الجمعة، 30 أكتوبر 2020
رئيس التحرير
فهد محمد الخزّي

وفاة الداعية فلاح مندكار

الكويت – الوعي الشبابي:   توفي فضيلة الشيخ أبومحمد فلاح بن إسماعيل بن أحمد مندكار عن ...


 

 

المتواجدون على الموقع

المتواجدون الأن

109 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

sl

 د. شاذلي عبدالغني إسماعيل - مدرس بالأزهر الشريف - مصر

إن صيام شهر رمضان يشكل نقطة تحول نحو التغيير ويؤسس لبداية قوية للإصلاح في حياة المسلم، حيث يخلصه من الكثير من السلبيات التي تشوه كيان الإنسان وتظهره عاجز الإرادة منساقا لنوازع نفسه خاضعا لأهوائها، ولا يحدث ذلك إلا إذا أدركنا ما يتجلى في صيام ذلك الشهر الكريم من قيم سامية وما فيه من عطايا ربانية تهيئ النفس لاستقبال ما يسمو بها ويطهرها ويزكيها ويفتح لها أبواب الخير والفلاح..

أيضا إذا سعينا بنية خالصة إلى السير على النهج الذي تألفه النفوس المؤمنة في رحاب ذلك الشهر المبارك، ولم تقتصر رؤيتنا للصيام على أنه امتناع عن الطعام والشراب دون أن تصوم بقية جوارحنا عن الولوج إلى ما نهى الله عنه، يقول ميمون بن مهران: «إن أهون الصيام ترك الطعام والشراب»(1)، ويقول الشيخ محمد الغزالي: «شرع الصيام للناس فطاما لأنفسهم عن شهواتها المألوفة؛ وقهرا لعاداتها المستحكمة؛ وتدريبا للإرادة في صراعها مع الغرائز السفلى؛ وإطلاقا للروحانية الحبيسة في سجن الضرورات المتكررة أبدا»(2).

وإذا نظرنا إلى المنافع التي يبقى أثرها في النفس من الصيام سنجدها كثيرة منها:

الرغبة في العطاء

يعدد ابن رجب الحنبلي فضائل الصيام فيـــــذكر منها «أن الغني يعرف قدر نعمة الله عليه بإقداره له على ما منعه كثيرا من الفقراء من فضول الطعام والشراب والنكاح فإنه بامتناعه من ذلك في وقت مخصوص وحصول المشقة له بذلك يتذكر به من منع من ذلك على الإطلاق فيوجب له ذلك شكر نعمة الله عليه بالغنى ويدعوه إلى رحمة أخيه المحتاج ومواساته بما يمكن من ذلك»(3). فالصيام إذن وسيلة إيقاظ وتنبيه تلفت الأذهان وترقق القلوب وتبعد الغفلة عن النفوس التي من الله عليها بسعة الرزق، فتستشعر نعمة الله وفضله، وتعايش ألم الجوع الذي يعانيه الفقراء معايشة واقعية تولد الرحمة وتدفع للمواساة، وتفجر أنهار العطاء والتكافل في مجتمعنا المسلم، يقول الرافعي: «ومتى تحققت رحمة الجائع الغني للجائع الفقير، أصبح للكلمة الإنسانية الداخلية سلطانها النافذ، وحكم الوازع النفسي على المادة؛ فيسمع الغني في ضميره صوت الفقير يقول: «أعطني» ثم لا يسمع منه طلبا من الرجاء، بل طلبا من الأمر لا مفر من تلبيته والاستجابة لمعانيه، كما يواسي المبتلى من كان في مثل بلائه»(4).

