الأحد، 14 أبريل 2024
رئيس التحرير
فهد محمد الخزّي

مرزوق العمري يكتب: من أعلام الدعوة الإسلامية.. الشيخ عمر العرباوي

الجزائر – مرزوق العمري: قيض الله عز وجل لخدمة دينه والدعوة إليه رجالا تميزوا بما آتاهم الله ...


 

 

المتواجدون على الموقع

المتواجدون الأن

71 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

sanosyy

القاهرة – السنوسي محمد السنوسي - باحث وصحافي:

حينما يفقد الإنسان البوصلة التي يستهدي بها في طريقه، فإن من اليسير حينئذ أن يضل عن الجادة، وينحرف يمنة أو يسرة؛ فلا بد للمرء من علامات تحفظ له اتجاهه، وترشده إلى الصواب.

وكذلك الأمر في فهم القضايا والتعامل مع المشكلات؛ لابد من ميزان يضبط التصور، ويبين وجه الصواب، ويرشد للمبتغى؛ وإلا اختلت كفة الفهم والعمل زيادة أو نقصانا، إفراطا أو تفريطا..

ففي غياب المنهج الذي يحدد لنا المعيار والمقياس، ويكون لنا ميزانا ضابطا؛ يختل الفهم والعمل، وينحرف الاعتقاد والسلوك، ولا يمكن للمرء حينها أن يتصف بالتوازن والاعتدال؛ فالنفوس تميل للثمرة العاجلة ولو كانت غير مشروعة، وتنفر من حملها على المشاق ولو كان في ذلك خيرها.. والحال هذه، لا بد من ميزان يحقق التوازن، ومعيار يكفل الاعتدال.

ميزان وعدل

لقد أشار القرآن الكريم إلى أهمية «الميزان» في حياة الناس، وعبر عن ذلك بلفظ «الإنزال» الذي هو مستخدم أيضا في شأن الرسالات؛ للدلالة على رفعتهما وعلى أنهما من عند الله تعالى؛ فقال سبحانه: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} (الحديد:25). فالغاية من إرسال الكتب والرسالات ومن وضع الميزان، تحقيق القسط، وهو العدل.

جاء في تفسير ابن كثير: يقول تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ} أي: بالمعجزات، والحجج الباهرات، والدلائل القاطعات. {وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ} وهو: النقل المصدق. {وَالْمِيزَانَ} وهو: العدل. قاله مجاهد وقتادة وغيرهما. وهو الحق الذي تشهد به العقول الصحيحة المستقيمة المخالفة للآراء السقيمة. {لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} أي: بالحق والعدل(1). فالكتاب والميزان يحققان العدل والاستقامة، بما يعين على تحقيق التوازن والاعتدال؛ فلا ميل يمينا أو يسارا.

واللغة أيضا تشهد لهذه العلاقة بين الميزان والعدل، والتوازن والاعتدال. ففي (مقاييس اللغة): الواو والزاء والنون: بناء يدل على تعديل واستقامة: ووزنت الشيء وزنا. والزنة قدر وزن الشيء؛ والأصل وزنة. ويقال: قام ميزان النهار، إذا انتصف النهار. وهذا يوازن ذلك، أي هو محاذيه. ووزين الرأي: معتدله. وهو راجح الوزن، إذا نسبوه إلى رجاحة الرأي وشدة العقل(2).

فثمة علاقة لغوية ومفاهيمية بين الميزان والعدل، والتوازن والاعتدال؛ وهي جميعها صفات للعقل المستقيم، الذي لا زيغ فيه ولا هوى.

لماذا نحتاج إليهما؟

الإنسان خلق من روح ومادة، ولكل منهما طبيعته ومتطلباته؛ ومن دون ميزان وتوازن من السهل أن ينحرف الإنسان ناحية أحدهما؛ إغراقا في الروحانية أو انغماسا في الشهوات والملذات.. ولهذا نحن بحاجة إلى التوازن والاعتدال؛ حتى نقوم بمتطلبات الروح والجسد معا بلا تقصير أو مجاوزة.

ونحتاج أيضا للتوازن والاعتدال لأنهما يدلان على استقامة الشخصية، واتصافها بالأخلاق الحميدة؛ فإن الشخصية غير المستقيمة تتطرف في ناحية من النواحي، وتخرج عن الحد المقبول فيما تفعله؛ فهي شخصية غير متوازنة وغير معتدلة.

فالشخص البخيل مثلا قد خرج عن حد التدبير إلى المنع، والمبذر قد خرج عن حد الإنفاق والكرم إلى الإسراف، والجبان قد خرج عن حد التحوط إلى الإحجام، والمتهور قد خرج عن حد الشجاعة إلى التهلكة.

