الجمعة، 16 نوفمبر 2018
رئيس التحرير
فهد محمد الخزّي

الدكتور محمد كمال شبانة.. عاشق الأندلس

✍ أبو الحسن الجمال - كاتب ومؤرخ مصري            ...


 

 

المتواجدون على الموقع

المتواجدون الأن

95 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

yousef

د. إيهاب عبد السلام :

رحل عن دنيانا يوم الاثنين 28/9/2015م رائد كبير من روَّاد أدب الطفل.. اتسمت حياته بالعطاء المتواصل.. كان أديبا مبدعًا.. ومعلمًّا رائعًا.. إنه الأستاذ (عبد التواب يوسف) من مواليد محافظة بني سويف في مصر 1347هـ / 1928م، حصل على بكالوريوس علوم سياسية من جامعة القاهرة، وهو صاحب فكرة إصدار أول مجلة إسلامية للأطفال تحت اسم (الفردوس) سنة 1969م، وهو من أقام أوَّل مؤتمر لثقافة الطفل عام 1970م، وقد أنشأ جمعية ثقافة الأطفال، كما إنه أوّل من قدَّم عملًا إذاعيًّا للأطفال، وقد حاز على كثير من الجوائز وشهادات التقدير في مصر وغيرها، منها جائزة الملك فيصل في الأدب العربي.

كتب الأستاذ عبد التواب يوسف مئات القصص والكتب للأطفال، (أكثر من سبعمائة كتاب) منها: حياة محمد -صلى الله عليه وسلم- في عشرين قصة، وقد طُبِعت منه سبعة ملايين نسخة، وله للكبار أربعون كتابًا. اتسمت كتباته إجمالًا بعذوبة الأسلوب ورصانته، ودقة المعلومات، وقد تميّز بثقافته الواسعة، والحرص على تقديم كل ما هو مفيد.

أدرك في وقت مبكر أن الأطفال هم الأمل، وهم الباب الأوسع والطريق الأهم إلى مستقبل أمتنا، فلم يتوانَ لحظة عن أن يقدم لهم حياته كاتبًا ومفكّرًا، من خلال مئات الكتب والقصص، وهو يدرك جيدًا أن التعرض للكتابة للطفل يتطلَّب وعيًا خاصًّا بالطفل وعالمه، وطريقة تفكيره وفهمه لما يرى ويسمع من كلام، وفهمه لدلالات الألفاظ، ومستوى التراكيب اللغوية، وما يطرب له ويقبل عليه وما ينفر منه.. فكان من القلائل الذين نهضوا في وقت مبكر بهذا الشأن، وتركوا بصمات واضحة ومؤثرة فيما قدموه للأطفال، في الوقت الذي استنكف فيه الكثيرون عن الكتابة للطفل ظانين أنها سهلة المأخذ تقلل من شأن القائم بها، وهذا غير صحيح.

اتسم إبداع الأستاذ عبد التواب يوسف للأطفال بالتنوع الجميل، فاستلهم الفلكلور العالمي، والتراث الديني، والتاريخ العربي، كما وظَّفَ الثقافة العربية والبيئات العربية فيما قدمه وأبدعه للأطفال باقتدار عجيب، وأنقل هنا إحدى قصصه؛ ليطلع القارئ على جانب من أسلوبه الأخَّاذ، وفكره المستنير المنير، فهذه قصة له سمَّاها: القصيدة.

(1)

(كان الصغير «محمد العوني» يعتقد أن أمّه تتبادل الحديث مع الناقة.. فهو يرعى إبل القبيلة ويرجع إلى مضارب الخيام عند المساء، وتأخذ أمّه هذه الناقة إلى ما وراء الخيام، وتعود بعد لحظات تحمل بين يديها الإناء الكبير، وتهتف بابنها:

شكرًا لك يا محمد.. اليوم كان اختيارك للمرعى جيدًا، فقد أكلت الإبل عشبًا أخضر ولفترة طويلة.. كنت راعيًا طيبًا.. ومسئولا بحق عن رعيتك من الإبل!

لكن الأم في يوم آخر تصرخ في ابنها:

محمد.. لقد كنت اليوم تلعب، ولم ترعَ الإبل، والناقة كما يجب.

ويندهش الصغير: كيف تعرف أمّه ما يحدث هناك في المرعى..؟ هل تبوح الناقة الوالدته بما وقع وجرى وحدث..؟ هل تحكي لها الناقة كيف ربطها إلى نخلة قرب البئر وراح يجري ويلعب مع أصحابه ورفاقه..؟ ثم هل تفهم أمّه لغة الناقة وتفهم الناقة كلامنا..؟ إن في الأمر سرًّا لا يعرفه.

