الإثنين، 17 يونيو 2024
رئيس التحرير
فهد محمد الخزّي

الدكتور أحمد زكي عاكف وتأديب العلم

د. محمود صالح البيلي - دكتوراه في الأدب والنقد: قيض الله سبحانه وتعالى للعربية من الكتاب من جمع ...


 

 

المتواجدون على الموقع

المتواجدون الأن

60 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

0220002

صلاح رشيد :

عاش في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، حينما كان العالم الإسلامي يرزح تحت نير الاحتلال، وأهوال الفقر والجهل والمرض، فطمح إلى تخليصه من ربقة التبعية والاستعمار، والدخول في فلك الاستقلال والتقدم والمدنية، والالتحاق بركب العالم الأول.

ولد الشيخ في بلدة «نفطة» الجزائرية، وقد حفظ القرآن الكريم، وتلقى مبادئ العلوم اللغوية والشرعية على الشيخ عبدالحفيظ اللموشي.

وعندما بلغ الثانية عشرة من عمره (أي في عام 1888م) انتقل مع أسرته إلى تونس العاصمة، وبعد عامين التحق بجامع الزيتونة، حيث أخذ العلم على يد خاله الشيخ المكي بن عزوز، والشيخ عمر بن الشيخ، والشيخ سالم بوحاجب، وغيرهم من أساتذة الزيتونة.

وفي سنة 1903م نال شهادة العالمية، وكان متشبعا بالروح الإسلامية الوطنية، فكان أول موقف له تجاه سلطات الاستعمار الفرنسي هو رفضه تولي بعض المناصب التي عرضتها عليه الحكومة الاستعمارية في تونس.

وفي نفس الفترة الزمنية (1903-1904م) زار الجزائر موطن آبائه وأجداده، وكان قد أصدر في تونس أول مجلة أدبية وعلمية، وهي مجلة «السعادة العظمى».

وفي سنة 1905م تولى قضاء مدينة «بنزرت» وضواحيها، إلى جانب ممارسته للخطابة والتدريس بجامع بنزرت الكبير، وبعد عامين عاد إلى تونس العاصمة، وعين مدرسا بالمدرسة الصادقية، وبعدها بعام تطوع للتدريس بالزيتونة، ثم عين مدرسا بها.

وفي سنة 1907م اشترك في تأسيس الجمعية الزيتونية. وفي سنة 1911م قاد حملة لمناصرة الشعب الليبي في حربه ضد إيطاليا، فاتهمته السلطات الفرنسية ببث روح العداء للغرب، وضيقت عليه، فهاجر إلى تركيا عن طريق مصر وسوريا.

ثم عاد مرة أخرى إلى تونس، ليهاجر منها ثانية إلى الشام، ثم إلى تركيا من جديد، حيث عمل محررا عربيا بوزارة الحربية العثمانية، وشارك في مفاوضات سياسية خلال الحرب العالمية الأولى، ثم عاد إلى دمشق فاعتقله الأتراك عام 1916م عدة أشهر، ثم عاد إلى تركيا، وبعدها رحل إلى ألمانيا، وعاد مرة أخرى إلى تركيا، ثم استقر في دمشق، فلما احتلها الفرنسيون عاد إلى تونس، ولكنه لم يلبث أن رحل إلى القاهرة عام 1921م واستوطن هناك، حيث أصبح عضوا في هيئة كبار العلماء ومجمع اللغة العربية.

وفي سنة 1924م، أسس جمعية تعاون جاليات إفريقيا الشمالية، التي ضمت المجاهدين من تونس والجزائر والمغرب الأقصى.

وفي سنة 1927م ترأس الاجتماع التحضيري لتأسيس «جمعية الشبان المسلمين» بحضور أعلام الفكر وكبار الزعماء والعلماء في العالم الإسلامي، الذين اعترفوا له بالمكانة العلمية الكبيرة، فقدموه لرئاستهم.

الخضر حسين شيخا للأزهر

لم يكتف الخضر حسين بما حصل من علم ومعرفة، بل واظب على التحصيل والتعلم، فبعدما نال شهادة العالمية من الأزهر الشريف، أبدى من الرسوخ والتمكن ما أدهش علماء الأزهر الكبار الممتحنين، حتى إن الشيخ عبدالمجيد اللبان- رئيس اللجنة - قال عنه بصراحة: هذا بحر لا ساحل له؛ فكيف نقف معه في حجاج!

