الأحد، 24 مارس 2019
رئيس التحرير
فهد محمد الخزّي

أمير الإنسانية .. تاريخ حافل بالعطاء

✍ محمود نصر الدين المعلاوي:      تأتي ذكرى الاحتفال بالأعياد الوطنية ...


 

 

المتواجدون على الموقع

المتواجدون الأن

152 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

fokaha

عبدالحميد محمد الراوي - كبير أئمة بوزارة الأوقاف المصرية

من طبيعة الإنسان أنه ملول، وقد يفقد توازنه النفسي بعد طول جد واجتهاد، والقلوب كلما كلت عميت، ومن ثم أباح الإسلام كل ما من شأنه أن يكسر حدة الجد والصرامة في حياة تميزت بالرتابة والملل، يحقق التوازن المطلوب ليتجدد النشاط..

وتقوى الرغبة في الحياة والاستمرار فيها، فندب المزاح بين الأصدقاء والخلان لما فيه من ترويح القلوب والاستئناس المطلوب، لتحقيق الغاية المنشودة من الخلق ألا وهي عمارة الأرض وتطوير الحياة والارتقاء بالإنسان.

ومن هنا جاءت مشروعية المزاح، فما هو المزاح، وما حاجة الإنسان إليه، وهل له ضوابط يتقيد بها؟

ماهية المزاح

المزاح نقيض الجد، مصدر للفعل «مزح». يدور معناه حول المباسطة والملاعبة والتلطف، وقد يطلق على كل وسيلة يراد بها المضاحكة والمفاكهة. ووسائله متنوعة، فقد يكون بابتسامة أو نكتة أو نادرة أو فكاهة أو إشارة أو حركة يراد بها الاستئناس وترويح القلوب من عناء الجد وطول العمل، وإدخال السرور على قلب المسلم، وأحب الأعمال عند الله إدخال السرور والبهجة والفرح على قلب مسلم.

التأصيل الشرعي للمزاح

الإنسان مدني بطبعه، والمدنية لابد أن يتخللها مزاح وملاطفة ومؤانسة، وتطييب الخواطر وإدخال السرور. والناس إزاء الترويح لهم اتجاهان:

الاتجاه الأول: يرفض الترويح والمرح والمزاح، ويرى أنه ضرب من العبث والاستخفاف، ودليل على نقص الجدية وتبلد في الاهتمامات.

واستدل أصحاب هذا الاتجاه بجملة من النصوص التي تنهى عن المزاح والهزل، ومنها قول الله تعالى: { وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ } (لقمان:6).

وقوله صلى الله عليه وسلم: «إن لكل عمل شرة، ولكل شرة فترة، فمن كانت فترته إلى سنتي فقد اهتدى، ومن كانت فترته إلى غير ذلك فقد هلك»(1).

والشرة هي الجد والمكابدة بجد وقوة. والفترة هي الوقوف للاستراحة. والحقيقة أن المزاح المنهي عنه هو الإفراط فيه، أو المداومة عليه؛ لأن الإفراط فيه انشغال باللعب والهزل، والإفراط فيه يورث كثرة الضحك، وكثرة الضحك تميت القلب، وتورث الضغينة في بعض الأحوال، وتسقط المهابة والوقار.

وقد علل الإمام النووي، رحمة الله عليه، النهي عن المزاح بقوله: «المزاح المنهي عنه هو الذي فيه إفراط ويداوم عليه، فإنه يورث الضحك وقسوة القلب، ويشغل عن ذكر الله والفكر في مهمات الدين، ويؤول في كثير من الأوقات إلى الإيذاء، ويورث الأحقاد، ويسقط المهابة والأوقار. فأما من سلم من هذه الأمور، فهو المباح الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله على الندرة لمصلحة تطييب نفس المخاطب ومؤانسته. وهو سنة مستحبة، فاعلم هذا، فإنه مما يعظم الاحتياج إليه»(2).

الاتجاه الثاني: يدور في فلك المفهوم المطلق للترويح، والذي يصل إلى الانفعال النفسي بشتى الوسائل، يمارسه الإنسان اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم في ظل الضوابط الشرعية التي تكفل له الانضباط. قيل لسفيان الثوري: المزاح هجنة؟ قال: بل سنة، ولكن الشأن فيمن يحسنه ويضعه مواضعه(3).