وقد ارتبط شهر رمضان في تراثنا بالزيادة في الجود والحرص على التكافل والسعي إلى إدخال السعادة في نفوس المحتاجين، وإن كان التكافل الاجتماعي في قوته واتساقه وديمومته يعد من المزايا البارزة لمجتمعاتنا الإسلامية في كل زمان ومكان فإنه في رمضان يكون أكثر حضورا وتنوعا ويكون الناس عليه أكثر حرصا وتطوعا ويكونون أوسع فيض بالعطاء، وهذا هو نهج السلف الصالح الذين كانوا يقتدون بالنبي صلى الله عليه وسلم الذي كان «أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان» (رواه البخاري). و«كـــــان كثير من السلف يؤثر بفطوره وهو صائم ويصبح صائمــــــا، منهــــــم: عبدالله بن عمر رضي الله عنهما، وداود الطائي، وعبدالعزيز بن سليمان، ومالك بن دينار، وأحمد بن حنبل وغيرهم. وكان ابن عمر لا يفطر إلا مع اليتامى والمساكين، وربما علم أن أهله قد ردوهم عنه فلم يفطر في تلك الليلة. ومنهم من كان لا يأكل إلا مع ضيف له، قال أبو السوار العدوي: كان رجال من بني عدي يصلون في هذا المسجد، ما أفطر أحد منهم على طعام قط وحده، إن وجد من يأكل معه أكل، وإلا أخرج طعامه إلى المسجد فأكله مع الناس، وأكل الناس معه.

وكان منهم من يطعم إخوانه الطعام وهو صائم، ويجلس يخدمهم ويروحهم، منهم الحسن وابن المبارك»(5).

الأخلاق الفاضلة

الصوم يمثل طريقا للسمو بالنفس عبر تعويدها على صيانة الجوارح ومقاومة الرغائب، فمع الجوع والعطش وما لهما من ضغوط على الجسد والنفس يطالب المؤمن بألا يرد الإساءة بمثلها بل يعفو ويصفح ويقابل ما يواجهه بالحكمة والتروي، وإن من يستطيع كبح جماح نفسه وهو صائم لا شك أنه أقدر على ذلك في فطره، ولذلك «قالت الحكماء: إنما كان الصوم نصف الصبر لأن في الإنسان قوى ثلاث: قوة شهوية كالتي في البهائم، وقوة غضبية كالتي في السباع، وقوة روحية كالتي في الملائكة، فإذا تغلبت قوته الروحية على إحداهما كان ذلك نصف الصبر، وفي الصوم يتغلب المسلم على قوته الشهوانية والغضبية»(6)، وهذا هو السلوك الذي يريد الإسلام أن يغرسه في ضمير المسلم ويعوده ويمرنه عليه في اللحظات التي تحتاج إلى طاقة أقوى وعزيمة أشد ليصبح له منهج حياة يتبعه في سائر مواقفه، قال صلى الله عليه وسلم: «والصيام جنة، وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني صائم إني صائم». (رواه البخاري).

ويحذر النبي صلى الله عليه وسلم أولئك الذين لا يرون من الصيام سوى الجانب الحسي الذي يتمثل في الامتناع عن الطعام والشراب ويغفلون النواحي الروحية التي تصفو بها النفس وتجمل الطباع وتصنع الصورة المثلى للمسلم الذي يستقي منهجه في الحياة من تعاليم دينه ليكون داعية بأخلاقه ومبادئه قبل أقواله ومواعظه، يقول صلى الله عليه وسلم: «رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش، ورب قائم حظه من قيامه السهر» (رواه أحمد)، فالصيام والقيام يرتقيان بهذا الجانب ويتجاوزانه إلى غاية أسمى ليكون الصيام امتناعا عن كل ما يعكر فطرتنا ويتنافى مع مبادئ عقيدتنا ويكون القيام رغبة في القرب من الخالق بعد التخلص من كل ما يمكنه أن يكون سببا في بعدنا عنه، ويقول صلى الله عليه وسلم: «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه» (رواه البخاري).

ولقد كان الخوف من الوقوع فيما يمنع ذلك الرقي الأخلاقي الذي هو سلاح المؤمن الأقوى في الحياة منهج السلف الصالح في رمضان مما جعلهم يحرصون على أن يكون صيامهم امتناعا عن كل ما يبعدهم عن التقوى التي هي الرجاء الأول والغاية الكبرى من الصيام، وكانوا -رضي الله عنهم- يستعظمون أن يتجرأ أحد في رحاب ذلك الشهر على الوقوع في المعاصي خاصة تلك التي يستهين بها البعض وتصبح جزءا من عاداتهم، مثل الكذب والغيبة والنميمة والسخرية، دون أن ينتبهوا لحرمتها ودون أن يتيقظوا لمضارها وخطورتها على صيانة المجتمع وتآلفه وتعاضد أهله، فهي تفجر عوامل التفتت وتزرع الضغائن وتضعف الثقة بين أبناء المجتمع الواحد، وهذا ما يأباه الإسلام وينفر منه أصحاب الفطرة الإنسانية النقية والنبيلة، روي عن سفيان الثوري قوله: «لو رميت رجلا بسهم كان أحب إلى من أرميه بلساني، لأن رمي اللسان لا يكاد يخطئ»(7) ويقول سيدنا عمر: «ليس الصيام من الطعام والشراب وحده، ولكنه من الكذب، والباطل، واللغو، والحلف»(8).

