الأربعاء، 26 فبراير 2020
رئيس التحرير
فهد محمد الخزّي

محدث عصره العلامة الألباني

✍ هشام الصباغ - باحث لغوي: انطلاقا من مقولة «الناس موتى وأهل العلم أحياء»، نسلط في ...


 

 

المتواجدون على الموقع

المتواجدون الأن

215 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

baaaar

محمد عطيه متولي - إمام وخطيب بوزارة الأوقاف:  

أولى الصناعات التي ينبغي للأمم أن تعتني بها هي صناعة الإنسان والمحافظة على فطرته، التي فطره الله عليها، نقية من أمراض القلوب؛ تحب الحق والخير والجمال وتقدر المعروف وتكافئ عليه، يوقر صغيرها كبيرها، ويرحم كبيرها صغيرها. وقد سمى الله تعالى التربية صناعة حين قال لكليمه موسى:

{وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} (طه:39)، قال أبو عمران الجوني: «تربى بعين الله»(1). وعملية البر عملية غرس وحصاد، فما يبذره الوالدان في مرحلة نمو أولادهما يحصدانه في حالة الكبر، وما من حق في الإسلام إلا وفي مقابله واجب «جاء في مسند الفردوس عن أبي هريرة رفعه: يلزم الوالدين من البر لولدهما ما يلزم الولد»(2).

وحتى نحصل على مجتمع بار يقوم بحق الآباء والأبناء:

1- ربط الناشئ بالعقيدة ربطا يذكره دوما بالله تعالى وحبه والخشية منه. هذه الصلة تجعل من بر الوالدين طاعة لله تعالى وسعيا إلى الدرجات العلى في الدنيا والآخرة عندما تتوثق هذه الصلة يتأسس بر الوالدين في ذهنه وسلوكه على قوله تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} (الإسراء:23-24) ويقوم الولد بالبر تنفيذا لوصية الله تعالى: {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا} (الأحقاف:15)، هذه الصلة تجعل من بر الوالدين حالة مستمرة مستقرة، وطبعا لا يستطيع مخالفته؛ لأنه يقوم بالبر إرضاء لله وليس للناس، والفارق بينهما أن البر إرضاء لله يقوم به الإنسان في جميع أحواله أما البر للناس فلا يقوم به الإنسان إلا طمعا في ثناء الآخرين أو خوفا من عتابهم، وكلما قرأ المسلم قوله تعالى: {رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ} (الإسراء:25)، تجدد إخلاصه وقوي سعيه لإرضاء ربه وبر والديه.

2- الدعاء؛ فدعاء الوالدين لأولادهما فيه من التضرع وصدق التوجه والافتقار إلى الله تعالى ما يجعله أرجى للإجابة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن: دعوة الوالد، ودعوة المسافر، ودعوة المظلوم»(3). فكما ندعو لأبنائنا بالتوفيق فيما يستقبل من حياتهم نقرن ذلك بالدعاء أن يرزقهم الله البر وأن يعينهم عليه.

ومن دعاء عباد الرحمن: {رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ} (الفرقان:74)، ومن قرة عين المسلم أن يرى أبناءه يبرونه طاعة لله والدعاء للصغار هدي نبوي، عن ابن عباس قال: ضمني النبي صلى الله عليه وسلم إلى صدره، وقال: «اللهم علمه الحكمة»(4).

3- مد جسور التواصل بين الوالدين وأبنائهما؛ تسارع الحياة وضغوطها جعلا كثيرا من الأسر يعيشون في جزر منعزلة حتى في اللقاءات الأسرية المحدودة؛ فتجدهم يتواصلون مع من في الشرق والغرب بوسائل التواصل الاجتماعي وينفصلون عمن بجوارهم؛ وبذلك تفتر المشاعر وتفقد هذه اللقاءات آثارها الطيبة. إن اللقاءات العائلية، سواء في محيط الأسرة الصغيرة أو العائلة الكبيرة، ينبغي أن توحد مشاعرهم وتقرب بينهم وتجعلهم يتشاركون الآلام والآمال، وأن يكون بعضهم عونا لبعض في الشدة والرخاء، فإذا اكتنف البرود هذه اللقاءات وخلت من المشاعر الفياضة بالحب والإكبار، فكيف نتوقع من الصغار أن يبروا الكبار؟!