ولهذا نجد أن أصحاب الفكر المتطرف قد خرجوا عن حد التدين إلى التشدد، ففقدوا الميزان والتوازن، وضاع منهم معيار العدل والاعتدال. وفي المقابل، نجد العصاة قد خرجوا عن حد إشباع الحاجات النفسية والجسدية إلى الانهماك فيها، ولم يقنعوا بالقدر المقبول شرعا وعرفا من هذا الإشباع؛ حتى أرخوا لأنفسهم العنان، وفقدوا الميزان.

في القرآن الكريم

إذا تأملنا آيات القرآن الكريم وجدنا أنه يحثنا في مواضع عديدة على أن نتحقق بالتوازن والاعتدال، ورأينا أنه يسلك في ذلك مسلكا عمليا من خلال ربط التوازن والاعتدال بأمثلة تطبيقية واقعة في الحياة والسلوك.

مثل قوله تعالى: {وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا} (الإسراء:29). أي لا تكن بخيلا منوعا لا تعطي أحدا شيئا، ولا تسرف في الإنفاق فتعطي فوق طاقتك وتخرج أكثر من دخلك، فتقعد إن بخلت ملوما يلومك الناس ويذمونك ويستغنون عنك؛ فمتى بسطت يدك فوق طاقتك قعدت بلا شيء تنفقه فتكون كالحسير، وهو الدابة التي قد عجزت عن السير فوقفت ضعفا وعجزا، فإنها تسمى الحسير(3).

وقال تعالى أيضا: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} (القصص:77). أي: استعمل ما وهبك الله من هذا المال الجزيل والنعمة الطائلة، في طاعة ربك والتقرب إليه بأنواع القربات، التي يحصل لك بها الثواب في الدار الآخرة. ولا تنس نصيبك مما أباح الله فيها من المآكل والمشارب والملابس والمساكن والمناكح؛ فإن لربك عليك حقا، ولنفسك عليك حقا، ولأهلك عليك حقا، ولزورك عليك حقا، فآت كل ذي حق حقه(4).

وعلى هذا المنوال نستطيع أن نفهم تشريعات الإسلام وتوجيهاته؛ فهي تراعي حاجات الفرد وضرورات المجتمع، وتنطلق من آفاق الروح ومتطلبات الجسد، وتتجه صوب العمران في الدنيا والنجاة في الآخرة.. كل ذلك في توازن واعتدال.

في السنة النبوية

لقد جاءت حياة النبي صلى الله عليه وسلم، القولية والعملية، لتضع لنا نموذجا فيما ينبغي أن نكون عليه من توازن واعتدال؛ فهو صلى الله عليه وسلم قد ضرب لنا الأسوة والقدوة في المجالات كافة، وفي جميع مراحل الإنسان وعلاقاته؛ فكان نعم الزوج والأب والمربي والداعية والقائد. ولم تشغله حياته الخاصة عن واجباته العامة، ولا الثانية عن الأولى؛ وقام بالبلاغ والدعوة في كل أمر كأنه قد تفرغ له تماما، وبحيث لا يطغى أمر على أمر آخر.

بل جعل النبي صلى الله عليه وسلم هذا الاعتدال والتوازن داخلا في سنته، أي طريقته؛ فقال ردا على النفر الذين أرادوا أن يسلكوا اتجاهات من التبتل ويوغلوا فيها، رغبة في الإكثار من فعل الخير وعمل الصالحات: «أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له؛ لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء؛ فمن رغب عن سنتي فليس مني»(5).

قال ابن حجر: «المراد بالسنة الطريقة، لا التي تقابل الفرض. والرغبة عن الشيء: الإعراض عنه إلى غيره. والمراد: من ترك طريقتي وأخذ بطريقة غيري، فليس مني. ولمح بذلك إلى طريق الرهبانية؛ فإنهم الذين ابتدعوا التشديد، كما وصفهم الله تعالى، وقد عابهم بأنهم ما وفوه بما التمزموه. وطريقة النبي صلى الله عليه وسلم الحنيفية السمحة؛ فيفطر ليتقوى على الصوم، وينام ليتقوى على القيام، ويتزوج لكسر الشهوة وإعفاف النفس وتكثير النسل»(6).

فطريقة النبي صلى الله عليه وسلم اعتدال وتوازن كلها؛ سواء في سلوك الإنسان مع ربه تعالى، أو مع نفسه، أو مع الآخرين.

من دلائلهما

إذا كان للتوازن والاعتدال دلائل كثيرة، نظرية وعملية، يمكن من خلالها معرفة مدى تحققنا بهذه الصفة المهمة؛ فيمكن أن نشير إلى أن من أهم هذه الدلائل:

- عدم الميل للتبسيط أو الجنوح للتعقيد: فالبعض قد يميل بصفة مستمرة للتبسيط، أي الأخذ في الاعتبار جانبا واحدا فحسب، أو الاكتفاء بالظواهر.. في مقابل من يميل للتعقيد، والإثقال على النفس حتى تضجر. أما التوازن فيتجنب كلا الموقفين، ويبذل ما وسعه البذل للتعامل بجدية مع الأمور دون إرهاق للنفس، أو إخلال بما هو مطلوب منها.

