الأحد، 26 مايو 2019
رئيس التحرير
فهد محمد الخزّي

أمير الإنسانية .. تاريخ حافل بالعطاء

✍ محمود نصر الدين المعلاوي:      تأتي ذكرى الاحتفال بالأعياد الوطنية ...


 

 

المتواجدون على الموقع

المتواجدون الأن

91 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

tlUntid

أبو الحسن الجمال - كاتب ومؤرخ مصري                                           :

يقول الإمام محمد عبده: «تموت العربية في كل مكان وتحيا في دار العلوم»..

وقد شكلت مدرسة دار العلوم التاريخية مكانة في خارطة البحث العلمي على مدار مائة عام، وقدمت الكثير في مجال الدراسات التاريخية والحضارية، وأنجزت نتاجــــا علمـــــيا متميزا وفريـــدا، ومن أهــــم أعـــلام هــــذه المدرسة الكبـــيرة الأساتذة: د. محمد ضياء الدين الريس (ت: 1977م) ود. محمد حلمي محمد أحمد (ت: 1984م)، ود. أحمد جاب الله شلبي (ت:2000م)، ود. إبراهيم أحمد العدوي (ت: 2004م)، ود. علي حسن حبيبة، ود. حســن علي حســـن، ود. عبـــدالله محـــمد جمــال الدين، ود. طاهر راغب حسين، ود. عبدالرحمن أحمد سالم، ود. يسري أحمد زيدان، ود. عبدالفتاح فتحي عبدالفتاح. ومازالت تعطي وتقدم الدراسات الرصينة في كل حقب التاريخ والحضارة(1).

وسوف نلتقي مع أحد أعلام هذه المدرسة وهو الدكتور محمد كمال شبانة أستاذ التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية والمتخصص في تاريخ المغرب والأندلس، هذا الرجل العصامي الذي حفر اسمه في سجل الخالدين بأحرف من نور، وهو من العصاميين الذين انتصروا على اليأس وتسلحوا بالعزيمة والصبر، فهو الذي ذهب إلى المغرب مدرسا في المدارس الثانوية فإذا به يستهويه سحر البلاد وعبق التاريخ، ويغرم بتاريخ المغرب والأندلس، وما ترك أثرا فيه إلا وقد زاره، وكذلك زار المكتبات وخزائن الكتب التي تضم نفائس الكتب، والتقي بعلماء المغرب وأخذ عنهم الكثير، ولم يقف عند هذا الحد بل يمم شطره إلى جامعة غرناطة؛ هذا الثغر الذي يبعث في النفوس الشجن والحزن والأسى، وهو آخر القلاع التي سقطت، وبسقوطه انتهت دولة الإسلام في الأندلس، وذهب هناك ولم يكن مبعوثا من جهة أكاديمية أو حاصلا على منحة، ولكنه ذهب على نفقته الخاصة مضحيا بالغالي والنفيس ويقبل على الدرس والتحصيل وجمع مادته العلمية، وفي سبيل هذا اتقن اللغة الإسبانية، بل ترجم كتاب «معيار الاختيار» لابن الخطيب إلى الإسبانية كجزء من رسالته، وأخيرا حصل على رسالته بتفوق منقطع النظير مما حدا بالصحافة الإسبانية أن تحتفي بهذا النجاح المبهر.. ولما عاد إلى مصر انتظر سنوات حتى عين في دار العلوم مدرسا للتاريخ والحضارة، وبذلك عاد إلى المعهد الذي يعشقه بعد خمسة عشر عاما من التخرج منه.. إلا أن حنينه إلى المغرب لم يفارقه، فعاد إليه بعد بضع سنوات ليمكث هناك حوالي عقدين أستاذا بالجامعات المغربية العريقة.

وتتلخص جهود الدكتور محمد كمال شبانة العلمية في محاور عدة: أولها: تدريسه وتأليفه في التاريخ الإسلامي وخصوصا تاريخ المغرب والأندلس، وثانيهما: تحقيقه لعدد من نفائس كتب التراث التاريخية ومعظمها لصاحب الوزارتين المؤرخ الجليل لسان الدين بن الخطيب (ت:776هـ)، وثالثها أنه كان لصيقا بقضايا أمته الإسلامية يريد لها أن تعود إلى سالف مجدها فاتخذ وسائل عدة للتعامل مع هذه القضايا بالخروج من سور الجامعة والتأليف لعامة الناس، كما قدم العديد من البرامج الإذاعية.