ويقصد بالسنة هنا طريقة النبي صلى الله عليه وسلم، وإلا فالمزاح يكون واجبا أحيانا إذا استعين به على دفع الملل ومواصلة العبادة وأداء الواجب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

وتستمد مشروعية المزاح والترويح عن النفس من أقوال النبي وأفعاله وسلوك الصحابة، رضي الله عنهم، وشهادات العلماء من بعدهم.

فقد ثبت في السنة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمازح أهله وأصحابه، رضوان الله عليهم، ووردت أحاديث ومأثورات كثيرة في الدعابة وإدخال السرور، فبوب البخاري في صحيحه باب للانبساط احتوى على أحاديث كثيرة تبين جانب الفكاهة في حياته صلى الله عليه وسلم، كما أفرد الترمذي في باب الشمائل المحمدية بابا خصصه عن صفة مزاح رسول الله.

فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قالوا يا رسول الله إنك تداعبنا، قال: «إني لا أقول إلا حقا»(4).

نماذج من مزاحه صلى الله عليه وسلم

وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يعطي أصحابه القدوة في كل شيء فإليكم نماذج من مزاحه صلى الله عليه وسلم: «أتـــــت عجــــوز إلــى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، ادع الله أن يدخلني الجنة. فقال: إن الجنة لا يدخلها عجوز، فذهب رسول الله فصلى ثم رجع إلى عائشة، فقالت عائشة لقد لقيت من كلمتك مشقة وشدة، فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: إن ذلك كذلك، إن الله إذا أدخلهن الجنة حولهن أبكارا»(5) ويقصد أنها تدخل الجنة وهي شابة.

وعن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «يا ذا الأذنين»(6) أي يمازحه، وليس المقصود السخرية والاستهزاء، وإنما ممازحة منه؛ لأن كل إنسان له أذنان.

هذه الأحاديث، وغيرها كثير، تدل على مزاحه عليه الصلاة والسلام، ومشروعية المزاح عموما، وكان النبي يرى مزاح صحابته ولم ينكر عليهم ذلك، وربما شاركهم مزاحهم، بل كانوا يتمازحون حتى أنهم يتبادحون بالبطيخ فإذا كانت الحقائق كانوا هم الرجال(7).

وسئل ابن عمر، رضي الله عنهما: هل كان أصحاب رسول الله يضحكون؟ قال: «نعم، والإيمان في قلوبهم أعظم من الجبل». وقال بلال بن سعد: «أدركتهم يشتدون بين الأغراض، ويضحك بعضهم إلى بعض، فإذا كان الليل كانوا رهبانا»(8).

وكانوا، رضي الله عنهم، يمتدحون المزاح من دون أن يروا في ذلك ما ينقص المروءة، أو يتنافى مع كمال الرجولة والوقار، فها هو عمر رضي الله عنه يقول: «إنه ليعجبني أن يكون الرجل في أهله مثل الصبي ثم إذا بغي منه وجد رجلا»(9). وكان زيد بن ثابت من أفكه الناس في بيته، فإذا خرج كان رجلا من الرجال(10).

وقد اشتهر من أصحاب رسول الله بالمزاح نعيمان بن عمرو بن رفاعة، الذي قال عنه ابن عبدالبر: شهد بدرا وكان من كبار الصحابة، وممن آمن في أول ظهور الإسلام، وكانت فيه دعابة زائدة وله أخبار طريفة في دعابته، وكان نعيمان مضحكا مزاحا(11).

ومما جاء عن عيينة بن حصن أنه شكا إلى نعيمان صعوبة الصيام، فقال: صم الليل. فروى أن عيينة دخل على عثمان وهو يفطر في شهر رمضان، فقال: العشاء. فقال: أنا صائم. فقال عثمان: الصوم بالليل. فقال: هو أخف علي. فقال عثمان: هذه إحدى هنات نعيمان، وكبير السن الذي لا يستطيع أن يصوم يشرع له الإفطار ويطعم (فدية طعام مسكين)(12).

وقد ترسم العلماء خطا الصحابة في الاسترواح بالمزاح، فقد كان الشعبي مزاحا ومن أفكه الناس، اشتهر بطرائفه، وهو من أكبر العلماء، ومما جاء عنه أنه سئل: هل يجوز للمحرم أن يحك بدنه؟ قال: نعم. قال: بمقدار كم؟ قال: حتى يبدو العظم(13).

