الأربعاء، 24 يوليو 2024
رئيس التحرير
فهد محمد الخزّي

الدكتور أحمد زكي عاكف وتأديب العلم

د. محمود صالح البيلي - دكتوراه في الأدب والنقد: قيض الله سبحانه وتعالى للعربية من الكتاب من جمع ...


 

 

المتواجدون على الموقع

المتواجدون الأن

253 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

هذا ديننا

man prays arafat3

عثمان إسماعيل :

آن الأوان أن يتفهم المسلمون المفهوم العصري لفريضة الحج، والمقصود من ورائها وأدائها، بما يتلاءم ويتناسب وظروف حياتهم العصيبة شديدة التأزم التي يمرون بها، الأمر الذي جعل من الضروري أن نترجم تلك الفضيلة- من مناسك وشعائر وأحكام- إلى تطبيق فعلي على مستوى الفرد والشعوب، لأن هذا الجمع الإسلامي السنوي المهيب كفيل بأن يستغله المسلمون لمناقشة أمور دينهم ودنياهم.. مناقشة أساسها الحوار النافع، وتقبل الحوار المثمر، خاصة بعد عودة هؤلاء الحجيج إلى ديارهم، وقد تمنوا غفران الذنوب، وشهدوا منافع لهم، وتحملوا ما تحملوا..

أتوا من كل بقاع الأرض، ومن كل فج عميق، شعثًا غبرًا، وقد طلقوا الدنيا بشهواتها ومتاعها، لا هدف لهم إلا رضا الله- عز وجل- وغفران الذنوب، قال تعالى: {وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} (الحج: 27)، وقال تعالى: {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ} (الحج: 28)، وعن أبي هريرة  "رضي الله عنه"   قال، قال رسول الله  " صلى الله عليه وسلم"  : «من حج فلم يرفث، ولم يفسق، رجع كيوم ولدته أمه» (رواه أحمد والبخاري والنسائي وابن ماجه).

ورغم أن فريضة الحج- في المقام الأول- صلح مع الله، وصلح مع النفس، فإن أسرارها وما وراءها من منافع يفوقان المصطلح اللفظي الذي يمارسه الحاج، بما يعيشه من تيه وفخر وتفاخر بأنه حج ولبى وزار قبر رسول الله  " صلى الله عليه وسلم"  ، أو أن يتباهى بأنه حج أكثر من مرة.

لقد آن الأوان بأن تدرك جموع المسلمين أن هذا المفهوم التقليدي لابد وأن ينحى جانبًا.. وأن يعيش المسلمون في جمعهم هذا وسط استحضار عظمة الله، ومعايشة سنة نبيه الكريم  " صلى الله عليه وسلم"   ما يعانونه من حياة التأزم والصراع، ومشكلات الشعوب المسلمة..

آن الأوان أن يكون مؤتمر الحج منطلقًا لوجود حلول جوهرية وفعالة وفورية لمآسي الشعوب المسلمة الفقيرة، التي تستغلها قوى الصراع العالمي، وتجعلها ذليلة تحت مظلة الفقر والجوع والاحتياج، خاصة والمسلمون مستهدفون بضراوة وحقد شديد ليكونوا أشد فرقة وتمزيقًا، وهم يتعرضون للذبح والإبادة بصنوف الوسائل الدنيئة، التي تبعدهم عن عالم التقدم والتطور، لتكون الأمة الإسلامية مكبلة بالقيود والأغلال، محشورة في مرحلة الجمود، لا تستطيع الانفلات والتطلع- مثل باقي الأمم- إلى عالم التقدم والتطور.

آن الأوان أن يكون الحج منتدى للحوار والمصارحة، يتدارس فيه المسلمون شؤونهم، ويتبادلون الرأي في مشكلاتهم، ويبحثون ما يعن لهم من أمور الدين والدينا، وهنا يجب أن يغتنموا فرصة هذا اللقاء السنوي؛ توحيدًا للكلمة، وتأكيدًا لممارسة جادة لقوله تعالى: {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ}.. لأن فريضة الحج، بما فيها من أحكام وأسرار وإعجاز إلهي، كافية بأن تضع صورة المسلم في إطار ما ينبغي عليه أن يكون، وأن تطور من مقصد تلك الرحلة لهؤلاء الحجيج، الذين بدأوا رحلتهم بغية الحج وقصد بيت الله الحرام، تلذذًا بفرحة قبول التوبة، ونقاء الضمير، وصفاء الروح الإنسانية.

إن تلك الجموع من الحجاج، وهذا المؤتمر الإسلامي، لابد أن يناله تطور المفهوم والقصد، بمعنى أن هذا المؤتمر ينبغي أن تتمخض عنه لجان تمثل كل دولة على حدة، لا فرق بين لغة أو لون أو جنس.. الكل سواء تحت لواء «لا إله إلا الله، محمد رسول الله».

آن الأوان أن تناقش تلك الشعوب أحوالها وأمورها الحياتية، من منطلق ما أمر الله تعالى به، وما نهى عنه، وما أوجزه رسول الله  " صلى الله عليه وسلم"   في حديثه الشريف «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدًا، كتاب الله وسنتي».

ومن هذه المبادئ والأمور الملحة التي يجب مناقشتها:

- مناقشة الوضع الراهن للدول الإسلامية على ساحة الحياة الدولية، وإعادة المكانة المرموقة لها، وسط تكتلات القوى العالمية، والتي تهدف إلى تهميش العالم الإسلامي، والنيل من قدراته بكل الصور الممكنة.. هنا، لابد لدول العالم الإسلامي أن تستخدم ما تمتلك من أسلحة تتباين أنواعها، وما تستطيع من وسائل، للوقوف أمام هذا الأخطبوط الذي يحاول أن يمسك بتلابيب الدول الإسلامية، ويضعها تحت الاحتلال والسيطرة، بكل الأساليب الخبيثة والدنيئة الممكنة.

- الاستعانة بعلماء المسلمين وفقهاء الأمة؛ للحد من سيل الفتاوى والأحكام الدينية في مختلف مناحي الحياة، والوقوف أمام هوية «المفتي» وأثر «الفتوى»، فلابد للفقهاء أن يتّحدوا لتتوحد الأحكام، وذلك بتعيين مجلس فقهاء الأمة، وله مقره وعلماؤه واختصاصه واستقلاليته، خوفًا من تضليل العوام، والتلاعب بعقول البسطاء.

- وضع برامج مساعدات متنوعة للدول التي تخضع لخطر الاحتياج في كافة الأمور الحياتية، سواء معونات مادية أو معنوية، وتبادل الخبرات بين الدول التي تعاني فجوة في أمور يشوبها النقص والاحتياج.

- محاولة الإفادة من التراث الفكري للأمة الإسلامية، وإطلاع الأجيال عليه، وتفهمه وإدراكه، والعمل على الاستعانة به لتكوين الهوية الصحيحة لشباب الإسلام ورجال المسلمين، وإعادة صياغة هوية الأمة كما يصورها لنا هذا التراث العظيم.

- العمل على توحيد كلمة المسلمين، وجمع القوى المتفرقة تحت لواء واحد، والعمل على تحديد الهدف الذي تسعى إليه الكلمة، وهذا الاتحاد من الأسباب التي ترسخ لتلك الأمة من الأصول والدعائم ما يعيد لها عزها وشموخها وهويتها.

- نبذ الخلافات وألوان الشقاق أولًا بأول، بين من أسند إليهم أمر تلك الأمة، وعلى مستويات مسؤولياتهم، وعدم السماح لمثل تلك الأساليب المسمومة بأن تأخذ طرقها، وتتمكن من أهدافها، مع التصدي لها حفاظا على هويتنا، وبقاءً لأمتنا.

- الدعوة إلى تحقيق مبدأ التكاملية بين البلدان الإسلامية في شتى معالم الإنتاج، وتبادل الخبرات المختلفة، أملًا في بزوغ شمس نهضة جديدة، وبغية مستقبل عربي إسلامي زاهر، هدفه الاعتماد على الذات، ومقاومة صنوف الاحتكار العالمي إنتاجًا واستهلاكًا.

