الجمعة، 24 سبتمبر 2021
رئيس التحرير
فهد محمد الخزّي

الشيخ المحقق نور الدين عتر

د. رياض العيسى: في يوم الأربعاء السادس من شهر صفر سنة: (1442هـ)، الموافق: (23) من شهر سبتمبر ...


 

 

المتواجدون على الموقع

المتواجدون الأن

79 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

ahzaan

بقلم محمد عبدالحميد محمد -كاتب وباحث بربوي:

النفس الإنسانية السليمة هي التي تشعر بلذة القرب من الله، وتجعل آيات ربها وخالقها نورا ومنهاجا تستضيء بها في حياتها، فتشعر بالأمل المشرق في حياتها، والطمأنينة التي تحيل المحنة إلى منحة، وتتغلغل في أعماق النفس المؤمنة وجنباتها..

وتتصور الفقر أو الصحراء القاحلة ربيعا مزهرا، وهذا كله يعود إلى ذكر الله والتفكر في مخلوقاته، والرضا بما قضى الله به والعرفان للخالق بالعدل والحكمة {اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} (الرعد:28).

ومن التجارب التي يخوضها كل فرد منا إن عاجلا أو آجلا حينما يختطف الموت عزيزا لدينا، وقد حثي عليه التراب في مرقده الأبدي وانصرمت تلك الأيام الموحشة المشحونة بالحزن والاضطراب والتوتر التي أعقبت وقوع المصاب، وانقضى موكب العزاء والمواساة في المنزل الكامن بالحزن والصمت الخاوي، وتحاول أن تصل بين أجزاء الحياة المتناثرة التي تفرقت، ولكن أينما توجهت بنظرك تلقيت طعنة جديدة من طعنات الألم والحزن، فكل شيء يقع عليه نظرك يذكرك بالعزيز الغالي الذي فقدته.

ويلوح لك المستقبل بسرداب من الظلمة والكآبة لا ينتهي، ولكن العاقل الفاهم هو الذي لا تفتر همته ولا يتقلص عزمه، بل على العكس تزيده هذه المحنة إيمانا والشدة ثباتا، ويسترجع كما يقول الله عزوجل: {الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ} (البقرة:156).

ولكي نتغلب على الأحزان ينبغي علينا أولا أن ندرك جميعا أن النمو هو قانون الحياة والسعادة، فإذا رفضنا أو تجمدنا أن ننمو من خلال تجاربنا على مرارة بعضها وإيلامها انتهينا إلى حالة حالكة ومريرة من الوجود بين الحياة والعيش فيها، فمهمة المحزون الكبرى أن يواجه المستقبل، وأن يتطلع إلى تجارب أخرى وأن يمارس حياته اليومية واثقا بالله، راضيا بما قسمه الله له من حلو ومر، لأن الرضا بالقضاء خيره وشره حلوه ومره، من علامات الإيمان.

ومن هنا كان أمر المؤمن القوي مثيرا لإعجاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي سجله في قوله: «عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن؛ إن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له، وإن أصابته سراء شكر فكان خيرا له» (رواه مسلم).

فإذا تأصل الإيمان في القلب واستولى عليه توحدت نظرة المؤمن إلى الأشياء، وتفاعل معها بروح واحدة لا تذبذب فيها ولا تأرجح، لأن هدفه الأسمى مرضاة الله تعالى، فهو يرى البلاء بالخير كالبلاء بالشر، وكل من عند ربه، وما يفعله الله خير له، ولكن بعض الناس في غمرة حزنهم لا يبتغون أن يعرفوا السعادة مرة أخرى، فمجرد ذكر لفظ السعادة مرة أخرى يعتبرونه خيانة للعزيز الغائب، ومن هنا نجد المحزون يقاوم فكره إلى العودة إلى الحياة الطبيعية، ويظل في غمار لوعته غير راض، حزينا يائسا، وقد يرسب في اختبار خالقه له، لأن الله أراد امتحان عبده ببلائه، فقال تعالى: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} (العنكبوت:2-3).

فطبيعة الحياة الدنيا كما أرادها الله طبيعة الاختبار الدائم، قال تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} (البقرة:155)، فاختبار المؤمنين بالبلاء أمر قدره الله تعالى، وعليهم أن يكرسوا جهودهم في هذا الامتحان حتى يفوزوا برضوان الله.

خطوات يجب للمحزون أن يتخذها لنفسه

وينبغي للمصاب بحزن أو فقد عزيز أن يتخذ لنفسه خطوات ثلاثا:

الأولى: أن يجتهد في فهم إحساساته وأن يضعها في موضعها، حيث إنه في الأيام الأولى للمصاب أو المحزون تختلط الإحساسات اختلاطا مزعجا، ولهذا يجب على المرء أن يفصل بينها.

ومن أقسى التجارب الإنسانية في حياتنا الموت، أقصد فقد شخص عزيز علينا، حيث يثور لهذه التجربة كياننا كله ويرفض الرضا بها، فإن أدركنا أن الغضب ملازم للحزن، علينا أن نعفي أنفسنا من اللوم، وأن نعفي منه الحياة والله والناس، ولا نفزع ولا نجزع، نواجه الشدائد بنفس راضية {قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا} (التوبة:51)، وأن نبعد عن تأنيب النفس، وهذا إحساس آخر غالبا ما يختلط بالحزن وكثيرا ما يقول المحزون لنفسه وفي مخيلته طيف العزيز الراحل (لو أنني لم أقل له..) أو (لو أنني لم أعارضه حين طلب مني..)، وقد يبالغ المحزون في عقاب وتأنيب نفسه.

