الجمعة، 22 نوفمبر 2019
رئيس التحرير
فهد محمد الخزّي

الشيخ مناع القطان.. بنّاء العقول

✍ هشام الصباغ - باحث لغوي:  في البدء كانت «اقرأ».. أدرك رواد النهضة في الكويت ...


 

 

المتواجدون على الموقع

المتواجدون الأن

189 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

abaaad

د. عطية الويشي - أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية الزائر – كلية القانون الكويتية العالمية:                  

في سياق حديثه عن قوم لوط وغيرهم من أصحاب الأيكة والحجر، وآثار قراهم التي كانوا يسكنونها، ألمح القرآن إلى بعض الإشارات المنهجية المعنية بتعميق الوعي المعرفي بالتاريخ، وذلك من خلال معاينة الشواهد الأثرية التي تصدق على المعطيات التاريخية الثمينة لتلك القصص.

ولعل المتأمل في القرآن الكريم يجد أمثلة كثيرة على الاهتمام بالسياحة والآثار لتعزيز الوعي المعرفي بالتاريخ، وتقوية ملكة التنقيب عن الحكمة واستخراج العبرة والموعظة الحسنة الكامنة بين أنقاض تلك الآثار، يقول تعالى: {فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُّقيمٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّلْمُؤمِنِينَ} (الحجر:٧٣-٧٧)؛ فتلك «المدينة المقلوبة ثابتة الآثار، مقيمة للنظار، فكأنها بمرأى العيون الناظرة لبقاء آثارها، وهذه واحدة من تلك الآيات»(1)، لتكون علامة للمتوسمين، الذين يتحرون دلالات هذه الآثار متفكرين فيها حين يمرون عليها، ويتفرسون حقائق أمورها مستقصين أسبابها وأبعادها التاريخية... {وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِم مُّصْبِحِينَ وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} (الصافات:١٣٦-١٣٧)، وهي «طريق تمرون عليها، لا يجرفها سيل، ولا يغير معالمها ريح، بل هي طريق ثابتة مقيمة تمرون عليها حينما تذهبون في رحلة الصيف إلى الشام؛ فكان من الواجب أن تأخذوا في كل مرور لقطة وعبرة؛ حتى لا تقعوا في ظلم آخر»(2)، فتؤمنوا معتبرين بحوادث الأيام والدهور وتواريخ المصور والعصور.

وقد قدر الله تعالى بقاء آثار تلك القرى موصوفة بالآية البينة والعلامة العينة لكل سالك الطريق الموصلة من جزيرة العرب إلى بلاد الشام... {وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ} (هود:٨٣)، أي إن «ديار قوم لوط ليست ببعيدة من الكفار المكذبين لنبينا، فكان عليهم أن يعتبروا بما وقع لأهلها إذا مروا عليها في أسفارهم إلى الشام»(3).

وهكذا، فإن المستشهد بقصص القرآن كمكون تأسيسي للوعي التاريخي، لا تخطئ عينه تلك الشواهد الأثرية التي لم تزل حية في غير مكان من أرض الله... تلك التي استثمرها الوحي في التثقيف التاريخي، وتبليغ العبرة مقرونة بدلالتها الأثرية التي تصدق عليها، قال تعالى: {وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَاكِنِهِمْ} (العنكبوت:٣٨). ويبدو لي أن سياق الآيات يتجاوز مجرد معاينة متروكات القوم، والإحاطة بشواهد بيوتهم وجنانهم وآبارهم وأدوات مهنهم، وسائر أحوالهم وأدلة معاشهم، بل إنه ليذهب إلى تحري ما هو أعمق وأدق من ذلك: أفكارهم عن الله تعالى، ورؤاهم للكون والحياة والإنسان... وانعكاس تلك الرؤى والأفكار على حياتهم الاجتماعية ونظامهم الاقتصادي وأوضاعهم السياسية والحضارية...

الشاهد من الموضوع أن «الآية/البينة» المتجلية في آثار القرى من أبرز مكونات الوعي التاريخي، ومن ثم، فهو وعي بالدليل العلمي والبرهان العقلي الذي يبلغ بالرواية التاريخية القرآنية تمام اليقين.

وإننا، في مجمل السياقات القرآنية ذات الدلالة التاريخية، نلحظ أن الوحي قد قرن التعبير عن تلك الشواهد الأثرية جميعا بألفاظ باعثة على التفكر في حكمة التاريخ وأسراره ومقتضى الوعي به، ومعرفته معرفة تسهم في تنمية وعي الإنسانية المؤمنة برسالتها في هذا الوجود؛ فعلى سبيل المثال، يقول تعالى: {إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِّنَ السَّمَاء بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ وَلَقَد تَّرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} (العنكبوت:٣٤–٣٥)، «أي تركنا آية صادرة من آثارها ومعرفة خبرها، وهي آية واضحة دائمة على طول الزمان إلى الآن، ولذلك وصفت ببينة»(4). إن هذه الآية البينة كما أنها منصوبة للمؤمنين الذين يخافون العذاب الأليم، كذلك هي منصوبة لعبرة الذين يعقلون.