- الدعوة إلى مقاومة محاولات تهميش التعليم الديني خاصة، والعلوم العامة عمومًا في العالم الإسلامي، على أن يملكوا مهارة الجمع بين استيعاب تاريخ الأمة- سيرة وسنة وفقهًا- وأرقى صنوف التقدم العلمي والبحثي في كافة المجالات، ووضع استراتيجية تعليمية تكاد تكون مشتركة بين البلدان الإسلامية، بغية التوحد في الفكر والثقافة وتطلعات الشعوب، ومحاولة خلق رأي عام لا يقهر.

- إيجاد هوية للإعلام الإسلامي هدفًا وآلية وتفعيلًا ومحتوى مساهمًا في بناء الشخصية الإسلامية، ومقاومًا للتحديات المختلفة التي يتعرض لها الإسلام، بأدوات مختلفة وأساليب متباينة، على أن يملك هذا الإعلام وحدة الهدف والطابع، وأن تكون استراتيجيته محددة، تعتمد على خطط زمنية لها طموحها المقصود.

وما ذكرناه من منافع مختلفة على سبيل المثال لا الحصر، وعلى المسلمين أن يتعايشوا، وأن يستفيدوا من تلك المنافع مع السياق القرآني في قوله تعالى: {ليشهدوا منافع لهم}.

على أن هذه المنافع لا تقتصر على التجارة أو الربح المادي فقط، كما فهمنا من تفاسير كثيرة للآية الكريمة، بل تمتد تلك المنافع في صميمها إلى معالجة تلك الأمراض التي تؤلم جسد العالم الإسلامي سياسيّا واجتماعيّا واقتصاديّا، على أن تكون الحلول ابتغاء مرضاة الله، بعيدة عن الأهواء الشخصية والمصالح الذاتية.

لقد تعود المتحدثون عن منافع الحج أن يقصروا الحديث على الشعائر والمناسك والتوبة وغفران الذنوب، دون أن يتطرقوا إلى تصوير هذا التجاوب الفكري، وما يمكن أن يؤدي إليه من التئام الشمل، وتوحيد الصف، في عصر كثرت فيه السهام المسمومة المصوبة تجاه أمتنا.

ولنذكر في هذا الصدد ما كتبه الأستاذ محمد فريد وجدي في كتابه «من معالم الإسلام»: لو أردنا أن نستقصي ما يمكن أن يثمره الحج للمسلمين كافة، من وحدة المنافع الأدبية والمادية، لضاق علينا المجال، فإن لم يكن فيها إلا تعارف الشعوب الإسلامية، وإلمام بعضها بحاجات بعض لكفاها ذلك عاملًا قويّا في دفعها إلى تبادل الوسائل، والتعاون على سعة المفاقر، ولو جبلت جميعا على هذا النحو من التكافل لوصلت إلى مستوى رفيع بين شؤون العالم.

ولكن هذه الثمرات الاجتماعية الجليلة لا يمكن أن تكون إلا إذا تطورت فكرة الحج لدى المسلمين حتى تبلغ المفهوم من مراد الله تعالى، فإن المشاهد لدى أكثر المؤمنين الآن أنهم لا يلحظون فيه إلا الناحية الروحية وحدها، وكان لتجريده لهذه الناحية أثر ظاهر في حصره في طبقة من المسلمين لا تتعداها إلا نادرًا.

إن مؤتمر الحج السنوي لهو فرصة حقيقية للتعرف على أحوال المسلمين في جميع فجاج الأرض، ومحاولة واقعية لتشخيص ما يعترضهم من مشكلات، وما يؤلمهم من أمراض اجتماعية، ووضع أساليب العلاج لها بغية الحفاظ على هوية تلك الأمة وتطورها.

وعلى حجاج بيت الله الحرام أن يدركوا قيمة هذا الجمع العظيم، في تلك البقعة الطاهرة، صاحبة أول بيت وضع للناس؛ لتكون المحبة والمودة قائمة بين الشعوب، على مختلف ألسنتها وألوانها وأجناسها وعاداتها، لكن يجمعهم شيء واحد عظيم هو «الإسلام».. وكفى به نعمة.

9 7 2015 10 22 52 AM

عبدالمجيد إبراهيم :

عندما جاء الإسلام أراد أن يبني مجتمعًا متكاملًا، يقوم كل فرد فيه بدوره وعمله على أكمل وجه، ومن ثم جعل من أسسه أن يربي أبناءه على خلق تحمل المسؤولية، فخاطب رسول الله  "صلى الله عليه وسلم"  الأمة جمعيًا خطابًا عامًا يشمل الحاكم والمحكوم، والراعي والرعية، والرجال والنساء، بأن يلتزم كل واحد بصلاح ما قام عليه وما هو تحت نظره، بالعدل فيه والقيام بمصالحه في دينه ودنياه، فقال  "صلى الله عليه وسلم" : «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته»، ولكن لما كانت هذه المسؤولية في حاجة إلى وعاء يشملها ومكان تنبت وتنمو فيه، خص من هذا العموم والشمول: الأسرة، بما اشتملت عليه من أب وأم وخادم، إذ هي نواة المجتمع، يولد الفرد في ضوئها، ويعيش في كنفها، ويتغذى من أخلاقها، ويرتوي برعايتها وتوجيهها، ويحيطه أمنها واستقرارها، إذ ليس الأمر فيها مقصورًا على توفير الطعام والشراب والملبس، فقال  "صلى الله عليه وسلم" : «والرجل راع في أهله وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسؤول عن رعيته، وكلكم راع ومسؤول عن رعيته»، وبناء على هذه المسؤولية العامة المطلقة، التي أكدها رسول الله  "صلى الله عليه وسلم"  مرة ثانية، ينبغي ألا ينسحب أي فرد في المجتمع من ميدان عمله، مادام مؤهلاً له، تحت أي ادعاء، أو يهرب منه خوفًا من المسؤولية، وإنما عليه أن يعلم أن الذي أوجبها عليه وهو الله ضمن له الإعانة والتيسير، قال تعالى: {فأما من أعطى واتقى. وصدق بالحسنى. فسنيسره لليسرى} (الليل: 5-7)، وقال  "صلى الله عليه وسلم" : «اعملوا فكل ميسر لما خلق له».

  ثم أراد الإسلام أن يضع بعض الضوابط التي تحقق هذه المسؤولية، وتجعلها تؤتي ثمارها وارفة على المجتمع، وذلك بدعوته إلى إتقان العمل، فقال  "صلى الله عليه وسلم" : «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنة»، فهو يشمل كل أحد وكل عمل، وبذلك يسود الإتقان في المجتمع كله، فيصبح متكاملًا متعاونًا يقوم كل فرد فيه بما عليه حق القيام، وهو يشير- أيضًا- إلى أنه ليس على كل أحد أن ينشغل بعمله فقط، وإنما يطلب منه كذلك كيفية تجويده وتحسينه والارتقاء به، حتى يكون العمل جادًا ومثمرًا، وقد تكفل الله سبحانه وضمن الأجر العظيم على ذلك فقال: {إنا لا نضيع أجر من أحسن عملًا} (الكهف: 30)، كما جعل من ضوابطه المراقبة، فقال تعالى: {وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون} (التوبة: 105)، فأول المراقبين هو الله، مما يعني أنه ينبغي أن يكون المؤمن ملتزما في عمله من أعماق قلبه وقالبه، لأنه يستحيل عليه أن يجعل الله أهون الناظرين إليه، وإلا كان إيمانه ناقصا، ثم عطف المؤمنين على الله ورسوله، ليكون بمنزلة دعوة إلى إقامة الرقابة بعضنا على بعض في حدود الإسلام وضوابطه، وقبل الإتقان والمراقبة لابد من شرط الكفاءة، أي ليس فقط وضع الرجل المناسب في المكان المناسب، وإنما ينبغي أن يختار المتخصص الكفء، الذي سيساعد على الإبداع في الإنجاز، وعلى الوفرة والجودة في الإنتاج، ويجب أن تكون هذه الشروط جميعا محاطة بسياج العدل، لأنه أساس الملك، وهو الذي يوجب تأييد الله وتوفيقه.