وكان السرّ بسيطًا: إن كمية اللبن التي تحلبها الأم هي التي تشي بالصغير دون أن يدري.. إن قدمت الناقة الكثير عرفت الأم أن ابنها أحسن رعايتها، وإن حلبت القليل أدركت الأم أن الناقة لم تحصل على كفايتها من الطعام.. لكن الصغير لم يكن يعرف ذلك، ويظن أن الناقة هي التي تشي وتشكو لوالدته، وكثيرًا ما عاقب الناقة المظلومة أثناء وجودها في المرعى، فيُخفي عنها وليدها.. وتضيق هي بذلك وتمتنع عن الطعام، وتروح تبكي إلى أن يعيد إليها ابنها.

وذات يوم، قَدِمَ ضيوف من قبيلة أخرى، وأرادت قبيلة الصغير (محمد) أن تكرم القادمين؛ فأخذت الجمل الصغير -ابن الناقة- وقدمته طعامًا لضيوفها، وحزن الصغير، لكن الناقة اشتد بها الألم والأسى، فامتنعت عن الأكل والشرب، بل كانت ترفض الخروج إلى المرعى مع (محمد) وتبكي طيلة الوقت، وكان صوت نواحها يُمزّق القلب، وما كان الصغير محمد يطيقه، ولا كان يحتمله.. وكثيرًا ما هرب منه.

(2)

ومضت سنوات، كبر خلالها «محمد» ولكن صوت الناقة ظل يتردد في أذنيه. كان كلما شعر بالحزن لأمر ما تذكر نواح الناقة، وكأنه طبول عالية تدوِّي، تحملها إليه آلات تكبير الصوت، والميكرفونات، فيضع يديه على أذنيه يريد أن يخفف من وقع الصوت، فلا يقدر.. حتى صار يعتقد أن البكاء يأتيه من داخله، ومن نفسه، من صدره ومن قلبه.. خاصة عندما يسمع أخبار النزاع الذي نشب بين قبيلته والقبيلة التي جاءتهم يومًا، وقدموا لها وليد الناقة طعامًا.. ولقد اشتد الخلاف، وبدأت المناوشات بينهما، ثم اندلعت الحرب.. وسمع «محمد» ذلك «الخلوج» أي صوت الناقة التي تنوح على ولدها.. سمعه عاليًا مدويًّا. خاصة حين أدرك عن يقين أن النصر لم يكن من نصيب قبيلته، بل لقد واجهت هزيمة مريرة ونكسة كبيرة، على أثرها غادر أفراد القبيلة وطنهم، ومضارب خيامهم، ورحلوا عن جزيرة العرب إلى الشام.. تفرقوا.. تشتتوا.. تبعثروا.. لا أمل لهم في أن يستردوا كرامتهم وأرضهم ووطنهم، ولا قدرة لهم على الثأر من القبيلة الأخرى التي احتلت مراعيهم، واستولت على مضارب خيامهم.

وحزن «محمد العوني» حزنا شديدا، كاد يقتله.. حزن مثل ناقته يوم أخذوا وليدها.. وراح ليل نهار يتجول في الصحاري، والصوت الباكي ينبعث عاليًا صاخبًا من داخله: في صدره، ويندلع من رأسه كالنار، ويفرش كل الوجود من حوله، وعاد لا يقدر على ابتلاع طعامه وشرابه، ولا يفكر ليل نهار إلا في النكسة.

(3)

كانت حالة محمد أشبه بتلك المحارة التي تتساقط دموعها، لتتكون اللؤلؤة وكانت هناك لؤلؤة تتكون داخل نفس «محمد» وفي صدره، دون أن يتنبه أو يدري.. تُرَى ما هي هذه اللؤلؤة؟

نحن العرب، كانت لؤلؤتنا دائما هي: قصيدة الشعر، تتبلور في قلب الشاعر وعقله، وتتكون طبقاتها -أقصد أبياتها- واحدة بعد الأخرى، وكما تتفتح الصدفة عن اللؤلؤة تتفتح نفس الشاعر عن القصيدة، وهكذا تفجرت نفس «محمد» بالكلمات وصرخ بقصيدة رائعة عنوانها «الخلوج».