وكان شريح يمزح في مجلس الحكم، وكان صهيب مزاحا، وكان أبو العالية كذلك مزاحا.. كل هؤلاء إذا مزح أحدهم لم يفحش ولم يشتم ولم يغتب ولم يكذب، فإنما يذم من المزاح ما خالطه هذه الخلال أو بعضها، وأما الملاعب فلا بأس بها في المآدب(14).

وكذلك كان من المشهورين بالمزاح الأعمش، رحمه الله تعالى، قال ابن عياش: رأيت على الأعمش فروة مقلوبة صوفها من الخارج فأصابنا مطر، فمررنا على كلب فتنحى الأعمش وقال لا يحسب أني شاة(15).

وجاء رجل إلى أبي حنيفة فقال له: إذا نزعت ثيابي، ودخلت النهر اغتسل، فإلى القبلة أتوجه أم إلى غيرها؟ فقال له: الأفضل أن يكون وجهك إلى جهة ثيابك لئلا تسرق(16).

ضوابط المزاح

المزاح خلق سلوكي إنساني تربوي، وهو مباح بلا شك، إلا أن له آدابا وضوابط، وكم من إنسان غفل عن تلك الضوابط فوقع في الممنوع من حيث لا يشعر:

1- ألا يكون المزاح فيه استهزاء بشيء من الدين، فإن ذلك من نواقض الإسلام، قال تعالى: { وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ } (التوبة:65-66)، وذلك كالاستهزاء بالقرآن أو السنة النبوية، أو بالملائكة، فبعض النكت مذكور فيها الاستهزاء بالملائكة أو الجنة أو النار، يتمازحون بها ويقعون في المعصية وهم يضحكون، يقول ابن عباس رضي الله عنه: «من أذنب ذنبا وهو يضحك دخل النار وهو يبكي»(17).

2 - ألا يكون المزاح إلا صدقا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم محذرا من هذا المسلك الخطير الذي اعتاده بعض الناس: «ويل للذي يحدث فيكذب ليضحك به القوم ويل له ويل له»(18).

فالمسلم يمزح لكنه لا يقول إلا حقا مثل الحادثة الصحيحة التي فيها طرفة، أما أن يختلق أشياء لإضحاك الناس فليس بمزاح.

وقد ثبت أن النبي كان يمزح ولا يقول إلا حقا، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قالوا يا رسول الله، إنك تداعبنا. قال: «إني لا أقول إلا حقا»(19).

وقال أيضا مبينا ما لا يجوز في المزاح: «أنا زعيم بيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقا، وبيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحا، وبيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه»(20).

فهذه الأحاديث تدل على أنه صلى الله عليه وسلم كان يمزح ولا يقول إلا حقا، إلا أن كثيرا ممن يتصدرون المجالس ويمزحون يلفقون القصص المضحكة والحكايات المثيرة لإضحاك الناس، ومباسطتهم وإدخال السرور عليهم، ولا شك أن هذه الزيادات من الكذب أو الزور هي مما نهى عنه الإسلام.

ومن الأمور المستحدثة في زماننا للتفكه وتفشت بين الناس، اقتران بعض الأشهر بكذبة معينة، وهي عادة قبيحة ممقوتة ذميمة، ليست من أخلاقنا الإسلامية، وتقاليدنا الصالحة، ولا شك أنها من الكذب المحرم، والمزاح الباطل.

3 - عدم الترويع والإضرار بالآخرين: قد يجعل بعضهم من المزاح وسيلة لترويع الناس وتخويفهم، وهو منهي عنه. روي أن الصحابة، رضي الله عنهم، كانوا يسيرون مع النبي صلى الله عليه وسلم فنام رجل منهم، فانطلق أحدهم إلى حبل معه فأخذه، ففزع، فقال رسول الله: «لا يحل لمسلم أن يروع مسلما»(21). وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا يأخذن أحدكم متاع أخيه لاعبا، ومن أخذ عصا أخيه فليردها»(22).

وهذا أدب يربي المسلم على مراعاة شعور الآخر، وعدم ترويعه وتخويفه، لما في ذلك من إلحاق الضرر به، لأن حرمة المسلم مصونة في الجد والهزل.