نال الشيخ عضوية جماعة كبار العلماء برسالته القيمة «القياس في اللغة العربية» سنة (1370هـ -1950م)، ثم لم يلبث أن وقع عليه الاختيار شيخا للجامع الأزهر في (26 ذي الحجة 1371هـ - 16 سبتمبر 1952م)، وكان الاختيار مفاجئا له، فلم يكن يتوقعه، بعدما كبر في السن وضعفت صحته، لكن مشيئة الله أبت إلا أن تكرم أحد المناضلين في ميادين الإصلاح، حيث اعتلى أكبر منصب ديني في العالم الإسلامي.

 وكان في ذهن الشيخ حين ولي المنصب الكبير وسائل لبعث النهضة في مؤسسة الأزهر، وبرامج للإصلاح، لكنه لم يتمكن من ذلك، ثم لم يلبث أن قدم استقالته احتجاجا على اندماج القضاء الشرعي في القضاء الأهلي، وكان من رأيه أن العكس هو الصحيح، فيجب اندماج القضاء الأهلي في القضاء الشرعي؛ لأن الشريعة الإسلامية ينبغي أن تكون المصدر الأساس للتشريع، وكانت استقالته في (2 جمادى الأولى 1372هـ -7 يناير 1954م). وقال كلمته المشهورة: «إن الأزهر أمانة في عنقي، أسلمها حين أسلمها موفورة كاملة، وإذا لم يتأت أن يحصل للأزهر مزيد من الازدهار على يدي، فلا أقل من أن لا يحصل له نقص... يكفيني كوب لبن وكسرة خبز، وعلى الدنيا بعدهما العفاء».

معاركه الفكرية

خاض الشيخ كثيرا من المعارك الفكرية، وخرج منها منتصرا، من أشهرها معركة كتاب «في الشعر الجاهلي» لطه حسين، ومعركة كتاب: «الإسلام وأصول الحكم» لعلي عبدالرازق.

أما الكتاب الأول: فقد ظهر سنة (1345هـ -1927م) وأحدث ضجة هائلة، حيث جاهر مؤلفه الدكتور طه حسين بالشك في كل قديم دون في صحف الأدب، وزعم أن كل ما يعد شعرا جاهليا إنما هو مختلق ومنحول، ولم يكتف بهذه الفرية، فجاهر بالهجوم على المقدسات الدينية، حيث قال: «للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل، وللقرآن أن يحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل، ولكن هذا لا يكفي لإثبات وجودهما التاريخي…».

وقد انبرت أقلام غيورة لتفنيد ما جاء في هذا الكتاب، من أمثال: الرافعي، والغمراوي، ومحمد فريد وجدي. ومن جانبه قام الخضر حسين بتأليف كتاب: «نقض كتاب في الشعر الجاهلي»، فند ما جاء فيه، وأقام الأدلة على أصالة الشعر الجاهلي، وكشف عن مجافاة طه حسين للحق، واعتماده على ما كتبه المستشرق الإنجليزي مرجليوث دون أن يذكر ذلك.

أما الكتاب الآخر فهو «الإسلام وأصول الحكم» الذي ظهر في سنة (1344هـ -1926م) وأثار ضجة كبيرة، وانبرت الأقلام بين هجوم عليه ودفاع عنه، وقد صدم الكتاب الرأي العام، حين زعم أن الإسلام ليس دين حكم، وأنكر وجوب قيام الخلافة الإسلامية، ونفى وجود دليل عليها من الكتاب والسنة، وكانت الصدمة الثانية أن يكون مؤلف هذا الكتاب من علماء الأزهر.

فنهض الشيخ لتفنيد دعاوى الكتاب، وأصدر كتابه: «نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم» سنة (1344هـ - 1926م) تتبع فيه أبواب الكتاب، فكان يبدأ بتلخيص الباب، ثم يورد الفقرة التي تعبر عن الفكرة موضوع النقد فيفندها، ونقد استخدام المؤلف للمصادر، وكشف أنه يقتطع الجمل من سياقها، فتؤدي المعنى الذي يقصده هو، لا المعنى الذي يريده المؤلف.

وقد كشف الشيخ في هذا الكتاب عن علم غزير، وإحاطة متمكنة بأصول الفقه وقواعد الحجاج، وبصيرة نافذة بالتشريع الإسلامي، ومعرفة واسعة بالتاريخ ورجاله وحوادثه.

في ميادين الإصلاح

اتجه الشيخ إلى تأسيس الجمعيات الإسلامية، فاشترك مع جماعة من الغيورين على الإسلام سنة (1346هـ - 1928م) في إنشاء جمعية الشبان المسلمين، ووضع لائحتها الأولى مع صديقه محب الدين الخطيب، وقامت الجمعية بنشر مبادئ الإسلام والدفاع عن قيمه، ومحاربة الإلحاد العلمي، ولاتزال هذه الجمعية بفروعها المختلفة تؤدي بعضا من رسالتها القديمة.

