الأحد، 15 سبتمبر 2019
رئيس التحرير
فهد محمد الخزّي

الشيخ مناع القطان.. بنّاء العقول

✍ هشام الصباغ - باحث لغوي:  في البدء كانت «اقرأ».. أدرك رواد النهضة في الكويت ...


 

 

المتواجدون على الموقع

المتواجدون الأن

175 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

أهمية التفكير الناقد

الحسين بودميع - دكتوراه في العقيدة والفكر الإسلامي - المغرب:   

النقد مدخل ضروري من مداخل الإصلاح في كل مجالات الحياة الاجتماعية والعلمية والسياسية.

والتفكير النقدي عصمة لصاحبه من الزلل مع زلل غيره، وتحرير للعقل من ربقة التبعية والتقليد.

وثــــمـــــــار النـقد - على صعيد محاصرة الأخطاء والأخطار وإبراز نقاط القوة ومواطن الحــســــــن - لا تــــقـــــدر بثمن؛ فهو يكشف الستار عن مواطن الخطر وأسبابه، ومواقع الجمال ومظاهره، ويجعلنا قادرين على التمييز بين أصيل الأفكار ودخيلها، وسليم المناهج وشائنها، ويهدينا لأسلم وأخصر السبل للاستفادة من تجارب الآخرين، دون الوقوع في غوائل أخطائهم.

فما مفهوم التفكير النقدي؟ وما خصائصه ومزياه؟

أولا: مفهوم التفكير النقدي

1- مفهوم التفكير: التفكير تفعيل من «الفكر»، وهو في اللغة: فرك الأمور وفحصها. قال ابن فارس: «الفاء والكاف والراء: تردد القلب في الشيء؛ يقال: تفكر؛ إذا ردد قلبه معتبرا»(1). والتفكير: إعمال العقل وترديد الخاطر في الشيء والتأمل فيه لإدراك حقيقته.

2- مفهوم النقد: من معاني لفظ «النقد» في العربية: الاستهجان، والتمييز، والاختبار.

قال الزمخشري: «نقد الدراهم: ميز جيدها من رديئها»(2).

وقال ابن منظور: «النقد والتنقاد: تمييز الدراهم، وإخراج الزيف منها»(3).

وفي المعجم الوسيط: «نقد الشيء نقدا: نقره ليختبره، أو ليميز جيده من رديئه. يقال: نقد الطائر الفخ، ونقدت رأسه بأصبعي، ونقد الدراهم والدنانير، وغيرها نقدا وتناقدا: ميز جيدها من رديئها. ويقال: نقد النثر ونقد الشعر: أظهر ما فيهما من عيب أو حسن»(4).

والنقد بمعناه العام: «عملية محاكمة وتقويم تهدف إلى التصحيح والترشيد، من خلال بيان مواطن الخطأ والصواب، بناء على مقاييس متفق عليها جلها أو كلها»(5).

وأكثر من استعمل لفظ «النقد»؛ باعتباره مصطلحا، الأدباء، ويعني عندهم: «التمييز بين الأصيل والدخيل من الشعر»(6)، أو «الملكة التي يستطيع الباحثون بها معرفة الجيد من النصوص والرديء، والجميل والقبيح»(7)، أو «دراسة الأعمال الأدبية بقصد الكشف عما فيها من مواطن القوة والضعف، والحسن والقبح، وإصدار الأحكام عليها»(8).

ولا بد –ونحن بصدد التعريف بمفهوم النقد- من التنبيه إلى أن معناه لا ينحصر–كما هو شائع- في إظهار المعايب والمثالب، والدلالة على مواطن الضعف والخلل، لتفاديها، ولكن معناه ينطوي أيضا على إبراز مواطن القوة والدلالة على مواقع الجمال للحفاظ عليها والبناء عليها.

3- مفهوم التفكير النقدي: عندما ننسب «التفكير» إلى «النقد»؛ فنقول عن تفكير: إنه «تفكير نقدي»؛ فهو: ذلك النمط من التفكير المنهجي الذي يحمل صاحبه ويقدره على محاكمة الأقوال والأعمال والآراء والأذواق.. لمقاييس عقلية أو نقلية أو تجريبية معتبرة بقصد التمييز بين الجيد والرديء، والقوي والضعيف، والحسن والقبيح، والصواب والخطأ، والأصيل والدخيل منها قبل الحكم لها أو عليها بالقبول أو الرفض، أو الاستحسان أو الاستهجان.