وفيما يلي نسوق بعضا من تلك الشواهد المنهجية التي أوردها الوحي بغرض التنويه الدلالي بأهمية الشواهد الأثرية كأحد أهم مداخل الوعي المعرفي بالتاريخ...، نسوقها على سبيل المثال والاستئناس:

أولا - يقول الله تعالى في المشهد الأخير من قصة فرعون الغريق: {فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ} (يونس:٩٢)، أي «نلقيك على نجوة(5) من الأرض بدرعك، وكانت له درع من الذهب يعرف بها. وقرئ «ننجيك» بالحاء «ننحيك»، أي نلقيك بناحية الساحل لتكون لمن خلفك آية، أي لمن وراءك آية، وهم بنو إسرائيل، إذ قالوا: ما مات فرعون وإنما قالوا ذلك لعظمته عندهم ولما حصل في قلوبهم من الرعب من أجله، فأمر البحر فألقاه على الساحل أحمر قصيرا كأنه ثور فرآه بنو إسرائيل فعرفوه. وقرئ «لمن خلفك» فعلا ماضيا «لمن خلفك»، أي لتكون لمن يأتي بعدك من الأمم نكالا من الطغيان. وقرئ «لمن خلفك» بالقاف «لمن خلقك» أي لتكون لخالقك آية كسائر آياته»(6).

وقد نوه العلم الحديث بما يعزز من هذا المنهج في حقل الدراسات التاريخية، «ومع تقدم علم الآثار، وتفوق العلماء في قراءة الحفريات... نلمس مصداق ما جاء به القرآن الكريم مصححا أخطاء علمية في تراث الأمم السابقة، إذ تفرد بمعلومات دقيقة لم تكن معروفة عند أحد من العالم»(7).

ثانيا: في توجيهات الذكر الحكيم نظر المؤمنين إلى عبرة الآثار التاريخية الواجبة الامتثال، يقول تعالى: {وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ} (إبراهيم:٤٥)؛ وعلى الرغم من أن الوحي أشار إلى أن العبرة قد بانت أمارتها وتجلت حكمتها لمن عاين تلك المساكن فسكنها من بعد أهلها الظالمين- يعني الذين ظلموا أنفسهم «بالكفر والمعاصي ممن كان قبلكم من الأمم الخالية كقوم نوح وعاد وثمود وغيرهم... وقد عرفتم كيف كان عقوبتنا لتتدبروها، وتعتبروا بها... فيجب على كل من شاهد أحوال الماضين من الأمم الخالية، والقرون الماضية، وعلم ما جرى لهم... وكيف أهلكوا... أن يعتبر بهم، ويعمل في خلاص نفسه من العقاب والهلاك»(8).

ليس ذلك فحسب، بل أعطانا الوحي من خلال معاينة الآثار تمرينات عملية على ممارسة التبين التاريخي؛ تمرينات تتكرر بتكرار التلاوة المتدبرة، قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ       وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ {89/9} وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ {89/10} الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ} (الفجر:٦-١٤)، فهي لفتة تعزيزية للنشاط التفكيري المتدبر في حكمة تلك الآثار التاريخية وتكييفاتها الوجيهة المقنعة.

ثالثا: قوله تعالى لافتا بصائر العقول إلى الشواهد الأثرية كآيات لفقه التاريخ: {أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّأُوْلِي النُّهَى} (طه:١٢٨)، بمعنى: «أفلم يهد لقومك المشركين بالله، ومعنى يهد: يبين. يقول: أفلم يبين لهم كثرة ما أهلكنا قبلهم من الأمم التي سلكت قبلها التي يمشون في مساكنهم ودورهم، ويرون آثار عقوباتنا التي أحللناها بهم، وسوء مغبة ما هم عليه مقيمون من الكفر بآياتنا، ويتعظوا بهم، ويعتبروا، وينيبوا إلى الإذعان، ويؤمنوا بالله ورسوله، خوفا أن يصيبهم بكفرهم بالله مثل ما أصابهم. ذلك بأن قريشا كانت تتجر إلى الشام، فتمر بمساكن عاد وثمود ومن أشبههم، فترى آثار وقائع الله تعالى بهم»(9). و«كم» فاعلة لـ«يهد» على تقدير قوله: أفلم يهد لهم القرون التي هلكت. و«يهد» بمعنى: يبين(10).