وأنشأ أيضا «جمعية الهداية الإسلامية»، وكان نشاطها علميا أكثر منه اجتماعيا، وضمت عددا من شيوخ الأزهر وشبابه وطائفة من المثقفين، وكون بها مكتبة كبيرة كانت مكتبته الخاصة نواة لها، وأصدر مجلة باسمها، كانت تحمل الروائع من التفسير والتشريع واللغة والتاريخ.

وإلى جانب هذا النشاط الوافر تولى رياسة تحرير مجلة نور الإسلام - الأزهر الآن - التي أصدرها الأزهر في (المحرم 1349هـ - 1931م)، ودامت رئاسته لها ثلاثة أعوام، كما تولى رئاسة تحرير مجلة لواء الإسلام سنة (1366هـ - 1946م).

وتحمل إلى هذه الأعباء التدريس بكلية أصول الدين، فالتف حوله الطلاب، وأفادوا من علمه، وعندما أنشئ مجمع اللغة العربية بالقاهرة سنة (1350هـ - 1932م) كان من الرعيل الأول الذين اختيروا لعضويته، كما اختير عضوا بالمجمع العلمي العربي بدمشق، وأثرى مجلة المجمع اللغوي بالقاهرة ببحوثه عن صحة الاستشهاد بالحديث النبوي، والمجاز والنقل وأثرهما في حياة اللغة العربية، وطرق وضع المصطلحات الطبية وتوحيدها في البلاد العربية.

مواقف من حياته

ضرب الخضر حسين أروع الأمثلة في الصدق والشجاعة، نذكر منها على سبيل المثال: أنه عندما كان في ألمانيا حضر عند مدير الاستخبارات الألمانية، وكان معه سكرتيره، وذلك أثناء سفرهم إلى قرية ألمانية، وفي نهاية الحديث سأله المدير: أليس كذلك يقرر ابن خلدون؟

فقال له: وماذا يقرر؟

قال: إن العرب لا يصلحون لملك، ولا يحسنون حكما للأمم.

فقال له: إنما خص ذلك بعهد الجاهلية، وقرر أنهم في الإسلام أحسنوا السياسة، وقاموا بأعباء الملك خير قيام، وقد بين ذلك غاية البيان في فصل عقده في مقدمته.

وهذا يدل على أن الشيخ كان قارئا جيدا واعيا حاضر الذهن.

ومن مواقفه أيضا أن السلطات الفرنسية في تونس دعته ليكون عضوا في المحكمة المختلطة التي يكون فيها قضاة مسلمون وأجانب، فرفض؛ لأن المحكمة تحكم بغير ما أنزل الله، ولأن المحكمة قائمة في ظل الاحتلال، وستخدم مصالحه.

ومن مواقفه الجريئة أنه حاضر في تونس عن «الحرية في الإسلام»، أثناء وجود الاستعمار الفرنسي فيها، وذلك في نادي قدماء مدرسة الصادقية الثانوية، فقال: «إن الأمة التي بليت بأفراد متوحشة تجوس خلالها، أو حكومة جائرة تسوقها بسوط الاستبداد هي الأمة التي نصفها بصفة الاستعباد، وننفي عنها لقب الحرية». ثم بين الآثار السيئة للاستبداد في شجاعة وجرأة، وقد تناقل الناس مضمون المحاضرة ووصلت أخبارها إلى الشام وغيرها.

وفي مصر كان له موقف مشرف حين طالب أحد أعضاء مجلس الثورة بمساواة الجنسين في الميراث، ولما علم الشيخ بذلك أنذرهم إن لم يتراجعوا عن هذا فسيلبس كفنه، ويدعو الشعب إلى زلزلة الحكومة والقيام عليها لاعتدائها على حكم من أحكام الله، فكف ذلك العضو عما نواه من تغيير حكم الله تعالى.