ثانيا: خصائص التفكير النقدي

إذا تبين مفهوم التفكير النقدي مما سبق، فخصائصه ومميزاته التي يتميز بها عن سائر أنماط التفكير السطحي الجامد، من أبرزها:

1- طلب الدليل؛ فصاحب الحس النقدي لا يقبل من الآراء والأقوال إلا ما قام عليه دليل من صريح المعقول أو صحيح المنقول أو ثابت التجارب، وديدنه أن يقول – كما يقول القرآن - لكل ذي رأي أو دعوى: {قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} (البقرة:111).

2- تحري الصحة في النقل؛ سواء كان النقل عن عامة الناس، أو عن العلماء، أو عن صاحب الشرع؛ فالناقد إذا نقل إليه غيره خبرا من أخبار الناس لم يصدقه حتى يتبين صدقه من كذبه، وصوابه من خطئه، خصوصا إن كان المخبر ممن لا يوثق بإخباره؛ وقوفا عند قوله تعالى: {إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا} (الحجرات:6). وإن حدثه محدث عن أحد من العلماء وأهل الرأي بقول أو رأي أو فتوى، استفسر عن موضع ذلك من كتبه، وإن سمع أو قرأ نسبة قول إلى مذهب فقهي أو عقدي سأل عن أي من كتب ذلك المذهب المعتمدة عند أهله ينص على ذلك الرأي، وإن نقل له ناقل خبرا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل عن مصدره، فإن كان آحادا وورد في غير الصحيحين بحث درجته وتحقق من ثبوته، وإن لم يأنس من نفسه الرشد العلمي لنقده رجع إلى كلام عدول أهل العلم من صيارفة النقد الحديثي، ولم يقبل إلا ما حكموا له بالقبول، ولا يقبل مبهم العبارات من مثل: «ضعفه العلماء» أو «صححه أهل العلم»؛ بل يقول كما قال الأوائل: «سموا لنا رجالكم»، وهكذا فصاحب الحس النقدي لا تجده ممن قد فتحوا عقولهم لكل واردة وشاردة من الأخبار؛ وممن يصدق ويحدث بكل ما يسمع أو يقرأ من الأحاديث المنسوبة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على أنه قطعا من سنته.

3- التحقق من دعوى الاتفاق والإجماع؛ الاتفاق على رأي ما يكسبه قوة قد لا يكتسبها من أي دليل آخر مهما كانت درجة حجيته؛ فالإجماع الأصولي مثلا -وهو: اتفاق جميع مجتهدي أمة محمد صلى الله عليه وسلم بعد وفاته في عصر من العصور على حكم شرعي- دليل متفق على الاحتجاج به، وهو حجة قطعية لا يدخله النسخ(9)، ويكفر منكره؛ مما يبوئه مكانة رفيعة بين الأدلة الشرعية، توجب التثبت والتحقق من ثبوته قبل الإقدام على دعوى انعقاده، وإلا كان مدعيه مجازفا ومخاطرا بدينه، ومتساهلا في التقول على دين الله بما لا يعلم؛ لهذا عد العلماء من تقوى الفقيه وورعه وحياطته لدينه ألا يقدم على إطلاق دعوى الإجماع على حكم من الأحكام، إلا بعد أن يتأكد بيقين من اتفاق جميع الموجودين من مجتهدي الأمة عليه، وهو أمر تعز الإحاطة به على غير الراسخين من العلماء المشرفين على الخلاف، الحافظين لمذاهب فقهاء الأمصار المطلعين على فتاويهم؛ مما يؤكد خطورة الإقدام على إطلاق دعوى الإجماع.

ورحم الله أحمد بن حنبل فلقد صدق إذ حذر من المخاطرة بالإقدام على ذلك، فيما رواه عنه ابنه عبدالله؛ قال: سمعت أبي يقول: «ما يدعي فيه الرجل الإجماع فهو كذب، ومن ادعى الإجماع فهو كاذب، لعل الناس اختلفوا -ما يدريه- ولم ينته إليه، فليقل: لا نعلم الناس اختلفوا»(10).

والمقصود هنا أن صاحب الحس النقدي لا يتلقى دعوى الاتفاق والإجماع على الشيء من مدعيه بالتسليم من غير مراجعة وتثبت؛ لعلمه بأن دعاوى الإجماع «يستعملها بعضهم في قطع الطريق على البحث والمناقشة لبعض الأمور التي يدعي فيها الإجماع، ولا إجماع»(11).

