الخميس، 03 ديسمبر 2020
رئيس التحرير
فهد محمد الخزّي

وفاة الداعية فلاح مندكار

الكويت – الوعي الشبابي:   توفي فضيلة الشيخ أبومحمد فلاح بن إسماعيل بن أحمد مندكار عن ...


 

 

المتواجدون على الموقع

المتواجدون الأن

67 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

batarr

  د. عبدالمنعم مجاور - دكتوراه في الدراسات الإسلامية:

يظن بعض الناس أن القناعة نوع من قلة الحيلة، أو ضرب من ضعف الهمة، وقد يعدها البعض نوعا من التواكل أو الكسل، وليس الأمر على ما ظنوا وعدوا، ما توافرت للقناعة شروطها ودواعيها، فالقناعة لا تعني ترك ميدان الحياة لغيرنا..

ولا الانزواء في ركن ضيق من أركان هذا الكون الفسيح، وإنما القناعة امتلاك مع زهد، وحيازة مع ترك، وغنى مع بذل، ولا تظنن أن القناعة بالغني ألصق، وعن الفقير أبعد؛ إذ ليس بالضرورة أن يكون كل غني -بسبب ما آتاه الله من النعم- قنوعا راضيا، فقد يكون غنيا ولا يملأ عينه إلا التراب، ولا كل فقير -بسبب سغبه وعوزه- طماعا متطلعا، بل قد يؤتي الله الفقير من الرضا والقناعة ما يجعله في أعين كثيرين غنيا، فيكون ممن قال الله فيهم: {يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاء مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا} (البقرة:273). فمدار الأمر إذن على تربية النفس على الترفع، وتوطينها على التعفف، وتعويدها على السمو فوق رغباتها وتطلعاتها.

والأمر بالنسبة إلى الفقير والغني سواء فيما يتعلق بنعم الله على كليهما غير أن نعم الغني شاخصة أمام أعين الفقير ظاهرة بارزة، إذ يختزلها البعض في هذا المال الذي وصفه أبوطالب في خطبته السيدة خديجة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه «ظل زائل وعارية مسترجعة»، وإنما نعم الله على كل واحد منا سابغة عامة {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ اللّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} (النحل:18)، وما ضيع إحساسنا بهذه النعم، وتمتعنا بمزاياها إلا إلفها والاعتياد عليها، فيستيقظ أحدنا على بدن صحيح معافى، ومأوى واسع فسيح، وفراش وثير دافئ، وطعام شهي طازج، وشراب طهور نقي، وأبناء يضحكون، وحياة مستقرة آمنة فلا ينظر إلى هذا كله، ولا يعده نعما.

وما ذلك إلا لأنه اعتاد وجوده وكأنه حق مكتسب، وفرض لازم، وشيء من المسلمات ليس من حق أحد أن يسألها عنها أو ينازعه فيها، ومن ثم ينسى ما أفاء الله عليه، ويجحد أفضال الله بين يديه، فتراه يفتح عينه على سيارة جاره الفارهة، ويشرئب بعنقه إلى بيت صديقه ذي الطوابق والأدوار، أو مزرعة زميله التي فيها من خيرات الله ما فيها، ويغفل عن حقيقة هامة مفادها: أنه إنما رأى ما يعجبه وربما غاب عنه ما لو كان عنده من مثله لساءه، ولو عانى من ويلاته لأرهقه؛ من مرض عند هذا الجار مكتوم الخبر، أو خلاف بين أسرة هذا الصديق ناشب، أو ابن عند هذا الزميل عاق، ولو فتح عينه الأخرى على نعم خصه الله بها، ومواهب أعطاه الله إياها ولم يعطه أحدا ممن عدد نعم الله عليهم وأحصاها لراجع نفسه، بل ربما لو خير بين أن تتبدل المواقع بينه وبين من حسدهم، وعدد عليهم نعمهم ما اختار إلا موقعه الذي هو فيه، وحاله التي اختارها الله له!!