وفي ضوء هذا الهدي الإسلامي الرفيع من تحمل المسؤولية، عاش الأولون من المسلمين، فهذا أبوبكر الصديق الخليفة الأول  "رضي الله عنه"  يقول في خطبته بعد البيعة: «يأيها الناس إني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن ضعفت فقوموني، وإن أحسنت فأعينوني، الصدق أمانة، والكذب خيانة، الضعيف فيكم القوي عندي حتى أرد عليه حقه إن شاء الله، والقوي فيكم الضعيف عندي حتى آخذ منه الحق إن شاء الله، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم».

ويقول عمر بن الخطاب  "رضي الله عنه" : «إني قد وليت أموركم أيها الناس، واعلموا أن هذه الشدة قد أضعفت، ولكنها إنما تكون على أهل الظلم والتعدي على المسلمين، فأما أهل السلامة والدين والفضل فأنا ألين لهم من بعضهم لبعض، ولست أدع أحدًا يظلم أحدًا ويتعدى عليه، حتى أضع خده علىالأرض وأضع قدمي على الخد الآخر حتى يذعن بالحق، ولكم علي أيها الناس خصال أذكرها لكم فخذوني بها، لكم علي ألا أجتبي شيئًا من خراجكم، ولا مما أفاء الله عليكم إلا في وجهه، ولكم عليّ إذا وقع في يدي ألا يخرج مني إلا في حقه، ولكم علي أن أزيد عطاياكم وأرزاقكم إن شاء الله تعالى وأسد ثغوركم، ولكم علي ألا ألقيكم في المهالك، وإذا غبتم في البعث فأنا أبو العيال حتى ترجعوا إليهم، فاتقوا الله عباد الله، وأعينوني على أنفسكم بكفها عني، وأعينوني على نفسي بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإحضاري النصيحة فيما ولاني الله من أمركم».

وهذا عمر بن عبدالعزيز، الذي ملأ الأرض عدلًا وكان للرعية أمنا وأمانًا وعلى من خالفه حجة وبرهانًا، قال مولاه له حين رجع من جنازة سليمان، مالي أراك مغتمًّا؟ قال: لمثل ما أنا فيه يغتم له، ليس من أمة محمد  "صلى الله عليه وسلم"  أحد في شرق الأرض وغربها إلا وأنا أريد أن أؤدي إليه حقه غير كاتب إلي فيه، ولا طالبه مني.

ومما كتبه إلي ولي العهد من بعده يزيد بن عبدالملك: وقد علمت أني مسؤول عما وليت، يحاسبني عليه مليك الدنيا والآخرة، ولست أستطيع أن أخفي عليه من عملي شيئًا، فعليك بتقوى الله، والرعية.. الرعية فإنك لن تبقى بعدي إلا قليلًا حتى تلحق باللطيف الخبير.

فكل واحد منهم كان يبين مسؤوليته والتزامه بها تجاه رعيته، وحرصه على تحقيق مصالحهم جميعًا، الضعيف منهم والقوي، الكبير والصغير، بما يضمن لهم الأمن والاستقرار، ويحقق لهم العدل والمساواة، وفي الوقت نفسه كان يحمّل رعيته مسؤوليتها نحوه، طاعة أو تقويمًا، ونصحًا وإعانة، إذ ينبغي أن يكون من الشعب والرعية من تحمل المسؤولية مثل ما يكون من الراعي، سواء بسواء، وبهذا طالب عبدالملك بن مروان رعيته قائلًا لهم: أنصفونا يا معشر الرعية، تريدون منا سيرة أبي بكر وعمر ولا تسيرون فينا ولا في أنفسكم بسيرة رعية أبي بكر وعمر، نسأل الله أن يعين كلًا على كل.

أيها القارئ، هذا عن المسؤولية مطلقًا باعتبارها صفة أساسية وخلقًا ملازما للمؤمن، فلاشك أننا في وقت الشدائد والأزمات أشد احتياجا إلى إحياء خلق المسؤولية

medin82002

خلف أحمد أبوزيد:

كانت المساجد، وستظل، محور الحياة الدينية في العالم الإسلامي. ولقد أقيم أول مسجد في الإسلام من قبل النبي  " صلى الله عليه وسلم"  في المدينة المنورة، وكان من البساطة بحيث لم يتجاوز في بدايته حجم قاعة لإقامة الصلاة، ومكانا يجتمع فيه النبي الكريم بأصحابه. وعلى هذا النمط البسيط أقيمت مساجد كثيرة في مختلف المدن والبلدان، التي أشع عليها نور الإسلام بعد ذلك. ولكي يتعرف المسلمون على الجهة الصحيحة للقبلة أثناء الصلاة وضع المحراب؛ ليكون وجهتهم الصحيحة للصلاة نحو الكعبة المشرفة. هذا المحراب الذي أمسى رمزا للصلاة، وموقعا جوهريا يذكر الناس بعبادة الله عزوجل. وتبارى الناس في تفخيمه، والتركيز على شكله، حتى صار تحفة معمارية تنطق بالجمال والإبداع، وتعبر في الوقت نفسه عن الروح المبدعة، التي تحلى بها المعماري والفنان والمسلم.

تعريف المحراب

والمحراب عنصر معماري، أكثر ما يوجد في المساجد والجوامع والزوايا والمدارس. وهو التجويف أو الحنية الموجودة في حائط القبلة. وقد قيل أيضا إنه «الغرفة، الموضع العالي، صدر البيت، أرفع مكان في المسجد، أشرف الأماكن، أشرف المجالس، وقد أطلق عليه أيضا القبلة» (1). والمحراب لا يتسع إلا لشخص واحد هو الإمام، يؤدي فيه الصلاة خلال وقت الذروة، وفي الأعياد والمواسم، وازدياد عدد المصلين، فيكون وجود الإمام داخل تجويف المحراب متيحا فرصة لتكوين صف كامل من المصلين، مما يوفر في المكان. أما في الأحوال العادية، فإن الإمام غالبا يقف بعيدا عنه، وذلك يعطي انطباعا بأن عمل المحراب لا يزيد على كونه علامة بارزة لتحديد اتجاه القبلة، وبذلك يعتبر هذا العمل الرئيسي للمحراب.

المحراب في القرآن الكريم

ورد ذكر المحراب في أكثر من موضع من آيات القرآن الكريم، قال تعالى: {فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا} (مريم:11). ونلحظ هنا أن التوجه بالتسبيح صباحا ومساء كان لوجوده في المحراب، أي إن المحراب هو موضع لائق لذكر الله والتسبيح والتبتل إليه سبحانه، { وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا  كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا  قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا  قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ  إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ  بِغَيْرِ حِسَابٍ} (آل عمران:37). والمحراب هنا «غرفة عبادتها في بيت المقدس» (2). {فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ} (آل عمران:39)، أي إن المحراب للصلاة ومناجاة الله وذكره سبحانه. كما وردت كلمة المحراب في القرآن الكريم بمعنى المكان العالي المكرم في المنزل، قال تعالى: {وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ } (ص:21)، «أي اعتلوا سور مصلاه ونزلوا إليه» (3). كما جاءت لفظة محراب في القرآن الكريم بصيغة الجمع «محاريب»، في قوله تعالى: {يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ} (سبأ:13)، وفسرت محاريب في هذه الآية الكريمة بالقصور والمساجد يتعبد فيها.

ومحاريب المساجد في الإسلام تنقسم إلى نوعين: محاريب مسطحة، ومحاريب مجوفة.