وقد شعرت بالغبن وأنا أرى أستاذا عريقا كالدكتور شبانة لم يكتب عنه أحد سطرا واحدا منذ رحيله قبل خمس سنوات، لذا شمرت عن ساعد الجد، وقد عانيت كثيرا في جمعي لهذه المادة، فظللت اتتبع السبل حتى اهتديت إلى أسرته وعلى رأسهم ابنه الأكبر حمزة شبانة، مدير عام مكتب رئيس أكاديمية البحث العلمي، فأمدني باللازم لعمل هذه الدراسة.

ولد محمد كمال شبانة في قرية أولاد عزاز بمحافظة سوهاج في الخامس عشر من شهر يناير عام 1926م، وحفظ القرآن الكريم في كُتّاب القرية، ثم نذره والده للأزهر الشريف فالتحق بمعهد بلصفورة الأزهري بسوهاج، وتلقى العلم على يد علماء أجلاء منهم: الشيخ أحمد علي بدر، والشيخ محمد حداد الجزيري، والشيخ أحمد رزق، ثم التحق بمعهد أسيوط الديني، وحصل منه بتفوق على شهادة الثانوية الأزهرية سنة 1948م، وقرر الالتحاق بمدرسة دار العلوم (جامعة فؤاد الأول) جامعة القاهرة الآن، فاجتاز اختبار قبولها، وكانت في مكانها القديم بحي المنيرة، وانتقل للإقامة بحي المنيرة بالسيدة زينب بمدينة القاهرة ليكون بالقرب من الكلية، وكذلك ليبدأ مشواره بالعمل في سلك التدريس من 19 نوفمبر 1949م، في مديرية التربية والتعليم بالجيزة، وهو مازال طالبا بدار العلوم، وتم ترقيته للعمل بمدرسة الدواوين الثانوية في 1953م، بعد أن تخرج وحصل على ليسانس العلوم العربية والدراسات الإسلامية.

أعير د. شبانة للمملكة المغربية في 1/10/1957م، للعمل مدرسا بوزارة التربية الوطنية (القسم الثانوي) في مدرسة مولاي إسماعيل بمكناس، ومدرسة ابن الخطيب، ومدرسة زينب بطنجة، ومدرسة جابر بن حيان بتطوان، وانتهت الإعارة في 30/9/1963م، فتقدم بطلب إجازة دراسية لمدة عام بدءا من 1/10/1963م، لاستكمال دراساته للدكتوراه بجامعة غرناطة بإسبانيا(2).

وعاد من الخارج لاستلام العمل بالسعيدية الثانوية في 26/9/1964م، بعد أن نال درجة الدكتوراه بامتياز مع مرتبة الشرف عام 1964م من كلية الفلسفة والآداب بجامعة غرناطة، وكان عنوان الرسالة «السلطان النصري الغرناطي أبو الحجاج يوسف الأول» تحت إشراف المستشرق الإسباني دكتور لويس سيكو دي لوثينا L .Seco de Lucena حيث أشادت الصحافة الإسبانية آنذاك بأبحاث الدكتور شبانة التي قام بها إبان مقامه في إسبانيا عن تاريخ الإسلام في الأندلس، ومنها جريدة (إيديال) الإسبانية في عددها الصادر يوم 16 يوليه 1964م، جاء فيها تحت عناوين بارزة «مانشيت»: «أجنبيان يحصلان للمرة الأولى في كليتنا للآداب جامعة غرناطة».. إنهما السيد «كليف فوستر» الإنجليزي والسيد «كمال شبانة» المصري.. ناقشا رسالتيهما في الموضوعات «الغرناطية»، ثم قالت: «نال درجة الدكتوراه للمرة الأولى من كلية الآداب والفلسفة باحثان أجنبيان ألفا رسالتيهما في موضوعات غرناطية.. فيسرنا كثيرا أن يفد إلينا خريجو الجامعات الأجنبية إلى جامعة غرناطة، ليحصلوا على الدرجات الجامعية العليا.. كما يسرنا أن يبذلوا جهودهم في بحث الموضوعات التي تهمنا كثيرا، لأنها تساهم في درس ومعرفة تاريخنا وحضارتنا الخاصة.. السيد محمد كمال شبانة أتم دراسة مستوفية عن السلطان الغرناطي يوسف الأول المعروف بالملك العالم للأسرة النصرية، وهذا البحث شكل موضوع الرسالة التي ناقشها أمام لجنة التحكيم، وهذا الدكتور الجديد على درجة «ممتاز مع مرتبة الشرف» التي منحته إياه لجنة المناقشة بالإجماع. فقدمت الصحافة الإسبانية للسيد شبانة تهانيها القلبية، بالإضافة إلى التهاني التي تلقاها من أجل البحوث السابقة المؤلفة.. كما يسرنا أن نسجل لجامعة غرناطة أنها تجتذب إلى قاعاتها دارسين مهمين من الخارج»(3).