4- عدم الاستهزاء بالآخرين: الناس مراتب في مداركهم وعقولهم، وتتفاوت شخصياتهم. بعض ضعاف النفوس أهل الاستهزاء واللمز والغمز، قد يجدون متعتهم في اتخاذ بعض الأشخاص وسيلة للإضحاك والتندر، وقد نهى الله عزوجل عن ذلك فقال: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ } (الحجرات:11).

قال ابن كثير في تفسيره: والمراد من ذلك، احتقارهم واستصغارهم، وهذا حرام(23).

فالذي يستهزئ مازحا ويغتاب مازحا ويحقر مازحا وينتهك حرمة الدين مازحا، فإنه آثم وواقع في الحرام من حيث يعلم ومن حيث لا يعلم.

5 - معرفة مقامات الناس: إن البعض يمزح مع الكل من دون اعتبار مقامات الناس ومكانتهم الاجتماعية والعلمية، فللعالم مقامه، وللكبير تقديره، وللشيخ توقيره، ولهذا تجب معرفة شخصية المقابل، فلا تمازح مع الكبير والعالم بما لا يليق بمقامهما، قد يكون مزاحك لهما منبئا عن عدم توقيرك واحترامك لهما، ومازح أترابك وأصدقاءك، ولا تمازح من لا يعرف مقامك، لأنك إذا مازحته رد عليك بما يضر شخصيتك بين الناس.

والبعض الآخر قد يمزح مع الذين لا يحبون المزاح، أو يحملون كل قول وفعل على محمل الجد، أو لا يحبون مزاح هذا الشخص بالذات، أو نحو ذلك، فتكون النتيجة غير طيبة، وقد يرى منهم ما يكره، فلا ينبغي للمرء أن يمزح إلا مع من يقبل منه المزاح.

6 - ألا يكون في المزاح فحش: بعض الناس يستخدمون نكتا قبيحة وبذيئة، خالية من كل حياء وأدب، فالمزاح بالألفاظ القبيحة لا يجوز بحال، قد قال الله تعالى: { وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا } (الإسراء:53)، فالمؤمن لا يكون فاحشا ولا بذيئا أبدا.

7 - اختيار الأوقات المناسبة للمزاح، كأن تكون في السفر، والسفر عادة يلازمه تعب وشدة وعناء فيكون المزاح فيه مطلوبا، أو في حفل سمر، أو عند ملاقاة صديق لتدخل المودة على قلبه والسرور على نفسه، أو عندما تتأزم المشاكل الأسرية ويغضب أحد الزوجين، فإن الممازحة الخفيفة تزيل الوحشة وتعيد المياه إلى مجاريها.

وتكون الممازحة مطلوبة عندما يرى غيره مهموما، فيمازحه ليمسح عنه تقطيبه أو عبوسه، وقد قال علي بن أبي طالب: «لا بأس بالمفاكهة يخرج بها الرجل عن حد العبوس»(24).

8 - مراعاة شعور الآخرين: يجب على الإنسان أن يكون أديبا يراعي مشاعر الخلق، وإذا أراد أن يمازح لا يزعجهم ولا يجعلهم يغضبون منه، فالمزحة قد تجرح شعور الآخرين، هذا لا شك إيذاء للمؤمنين، وإيذاء المؤمنين حرام، فالمزاح مندوب إليه بين الأهل والأقرباء والأصدقاء بشرط ألا يكون فيه أذى لأحد أو إساءة لأحد أو استخفاف بمخلوق.

فوائد المزاح

المزاح أمر مشروع في الإسلام، بل يعد صدقة من الصدقات يؤجر عليها المسلم، والحكمة من مشروعيته أن له فوائد جمة، فهو يدخل السرور على قلب المسلم، ويستعان به على التخلص من السآمة والملل، وطرد الوحشة ودفع الهم والغم والقلق، بل به يصبح البيت سعيدا، والمدرس الناجح يمزح مع طلابه، والطبيب الناجح تجده مرحا يؤانس المريض، ويطمئنه ويعطيه أملا، فيشفي الله المريض بهذه المعنويات المرتفعة.