4- دعوة المحاور إلى تحديد مفاهيم مصطلحاته؛ فصاحب الفكر الناقد لا يقبل من محاوره أن يوظف في محاورته مصطلحات ذات مفاهيم عائمة، أو ألفاظ حمالة ذات أوجه متباينة من غير أن يحدد بوضوح مراده منها؛ فإذا ما سأله مثلا عن موقفه أو حكم الشرع في «الإرهاب» أو «العنف» أو «التشدد» أو «التطرف» أو «التمييز ضد النساء» أو «الحريات الفردية»، أو جادله في شأنها؛ لم يجبه ولم يتماد في مجادلته حتى يستوضح منه مراده منها؛ إذ قد يقصد بمصطلح «الإرهاب» ما هو معلوم من دين الإسلام وجوبه بالضرورة، وقد يستعمل مصطلح «العنف» ويريد به تطبيق حدود الله على من استوجبها، وقد يعد الدعوة إلى إقامة شرع الله «تشددا» و«تطرفا»، وقد يعتبر التفاضل بين الذكر والأنثى المتساويين في القوة والدرجة في الميراث «تمييزا ضد النساء»، وقد يقصد بإقرار «الحريات الفردية» تقنين الشذوذ الجنسي والاعتراف بحق المثليين في ممارسة شذوذهم.

5- نبذ التقليد، وهو اتباع الغير، فردا أو جماعة، على رأيه أو مذهبه أو دينه أو عاداته من غير معرفة دليله في صواب ذلك؛ فصاحب الحس النقدي لا يتبع أحدا لقوته أو كبر سنه أو شهرته، ولا يردد مع الدهماء عبارات الإطراء والثناء على كل متعلق بحضارة الغالب وثقافته ومناهجه، وعبارات القذع والقدح في كل ذي علاقة بحضارة المغلوب وثقافته ومناهجه، ولا يقول أنا مع الناس إن أساءوا أسأت وإن أحسنوا أحسنت، وإنما يتبع ما قام البرهان على صحته، وإن نابذه الناس جميعا، وينزل كلا منزلته، ويعطي كل ذي حق حقه.

الهوامش

1 - المقاييس في اللغة، مادة «نقد».

2 - أساس البلاغة، مادة «نقد».

3 - لسان العرب، مادة «نقد».

4 - المعجم الوسيط، مادة «نقد».

5 - فريد الأنصاري، أبجديات البحث في العلوم الشرعية، ط. دار الكلمة، المنصورة، مصر، الطبعة1، 2000م، ص99.

6 - إحسان عباس، تاريخ النقد الأدبي عند العرب، ط. دار الثقافة، بيروت، الطبعة1، 1971م، ص9.

7 - شوقي ضيف، النقد، ط. دار المعارف، بيروت، (دون تاريخ)، ص9.

8 - عبدالعزيز عتيق، في النقد الأدبي، ط. دار النهضة العربية، بيروت، 1972م، ص263.

9 - لو جاز   نسخ الإجماع، لكان الناسخ له إما نصا أو إجماعا أو قياسا؛ أما النص فلا يعقل أن يكون ناسخا له؛ لأن من شروط النسخ تأخر الناسخ عن المنسوخ، والنص متقدم قطعا عن الإجماع، إذ لا ينعقد الإجماع في عصر النبوة كما هو معلوم، ولا نص بعد النبوة؛ فتعين أن يكون النص متقدما على الإجماع، وأما الإجماع فلو جاز أن ينسخ إجماعا آخر، لكان الإجماع الأول خطأ، ولجاز أن تجتمع الأمة على خطأ، وهو باطل، وأما القياس فما ثبت به ظني، والإجماع قطعي، والظني لا ينسخ القطعي.

10 - المدخل إلى مذهب الإمام أحمد لعبدالقادر بدران، تحقيق: محمد أمين ضناوي، ط. دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1417هـ/1996م، 1/115.

11 - أحمد الريسوني، نظرية المقاصد عند الشاطبي، ط. دار الأمان، الرباط، المغرب، ط2، 1424هـ/2003م، ص305.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

العتيبي يكرم موظفًا بإدارة المخطوطات لتميزه وتفانيه وإخلاصه في العمل

الكويت – الوعي الشبابي: قام مدير إدارة المخطوطات والمكتبات الإسلامية مشعل فهد العتيبي ...

الأب المحبوب

✍ د. هانئ محمد:     الأسرة هي البيئة الأولى لحدوث التفاعل بين الوالدين ...

هيئة الكتاب المصرية تصدر مختارات محمد ناصف

القاهرة – الوعي الشبابي: صدرت مؤخرا المختارات المسرحية للكاتب المسرحى المصري محمد ...

اتصل بنا

  • صندوق البريد: 23667 الصفاة 13097 - الكويت
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
  • 22467132 - 22470156

عندك سؤال