وفي مطلع عام 1966م، أعلنت كلية دار العلوم عن حاجتها لشغل بعض الوظائف الشاغرة بها، ومنها «مدرس تاريخ وحضارة الأندلس والمغرب»، فسارع للتقدم بأوراقه ليقع عليه الاختيار من بين ثلاثة من المرشحين للوظيفة، ليصبح أحد أعضاء هيئة التدريس بالكلية (التي تخرج فيها) وذلك بعد مرور خمسة عشر عاما من تخرجه.

وقد تتلمذ على يد الدكتور شبانة تلاميذ من المصريين والعرب خلال مسيرته العلمية بالجامعات العربية، حيث عمل بالجامعة الأردنية بكلية الآداب – قسم التاريخ والآثار خلال العام الجامعي 1966م/1967م. كما أن معظم أساتذة التاريخ الإسلامي بالمملكة المغربية حاليا هم من تلامذته، حيث إنه قام بالتدريس بها خمسة عشر عاما منذ عام 1969م، حتى 1984م، بجامعة القرويين (كلية الشريعة بفاس وكلية أصول الدين بتطوان)، وفي جامعة الحسن الثاني من عام 1982م، إلى عام 1984م،(كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالدار البيضاء).

ثم عمل بجامعة الملك سعود (كلية التربية بأبها) بالمملكة العربية السعودية في عام 1984م، حتى عام 1989م، ليعود لأرض الوطن ليباشر عمله استاذا للتاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية لطلاب الدراسات العليا بكليتي التربية والآداب في العديد من الجامعات المصرية منها: جامعات القاهرة، وعين شمس، وبني سويف، وسوهاج(4).

مؤلفاته وأبحاثه العلمية:

خلال حياته العلمية أثرى الدكتور محمد كمال شبانة المكتبة العربية بالعديد من المؤلفات التي تعكس رؤيته التاريخية الثاقبة، وكان مؤرخا ملتزما استخدم أدواته ووظفها بدقة مبتعدا عن العاطفة والهوى والتزم الحياد التام فيها، كما كان متمكنا من معرفة مصادره المطبوعة والمخطوطة المبثوثة في كل مكتبات العالم، عارفا بقيمتها، ومن كتبه نذكر: «يوسف الأول ابن الأحمر (سلطان غرناطة)» وهي رسالته للدكتوراه وقد ترجمها عن الإسبانية وصدرت في مجلد ضخم، وله أيضا: «الدويلات الإسلامية في المغرب»، و«حول السيرة النبوية وآدابها»، و«الدولة الـعـربية الاسلامية - صدر الإسلام - الخلفاء الراشدون - الدولة الأموية»، و«صفة الجنة وأهلها في الكتاب والسنة»، و«المنهج الأكاديمي لتحرير البحوث والرسائل»، و«المعالم التاريخية للاقتصاد الإسلامي»، و«مصر الإسلامية منذ الفتح الإسلامي وحتى نهاية الدولة الفاطمية»، و«الأندلس (دراسة تاريخية حضارية)»، و«دراسة منهجية في السيرة النبوية»، و«الإسلام فكرا وحضارة»، و«من التراث الإسلامي»، و«المنهج الأكاديمي لتحرير البحوث والرسائل»، و«موسوعة المدن في الحضارة الإسلامية».

