الخميس، 28 مايو 2020
رئيس التحرير
فهد محمد الخزّي

محدث عصره العلامة الألباني

✍ هشام الصباغ - باحث لغوي: انطلاقا من مقولة «الناس موتى وأهل العلم أحياء»، نسلط في ...


 

 

المتواجدون على الموقع

المتواجدون الأن

103 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

mahaba

د. أشرف زاهر - جامعة المدينة العالمية:    

كلما مرت الأيام وأطل على الناس شهر ربيع الأول تذكروا ميلاد النبي صلى الله عليه وسلم، وهاجت في نفوس المخلصين أشواق المحبة الصادقة لرسولهم الكريم الذي كتب الله محبته في قلوب المؤمنين..

بيد أن كثيرا من الناس يدعي محبة رسوله صلى الله عليه وسلم، وعند التأمل نرى محبتهم ادعاء لا يصدقه واقعهم، وزعما تناقضه أفعالهم، فكان حريا أن نعيش في ظلال تلك الروضة الندية، نقبس من أنوارها، ونقطف من ثمارها؛ شفاء للعليل، وإرواء للغليل، ووفاء لمن وجب له الحب والتبجيل.

وجوب حب النبي صلى الله عليه وسلم

إن حب النبي صلى الله عليه وسلم ليس نافلة يعذر تاركها، بل هو فرض لازم على كل مسلم ومسلمة، لا يتحقق بدونه الإيمان، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن أحدكم، حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين»(1). وقال عمر ابن الخطاب رضي الله عنه يوما: يا رسول الله، لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا، والذي نفسي بيده، حتى أكون أحب إليك من نفسك» فقال عمر: فإنه الآن، والله، لأنت أحب إلي من نفسي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «الآن يا عمر»(2)، أي: الآن كمل الإيمان بمحبتك لرسولك، بل أمر الله تعالى بأن تكون تلك المحبة مقدمة على حب النفس والمال والولد، وحذر من مخالفة ذلك، فقال: {قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} (التوبة:٢٤).

وحينما يحقق المسلم هذا الحب الكامل للنبي صلى الله عليه وسلم سيقطف أولى ثمار المحبة، حيث يجد حلاوة يتذوقها قلبه، وينشرح بها صدره، وتزكو بها نفسه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما»(3)، وهي محبة موصولة في أمته إلى يوم القيامة، مهما طال الزمان أو بعد المكان، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من أشد أمتي لي حبا، ناس يكونون بعدي، يود أحدهم لو رآني بأهله وماله»(4).

لماذا نحب النبي صلى الله عليه وسلم

تجمعت في رسول الله صلى الله عليه وسلم كل موجبات المحبة، فهو أزكى الخلق نفسا، وأصفاهم قلبا، وأكملهم خَلقا وخُلقا، وأرجحهم عقلا وفكرا، وأنقاهم سريرة وروحا، وأفصحهم لسانا وبيانا، ولذا اصطفاه الله تعالى ليكون حاملا لآخر رسالات السماء إلى الأرض، وجاهد حياته كلها لينشر النور الذي أوحي إليه، ويخرج به الناس من ظلمات الجهل والضلال إلى نور الهداية والإيمان، ولم يدخر وسعا في ذلك بل تحمل في سبيل الله أنواع الأذى، وظل مهموما بأمته طوال حياته، بليغ الحرص على هدايتهم، شديد الشفقة عليهم من مصير المعاندين للحق، حتى إن حزنه لضلالهم كاد يقتله كما صور ذلك القرآن في قوله تعالى: {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} (الشعراء:٣)، ومن كمال رحمته بأمته أنه ادخر دعوته المستجابة شفاعة لأمته يوم القيامة، فهو بحق رحمة مهداة، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} (الأنبياء:١٠٧). ولم تقتصر رحمته على المؤمنين؛ إذ كانت الأمم قبله ينزل بهم العذاب في الدنيا حين يكذبون رسلهم، أما في أمته فهو أمان للناس، قال تعالى: {وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} (الأنفال:٣٣). وعن ابن عباس قال: كان صلى الله عليه وسلم رحمة لجميع الناس فمن آمن به وصدق به سعد، ومن لم يؤمن به سلم مما لحق الأمم من الخسف والغرق(5).

وإذا كان الأسوياء من الناس يحبون آباءهم وأمهاتهم، ويبرونهم ويحفظون فضلهم ويجاهدون للوفاء بهم؛ لأنهم سبب وجودهم، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى من الآباء والأمهات بالمحبة والتعظيم؛ لأنه سبب الهداية في الدنيا والسعادة في الآخرة.

