاردة للمواهب وللطاقات، للأسف.. وكان الأولى بها أن تحتفي بما منحها الله من أفراد موهوبين متميزين!

ولعل نزيف الهجرة البشرية الذي أصيبت به بلادنا العربية في العقود الأخيرة، لظروف كثيرة، هو مما يدعو للحسرة، ويؤشر على حالة التراجع الحضاري التي وقعنا فيها، خصوصا أن هذه الهجرة للعقول والطاقات هي في أغلبها من ذوي الكفاءات وفي تخصصات غاية في الأهمية.. لكنهم لم يجدوا بيئة حاضنة توفر لهم الجو الصحي لتعظيم مواهبهم والإفادة منها.. فكان البديل أن هاجروا إلى من يقدرونهم تقديرا معنويا وماديا.

ونحن إذ لم نعمل على تدارك هذا الأمر، فإننا سنخسر طاقات كبيرة، وفرصة ثمينة للانعتاق من حالة التراجع الحضاري.. ومن ثم، فعلينا أولا أن نوقف هذا النزيف، من خلال توفير حدود الأمان اقتصاديا واجتماعيا، كما أوضحنا.. وأن نعمل ثانيا على استرداد تلك الطاقات والإفادة منها.

من المهم أن ندرك أن «الإنسان» عموما هو الأساس في معادلة البناء الحضاري.. وأن «الإنسان الموهوب» هو نعمة كبرى، وفرصة ثمينة ينبغي عدم هدرها.

ولهذا، فإن اكتشاف المواهب، ورعايتها، وتوفير الجو الصحي لتوجيه طاقاتها الفوارة.. ضرورة حضارية؛ لا مفر من التنبه إليها، والعمل على تدارك ما فاتنا بصددها.

الهوامش

1- «المعجم الوسيط»، مجمع اللغة العربية بالقاهرة، ص:1059، مكتبة الشروق الدولية، ط4، 2008م.

2- «معجم علم النفس والتحليل النفسي»، إشراف ومراجعة د. فرج عبدالقادر طه، ص:444/445، دار النهضة العربية، ط1، من دون سنة النشر، بيروت.

3- راجع: «التشريع الجنائي الإسلامي»، عبدالقادر عودة، 1/520، دار الكاتب العربي.

4- «المنثور في القواعد»، الزركشي، تحقيق محمد حسن إسماعيل، 2/164، دار الكتب العلمية، ط1، 2000م.

5- رواه البخاري ومسلم من حديث أبي موسى الأشعري.

6- راجع «تبني الموهوبين من منظور إسلامي»، د. شميسة خلوي، طبعة إلكترونية pdf عن «شبكة الألوكة».

7- رواه الترمذي، وصححه الألباني.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

استقبال مشرف للبطل العالمي يوسف العبدالرزاق

الكويت – الوعي الشبابي: تقدم نائب المدير العام لشؤون الرياضة الدكتور صقر الملا نيابة عن ...

لماذا يخاف أطفالنا من المدرسة؟

✍ حواس محمود - كاتب وباحث سوري: استأثرت مشكلة رفض الطفل للمدرسة على اهتمام عدد كبير من الباحثين ...

هيئة الكتاب المصرية تصدر مختارات محمد ناصف

القاهرة – الوعي الشبابي: صدرت مؤخرا المختارات المسرحية للكاتب المسرحى المصري محمد ...

اتصل بنا

  • صندوق البريد: 23667 الصفاة 13097 - الكويت
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
  • 22467132 - 22470156

عندك سؤال