وإن كان الرضا والقناعة -في رأيي- لا يتحققان بعقد مثل تلك المقارنات، ولا بالإمساك بالورقة والقلم لعد كم نعمة عندي، وحساب كم نعمة عند غيري! لأن من يفعل ذلك لا يعد -عندي- راضيا ولا قنوعا؛ لأنه ما رضي -إن رضي- إلا عندما وجد كفته من النعم المعدودة أرجح، ولا قنع -إن قنع- إلا عندما رأى من مصاب من يحسدهم أشد مما عنده وآلم. وليس هذا بصاحب فضل في رضاه، ولا بذي كرامة في قناعته؛ لأنه رضا المعاينة، وقناعة المشاهدة، لم يترك شيئا ليقين، ولا طمعا في أجر لإيمان، ولا احتسب صبرا طلبا لجنان، ولا استعذب ألما رغبة فيما عند الديان، فكيف -بالله- تعده راضيا قنوعا وقد تعامل مع ربه معاملة التاجر؟!!

ولعل مما يزيد من ازدراء نعم الله على الإنسان طمعه الجامح، وتعلقه الزائد بالدنيا، فيعقد أحدنا المقارنات بينه وبين غيره، فيرتد إلى نفسه كسيف البال محزونا لأن المقارنة لم تكن في صالحه، بل كانت لفلان الذي أعطاه الله كذا وكذا أو علان الذي منحه الله كيت وكيت.. وهكذا في كل شؤون حياته. إن إنسانا هذه حاله لن تهنأ له عيشة، ولن تستطيب له حياة؛ لأن بداخله نفسا كنودا، تأخذ وتنكر، وتعطى وتمنح فلا تشكر، فقره بداخله وإن أوتي مال قارون!

لكنك تنظر في الناحية الأخرى فيطل عليك منها وجهان؛ وجه مضيء بالرضا رغم قلة ذات اليد، وآخر مشرق بالشكر مما أسبغ الله عليه من نعم ظاهرة وباطنة، فرضي الأول لأنه استشعر معنى النعمة فرآها في جسد معافى، وزوجة صالحة، وابن بار، وأمن في حياته واستقرار.. فقبل يده ظهرا لبطن، واستمتع بحياته، وعاش ملكا في نفسه، وبين أهله وناسه، وربما لو فتشت بيته ما وجدت من حطام الدنيا إلا النزر اليسير، ولو قلبت حافظة نقوده لوجدتها تشكو الوحدة، فما من قرش أنيس، ولا من فلس جليس!! ولكن صاحبهما قد ملأهما رضا، وأشبعهما قناعة، فذلك هو الرضا الذي قصدت، وتلك هي القناعة التي أردت.

أما الثاني فقد عرف فضل الله عليه؛ فأعطى وتصدق، من غير منٍّ ولا أذى، بل أنفق وهو مشفق، وقلبه خائف وجل، يخشى أن يعطي فلا يقبل عطاؤه، أو يتصدق فترد صدقته، لعلمه أن المال مال الله، وما هو إلا مستخلف فيه؛ لذا تراه يتمثل في إنفاقه قول الله تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ} (المؤمنون:60).

إن وجود النعم لا يعني استبعاد زوالها وتحولها، بل إن شكرها هو ما يضمن دوامها واستمرارها والحفاظ عليها بل وزيادتها كرما من الله وتفضلا، وإن جحودها ونكران فضل الله عزوجل فيها لأول نذير بزوالها والعقاب عليها، قال تعالى: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} (إبراهيم:7). وقد كان النبي الكريم صلى الله عليه وسلم يستعيذ من زوال النعمة وتحول العافية، فعن عبدالله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك، وتحول عافيتك، وفجاءة نقمتك، وجميع سخطك» (رواه مسلم).