- عدم الإفراط في التفاؤل أو الوقوع في وهدة التشاؤم: لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم وسلك يحب الفأل الحسن؛ فهو يترك أثرا طيبا على النفس وانشراح الصدر، ولكن مع اتخاذ الأسباب وعدم التقصير فيها. والنفس السوية تدرك أن التشاؤم يكبل الإنسان عن التفكير فيما يجب، بل وعن اتخاذ ما هو ممكن له؛ فتضيع منه الفرص، ويقع أسير مخاوفه.. لهذا، نحتاج إلى التوازن والاعتدال بين التفاؤل المفرط والتشاؤم المقعد.

- تعود التخطيط مع شيء من المرونة: يحتاج المرء في حياته إلى أن يتعود التخطيط، حتى يبلغ هدفه ويحقق أمله. والتخطيط الجيد لا بد أن يترك مساحة مرنة لاستيعاب المتغيرات والتعامل مع ما يستجد. أما ترك التخطيط أصلا، أو محاولة الاحتياط المبالغ فيه لكل أمر؛ فهذا يبعد عن التوازن، ويوقع النفس في الحرج.

- عدم التساهل مع المعصية أو التقنيط: فهذا موقف يحتاجه الدعاة وهم يتعاملون مع جمهور المدعوين؛ لأننا قد نرى من يتساهل في المعصية ويبالغ في التسامح، حتى ليشجع على المخالفة.. في مقابل من يقنط الناس من رحمة الله، ويشدد عليهم، وينشغل طول الوقت بالحكم على الآخرين. لكن الداعية يتعامل مع الناس كالطيب، يقدم لهم الدواء بإشفاق ورغبة في الشفاء وطمعا في النجاة، لا حرصا على تخطئتهم وهلكتهم.. فلا نجرئ الناس على المعصية، ولا نقنطهم من رحمة الله تعالى. جاء عن علي بن أبي طالب: الفقيه حق الفقيه؛ من لم يقنط الناس من رحمة الله، ولم يرخص لهم في معاصي الله، ولم يؤمنهم من عذاب الله(7). وقال سفيان بن عيينة: من ذهب يقنط الناس من رحمة الله، أو يقنط نفسه؛ فقد أخطأ(8).

تلك كانت مكانة التوازن والاعتدال في حياة المسلم، وموقعهما من استقامة الشخصية، ومن حسن الفهم والعمل؛ سواء في علاقة المرء بخالقه سبحانه، أو مع نفسه، أو الآخرين.

الهوامش

1- تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 8/ 27، دار طيبة، 1999م، تحقيق: سامي سلامة، باختصار.

2- مقاييس اللغة، ابن فارس، 6/107،، دار الفكر، 1979م، تحقيق: عبدالسلام محمد هارون.

3- تفسير ابن كثير، 5/70.

4- تفسير ابن كثير، 6/253.

5- صحيح البخاري، حديث رقم (5063). صحيح مسلم، حديث رقم (1401).

6- فتح الباري، 9/105.

7- مسند الدارمي، عن يحيى بن عباد عن علي، 1/ 338، رقم (305)، وقال المحقق حسين الداراني: في هذا الإسناد علتان؛ الأولى: ضعف ليث بن أبي سليم، والثانية: الانقطاع، يحيى بن عباد بن شيبان لم يدرك عليا فيما نعلم.

8- تفسير القرآن العظيم، ابن أبي حاتم، 7/2268، برقم (12406).

 

أضف تعليق


كود امني
تحديث

جامعة ولاية سونورا بالمكسيك تمنح عبد الوهاب زايد الدكتوراه الفخرية

سونورا – الوعي الشبابي: منحت جامعة ولاية سونورا بالولايات المتحدة المكسيكية شهادة الدكتوراه ...

حسن بن محمد يكتب: العيد.. وتعزيز القيم الأسرية

حسن بن محمد - كاتب وباحث - تونس: يعتبر العيد مناسبة للفرح والاحتفال لدى كل العائلات المسلمة، وهو ...

مواجهة الإلحاد بالعلم والعقل والدين.. كتاب جديد للدكتور خالد راتب

القاهرة – الوعي الشبابي: أصدر الدكتور خالد محمد راتب، مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر ...

اتصل بنا

  • صندوق البريد: 23667 الصفاة 13097 - الكويت
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
  • 22467132 - 22470156

عندك سؤال