المحاريب المسطحة

هي مجرد رمز يعين اتجاه بيت الله الحرام على هيئة رسم مسطح أو غائر أو بارز. وتذكر المصادر التاريخية أنه «لم يكن المحراب في مسجد النبي  " صلى الله عليه وسلم"  مجوفا، بل مسطحا تسطح الجدار نفسه، ولكنه كان محددا أو معلما، وظل في مكانه بعد توسعة المسجد في حياة النبي  " صلى الله عليه وسلم" ، في السنة السابعة بعد الهجرة، وكان جراء ذلك أنه صار أقرب إلى الجدار الشرقي منه إلى الجدار الغربي، ذلك لأن توسعة المسجد نحو الغرب كانت أطول من توسعته نحو الشرق. وفي خلافة عمر بن الخطاب  "رضي الله عنه" ، نقل جدار القبلة نحو الجنوب بمقدار خمسة أمتار تقريبا، ومن ثم نقل مكان المحراب نحو الجدار الجديد، ولكن على نفس المحور، وحدث الشيء نفسه في خلافة عثمان بن عفان  "رضي الله عنه" ، حيث نقل جدار القبلة إلى الجنوب خمسة أمتار أخرى، وبذلك صار في موضعه الحالي» (4). وقد ظل المحراب في العهد الإسلامي الأول مسطحا. أما عن المادة التي صنعت منها المحاريب المسطحة، فكانت من الجص على حائط القبلة. ومن أمثلة المحاريب المسطحة الباقية إلى اليوم محراب قبة الصخرة المسطح في المغارة تحت الأرض، كما يوجد في مسجد ابن طولون في القاهرة خمسة من المحاريب الجصية المسطحة، التي يعود بعضها إلى العصر الفاطمي، والبعض الآخر صنع في العصر المملوكي.

المحاريب المجوفة

تتخذ المحاريب المجوفة هيئة بنائية، وكيانا معماريا فريدا، ولا يعرف على وجه التحديد مكان أول محراب مجوف في المساجد الإسلامية، غير أن بعض المصادر ترجع إنشاء أول محراب مجوف إلى توسعة المسجد النبوي في عهد الوليد بن عبدالملك، زمن ولاية عمر بن عبدالعزيز على المدينة، «الذي جعل للمسجد محرابا مجوفا، وموقعه في الروضة الشريفة، أمام مصلى النبي  " صلى الله عليه وسلم" ، فكان هذا أول محراب مجوف في المسجد» (5). وقد انقسمت المحاريب المجوفة إلى نوعين: المحاريب المجوفة ذات المسقط المتعامد الأضلاع، والتي ترجع إلى القرنين الأول والثاني الهجريين، خصوصا في شرق العالم الإسلامي، خلال العصر العباسي كما في «محراب قصر الإخيصر، ومحراب أقدم مسجد باق على أرض فارس، ويعرف باسم طريق خانه» (6). أما خلال النصف الأخير من القرن الثاني الهجري، فقد كانت الغلبة للمحراب المجوف ذي المسقط نصف الدائري، والذي نجده بكثرة في العمائر الأموية، كما في المسجد الأموي بدمشق، وجامع قصر الحلايات، ومسجد خان الزبيب، ومسجد أبو الوليد، والمحراب الصغير في قصر المشتى وقصر الطوبة، وجميعها في منطقة الشام. وسرعان ما انتشر هذا النوع من المحاريب المجوفة في بناء المساجد في شرق العالم الإسلامي وغربه على حد سواء. وقد قيل الكثير من الآراء بشأن الحكمة من المحراب المجوف، منها أنه يفيد في تعيين اتجاه القبلة، وفي تحديد مكان الإمام عند الصلاة، وفي توسيع المسجد بما يقرب من صف من المصلين في الصلاة الجامعة، ويساعد على تجميع صوت الإمام وتكبيره وإيصاله إلى المصلين، الذين يوليهم ظهره أثناء الصلاة، لاسيما قبل اختراع مكبرات الصوت.

مواد المحاريب

لقد نال المحراب المجوف عناية كبيرة من مؤسسي المساجد من حيث الاهتمام بعمارته وزخرفته، ونوعية المواد التي يغشى بها تجويفه. ونتوقف هنا مع أهم المواد التي صنع منها تجويف المحاريب.

الجص

يعد الجص من أقدم المواد التي صنع منها تجويف المحاريب في المساجد الإسلامية. ويعد المحراب القديم في جامع أحمد ابن طولون، في مدينة القاهرة، أقدم مثل في مصر على استخدام الجص في تشييد المحاريب، حيث استخدم الجص في تشييد محراب المسجد، وذلك من ناحية جداره المجوف وعقود واجهته، وما حولها من زخارف جصية كلها تعود إلى فترة ابن طولون «ما عدا الكسوة (الطاقية) التي من الخشب، والتي زخرفت بالألوان، فهي من أعمال السلطان لاجين المملوكي، وكذلك الشريط المزخرف بالفسيفساء والكسوة من الحشوات والأشرطة الرخامية، التي تغطي سطح تجويف المحراب» (7).

الرخام

كان الرخام من المواد المفضلة في تغشية محاريب المساجد. ومن أشهر المحاريب الرخامية القديمة المحراب الذي عثر عليه في جامع الخاصكي ببغداد، ويعتقد أنه كان في الأصل قد عمل لجامع المنصور، الذي بناه لقصره في وسط بغداد، وهو عبارة عن قطعة من الرخام، وهناك أيضا محراب جامع عقبة ابن نافع في القيروان، والذي زود على أيدي حكام إفريقيا من الأغالبة، وهو من حشوات رخامية من المرمر المزخرف، ومحراب مسجد الناصر قلاوون في مدينة القاهرة، والذي يعد من أكبر المحاريب في مصر وأفخمها، «يكتنفه ثلاثة أعمدة رخامية ذات تيجان كأسية، وفي تجويف المحراب فسيفساء من الرخام، والصدف متعددة الألوان» (8). وأيضا في محراب مسجد السلطان حسن «المكسو بالرخام الملون المحلى بنقوش ذهبية، والذي يكتنفه أربعة أعمدة من الرخام، وعلى يمين المحراب المنبر، وهو من الرخام الأبيض، وبابه من الخشب المصفح بالنحاس المنقوش» (9). كما زاوج المسلمون في المغرب والأندلس في عمل المحاريب وزخرفتها بين استخدام الجص والرخام في عبقرية فنية فريدة، تفصح عن نفسها في محراب جامع قرطبة الكبير، ومحراب مدرسة يوسف في غرناطة.

الخزف

وإلى جانب الجص والرخام، برع الفنان المسلم في استخدام مختلف أنواع البلاطات الخزفية، لتغشية المحاريب، وكان أول ظهور لبلاطات الخزف ذات البريق المعدني، في صنع المحاريب، في سامراء بالعراق، ثم أرسلت ليزدان بها محراب مسجد عقبة بن نافع في القيروان، وهي باقية إلى يومنا هذا (10). وقد تنافس الغرب الإسلامي مع المشرق الإسلامي، من حيث الشغف باستخدام الخزف لزخرفة المحاريب، ففي بلاد المغرب والأندلس، خصوصا في عصر دولة الموحدين، استخدم الزليج بزخارفه الهندسية الدقيقة والمتعددة الألوان على نطاق واسع، حتى بات من مميزات الفن الإسلامي الرئيسية هناك، كما أثبت الخزافون في المشرق الإسلامي جدارتهم بريادة هذا الفن، من خلال استخدام بلاطات الخزف ذي البريق المعدني، والخزف ذي اللون الأزرق الفيروزي، لتغشية وزخرفة حنايا المحاريب، وذلك بتجميل محاريب البلاطات الخزفية بالكتابات النسخية، التي تحوي آيات من القرآن الكريم، إلى جانب الزخارف النباتية المعروفة بالتوريق أو الأرابسك، واستخدمت المقرنصات الخزفية أيضا لتزيين طواقي المحاريب، مثلما نرى في محراب جامع يزد، ومحراب جامع قلبان في بخارى. وقد لحق الأتراك العثمانيون بركب المحاريب الخزفية، فنراهم يستخدمون بلاطات الخزف المنتجة في أزتيك، ليس فقط لتغشية المحاريب، بل لكسوة جدران المساجد من الداخل بها.