كيف نحب النبي صلى الله عليه وسلم

إن لمحبة النبي صلى الله عليه وسلم مقتضيات، بها يتميز الحب الصادق من الزائف؛ فليس الحب كلمة ترددها الألسنة ولا تفقه معناها، ولا شعورا عارضا يتوهج حينا ثم يخبو، وإنما الحب الصادق عاطفة حية، تبرهن عليها أدلة وبينات، وتشهد لها أمارات وعلامات، ومن أبرز تلك البراهين:

1-لزوم طاعته واتباع سنته؛ إذ إن طاعته جزء من حقيقة الإيمان، وأمر لازم من الرحمن، وعد من التزمه بأعلى الجنان، وتوعد من خالفه بالعذاب والخذلان، بل إن الله تعالى أمر بالطاعة المطلقة التي لا يصاحبها أدنى حرج أو ضجر، حيث قال: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا} (النساء:٦٥).

ومن لوازم تلك الطاعة إحياء سنته، والتحاكم إلى شريعته، والذب عنها، والمسارعة إلى امتثال أوامره، والتأدب بأخلاقه، والاقتداء به، حتى وإن لم تستبن لنا الحكمة من فعله؛ فإن المحب للمحب مطيع، وهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه لا يقبل الحجر الأسود إلا لأنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبله(6)، وهذا ابن عمر رضي الله عنه يدير ناقته في مكان معين، فسئل عنه فقال: لا أدري، إلا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعله ففعلته(7).

2-توقير النبي صلى الله عليه وسلم وبره، وتعظيم أمره، وإعلاء شأنه، قال تعالى: {فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (الأعراف:١٥٧)، والتعزير: اسم جامع لنصره وتأييده، ومنعه من كل ما يؤذيه. والتوقير: اسم جامع لكل ما فيه سكينة وطمأنينة من الإجلال والإكرام، وأن يعامل من التشريف والتكريم والتعظيم بما يصونه عن كل ما يخرجه عن حد الوقار(8). وقد حفلت سورة الحجرات بآداب يجب اتباعها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا ينادى باسمه مجردا، ولا يقدم حكم على حكمه، ولا يرفع صوت في مجلسه.

3-ترطيب الألسن بكثرة ذكره والصلاة والسلام عليه، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} (الأحزاب:٥٦).

4-الشوق والحنين إلى لقائه، وما أجمل موقف بلال بن رباح رضي الله عنه لما حضرته الوفاة، نادت امرأته: واويلاه، فقال: «وافرحاه، غدا ألقى الأحبة محمدا وحزبه»(9).

5- محبة من أحبه رسول الله صلى الله عليه وسلم وبغض من أبغضه، كحب آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، وأزواجه، وأصحابه، وحسن الثناء عليهم والاستغفار لهم، والإمساك عما شجر بينهم، ومعاداة من عاداهم، وموالاة من والاهم.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الله الله في أصحابي، لا تتخذوهم غرضا بعدي، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم»(10).

6-ومن المقامات العالية في حبه محبة كل شيء كان يحبه النبي صلى الله عليه وسلم، حتى في الشؤون العادية، من مأكل ومشرب وملبس، وما أرق موقف أنس ابن مالك رضي الله عنه حين علم أن النبي صلى الله عليه وسلم يحب أكل الدباء (القرع) قال: «فما صنع لي طعام بعد أقدر على أن يصنع فيه دباء إلا صنع»(11).

هذه بعض الشواهد التي تبرهن على صدق المحبة، فليت شعري كيف يدعي المحبة من تجرد من كل هذه الفضائل، وراح يقدم هواه على سنة نبيه، أو يرمي شريعته بالنقائص، فأنى يكون له من حب رسول الله نصيب؟!

نماذج للمحبين للنبي صلى الله عليه وسلم

عرف السلف الصالح قدر النبي صلى الله عليه وسلم فأحبوه حبا عظيما، عبر عنه علي رضي الله عنه فقال: « كان والله أحب إلينا من أموالنا وأولادنا، وآبائنا وأمهاتنا، ومن الماء البارد على الظمأ»(12).

وكانوا يؤثرون فرحة رسول الله صلى الله عليه وسلم على فرحتهم، ورضاه على رضاهم، فهذا أبوبكر رضي الله عنه يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: والذي بعثك بالحق لإسلام أبي طالب كان أقر لعيني من إسلام أبي قحافة؛ لأن إسلام أبي طالب كان أقر لعينك. وقال عمر بن الخطاب للعباس رضي الله عنهما: أن تسلم أحب إلي من أن يسلم الخطاب؛ لأن ذلك أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم(13).

ولم يقتصر حبهم له على المشاعر أو الكلام، بل بلغ أن يفدوه بأنفسهم وأموالهم وكل ما ملكوا، فهذا طلحة يوم أحد وقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه، وقال: نحري دون نحرك يا رسول الله، واتقى النبل عنه بيده حتى شلت يده كما قال قيس بن أبي حازم(14).