4- الرحمة؛ إذا كانت الشرائع السماوية توجب على الأبناء البر بآبائهم فإنها توجب على الآباء أن يرحموا أبناءهم في الصغر، لأن من تربى على الجفاء والغلظة والعبوس لا يستطيع أن يرحم من قسا عليه ولا أن يكون لطيفا معه! كان النبي صلى الله عليه وسلم يغمر من حوله بمشاعر الرحمة والحنان فيقبِّل الحسن ويسلم على أطفال الأنصار ويمسح على رؤوسهم، ويجعل من الابتسام عبادة يتقرب بها إلى الله، قال صلى الله عليه وسلم: «تبسمك في وجه أخيك صدقة»(5)، فما بالنا بالتبسم في وجه الأبناء؟! وهل يكون لصاحبه نصيب من قوله صلى الله عليه وسلم: «صدقتك على المسكين صدقة، وهي على ذي الرحم ثنتان: صدقة، وصلة»(6)، هذه المشاعر الفياضة بالحب تقرب البعيد وتؤلف النافر وتحقق تواصلا أفضل بين الوالدين وأبنائهما.

لرحمة الصغار أطيب الثمار في الدارين، ففي الدنيا نبني إنسانا سليما من الناحية النفسية بارا بوالديه، وفي الآخرة رضوان من الله، عن عائشة أنها قالت: جاءتني مسكينة تحمل ابنتين لها، فأطعمتها ثلاث تمرات، فأعطت كل واحدة منهما تمرة، ورفعت إلى فيها تمرة لتأكلها، فاستطعمتها ابنتاها، فشقت التمرة، التي كانت تريد أن تأكلها بينهما، فأعجبني شأنها، فذكرت الذي صنعت لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «إن الله قد أوجب لها بها الجنة، أو أعتقها بها من النار»(7).

5- العدل؛ فإن شعور الأطفال بتمييز الوالدين بعضهم عن بعض مهما كان الشيء الذي تخص به أحد أولادك بسيطا ولا قيمة له، يولد في النفس عداوة للوالدين وبغضا للإخوان ونارا لا يطفئها إلا العودة إلى العدل مرة أخرى، وقد علم النبي صلى الله عليه وسلم الآباء أن يراعوا أحاسيس أبنائهم، عن أنس أن رجلا كان جالسا مع النبي صلى الله عليه وسلم فجاء بني له فأخذه فقبله وأجلسه في حجره، ثم جاءت بنية له، فأخذها وأجلسها إلى جنبه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «فما عدلت بينهما»(8). ما الفرق بين معاملة الوالد لابنه وابنته؟ قبل ولده وأجلسه في حجره، وهذا يوحي بالاهتمام به أكثر من أخته. راعى النبي صلى الله عليه وسلم مشاعر البنت وعلم أباها وعلمنا أن نراعي العدل في كل أمورنا حين قال: «فما عدلت بينهما».

6- القدوة؛ للقدوة تأثيرها الفعال في غرس القيم، وهي أقرب الطرق وأقصرها لنقل الأفكار وتثبيت المبادئ و«أكثر الآباء والأمهات يركزون على التربية اللفظية من خلال التوجيه الكلامي، بينما هم يربون أبناءهم بتأثير أكثر وأكبر من حيث لا يشعرون من خلال التربية غير اللفظية، وهو ما يعبر عنه (بلغة الجسد) من خلال النظر والإشارة، تعابير الوجه وحركة الجسد واللباس والرائحة واللمس، فالجسد يتكلم ويوجه ويربي أكثر من اللسان، ولهذا نجد أن كثيرا من الآباء والأمهات يستغربون من سلوكيات أبنائهم ويقولون إنهم لا يعرفون أين تلقوا هذه التربية الخاطئة، بينما لو راجعوا أنفسهم وسلوكهم ولغة أجسادهم لاكتشفوا أنهم هم السبب؛ فالتربية غير اللفظية تؤثر بالقيم والسلوك أكثر من التربية اللفظية»(9)، حينما يرى الطفل بعينه ويسمع بأذنه ما يقوم به والداه تجاه الجد والجدة من الفرح بقدومهما وعبارات الترحيب التي يستقبلانهما بها ونظرات التقدير والشعور بالعرفان لإحسان الوالدين في الصغر والكبر.. كلها ترسخ في ذهنه أن البر هو السلوك المطلوب نحو الوالدين، وكل التوجيهات النظرية التي يسمعها الطفل من والديه أو من معلمه لا تثبت أمام كلمة نابية أو نظرة خالية من الاحترام أو جحود لمعروف الوالدين، أما السلوكيات التي تترجم المبادئ فهي أبقى في الذهن وأرسخ في النفس طالما اكتنفها الصدق والعفوية، ومما ينبغي ذكره في هذا المقام أن المشاعر الطيبة المتبادلة بين الوالد والوالدة لها جميل الأثر في بر الوالدين، فليس من المعقول أن يسيء الزوج لزوجته أمام أبنائهما ثم بعد ذلك يطلب منهم أن يبروا أمهم.