المحاريب المتنقلة

عرف المسلمون المحاريب المتنقلة، أو غير الثابتة، وهي محاريب يمكن نقلها من مكان إلى آخر عند الضرورة، وكانت هذه المحاريب تصنع من الخشب، وكان يعنى بزخرفتها، حيث كان يستخدم بعضها لإقامة الصلاة في القصور الخاصة بالخلفاء والأمراء. وقد عرفت هذه المحاريب المتنقلة أيضا في منطقة الموصل بالعراق، وما وقع شمالها من أرض الأكراد، وذلك بغرض استخدامها في المصلى الصيفي للمساجد التي تقع في المناطق القارية، التي يتسم مناخها بالبرودة الشديدة شتاء، والحرارة الشديدة صيفا، الأمر الذي دفع بالمسلمين في هذه المناطق إلى تقسيم المسجد إلى قسمين، أحدهما مغلق للصلاة في أوقات الشتاء، والآخر مفتوح لاستخدامه في فصل الصيف. ولما كان المحراب الرئيسي يشيد في الجزء المغلق، فقد كان الاحتياج شديدا لاستخدام المحاريب المتنقلة في المصليات الصيفية. ومن أمثلة هذه المحاريب المتنقلة الباقية إلى اليوم «محراب السيدة رقية، بمتحف الفن الإسلامي بالقاهرة، والذي يعود تاريخه إلى عام 533م» (11).

وفي النهاية نقول: رغم اختلاف العلماء بين مؤيد ومعارض للمحراب المجوف، فإنه يمثل عنصرا فنيا ومعماريا مهما، يؤكد على الطراز الفريد للعمارة الإسلامية، ويمثل في الوقت نفسه أحد الملامح المعبرة عن جماليات الفن الإسلامي.

الهوامش

1 - مختار الصحاح، مادة «م ح ب»، ص 128.

2 - كلمات القرآن.. تفسير وبيان، للشيخ حسنين محمد مخلوف، ص 37.

3 - المصدر السابق، ص 262.

4 - موسوعة المفاهيم الإسلامية، المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بالقاهرة، وزارة الأوقاف المصرية، الفصل الخاص بالمحاريب (نسخة إلكترونية).

5 - وكالة الرئاسة العامة لشؤون المسجد النبوي، محاريب المساجد.

6 - الفن الإسلامي، أبوصالح الألفي، ص 168.

7 - المصدر السابق، ص 169.

8 - المصدر السابق، ص 198.

9 - جامع السلطان حسن وما حوله، د. حسن عبدالوهاب، ص 18.

10 - الفن الإسلامي، مصدر سابق، ص 175.

 11 - موسوعة العمارة والآثار والفنون الإسلامية، د. حسن الباشا، المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، (نسخة إلكترونية).

9 1 2015 8 28 43 AM

محمود توفيق :

في كتاب الله سبحانه وتعالى فيض من تأديب الله عز وجل لنبيه  " صلى الله عليه وسلم" ، ثم لورثته من أهل العلم والدعاة إلى الله جلّ جلاله. وهداية له إلى ما يمكّنه من القيام بحق ما كلف به من الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، وإخراج الناس من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان.

ومن هذا ما جاء في سورة «الحجر»، من أمر الله سبحانه وتعالى نبيه سيدنا محمدًا  " صلى الله عليه وسلم"  بأن يصفح صفحا جميلا.

يقول الله سبحانه وتعالى: { وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ  وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ  فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (85) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (86) } (الحجر: 85- 87).

في تصدير الآية بالحقيقة الكونية: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ}، وبالحقيقة العقدية: {وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ}، من قبل التـكليف بالصفح الجميل، ثم بالحقيقة العقدية أيضا: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ}، ثم بالمنة العظمى: {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ}، في كل ذلك تثقيف للنفس، لتتلقى هذا التكليف الثقيل: {فَاصْفَحْ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ} تلقي أولي العزم من الرسل.

ذلك أن الصفح الجميل، لايتأتى إلا بعظيم من اليقين، وبعظيم من المثابرة ومن الصبر الجميل أيضا. فالنفس البشرية مفطورة على أن تنتقم لنفسها إن كانت من نفوس الدهماء، أو تنتصر للحق الذي هي عليه إن كانت من نفوس الأنبياء والعلماء والأولياء، وكل تقي ولي لله سبحانه وتعالى.

والصفح في لسان العربية هو الإعراض عن اللقيا بما لا يحب، يقال: صفح عنه أي: أعرض عن عقوبته، بل عن ملامته، وعن ذكر ذنبه، بل عن تذكره، وتلك مقامات علية متصاعدة من الصفح، ففي الصفح إقبال وبشاشة وجه، ولذا جاء منه التصافح، وهو الأخذ باليد، أي أن يضع الرجل صفح كفه في صفح كف الآخر. وهذا يقتضي إقبال الوجه على الوجه، وهذا فيه رمز إلى ما قام في القلب من القبول والإقبال، ومن هنا شرعت المصافحة بين الرجال بعضهم بعضا، وبين النساء بعضهن بعضا، إيذانا بالقبول والإقبال..

وجمال الصفح المأمور به، هو الصفح الآتي من قوة نفسية وقوة واقعية، وليس صفح العجزة والضعفاء هو الصفح الذي كان من النبي  " صلى الله عليه وسلم"  يوم الفتح: حين أطلقهم، ولم يعاقبهم (1)، وكان بملكه  " صلى الله عليه وسلم"  أن يقطع الأعناق، ولا ملامة عليه، ولكنه الحكيم، والنازل على ما أمره به الله سبحانه وتعالى، والعليم بأن فعل الصفح فيهم وفيمن يأتي من بعد أعظم وأنجع من فعل الانتصار في كل منازلة من منازلات الحرب.

هو صفح جميل من أنه خارج من فتوة نفسية وقوة عملية، وهو صفح جميل من أن أثره الجليل الجميل لا يطاول.

والصفح الجميل سجية من سجاياه  " صلى الله عليه وسلم" . روى البخاري في كتاب «التفسير» من صحيحه بسنده عن عبدالله بن عمرو ابن العاص - رضي الله عنهما - أن هذه الآية التي في القرآن {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا } (الأحزاب:45)، قال في التوراة: «يا أيها النبي، إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا وحرزا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب بالأسواق، ولا يدفع السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويصفح، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء، بأن يقولوا: لا إله إلا الله، فيفتح بها أعينا عميا، وآذانا صما، وقلوبا غلفا». (حديث رقم: 4838).

ومن الصفح الجميل ما راوه مسلم في كتاب «الجهاد والسير» من صحيحه بسنده عن أنس  "رضي الله عنه"  أن أم سليم رضي الله عنها اتخذت يوم حنين خنجرا فكان معها، فرآها أبو طلحة  "رضي الله عنه"  فقال: يا رسول الله، هذه أم سليم معها خنجر، فقال لها رسول الله  " صلى الله عليه وسلم" : «ما هذا الخنجر؟». قالت: «اتخذته إن دنا مني أحد من المشركين بقرت به بطنه». فجعل رسول الله  " صلى الله عليه وسلم"  يضحك. (2)

قالت: يا رسول الله، اقتل من بعدنا من الطلقاء. انهزموا بك. فقال رسول الله  " صلى الله عليه وسلم" : «يا أم سليم إن الله قد كفى وأحسن». (حديث 4783)

أرأيت إلى قوله  " صلى الله عليه وسلم" : «يا أم سليم إن الله قد كفى وأحسن»، هذا من الصفح الجميل الذي يؤتي من الثمر أطيبه.