وهكذا، تبقى الآيات التي تتناول موضوع الآثار منهجا تأسيسيا في الحقل الفلسفي للتاريخ، وذلك بدعوتها المباشرة إلى السياحة في الأرض، والنظر المتأمل في كيفيات الحوادث وتعليلاتها المآلية العميقة وتحليلاتها السببية المتعمقة... {وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ} (إبراهيم:٤٥). ولعلنا نلحظ أن السؤال التاريخي في الآية لم يرد بصيغة «ماذا فعلنا بهم» بل «كيف فعلنا بهم»، وهذه لفتة تنويرية جديرة بالالتفات المتأمل إلى منهجية استبيان حركة الحوادث التاريخ استبيانا منهجيا حكيما... لفتة تحترم عقل الإنسان فتفترض فيه فطنة التبين السديدة والمعاينة الرشيدة... {وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَاكِنِهِمْ} (العنكبوت:٣٨).

إنها لفتة تكشف عن مدى ما يمنحه الإسلام للإنسان من حرية التفكير، وما يتيحه من مجالات آفاقية عديدة لممارسة التأمل، وتحري الحقائق التاريخية بكل أريحية، ويستنبط دلالات تلك الحقائق بكل وسائل الوعي المعرفي من سمع وبصر وفؤاد بعيدا عن الضغوط، ومن دون مزايدة على حرية الإنسان ومحاصرته بالنصوص الشرعية الانتقائية!

الهوامش

1- محمد بن عبدالله الأصبهاني المعروف بالخطيب الإسكافي (ت:420هـ)، درة التنزيل وغرة التأويل، دراسة وتحقيق وتعليق: محمد مصطفى آيدين (معهد البحوث العلمية بجامعة أم القرى، مكة المكرمة، 1422هـ/2001م، سلسلة الرسائل العلمية الموصى بها -30)، جـ2، ص:820.

2- محمد متولي الشعراوي (ت:1418هـ)، تفسير الشعراوي، (مؤسسة أخبار اليوم، القاهرة، 1997م)، جـ11، ص:6591.

3- محمد الأمين بن محمد المختار بن عبدالقادر الجكني الشنقيطي (ت:1393هـ)، أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، 1415هـ/1995م) جـ2، ص:193.

4- الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير، ج20، ص:246.

5- قال أبو عبيدة: نلقيك على نجوة من الأرض، أي: ارتفاع. والنجوة والنبوة: ما ارتفع من الأرض (أبو محمد عبدالله بن مسلم بن قتيبة الدينوري (ت:276هـ): غريب القرآن، تحقيق: أحمد صقر، دار الكتب العلمية، بيروت، 1398هـ/1978م، ص199).

6- محمد بن عمر نووي الجاوي (ت:1316هـ): مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد، دار الكتب العلمية، بيروت، 1417هـ، ج1، ص:495.

7- نور الدين محمد عتر الحلبي، علوم القرآن الكريم، مطبعة الصباح، دمشق، 1414هـ/1993م، ص:246، بتصرف. حول ما تفرد القرآن بحديثه عن جثة فرعون، ووصف غرقه وصفا دقيقا معجزا... تحدثت الدراسات الموميولوجية حول الموضوع بدهشة تصديق فقالت: «أي التماعة عجيبة للآيات القرآنية! تلك التي تحدثت عن بدن فرعون، المعروض في المومياوات الملكية للمتحف المصري بالقاهرة، والتي تقدم لكل باحث في مجال الاكتشافات الحديثة براهين على صحة الكتابات القرآنية المقدسة (موريس بوكاي: التوراة والإنجيل والقرآن والعلم... دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة، ترجمة: الشيخ حسن خالد، المكتب الإسلامي، بيروت،1411هـ/1990م، ط3، ص:280).

8- الخازن: لباب التأويل في معاني التنزيل، ج3، ص:44.

9- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الطبري (ت:310هـ)، جامع البيان في تأويل القرآن، تحقيق: أحمد محمد شاكر، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1420هـ/2000م، جـ18، ص:397.

10- الخازن: لباب التأويل في معاني التنزيل، ج7، ص:4715.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

المطيري: مسابقة الرهيماني شجعت آلاف المهتدين الجدد والجاليات على حفظ كتاب الله

الكويت – الوعي الشبابي: أشاد ممثل وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية الوكيل المساعد للإعلام ...

درة صانها الإسلام

✍- كمال عبدالهادي محمد - كاتب مصري:  فطر الله المرأة وجبلها على التستر والحياء وصانها عن ...

"ستانلي.. ترنيمة الحب والحرب والحياة".. حكايات الإسكندرية

القاهرة- جنا حماد: انتهت الكاتبة والروائية والسيناريست وعضو اتحاد كتاب مصر ريم أبو عيد من كتابة ...

اتصل بنا

  • صندوق البريد: 23667 الصفاة 13097 - الكويت
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
  • 22467132 - 22470156

عندك سؤال