إن استشعار نعم الله على الإنسان لدليل على قلب حي، وضمير يقظ، ونفس طيبة، والمؤمن الحق يرى في المصائب والرزايا إكرام الله له، وتفضيله إياه فلولا ما يعلمه الله من حسن سريرته، وقوة إيمانه، وجليل احتسابه ما أصابه ولا أرزأه، ويوقن بأن الله في الآخرة معوضه عما فاته في الدنيا، وعلى ما أصابه فيها، فتستوي عنده النعمة والمصيبة، فيحمد الله في السراء، والضراء متمثلا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر وكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له» (مسلم).

إن هذه الدرجة العالية من الرضا والتسليم يراها المسلم في كل ما يصيبه، وهي ما عبر عنها الشاعر بدر شاكر السياب بقوله:

لك الحمد مهما استطال البلاء

ومهمــــا اســـــــتبد اســـــــتبد الألـــــــم

لك الحمد، إن الرزايا عطــــــــاء

وإن المصيبات بعض الكرم

إن هذه المعاني إذا استشعرها المؤمن عد كل يوم جديد في عمره نعمة، وكل نفس يتنفسه نعمة، وكل إطلالة فجر نعمة، ولم يكن إلف النعمة إلا دافعا لأداء شكرها، واعترافا بفضل الله فيها، وإقرارا بأنها لم تكن لعلم عنده يفوق به غيره، ولا لمزية فيه عن سائر خلق الله سواه، وإنما هي فضل من الله وكرم يراها ذو النفس المشرقة في كل ما حوله من ماء سائغ يشربه، ومن هواء عليل يتنفسه، ومن أمن نفسي يجعله متفائلا مقبلا على ربه راجيا عفوه وكرمه، وإن كان ولابد مقارنا فلتكن مقارنته مع من يراه أقل منه في رزق أو أضعف منه في بدن، أو أشد منه في ابتلاء ومصيبة، وفي الحديث الشريف عن أبي هريرة ] قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «انظروا إلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم؛ فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم» (متفق عليه).

إننا بحاجة إلى أن نعيش تلك المعاني فترسخ في نفوسنا ثم نرسخها في نفوس أبنائنا فينشأ الطفل وقد ملئت عينه مما في يده، ومما آتاه الله فلا يتطلع إلى ما في يد غيره، ونعلمه أن التفاضل بين البشر إنما يكون بالطاعة والعمل الصالح لا بحطام الدنيا الزائل، وأن هناك في الآخرة جنة فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ولا يمكن مقارنتها بدنيا فانية، وأن ما آتاه الله من نعم فاعتاد عليها هي عند غيره أقصى ما يتمناه فليحمد الله على ما آتاه، ولا يزدري نعمة الله عليه فننشئ أجيالا عندها من الرضا والقناعة ما يعزز فيها الثقة بالنفس، والشكر لله عز وجل في العسر واليسر، والسراء والضراء، حتى إذا آتاه الله من فضله لا يكون ذلك داعي كبر وبطر، وإذا منعه سبحانه لا يكون داعي نقمة أو ضجر، ليكبروا وقد كبرت معهم هذه المعاني فتكبر نفوسهم قبل أن تكبر أجسادهم.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

الملا وفهد ناصر يكرمان بطل العالم يوسف العبدالرزاق

  الكويت – الوعي الشبابي: كرم د.صقر الملا نائب المدير العام للرياضة التنافسية، ورئيس ...

أطفالنا والصيام

  نهى الفخراني أطفالنا شديدو الذكاء والملاحظة.. فتراهم يلحظون متى ننشغل عنهم وإن بدا أننا ...

الطوفان الرقمي.. يكشف خبايا الشبكة العنكبوتية

 القاهرة – عبد الحليم حفينة: بالتأكيد إنك أحد مستخدمي الشبكة العنكبوتية طالما شرعت في ...

اتصل بنا

  • صندوق البريد: 23667 الصفاة 13097 - الكويت
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
  • 22467132 - 22470156

عندك سؤال