وهذا زيد بن الدثنة لما أخرجه أهل مكة من الحرم ليقتلوه، قال له أبو سفيان: نشدتك بالله يا زيد، أتحب أن محمدا عندنا الآن بمكانك يضرب عنقه، وأنك في أهلك؟ قال: والله ما أحب أن محمدا الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه، وأني جالس في أهلي. فقال أبو سفيان: ما رأيت من الناس أحدا يحب أحدا كحب أصحاب محمد(15).

وفي ذلك يقول الشاعر:

أسرت قريش مسلما

فمضى بلا وجل إلى السياف

سألوه هل يرضيك أنك سالم

ولك النبي فدى من الإتلاف

فأجاب كلا لا سلمت من الردى

ويصاب أنف محمد برعاف

وقد ارتقوا في حبهم له لدرجة الخوف ألا يصحبوه في الجنة كما صحبوه في الدنيا، فهذا رجل جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «إنك لأحب إلي من نفسي، وإنك لأحب إلي من ولدي، وإني لأكون في البيت فأذكرك فما أصبر حتى آتي فأنظر إليك، وإذا ذكرت موتي وموتك، عرفت أنك إذا دخلت الجنة رفعت مع النبيين، وأني إذا دخلت الجنة خشيت ألا أراك»، فنزل قوله تعالى: {وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا {4/69} ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللّهِ وَكَفَى بِاللّهِ عَلِيمًا} (النساء:٦٩) (16).

وما أروع شهادة عروة بن مسعود حين وجهته قريش في صلح الحديبية إلى المسلمين ثم رجع إلى أصحابه فقال: والله لقد وفدت على الملوك، ووفدت على قيصر، وكسرى، والنجاشي، والله ما رأيت ملكا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدا، والله إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون إليه النظر تعظيما له(17).

وهذا كله غيض من فيض صور الحب للنبي صلى الله عليه وسلم التي سجلها التاريخ بأعطر بيان، وأزهى برهان، فما أحوجنا أن نجعل حبنا الصادق لنبينا صلى الله عليه وسلم عدة لنجاتنا يوم القيامة، كما فعل الصحابي الذي قال عن الآخرة: ما أعددت لها من كثير صلاة ولا صوم ولا صدقة، ولكني أحب الله ورسوله، فقال صلى الله عليه وسلم: «أنت مع من أحببت»(18). فصلى عليك الله يا سيدي يا رسول الله يا علم الهدى، ما هبت النسائم وما ناحت على الأيك الحمائم، وجزاك الله عن العالمين خير الجزاء وسلم تسليما كثيرا.

الهوامش

1- البخاري (15)، ومسلم (44).

2- البخاري (6632).

3- البخاري (16)، ومسلم (43).

4- مسلم (2832).

5- تفسير القرطبي (11/350)، دار الكتب المصرية، القاهرة، 1384هـ.

6- البخاري (1597)، ومسلم (1270).

7- الشفا بتعريف حقوق المصطفى للقاضي عياض (2/15)، دار الفكر، 1409هـ.

8- الصارم المسلول على شاتم الرسول لابن تيمية، ص:422، الحرس الوطني السعودي.

9- سير أعلام النبلاء للذهبي (1/359)، مؤسسة الرسالة، 1405هـ.

10- الترمذي (3862)، وأحمد (20549).

11- مسلم (2041).

12- الشفا بتعريف حقوق المصطفى (2/22).

13- السابق.

14- البخاري (4063).

15- معرفة الصحابة لأبي نعيم (2999)، دار الوطن للنشر، الرياض.

16- أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (7/7)، وقال: رواه الطبراني في الصغير والأوسط، ورجاله رجال الصحيح.

17- البخاري (2731).

18- البخاري (6171)، ومسلم (2639).

أضف تعليق


كود امني
تحديث

الملا وفهد ناصر يكرمان بطل العالم يوسف العبدالرزاق

  الكويت – الوعي الشبابي: كرم د.صقر الملا نائب المدير العام للرياضة التنافسية، ورئيس ...

أطفالنا والصيام

  نهى الفخراني أطفالنا شديدو الذكاء والملاحظة.. فتراهم يلحظون متى ننشغل عنهم وإن بدا أننا ...

الطوفان الرقمي.. يكشف خبايا الشبكة العنكبوتية

 القاهرة – عبد الحليم حفينة: بالتأكيد إنك أحد مستخدمي الشبكة العنكبوتية طالما شرعت في ...

اتصل بنا

  • صندوق البريد: 23667 الصفاة 13097 - الكويت
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
  • 22467132 - 22470156

عندك سؤال