ورحم الله القائل:

إذا لم يكن في السمع مني تصامم

وفي مقلتي غض، وفي منطقي صمت

فحظي إذن من صومي الجوع والظما

وإن قلت: إني صمت يوما فما صمت

الفرح والبشرى

يعلمنا الصوم أن فرحة الوصول إلى الغاية تزيل متاعب الطريق ومشقة البعد، وأن عاقبة من يرفضون الخضوع ويقررون الصبر ويتحلون بالإرادة أمام رغبات النفس هي قطف ثمار النجاح والامتلاء من متعة الشعور بالفوز. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «للصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح، وإذا لقي ربه فرح بصومه» (رواه البخاري)، إنها بشرى نبوية ليست للصائم عن الطعام والشراب فحسب بل هي كذلك للمؤمن الذي يظل قويا أمام مغريات الحياة المادية بكل أنواعها لا يرضى لنفسه أن يقع في شراك المحرمات، وأن يدنس نفسه في شرار الموبقات وإن أثقلته متاعب الحياة وإن أتعبته مشاعر الحرمان، فإشراقات الأمل تتجدد مع إطلالات شهر رمضان وما يحمله للمؤمنين من بشريات، وما يغرسه في النفوس من طاقات، وطريق الصبر وإن طال فعاقبته فيوضات من الخير والبركة والفرح تتوالي في الدينــــــا وتأتي الفرحة الكبرى يوم لقاء الله عزوجل.

الهوامش

1- ابن حزم الأندلسي: المحلى بالآثار، بيروت: دار الفكر بدون تاريخ، ج4، ص307.

2- الشيخ محمد الغزالي: معاني الصوم وذكرياته، منبر الإسلام - مجلة المسجد، رمضان 1373هــ، ص22.

3- ابن رجب الحنبلي: لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف، تحقيق: ياسين محمد السواس، دمشق، بيروت: دار ابن كثير 1420هـ، 1999م، ص291.

4- مصطفى صادق الرافعي: وحي القلم، دار الكتب العلمية، 1421هـ-2000م، ج2، ص58.

5- ابن رجب الحنبلي: اختيار الأولى في شرح حديث اختصام الملأ الأعلى، الكويت: مكتبة دار الأقصى 1406هـ، 1985م، ص78، 79.

6- محمد مبارك: بستان رمضان، الرياض: الجمعية العربية للثقافة والفنون 1404هـ، 1984م، 136، 137.

7- أبو بكر الخرائطي: مكارم الأخلاق ومعاليها ومحمود طرائقها، تقديم وتحقيق: أيمن عبدالجابر البحيري، القاهرة: دار الآفاق العربية 1419هـ - 1999م، ص137.

8- أبو بكر بن أبي شيبة: المصنف في الأحاديث والآثار، تحقيق: كمال يوسف الحوت الرياض: مكتبة الرشد 1409هـ، ج2 ص272.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

الملا وفهد ناصر يكرمان بطل العالم يوسف العبدالرزاق

  الكويت – الوعي الشبابي: كرم د.صقر الملا نائب المدير العام للرياضة التنافسية، ورئيس ...

أطفالنا والصيام

  نهى الفخراني أطفالنا شديدو الذكاء والملاحظة.. فتراهم يلحظون متى ننشغل عنهم وإن بدا أننا ...

الطوفان الرقمي.. يكشف خبايا الشبكة العنكبوتية

 القاهرة – عبد الحليم حفينة: بالتأكيد إنك أحد مستخدمي الشبكة العنكبوتية طالما شرعت في ...

اتصل بنا

  • صندوق البريد: 23667 الصفاة 13097 - الكويت
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
  • 22467132 - 22470156

عندك سؤال