الخضر حسين شاعرا

للشيخ شعر جيد كثير، ضمّن بعضه في ديوان منشور، سماه «خواطر الحياة»، فمنه في ذم الكماليين - أنصار كمال أتاتورك - الذين ألغوا الخلافة:

ما خطب قوم طالما وصـلوك

واعتز باسمك عرشهم هجروك

حرسوك أحقابا وحلق صيتهم

 في الخافقيـن لأنهم حرسـوك

ومن شعره - أيضا - حين نصحه بعض أصحابه بالرجوع إلى الشام وترك مصر:

يقول: تقيم في مصر وحيدا

وفقد الأنس إحدى الموتتين

ألا تحدو المطية نحو أرض

تعيـد إليك أنس الأسرتين

وعيشا ناعما يدع البقـايا

من الأعمار بيضا كاللجين

فقلت له: أيحلـو لي إياب

وتلك الأرض طافحة بغين

وما غين البلاد سوى اعتساف

 يدنسها به خرق اليدين

ومدح الأمير عبدالكريم الخطابي يوم جاء من منفاه، واستطاع بعض المخلصين تخليصه في السويس، وهو في طريقه إلى سجنه بفرنسا، فقال على الباخرة مرحّبا به:

قلت للشـرق وقد قـام على

قـدم يعرض أرباب المزايـا

أرنـي طلعـة شهم ينتضـي

سيفه العضب ولا يخشى المنايا

أرنيـها إننـي مـن أمــة

تركب الهول ولا ترضى الدنايا

فأراني بطـل الريـف الـذي

دحـر الأعداء فارتدوا خزايا

مؤلفاته

ترك الشيخ عددا من الكتب والمؤلفات، أشهرها: «رسائل الإصلاح»، و«الشريعة الإسلامية صالحة لكل زمان ومكان»، و«الحرية في الإسلام»، و«محمد رسول الله خاتم النبيين»، و«نقض كتاب الشعر الجاهلي» لطه حسين، و«نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم» لعلي عبد الرازق و«تونس جامع الزيتونة»، و«أديان العرب قبل الإسلام»، و«بلاغة القرآن»، و«القياس في اللغة العربية». وكذلك «الخيال في الشعر العربي»، و«آداب الحرب في الإسلام»، و«دراسات في العربية وتاريخها»، و«حياة ابن خلدون»، «تونس.. 67 عاما تحت الاحتلال الفرنساوي»، و«تعليقات على كتاب الموافقات للشاطبي»، و«خواطر الحياة» (ديوان شعر)، وغيرها كثير ...، وافتتاحيات مجلة «لواء الإسلام»، ومجلة «نور الإسلام». بالإضافة إلى مئات المقالات والمحاضرات.

قالوا عنه

قال فيه العلامة عبدالمجيد اللبان - رئيس لجنة امتحان شهادة العالمية بالأزهر - يوم تقدم إليها للاختبار: «هذا بحر لا ساحل له، فكيف نقف معه في حجاج».

وقال عنه الشيخ العلامة محمد علي النجار: «إن الشيخ اجتمع فيه من الفضائل ما لم يجتمع في غيره، إلا في الندرى، فقد كان عالما ضليعا بأحوال المجتمع ومراميه، لا يشذ عنه مقاصد الناس ومعاقد شؤونهم، حفيظا على العروبة والدين، يرد ما يوجه إليهما وما يصدر من الأفكار، منابذا لهما، قوي الحجة، حسن الجدال، عف اللسان والقلم».

وقال عنه العلامة محمد الطاهر بن عاشور: «إنه من أفذاذ علماء الإسلام، وقد كان قليل النظير في مصر».

وقال عنه عباس العقـاد إنه: كان من أنصار الدعوة التي لا زمان لها؛ لأنها صالحة لكل زمان، مهما تتجدد مذاهب المعرفة.. وقد تساوى في نظر الشيخ الخضر كلا الطرفين من المسلمين، وهما طرف اليسار من المتعلمين، الذين جاوزوا حدود الإسلام، وطرف اليمين من الجامدين، الذين جاوزوا؛ فضيقوا حدوده عليهم، وإن لم يجاوزوه! 

وقال عنه الدكتور محمد رجب البيومي: ومن يطالع كتابه «رسائل الإصلاح» بأجزائه الثلاثة» يدرك يقينه الثابت بماضي الأمة وعزتها.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

جامعة ولاية سونورا بالمكسيك تمنح عبد الوهاب زايد الدكتوراه الفخرية

سونورا – الوعي الشبابي: منحت جامعة ولاية سونورا بالولايات المتحدة المكسيكية شهادة الدكتوراه ...

حسن بن محمد يكتب: العيد.. وتعزيز القيم الأسرية

حسن بن محمد - كاتب وباحث - تونس: يعتبر العيد مناسبة للفرح والاحتفال لدى كل العائلات المسلمة، وهو ...

مواجهة الإلحاد بالعلم والعقل والدين.. كتاب جديد للدكتور خالد راتب

القاهرة – الوعي الشبابي: أصدر الدكتور خالد محمد راتب، مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر ...

اتصل بنا

  • صندوق البريد: 23667 الصفاة 13097 - الكويت
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
  • 22467132 - 22470156

عندك سؤال