وهو  " صلى الله عليه وسلم"  لم يكتف بأن لم يعاقب، بل لم يعاتب الطلقاء إذ أدبروا يوم حنين، وخلفوا رسول الله  " صلى الله عليه وسلم" ، وما كان لهم أن يفعلوا، بل كان منه  " صلى الله عليه وسلم"  ما هو أجمل، اقتسم فيهم وفي المهاجرين الغنائم، ولم يمنح الأنصار شيئا، مما حاك في نفس ثلة من الأنصار، فقالت ما قلت، فكان من مكافأة النبي  " صلى الله عليه وسلم"  أن قال لهم مقالة، هي عز الدنيا وسعادة الآخرة، حين قال قالت ثلة منهم:

إذا كانت شديدة فنحن ندعى، ويعطى الغنيمة غيرنا. فبلغه ذلك، فجمعهم في قبة، فقال  " صلى الله عليه وسلم" : «يا معشر الأنصار، ما حديث بلغني عنكم؟»! فسكتوا، فقال: «يا معشر الأنصار، ألا ترضون أن يذهب الناس بالدنيا، وتذهبون برسول الله  " صلى الله عليه وسلم"  تحوزونه إلى بيوتكم؟».

قالوا بلى. فقال رسول الله:  " صلى الله عليه وسلم"  «لو سلك الناس واديا، وسلكت الأنصار شعبا لأخذت شعب الأنصار» (3)

أرأيت إلى الصفح الجميل مع الطلقاء، والحكمة الجميلة مع الأنصار؟!

ومن هذا ما رواه البخاري في كتاب «الأدب» من صحيحه بسنده عن أنس ابن مالك قال: كنت أمشي مع رسول الله  " صلى الله عليه وسلم"  وعليه برد نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي فجبذ بردائه جبذة شديدة - قال أنس: فنظرت إلى صفحة عاتق النبي  " صلى الله عليه وسلم"  وقد أثرت بها حاشية الرداء من شدة جبذته - ثم قال: «يا محمد، مر لي من مال الله الذى عندك. فالتفت إليه، فضحك، ثم أمر له بعطاء». (حديث 6088)

وجاء في كتاب «البر والصلة» من جامع الترمذي بسنده عن أبي إسحاق قال: سمعت أبا عبد الله الجدلى يقول: سألت عائشة رضي الله عنها عن خلق رسول الله  " صلى الله عليه وسلم"  فقالت: «لم يكن فاحشا ولا متفحشا، ولا صخابا في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح». (حديث رقم: 2148). قال أبوعيسى: هذا حديث حسن صحيح.

وكان  " صلى الله عليه وسلم"  يحث أصحابه على الصفح، وأن لا يسارعوا إلى العقوبة، بل ليكن العفو مبدأ أمرهم ومنتهاه، وإن وقع من بعضهم ما يستوجب الحد.

روى أحمد بن حنبل في مسنده من حديث عبدالله بن مسعود بسنده عن شعبة قال سمعت يحيى بن المجبر قال: سمعت أبا ماجد - يعني الحنفي - قال: كنت قاعدا مع عبد الله - قال - إني لاذكر أول رجل قطعه، أتي بسارق فأمر بقطعه وكأنما أسف وجه رسول الله  " صلى الله عليه وسلم"  قال: قالوا: يا رسول الله، كأنك كرهت قطعه.

قال  " صلى الله عليه وسلم" : «وما يمنعني ؟ لا تكونوا عونا للشيطان على أخيكم».

إنه ينبغى للإمام إذا انتهى إليه حد أن يقيمه.

إن الله عز وجل عفو يحب العفو {وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. (النور: 22)

وجعل الصفح عمن أساء من أفضل الفضائل، لأن في هذا دفعا للسيئة بالحسنة، كما أمر كتاب الله سبحانه وتعالى: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ  ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} (فصلت: 34)

روى أحمد بن حنبل في مسنده من حديث معاذ بن سهل  "رضي الله عنه" ، بسنده عن سهل بن معاذ بن أنس عن أبيه عن رسول الله  " صلى الله عليه وسلم"  أنه قال: «أفضل الفضائل أن تصل من قطعك, وتعطي من منعك، وتصفح عمن شتمك». (حديث:16023)

هذه الثلاثة التي هدى إليها نبي الرحمة  " صلى الله عليه وسلم"  إنما يقوم له أولو الفتوة النفسية، لأن للقيام لها فضلا عن القيام بها استحقاقات رجولية بالغة، لايلقاها إلا الصابرون صبرا جميلا.

وإن لحضورها في أي أمة فضلا عن شيوعها أثرا جليلا وجميلا في تماسك الأمة، وتحقيق سلامها الاجتماعي، فتنعم بنعمتي الأمن والكفاية. وتلك نعمة الدنيا:

روى البخاري في كتابه «الأدب المفرد»، باب: «من أصبح آمنا في سربه» بسنده عن سلمة بن عبيد الله بن محصن الأنصاري عن أبيه - عبيد بن محصن اختلف في صحبته - عن النبي  " صلى الله عليه وسلم"  قال: «من أصبح آمنا في سربه، معافى في جسده، عنده طعام يومه فكأنما حيزت له الدنيا»: (حديث: 300)، ورواه الترمذي، وابن ماجه.

ذلك هو نبي الرحمة، ونبي الحكمة  " صلى الله عليه وسلم" . فهل لنا أن نحمل من ميراث رحمته بأمته، ومن ميراث حكمته، ما يجعلنا أهلا لأن نحوز شرف وراثته في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى؟

فالصفح عمن أساء، ودفع السيئة بالحسنة عامل عظيم الأثر في تحقيق مجتمع متماسك متراحم، وهذا ما نفتقر إليه. إن هذا ما يفتقر إليه كل قائد فتي قوي مع خصومه. ولكن هذا يحتاج إلى علي الحكمة، يعرف الأرض التي ينبت فيها الصفح ويورق ويزهر ويثمر، فإن كان من الخصوم من لا يصلح معه ذلك الصفح فلا يكون، كما فعل مع بني قريظة، لما كان منهم من خيانة في غزوة الأحزاب. فمثلهم يزيدهم الصفح فجورا، فلا يكون الصفح حينئذ جميلا. لأنه سيثمر قبحا، ويزيد العتو عتوا.

فالصفح الجميل عمن يصلحه الصفح قائم لم ينسخ بالأمر بالقتال، كما ذهب إليه بعض أهل العلم. قال الطبري:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن إسرائيل، عن جابر، عن مجاهد (فاصفح الصفح الجميل) قال: هذا قبل القتال.

حدثني المثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن الزبير، عن سفيان بن عيينة، في قوله: {فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ} وقوله: {وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ} قال: كان هذا قبل أن ينزل الجهاد. فلما أمر بالجهاد قاتلهم فقال: «أنا نبي الرحمة ونبي الملحمة، وبعثت بالحصاد، ولم أبعث بالزراعة».

أما آية السيف فهي قائمة لمن لا يصلحه الصفح الجميل. وخصوم الدعوة ليسوا سواء، فلا يكون منهج التعامل معهم واحدا، فذلك منطق الحكمة في الدعوة.

ألا ترى أن الله سبحانه وتعالى قال لرسوله  " صلى الله عليه وسلم"  ولنا معه في سورة (النحل): {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ  وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ  إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ  وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} (النحل:125).

جعل له ثلاثة سبل إلى تحقيق الدعوة: الحكمة، والموعظة الحسنة، والجدال بالتي هي أحسن، ذلك أن الناس أربعة:

منهم من يسمع ويقبل، فهذا سبيل دعوته الحكمة، ومنهم من يسمع ويقبل، ولكنه لايقبل لما يحيط به من الشهوات الصارفة، فهذا سبيل دعوته الموعظة الحسنة. وهذان الضربان متقاربان، ولذا كان النظم القرآني المتعلق بدعوتهما واحدا {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} عطف سبيل الموعظة الحسنة على سبيل الحكمة.

ومنهم من يسمع ولا يقبل، بل يجادل ويعارض ويناكد، ولكنه لا يرفع سيفا. وهذا سبيله الجدال بالتي هي أحسن. وهذا ما حملته الآية الكريمة في سورة النحل.