7- الصبر الجميل؛ فإن الاخلاق تحتاج إلى زمن لكي تثبت في النفس، وكلما كثرت الملهيات والصوارف وازدادت أنانية الإنسان، احتاج إلى نفس طويل وصبر ومثابرة، وفي ظل عالم منفتح على الآخر بثقافاته وتقاليده، وبعض هذه التقاليد لا تتفق مع تعاليم ديننا وما نشأنا عليه، يزداد العبء على الوالدين في تنمية خلق البر والدأب على تثبيته.

إن إهمال التربية على البر يخرج شخصيات منكرة لفضل ربها جاحدة لإحسان الآخرين، ومثل هذه النوعيات من البشر كالذي يشرب من الماء المالح كلما ازداد شربا ازداد عطشا، كلما أحسنت إليه أنكر معروفك.

إن إهمال التربية على البر ليس قضية أب متألم لعقوق أبنائه ولا أم بلغت من الكبر عتيا ولا تجد من أبنائها من يمد لها يده بالرحمة، بل هي قضية أمة بأسرها، وما الأمة إلا مجموعة من المجتمعات، وما المجتمعات إلا مجموعة من الأسر، وما الأسرة إلا مجموعة من الأفراد يربطها رباط القرابة والبر، فإذا تقطع رباط البر بقي رابط القرابة بلا قيمة ولا أثر.

الهوامش

1- تفسير ابن كثير، ت. سلامة، 5/284.

2- المقاصد الحسنة، ص:364.

3- وقال الشيخ الأرنؤوط حسن لغيره، (2/639).

4- قال البخاري: حدثنا أبو معمر، حدثنا عبدالوارث، وقال: «علمه الكتاب»، حدثنا موسى، حدثنا وهيب، عن خالد مثله، «والحكمة: الإصابة في غير النبوة»، صحيح البخاري، 5/27.

5- «موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان»، وقال محققه: إسناده صحيح إذا كان شيخ ابن حبان ثقة، 3/166.

6- مسند أحمد، ط:الرسالة، وقال محققوه: حديث صحيح لغيره، 26/171.

7- صحيح مسلم، 4/2027.

8- شعب الإيمان، 11/154.

9- «أطفالنا.. بين التربية بالقول والتربية بالقدوة» د. جاسم المطوع.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

تفوق طالبات أزهر الغنايم في سباق تحدي القراءة وحفظ القرآن

القاهرة – الوعي الشبابي: تحت رعاية عميدة معهد فتيات الغنايم الإعدادي الثانوي بمحافظة أسيوط ...

لا للضيق من الصغار

✍ د. محمد عباس عرابي - باحث تربوي:    من الظواهر المتفشية في مجتمعاتنا من المحيط ...

الطوفان الرقمي.. يكشف خبايا الشبكة العنكبوتية

 القاهرة – عبد الحليم حفينة: بالتأكيد إنك أحد مستخدمي الشبكة العنكبوتية طالما شرعت في ...

اتصل بنا

  • صندوق البريد: 23667 الصفاة 13097 - الكويت
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
  • 22467132 - 22470156

عندك سؤال