كما قام بتحقيق عدد من نفائس كتب التراث التاريخي والحضاري وكلها لصاحب الوزارتين لسان الدين ابن الخطيب وكان لرحلاته العديدة في البلاد العربية والغربية وخصوصا المغرب والأندلس أن زار المكتبات فيها واطلع على الكنوز في الخزانة بالمغرب وفي الأسكوريال بمدريد وغيرها.. وهي: «الإشارة إلى أدب الوزارة»، و«كناسة الدكان في مغادرة السكان»، و«معيار الاختيار في ذكر المعاهد والديار»، و«أوصاف الناس في التواريخ والصلات»، و«السحر والشعر»، و«الزواجر والعظات».

كما كتب العديد من الأبحاث والمقالات وتبلغ ما يقرب من ستة وستين بحثا ومقالا.. نشرها في كبريات المجلات العلمية العربية، مثل: «البحث العلمي»، «ودعوة الحق»، و«الباحث»، و«الثقافية المغربية» و«الإرشاد» بالمغرب، و«الدارة» و«عكاظ» بالســعوديــة، و«التـــربــــية» بالإمارات، و«الوعي الإسلامي» بالكويت، و«المجلة»، و«تراث الإنسانية»، و«منبر الإسلام» بمصر، وغيرها..

وأشرف وشارك في مناقشة عدة رسائل للماجستير والدكتوراه بإسبانيا، وشارك في لجان إصلاح وتطوير التعليم العالي بالمغرب، وترجم بعض الأبحاث إلى الإسبانية.

رحلته مع الدراسات الأندلسية:

أتاحت له فرصة الإعارة بالتدريس بالمغرب عام 1957م، فرصة استكمال دراسات تاريخية أندلسية، وكان شغوفا بإنهائها على الطبيعة بين ربوع الفردوس المفقود، وكان طبيعيا أن يتعرف على المغرب القديم باعتباره نقطة انطلاق الفتح الإسلامي للأندلس، وظل المغرب والأندلس ينضوي تحت راية واحدة في عصري المرابطين والموحدين، وظل الترابط أيضا ممتدا بين دولتي بني نصر بغرناطة وبني مرين بفاس..

وأثناء وجوده بالمغرب بدأ شبانة يجوس خلال دياره، يستنطق آثار أمجاده، ويستزيد من معارف علمائه، وقيض الله له من هؤلاء نخبة امتازت بغزارة المادة التاريخية، وتألقت أسماؤها بين المؤرخين النوادر من أمثال: الشيخ عبدالله كنون، المؤرخ العربي المعاصر ورئيس هيئة العلماء المغاربة، والأستاذ محمد الفاسي وزير الدولة المكلف بالشؤون الثقافية والتعليم الأصلي، الذين كانا لجهودهما العلمية التاريخية أطيب الأثر في مواصلته لهذه الدراسات. وكذلك الأستاذ «لويس سيكو دي لوثينا» L .Seco de Lucena، الأستاذ بجامعة غرناطة، ومدير مركز الأبحاث العربية فيها والذي أشرف على دراسته بهذه الجامعة، منذ بدأها عام 1960م، وحتى أنهاها على يده في يوليو من عام 1964م، وهو الذي اختار له موضوع الرسالة «السلطان يوسف الأول بن الأحمر، وفترة حكمه لغرناطة الإسلامية»، وقد سبقها برسالة صغرى عن صاحب الوزارتين لسان الدين بن الخطيب، مع تحقيق ودراسة وترجمة للإسبانية لكتابه «معيار الاختيار في ذكر المعاهد والديار».. وحصل على هذه الدراسات بتقدير مع مرتبة الشرف الأولى وأشادت به الصحف الإسبانية كما سبق أن أوضحنا. وقد ترجم الدكتور شبانة الرسالة وصدرت في مجلد ضخم(5).