وهذا الضرب ليس من باب الضربين الأولين، ولذا التفت عن النظم الذي كان للضربين الأولين، فلم يقل: ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن، فلو قال لفهم من العطف أن هذا الضرب الثالث من باب الضربين الأولين، ولكن البيان القرآني عدل عن النهج الأول في النظم والصياغة، واستفتح طريقة جديدة، فقال: {وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}، فهو عطف على فعل الأمر الذي في صدر الآية {ادْعُ} مما يفهم أن هذا السبيل ليس من باب السبيلين الأولين، إشارة إلى أن الضرب الثالث مغاير للضربين الأولين، وهذا نهج من السنة البيانية للقرآن الكريم في إفهام دقائق المعاني ولطائفها.

وكل هؤلاء الثلاثة الأضرب يصلح معهم، ويصلح من أحوالهم الصفح الجميل، وهذه الأصناف الثلاثة باقية ما بقيت الحياة. مما يجعل الأمر الإلهي للنبي  " صلى الله عليه وسلم"  ولأمته من بعده {فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ} أمرا باقيا ما بقيت الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى.

ويبقى الصنف الأخير من الناس: من يسمع، ولا يقبل ألبتة، بل يشهر سيفه ليمنع الدعوة من أن تبلغ غيره، فهو لا يكتفي بأن يعرض هو عنها، بل يسعى بسيفه وما ملكت يمينه من القوى إلى أن يحاجزها عن أن تبلغ مسامع الآخرين. فيتخذوا ما شاءوا طوعا لا قهرا، لأنه يعلم أنها إن بلغت مسامعهم، فإنها ستحرك ساكنا في كثير منهم، ومنهم من سيستمع، ويقبل، وهذا الضرب الرابع من الناس هو الذي جاء الأمر بقتاله، لا بقتله، فليست الغاية ألبتة قتله، وإن سل سيفه، بل الغاية قتاله، ليكف سيفه. فإن كفه، فلا يقاتلن فضلا عن أن يقتل. فإن الإسلام دين الحياة في سبيل الله، وليس دين الموت في سبيل الله، بل الموت في سبيل الله تعالى حين لا تتحقق الحياة للناس في سبيل الله إلا بموت ثلة من المسلمين في سبيل الله تعالى، تحقيقا لتلك الحياة للآخرين، وهذا هو منهج الإيثار، وذلك هو جليل الجود، وجميل السخاء.

الهوامش

1- تفسير الطبري: جامع البيان في تأويل القرآن، تحقيق: أحمد محمد شاكر، ط (1) 1420هـ، مؤسسة الرسالة، ج17، ص128.

2- حسنه الألباني في صحيح الأدب المفرد للبخاري.

 3- صحيح البخاري (المغازي)، حديث رقم: (4337)، ورواه مسلم في كتاب (الزكاة) رقم: (2488).

3 5 2015 9 12 34 AM

د·محمد بن محمد الحجوي :

{ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل} ( الروم -58)

البيان العربي هو التراث المتمثل في الشعر والخطب والأمثال والأقوال المأثورة، وقد تميز هذا التراث قبل مجيء الإسلام بتعدد الأغراض، وسعة المعرفة وعمق الفكر، وجمال التعبير، ولما نزل كتاب الله على العرب كان فكرهم وأدبهم ولغتهم قد بلغت نضجا كبيراً، فخاطبهم الله باللغة التي أبدعوا بها، وهي لغة استوفت خصائصها التركيبية والدلالية والصوتية، وتضمنت فنونا بلاغية طريفة، وتعابير أدبية بليغة، وحكما وأمثالا عميقة الدلالة·

وكانت الأمثال لونا من هذا البيان الذي نضج في تراثهم: (المثل السائر في كلام العرب كثير نظما ونثرا، وأفضله أوجزه وأحكمه أصدقه) (1)·

وهي ضروب من الأقوال الفنية البليغة المتضمنة للحكم التي عبرت عن أوضاع اجتماعية أو نفسية أو فكرية أو سلوكية، فلذلك كانت أكثر جريانا على ألسنة الناس، فقالوا: مثل شرود وشارد أي سائر لا يرد كالجمل الصعب الشارد، ففيها الحكم والعبر والمواعظ والتوجيه والإرشاد، ومقارنة الأشباه والنظائر، واستحضار المعنوي بالمحسوس، والغائب بالحاضر، وإفحام الخصم والمعاند، ولهذا السبب كانت الأمثال الموجزة كثيرة في كلام الأنبياء والحكماء، وفي الشعر والخطب، يستحضرها القوم في المناسبات والمنتديات والأسواق الأدبية، تبرز نمط الحياة، وأذواق الناس، وطريقة تفكيرهم·

وإذا كان للأمثال هذا القدر الكبير من التأثير في حياة الناس تفكيرا وسلوكا وأخلاقاً ومعاملات فإن كتاب الله أولى باستعمالها من أجل الموعظة والتوجيه والاعتبار، لأن رسالة الإسلام جاءت من أجل إخراج الناس من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، وكل وسيلة تبلغ الإنسان إلى هذه الغاية كان كتاب الله يستعملها، قال رسول الله صى الله عليه وسلم: (إن القرآن نزل على خمسة أوجه: حلال وحرام ومحكم ومتشابه، وأمثال، فاعملوا بالحلال، واجتنبوا الحرام، واتبعوا المحكم، وآمنوا بالمتشابه، واعتبروا بالأمثال:

الأمثال، كما في الحديث الشريف، للاعتبار والموعظة، لأنها نبهت الناس لما ينبغي أن يتبعوه أو يجتنبوه·

وقال الزمخشري: (ولضرب العرب الأمثال، واستحضار العلماء المثل والنظائر شأن ليس بالخفي في إبراز خبيات المعاني، ورفع الأستار عن الحقائق حتى تريك المتخيل في صورة المحقق، والمتوهم في معرض المتيقن، والغائب كأنه شاهد·

وفيه تبكيت للخصم الألد، وقمع لسورة الجامح الأبي، ولأمر ما أكثر الله في كتابه المبين، وفي سائر كتبه أمثاله، وفشت في كلام رسول الله صى الله عليه وسلم، وكلام الأنبياء والحكماء)(2)

وقد أخذ الشعراء والأدباء والخطباء من أمثال القرآن ما يقوي حجتهم، ويكسب أدبهم سمة الجمال والرونق، قال أبو تمام يرد على بعض من أنكر عليه ضرب لون من المثل في شعره:

لا تنكروا ضربي له من دونه

مثلا شرودا في الندى والباس

فالله قد ضرب الأقل لنوره

مثلا من المشكاة والنبراس

هذا التأثير ناتج من كون أمثال القرآن تضمنت إعجازا وتوجيها وحكما ومواعظ بالغة الدلالة، وهل سمع العرب مثلا أكثر تعبيرا للدلالة على الضعف والوهن لآلهتهم التي لا تنفع ولا تضر في قوله تعالى:{كمثل العنكبوت اتخذت بيتا، وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت} (العنكبوت -41)

إن المثل قوي في الدلالة على ضعف الآلهة التي كانوا يعبدونها، فهي تفقد صفة الحياة والقدرة لكي تجيب الداعي وتلبي رغبته، ولم يجد الجهلة والسفهاء منهم سوى التهكم بأمثال كتاب الله وقولهم: إن رب محمد يضرب المثل بالذباب والعنكبوت، ويضحكون من ذلك لجهلهم بالمقاصد، أو للتخفيف عن أنفسهم من شدة وقعه·