ولا شك أن التبسط لطرد السآمة والملل، وتطييب المجالس بالمزاح الخفيف الخالي من كل معصية، لا إثم فيهما بل فيهما خير كثير، وإذا كانت النية في الترويح عن النفس الاستعداد لطاعة الله، والإقبال على العمل بجدية ونشاط، فعندئذ يصبح الترويح عن النفس عبادة، قال أبو الدرداء: «إني لأستجم نفسي بشيء من اللهو فيكون ذلك عونا لي على الحق»(25).

ويقول علي بن أبي طالب: «روحوا عن القلوب، فإنها إذا كرهت عميت. وما ساعة الراحة إلا ساعة عون النفس على العبادة»(26). ويقول أيضا: «روحوا القلوب وابتغوا لها طرف الحكمة، فإنها تمل كما تمل الأبدان»(27)، فهي ضرورية كضرورة النوم لجسم الإنسان.

وما ورد في الأحاديث من النهي عن المزاح فيحمل على ما إذا كان به غيبة أو إيذاء للآخرين أو نحو ذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم مازح أصحابه.

لا إفراط ولا تفريط

مما سبق نخلص إلى أن المزاح أمر مشروع، إذا كان الغرض منه الترويح عن النفس ودفع الملل والسآمة والكرب عن النفوس، ويثاب عليه صاحبه إذا ابتغى من ورائه وجه الله، وقد يصل إلى مرتبة الواجب إذا كان للاستعانة به على أداء الواجب، وخلا من المخالفات الشرعية، وأن يكون المازح مقتصدا فيه، فيوازن بين الجد والهزل، إذ إن التوازن أمر مطلوب في كل شيء، وبذلك تستمر الحياة وتتحقق الغاية من خلق الإنسان، ويفوز بالسعادة في الدارين.

الهوامش

1 - رواه ابن حبان 653، والطحاوي في المشكل 88/2، وأحمد 2/188 من طريق شعبة عن حصين بن عبدالرحمن.

2 - مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح 7/3061.

3 - شرح السنة للإمام البغوي 13/184.

4 - رواه الترمذي 1990، وأحمد 10903.

5 - رواه الطبراني في الأوسط.

6 - رواه أبو داود والترمذي وصححه الألباني.

7 - أخرجه البخاري في الأدب المفرد 266 عن بكر بن عبدالله.

8 - شرح السنة للبغوي (مرجع سابق) 2351.

9 - رواه البيهقي في شعب الإيمان 7717.

10 - الموسوعة الميسرة في الأحكام والآداب، عمر فائق سرسر، دار اليازوري العلمية للطباعة والنشر، الأردن، عمان.

11 - الاستيعاب في معرفة الأصحاب لابن عبدالبر 4/1526.

12 - المراح في المزاح لمحمد الغزي العامري الدمشقي 1/65.

13 - المراح في المزاح (مرجع سابق).

14 - تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة الدينوري 1/256.

15 - البصائر والذخائر لأبي حيان التوحيدي، دار صادر، بيروت.

16 - المراح في المزاح (مرجع سابق) 1/89.

17 - كنز العمال في سنن الأقوال والأعمال 1/12162.

18 - رواه ابو داود والترمذي.

19 - رواه الترمذي 1990.

20 - رواه أبو داود 4/800.

21 - رواه ابو داود 5004.

22 - رواه أبو داود 5003.

23 - تفسير ابن كثير 7/276.

24 - المراح في المزاح (مرجع سابق) 1/67.

25 - الأربعين في أصول الدين لأبي حامد الغزالي، دار الكتب العلمية للنشر والتوزيع.

26 - الاستقامة في مئة حديث نبوي للدكتور محمد زكي محمد خضر.

27 - ربيع الأبرار في نصوص الأخبار لأبي القاسم الزمخشري.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

مشاري الظفيري يتصدر الجولة الاولى لـ(رالي قطر) ووزير الشباب يهنئه

الدوحة – الوعي الشبابي: هنأ وزير الاعلام ووزير الدولة لشؤون الشباب محمد الجبري اليوم ...

المناخ الأسري.. الواقع والمأمول

✍ عثمان حسين - مصر:         المتأمل في واقع المناخ ...

طلقني.. كلمة تكتب النهاية أم البداية؟

القاهرة - محمد عبدالعزيز ...

اتصل بنا

  • صندوق البريد: 23667 الصفاة 13097 - الكويت
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
  • 22467132 - 22470156

عندك سؤال