ثم واصل الدكتور شبانة رحلته مع تاريخ وحضارة الأندلس فألف في تاريخه وحضارته العديد من الكتب والأبحاث نذكر منها: «الأندلس - دراسة تاريخية حضارية»، تناول فيه تاريخ الأندلس منذ الفتح الإسلامي وحتى انقضاء أجله في نهاية القرن التاسع الهجري، كما عرج على تاريخه السياسي والاجتماعي والحضاري، ثم رأى أن يشفعه بمؤلف عن المغرب فكان كتاب «الدويلات الإسلامية في المغرب» لما بين الأقطار العربية وبين الأندلس من صلات وثيقة، ترجع إلى أقدم العصور، خاصة العصر الإسلامي الوسيط، تلك العلائق وقت أن كان المغرب الأقصى نقطة الانطلاق للفتح العربي لبلاد الأندلس بزعامة موسى بن نصير وقيادة طارق ابن زياد، ثم ما تلا ذلك من صلات سياسية واقتصادية واجتماعية، وما واكب من أحداث حربية، وتحدث في هذا الكتاب عن الفتح الإسلامي للمغرب، ثم تطرق إلى الحديث عن دول المغرب الأقصى ومنها: دولة الأدارسة في فاس، والدولة الفاطمية، ودولة المرابطين، ودولة الموحدين، ودولة بني مرين، ودولة الأشراف السعديين، ودولة الأشراف العلويين، أما في المغرب الأوسط فقد تناول دول الرستميين، وبني حماد، وبني زيان، أما في المغرب الأدنى فقد تناول دول الحفصيين والأغالبة(6).

وتتمة للفائدة فقد حقق الدكتور شبانة بعض مؤلفات مؤرخ الأندلس الشهير لسان الدين بن الخطيب وقد اختارها بعناية، ولفتت نظره أثناء دراسته في جامعة غرناطة لما فيها من الوثائق النفيسة التي تجلو الغبار عن الحقائق التاريخية لعصره وملامحه السياسية والحضارية والفكرية، ومن هذه الكتب «كناسة الدكان، بعد انتقال السكان»، وقد نشره بعد عودته من البعثة سنة 1967م، اعتمادا على مخطوطة يتيمة بمكتبة «الإسكوريال» بمدريد تحت رقم 1712 من فهرس الغزيري، وتقع في إحدى وستين لوحة من الحجم المتوسط، قد كتبت بخط أندلسي جميل، أما النسخة الموجودة بدار الكتب بالقاهرة، والمسجلة تحت رقم 19879ز، فهي نسخة مصورة بالفوتوستات عن الأصل المخطوط المحفوظ بمكتبة الإسكوريال بمدريد، وقيمة هذا الكتاب في أنه يشتمل على مجموعة من الوثائق النادرة الفريدة في تاريخ العلاقات بين المغرب والأندلس، وبالذات حول العلاقات السياسية بين مملكتي غرناطة، وفاس في القرن الثامن الهجري، والكناسة تنتظم أقساما ثلاثة: المقدمة، ووثيقة عقد زواج نصري، ورسائل سياسية.

والمقدمة جاءت في نصف لوحة وهي أقصر مقدمات كتب ابن الخطيب. والثاني منها وهو وثيقة الزواج فتقع في سبع لوحات بعد المقدمة مباشرة، وقد جرت رسوم هذه الوثيقة في قصر الحمراء بغرناطة، بين السلطان أبي الحاج يوسف الأول، بصفته وليا ووكيلا عن أخته، وبين أحد القواد من أبناء الأسرة النصرية، وهو القائد الرئيس أبي الحسن بن جعفر بن نصر، وتلقي الوثيقة -في عمومها- ضوءا على تاريخ بعض الملوك الأول من بني الأحمر. أما القسم الثالث والأخير مما تحتويه هذه المخطوطة، فهو مجموعة من الرسائل السياسية تبلغ اتنثين وعشرين رسالة دبجها ابن الخطيب بقلمه، وكان قد بعث بها -على لسان سلطانه يوسف الأول- إلى معاصريه السلطان أبي الحسن المريني، وابنه من بعده أبي عنان فارس، ابن السلطـــان أبي الحسن علي بن عثمان بن يعقوب بن عبدالحق المريني ملك المغرب. وهي رسائل تمثل -في مجموعها- العلاقات الدبلوماسية التي كانت قائمة يومئذ بين مملكتي غرناطة وفاس (منتصف القرن الرابع عشر ميلادي)، وهي علائق تتسم بالود والصفاء، تبودلت خلالها الرسل والهدايا، وتدفقت معها المعونات الحربية والمادية المغربية على الأندلس، جريا على سنة الأسلاف الأقدمين من ملوك المرابطين والموحدين، ولم يعكر صفو هذه العلاقات بين أبي الحجاج وبين أبي عنان مكدر، اللهم إلا مسألة الأمير أبي الفضل المريني أخي أبي عنان، والتي ألمحنا إليها في مناسبتها من الرسائل الخاصة بها، وعادت السماء بعدها صافية الأديم، حتى قضى السلطان أبو الحجاج يوم عيد الفطر من عام 733هـ(7).