سمع الناس القصيدة، وكأنما تلقفتها آلاف الميكرفونات التي لم تكن الجزيرة العربية قد عرفتها بعد، لكن القصيدة أذيعت على جميع الموجات، وعلى كل الناس، وتناقلها العرب وراحوا ينشدونها.. كانت تتحدث عن الناقة التي فقدت وليدها، والقبيلة التي فقدت وطنها.. وكان الشاعر كأنَّه أمٌّ ثكلى، أي فقدت وليدها.. وكان الحزن في القصيدة عميقًا كبحر، صادقًا كلؤلؤة، رائعًا كالناس في أرضنا وجزيرتنا.

ووصلت القصيدة إلى الشام، حيث يعيش أفراد قبيلة محمد العوني هزت منهم الأسماع والصدور والقلوب. حفظوها.. رددوها.. لم يبق واحد منهم -صغير أو كبير- إلا وقد أصبح يتغنى بها لنفسه ليل نهار. ولم يحتمل أفراد القبيلة صوت الخلوج الذي يعتمل في نفوسهم. تجمعوا من جديد وحملوا السلاح، وراح صوتهم يعلو بكلمات القصيدة، وهم عائدون راجعون إلى وطنهم ومضارب خيامهم.

من جديد، نشبت الحرب..

هل نحن في حاجة إلى أن نقول: إن قبيلة «محمد العوني» قد انتصرت واستردت وطنها وأرضها..؟ وهل لا بُدَّ وأن نقول: إن قصيدته «الخلوج» كانت وراء هذا النصر..؟!)

انتهت قصة الرائد الكبير الأستاذ عبد التواب يوسف.

أرأيت كيف أصطحب الصغار في هذه القصة إلى ما قبل مئات السنين  حيث المجتمع العربي قديمًا؟ وكيف أسقطها على واقعنا الآن..؟ وكيف دمج بين فقد الناقة لولدها وفقد القبيلة لوطنها وفقد الأمة كلها الآن لجزء غال من الوطن العربي.؟! وكيف استحثَّ همم الشعراء والأدباء ليجهروا بالقضية..؟! وكيف أيقظ مشاعر النخوة والشرف؟ وكيف زرع الأمل والبأس وقتل الإحباط واليأس..؟! ثم ترك النهاية مفتوحة.. في إشارة ذكية إلى أن القضية الأساسية والأهم في حياة كل عربي معتزٍّ بعروبته لم تزل قائمة ولم تُحسم بعد..؟!

ولم ينسَ لحظة أنه يكتب للصغار، وكأنه يتخيلهم وهم متحلقون حوله، فحرص على شرح أية كلمة يظنها صعبة الفهم لديهم، أو غامضة عليهم بمثل قوله: (وكان الشاعر كأنَّه أمٌّ ثكلى، أي فقدت وليدها).  

وأختم كلامي عن ذلك الرائد الكبير بموقف من مواقفه الكثيرة الغرَّاء: في إحدى اللقاءات لتكريم حفظة القرآن الكريم من الأطفال.. تطاول أحد الجهلاء على حفظ القرآن الكريم، وادعى أنه يصيب الطفل بالبلادة ويقتل مَلَكة التفكير.. وإذا بالأستاذ الكبير العملاق (عبد التواب يوسف) يفاجئ الجميع برد عملي مبدع على هذا المتطاول؛ فأدنى منه بعض الأطفال من حفظة القرآن الكريم ومن غير الحفظة.. ثم طلب أن يذكر كلٌّ منهم عشرة استخدامات للحَبْلِ غير أننا نربط به الأشياء.. وإذا بحفظة القرآن يذكرون بسرعة بديهة عجيبة أكثر من عشرة استخدامات؛ منها نشر الغسيل وجرِّ السيارات وصنع شبكات الكرة وغيرها... في أقل من دقيقتين.. بينما الآخرون لم يذكوا شيئًا..!!! فصرف الأستاذ الكبير الأطفال وشكرهم دون أن يُحرج أحدهم، ودون أن يعرفوا سرَّ ذلك الاختبار المباغت.

ثم نظر الأستاذ الكبير (عبد التواب يوسف) إلى ذلك الذي تطاول على حفظ القرآن الكريم وسأله بابتسامة متعجبة: على أي أساس بنيت حكمك..؟!! فَبُهِتَ المُتَطَاول ولم يُحِر جوابًا.

هذه لفتة بسيطة من لفتات الراحل الكبير الذي ودعناه. ولَكَمْ تعلمنا منه.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

أطفالنا... وحسن الظن بالله

✍ مرهف حسين أسد - كاتب وباحث إسلامي سوري            ...

طلقني.. كلمة تكتب النهاية أم البداية؟

القاهرة - محمد عبدالعزيز ...

اتصل بنا

  • صندوق البريد: 23667 الصفاة 13097 - الكويت
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
  • 22467132 - 22470156

عندك سؤال