ونحن ميالون أن نضفي المثالية على العزيز المفقود، ننسى أخطاءه، ونقط ضعفه، وقد يحس المرء بالذنب لأن مشاعر الحزن ليست متكافئة مع فداحة المصاب، فقد جرت العادة أن يظهر الأرامل واليتامى قدرا معينا من الحزن، فإذا انقضت مظاهر الحزن عن هذا القدر لم يملكوا إلا أن يحسوا بالذنب، فكل هذه الإحساسات: الغضب، تأنيب النفس، والإحساس بالذنب، مصاحبات طبيعية للحزن، فإذا رأيتها تعتمل في نفسك أدركتها وعلمت أن رب مصلحة فاتت على الإنسان بنجاح أو ربح أو فوت محبوب أو موت عزيز، ولربما كان في علم الله أن بقاء هذه المصالح أضر على العبد من فواتها «إذ لو اطلعتم على الغيب لاخترتم الواقع»، {وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} (البقرة:216).

الثانية: أن تجتهد في نسيان هذه المصيبة، وهناك فارق كبير بين النسيان والعيش مع الذكرى بين حين وآخر.

الخطوة الثالثة التي ينبغي أن نخطوها هي أن نمضي قدما إلى المستقبل والتطلع إلى الحياة بمنظار التفاؤل، وأن نعمل، فالانشغال بالعمل أيا كان نوعه أجود ترياق للحزن، وأن نجعل حبنا لكل شيء في الوجود، ولا يقتصر الحب على واحد. إن مواجهة المستقبل والمضي إلى الأمام هما الوسيلة الصحيحة الوحيدة للتغلب على أحزاننا والتطلع إلى ما أعده الله في الجنة التي سماها دار السلام، {لَهُمْ دَارُ السَّلاَمِ عِندَ رَبِّهِمْ} (الأنعام:127) إذ هي سالمة من المنغصات التي في الدنيا، فلا يفنى نعيمها ولا تنقضي أيامها ولا يزول شبابها {أُكُلُهَا دَآئِمٌ وِظِلُّهَا} (الرعد:35)، وأما إذا سمح المرء لنفسه بأن يقف جامدا أمام أحزانه وأشجانه، فإن موكب الحياة سيتركه ويمضي في طريقه، وإذا حاول إرجاع الزمن فإن عبء الحزن سيصبح أثقل مما يحتمل، وأما إذا قرر أن يلتقي بالحياة في منتصف الطريق فإن الجزاء السخي في انتظاره.

إن التغلب على الحزن مسألة اتجاه وعمل وإيمان وطمأنينة تفيد معنى السكون والاستقرار للمؤمن.

الطمأنينة خلق أصحاب العقول الراجحة

الطمأنينة خلق أصحاب العقول السليمة الراجحة، وأصحاب الإيمان القوي والذكر الخالص، فنجد الرجل المطمئن لا يحزن على ما فات، ولا يفرح بما هو كائن، ولا يخاف مما هو آت، وهو لا يسأم من أداء واجب بسبب حزن ألم به، والمطمئن لا يجزع من قضاء الله ولا يضيق بقدره، ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم المثل الأعلى في التخلق بخلق الطمأنينة، فما استطاعت الأهوال المتوالية أن تخرجه عن وقاره ورزانته، ولم يستطع النصر العظيم أن يزدهيه أو يغره، ولم يضعف يقينه أو رجاؤه في أحلك الظلمات وأشد الأزمات، والقرآن الكريم يترجم ذلك فيقول {إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ} (التوبة:40).

والحمقى من الناس الذين يتصورون أنهم قادرون على تغيير شيء قدره الله عليهم، والعاقل من الناس من يلتجئ إلى الله عند وقوع ما يقلق النفس أو يحزنها، والتميز بالصبر عند الشدائد وكظم الغيظ وهدوء الأعصاب، فالله وحده هو القادر على تفريج الكروب وإزالة همومنا، وعلينا أن نجعل في حياتنا بروق الأمل.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

"الامتياز" لباحث حول تقييم التخطيط الحضري

القاهرة – الوعي الشبابي: استضافت جامعة أسيوط، بصعيد مصر، مناقشة رسالة ماجستير هي الأولى من ...

مشكلات المراهقة وكيفية التعامل معها

رويدا محمد كاتبة وباحثة تربوية: تعد المراهقة من أخطر المراحل التي يمر بها الإنسان ضمن أطواره ...

الاهتمام بالتراث العربي في العدد الجديد من "الجوبة"

القاهرة – الوعي الشبابي: تفرد مجلة الجوبة الصادرة عن عن مركز عبدالرحمن السديري الثقافي في ...

اتصل بنا

  • صندوق البريد: 23667 الصفاة 13097 - الكويت
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
  • 22467132 - 22470156

عندك سؤال