ومن خصائص أمثال الكتاب العزيز أنها ارتبطت بالمجتمع في معتقداته وتفكيره وأخلاقه وسلوكه وعاداته وتقاليده من أجل إصلاح الأفراد، وتوجيههم إلى سبيل الخير، فقبحت الكفر والعصيان والضلال، وزينت الإيمان والتقوى، ودعت إلى الاستقامة والعمل الصالح، قال تعالى، مبينا إهمال القوم تعاليم الكتب السماوية، وعدم الانتفاع بها، وهي بين أيديهم، وفي ذلك إهانة لكسلهم، وتحقير لعقولهم: {كمثل الحمار يحمل أسفارا} (الجمعة- 5)

وقال عز من قائل في إظهار من لا ينتفع بعمله، ولو كان كثيراً، لأنه لا يقوم على مبدأ سليم: {فمثله كمثل صفوان عليه تراب} (البقرة -264)، أي كحجر أملس عليه تراب، فهو غير صالح للإنبات، ولو نزل عليه المطر ليلاً ونهاراً·

وجاء المثل في كتاب الله لبيان فضل العاقل الذي يدبر أموره بحكمة وعقل وتفكير سليم، ويعبدالله، ويعمل عملا صالحا، على من لا يتصف بتلك الصفات الإيجابية، قال تعالى: {ضرب الله مثلا عبدا مملوكاً لا يقدر على شيء، ومن رزقناه منا رزقا حسنا، فهو ينفق منه سراً وجهراً هل يستوون، الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون· وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء، وهو كلٌ على مولاه أينما يوجه لا يأت بخير، هي يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم} (النحل- 75-76)

المثلان في الآيتين لهما أثر بين في المجتمع، فهما يكشفان بجلاء ظاهرة اجتماعية، لا تخفى على الإنسان الجاهلي المخاطب بهذين المثلين، إنه يعرف أن العبد في مجتمعه لا يتصرف مثل الحر في كل أموره، وكذلك فضل العاقل الذي يأمر بالعدل والإحسان، وهو مستقيم في عقيدته وسلوكه وعمله على الأبكم الكل على مولاه الذي لا يأتي بخير في أي عمل قام به، هذان المثلان يوجهان المخاطب إلى اختيار أفضل السبل التي تقربه من الله بالإيمان الصادق، والعبادة الخالصة لجلاله، والسلوك القويم الذي يرضي عنه الله ورسوله، ويبينان الفرق بين من يعبد أصناما لا تنفع ولا تضر، وبين من يعبد الله الخالق القادر الواهب، هذه المقارنة بمثل عمل يشاهد الإنسان أثره في المجتمع تظهر فضل المؤمن على الكافر بتقواه وعبادته وصلاحه، إذ كل أعمال المؤمن تكون خالصة لوجه الله وهو بذلك يبتعد عن كل ما يؤذي به نفسه ومجتمعه، ويكون رباطه بالله وحده وهذه ألطاف من الله يفيضها على عباده الصالحين، لأنها تحررهم من العبودية لغير الله، وتجعل عملهم متواصلاً، وفي هذا شرف للإنسان، وتكريم له على سائر المخلوقات، وإذا كان المثلان قد اقترنا ببيان ميزة الحر على العبد، والعاقل على الأبكم، فالإنسان يميل بطبعه إلى الحرية ويعشقها، ويكره الذل والاستعباد، ويحب البليغ الفصيح الذي يكون قادرا على إقناع الآخرين بالحجة والبرهان، إن مثل هذا الفرد يكون تأثيره ظاهرا في المجتمع، فكم من كلمة طيبة بليغة، وخطبة جامعة محكمة، قد غيرت سلوك أفراد وجماعات، ودفعتهم نحو الفضائل والمثل العليا، بينما الأبكم يفقد هذه الخصائص الإيجابية في التأثر والتأثير· ولذلك ذكر الله أن أمثال القرآن يدرك مراميها وأثرها العقلاء، قال عز من قائل: {وتلك الأمثال نضربها للناس، وما يعقلها إلا العالمون} (العنكبوت - 43)

وجاءت الأمثال في كتاب الله لبيان فضل من يعبد إلها واحدا يقوم بما كلفه به، ويرجو ثوابه، على من يعدد الآلهة فلا يدري أيها يستقر على عبادته، ويدعوه ليستجيب له، فقال تعالى: {ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون، ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا، الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون} (الزمر-28)

ومثل من يتمادى في الضلال والكفر والعصيان بالأعمى والأصم، ومن يتبع الهدى بالبصير والسميع والفرق بينهما لا يخفي على أحد، قال تعالى:{مثل الفريقين كالأعمى والأصم، والبصير والسميع، هل يستويان مثلا، أفلا تذكرون)( هود -24)

كما نجد الغاية من ضرب الأمثال في القرآن الكريم زيادة الإفهام والتوضيح والتذكير، فيأتي المثل لتصوير المعنوي بالمحسوس والمشهد بالغائب، فيكون وقعه بذلك أمكن في النفوس، وأشد علقة بالقلوب، وهذا من شأنه ان يبعد الحيرة والشكل عن المترددين وضعاف الإرادة قال تعالى: {ألم تر كيف ضرب الله مثلا كملة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت، وفروعها في السماء، توتي أكلها كل حين بأذن ربها، ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون، ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار} (إبراهيم- 26-28)

هذا المثل نموذج في البلاغة الرفيعة، والبيان السامي، والإعجاز المطلق الذي تميزت به الآيات البينات، والغاية منه هي هداية الناس للتقوى، وتثبيت الإيمان في نفوسهم حيث تبدو الكلمة الطيبة في هذا المثل المعجز، وهي كلمة التوحيد والإيمان والاستغفار والتوبة والعمل الصالح كشجرة مخضرة يانعة، وارفة الظلال، زاهية الأغصان، ناضجة الثمار، ممتدة في السماء، تعطي ثمارا طيبة في كل حين· وهذا كناية عن ثبات الإيمان، لأنه يستمد قوته من الحق سبحانه وتعالى· أما الكلمة الخبيثة، وهي كلمة الشرك والضلال، وكل ما يؤذي الناس في عقيدتهم الصحيحة، وفي شريعة العدل، وفي حياتهم الطيبة، فهي كشجرة خبيثة لا قرار لها ولاثمار ولاظلال ولا أغصان سوى الشوك الذي يؤذي، ولذلك فهي سهلة الاجتثات مثل الشرك والكفر والضلال لا يثبت ولا يستمر ولا يستند إلى الحق، يتهاوى في أي لحظة، ولم يتوهم المشركون والضالون انهم أقوياء، بينما كلمة التوحيد تخاطب العقل السليم، والنفس اليقظة، والوجدان الواعي، فلا يستطيع أحد مهما أوتى من قوة وسلطان ان يحرفها، لأنها الحق من عند الله··· هكذا كان يضرب الأمثال في كتاب الله من أجل الرجوع إلى كلمة التوحيد التي هي الحق من الله {ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط}(التحريم -10)، وفي الذين ثبتوا على مبدأ التوحيد، {وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون} (التحريم -11)، {ومريم ابنة عمران} (التحريم -12)

لكن الذين يصرون على الكفر والعصيان لا تنفع فيهم النذر والأمثال، لأن قلوبهم غلف، وأفئدتهم هواء، قال تعالى: {ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل، فأبى أكثر الناس إلا كفوراً} (الإسراء -89)

جامعة ولاية سونورا بالمكسيك تمنح عبد الوهاب زايد الدكتوراه الفخرية

سونورا – الوعي الشبابي: منحت جامعة ولاية سونورا بالولايات المتحدة المكسيكية شهادة الدكتوراه ...

تربية إبداعية لأبنائك.. كيف؟

رويدا محمد - كاتبة وباحثة تربوية: يعرف الإبداع بأنه النشاط الإنساني المختلف عن المألوف، والذي يؤدي ...

مواجهة الإلحاد بالعلم والعقل والدين.. كتاب جديد للدكتور خالد راتب

القاهرة – الوعي الشبابي: أصدر الدكتور خالد محمد راتب، مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر ...

اتصل بنا

  • صندوق البريد: 23667 الصفاة 13097 - الكويت
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
  • 22467132 - 22470156

عندك سؤال