وقد عرف الدكتور شبانة ما لوسائل الإعلام من أهمية فقدم سلسلة من الأحاديث الإذاعية بإذاعة القرآن الكريم دامت لسنوات من خلال برنامج بعنوان «من التراث الإسلامي»، وكذلك إذاعة صوت العرب من خلال برنامج «مدن إسلامية»، وكانت الحلقة لا تستغرق سوى دقائق قليلة ولكنها تقدم للمستمع وجبة دسمة، جاءت في طرح جذاب ولغة عذبة لا تتدني للغة العامية الركيكة، كما كان يراعي فيها دقة المادة العلمية، وقد نعت الإذاعة المصرية للأمة عالما فذّا من الرعيل الأول لأساتذة التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية.

هذا؛ وقد واصل الدكتور محمد كمال شبانه أبحاثه ودراساته الثقافية ومحاضراته حتى رحل عن عالمنا في مساء الثامن عشر من فبراير عام 2013م عن عمر يناهز السابعة والثمانين عاما، بعد رحلة عمل تجاوزت الثلاث وستين عاما زار خلالها أكثر من خمسة عشر دولة عربية وأوروبية، تاركا رصيدا قيما من كتبه المؤلفة وما حققه من مخطوطات ذات قيمة ثقافية بالغة تنهل منها وتتعلم أجيال سابقة وقادمة.

الهوامش

1- أبوالحسن الجمال، «مع الدكتور محمد على دبور وحديث عن مدرسة دار العلوم التاريخية» رابطة أدباء الشام بتاريخ 7 كانون ثاني (يناير) 2016م. وأيضا كتابي بعنوان «مدرسة دار العلوم في سير أعلامها النابغين» (قيد النشر).

2- معلومات وسيرة ذاتية مفصلة أعطاها لي ولده الأستاذ حمزة شبانة خلال لقائي به في مكتبه بأكاديمية البحث العلمي بالقاهرة يوم 4/4/2018م، وجريدة الرياض السبت 10 ربيع الآخر 1409هـ (19نوفمبر 1988م).

3- صحيفة إيديال Ideal الإسبانية بتاريخ 16/7/1964م، ص12.

4- حمزة شبانة، سيرة وأوراق عن حياة والده.. جريد عكاظ بالسعودية 25 مارس 1985م.

5- محمد كمال شبانة «يوسف الأول بن الأحمر سلطان غرناطة»، القاهرة، مكتبة الثقافية الدينية 2004م، ص 7-16.

6- محمد كمال شبانة «الدويلات الإسلامية بالمغرب»، القاهرة دار العالم الغربي 2007م، ص 7-8.

7- لسان الدين بن الخطيب «كناسة الدكان» تحقيق محمد كمال شبانة، المقدمة، القاهرة. دار الكتاب العربي للطباعة والنشر 1967م. ومقال «وثائق أندلسية: عقد زواج نصري من إنشاء المؤرخ الوزير لسان الدين بن الخطيب (تقديم محمد كمال شبانة) بمجلة «دعوة الحق المغرب»، العددان 91و92.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

إدارة نظم المعلومات تكرم موظفيها المتميزين بحضور وليد العمار

الكويت – الوعي الشبابي: نظمت إدارة مركز نظم المعلومات في وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية ...

تفعيل دور المرأة.. رؤية إسلامية

✍ السنوسي محمد السنوسي - باحث وصحفي - مصر:    مازالت قضية المرأة تطرح نفسها على ...

طلقني.. كلمة تكتب النهاية أم البداية؟

القاهرة - محمد عبدالعزيز ...

اتصل بنا

  • صندوق البريد: 23667 الصفاة 13097 - الكويت
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
  • 22467132 - 22470156

عندك سؤال