الثلاثاء، 21 مايو 2019
رئيس التحرير
فهد محمد الخزّي

أمير الإنسانية .. تاريخ حافل بالعطاء

✍ محمود نصر الدين المعلاوي:      تأتي ذكرى الاحتفال بالأعياد الوطنية ...


 

 

المتواجدون على الموقع

المتواجدون الأن

200 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

1 20151017 39317

د. صلاح فضل توقه

التطرف ظاهرة إنسانية قديمة قدم البشرية، وهي مشكلة معقدة متشابكة نالت اهتمام علماء كل العصور، وتناولتها بالبحث والدراسة علوم شتى وتخصصات عدة. وللنجاح في حلها والقدرة على مواجهتها، لابد من النظر إليها نظرة تكاملية للوقوف على أسبابها الحقيقية.

ومن مظاهر التشابك والتعقد في تناول موضوع التطرف أنه يمكن النظر إليه من كونه ظاهرة اجتماعية تعم المجتمع، كما يمكن النظر إليه من منظور جزئي؛ كونه سلوك فرد له دوافع نفسية كامنة داخلية، ومصادر يتلقاها أو تؤثر عليه من خارجه، وقد يتعامل معها كما تلقاها أو قد يضيف إليها ويعيد إخراجها وفقا لأبعاد ومتغيرات أخرى تتعلق به كفرد وبالبيئة الاجتماعية التي يعيش فيها.

التطرف عملية مكتسبة

التطرف عملية تعليمية مكتسبة من البيئة التي يعيش فيها الفرد والأشخاص الذين يتلقى عنهم ويؤثرون فيه. ووفقا لذلك، فإن التطرف مركب مكون من قيم واتجاهات ومعتقدات حاكمة لرؤية الفرد وتعاملاته تجاه البيئة التي يعيش فيها والعالم من حوله، وخلال عملية التعلم هذه تتم صياغة وتشكيل القيم التي تحكم سلوك الإنسان ومن خلالها يستطيع التعبير عن نفسه، وهذه القيم هي التي ينبثق عنها الاتجاه الذي يمثل استجاباته تجاه قضايا أو موضوعات أو مواقف محددة؛ قبولا أو رفضا، إيجابا أو سلبا.

كيف يحدث التطرف؟

والتطرف ظاهرة اجتماعية تتطور زمانيا ومكانيا تغذيها على المستوى الشخصي الأزمات الشخصية والضغوط العامة والمظالم مع وجود حاضنات تتبنى قيم التطرف وتعززها، ينتج عن هذه الأزمات والضغوط بناء نظام معتقدات متطرف وجامد، مما يؤدي إلى تمركز شخصي وجماعي واجتماعي وديني وعرقي وثقافي مولدا مشاعر الكراهية والرفض للآخر. وفي ظل هذا البناء والتكوين والشحن السلبي والضغوط العامة والمشاعر السلبية، ومع انسداد فرص التنمية والتمكين، يتم استخدام وسائل قهرية في التفاعل مع الآخر وتسود استراتيجيات الإقصاء والاستبعاد للآخر، وتكون المحصلة سلوكيات متهورة ومندفعة، ومحاولة التغيير القسري للمجتمع ضمن مظلة نظام المعتقدات المتطرف والمتجانس.

ويمكن القول إن الضغوط العامة الواقعة على البناء الشخصي، بما فيها من شعور بالمظالم وبخبرة الضحايا والإذلال وإدراك التهديدات والحرمان النسبي والعزلة والانفتاح المعرفي والديني، تدفع من خلال عمليات التنشئة الاجتماعية المتطرفة في مسارات الحاضنات الرسمية وغير الرسمية إلى بناء مرجعية للسلوك جامدة ومتطرفة تضفي شرعية على العنف الخارجي وضد الآخر وتعزز المشاعر السلبية ومشاعر الكراهية وقد تدفع لاستراتيجيات تتبنى التطرف العنيف(1).

التطرف من منظور إسلامي

على الرغم من أنه لا يوجد مجتمع من المجتمعات ولا عصر من العصور يخلو من ظاهرة التطرف، فإن التطرف صار من التهم التي يرمى بها المسلمون من أعدائهم في الداخل والخارج للتشويش على حقيقة الدين الإسلامي وتشويه صورة المسلمين وصد الناس عن الدخول في دين الله الذي ارتضاه للبشرية {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ} (آل عمران:19). وحري بنا أن نجتهد في أن ننظر إلى التطرف نظرة شرعية لمحاولة فهم حقيقته في واقعنا العربي والإسلامي وما يعانيه جراء هذه الظاهرة.

ومن الآيات التي تدور حول هذا المعنى قوله تعالى: {قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ}(ص:82-83).

والغواية هي الانحراف عن شرع الله، وهذا هو الهدف المعلن، الذي يعمل على تحقيقه الشيطان لعنه الله.

وقد كان الانحراف الأول للبشرية عندما نجح إبليس في غواية آدم وحواء، عليهما السلام، بتزيين الأكل من الشجرة مخالفة لأمر الله سبحانه وتعالى، قال تعالى: {وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ} (البقرة:35-36).

فالشيطان يعمل على غواية وإضلال الإنسان وإبعاده عن شرع الله بالمخالفة له، قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ} (الأنعام:112).

وفي السنة وردت أحاديث منها عن أم المؤمنين أم عبدالله عائشة، رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه، فهو رد» (البخاري ومسلم)، وفي رواية لمسلم: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا، فهو رد».

فأصل التطرف هو المخالفة لشرع الله سبحانه وتعالى بالغلو أو التساهل، وهو أصل الداء الذي نعانيه في مجتمعاتنا الإسلامية.

ضابط الحكم على ظاهرة التطرف

يحدث خلط ولبس وسوء فهم عندما تعزل الظواهر التي نسميها بالتطرف عن سياقها الشرعي وننظر إليها من منظور اجتماعي أو أمني أو نفسي؛ فمحاولة فهم السلوك الديني بمنظور ما معزولا عن أصوله الشرعية، توقعنا في مسألة النسبية، فلكل مجتمع أو بيئة اجتماعية بناؤها الاجتماعي الذي يميزها عن الآخرين، ومن هنا فالنظرة الاجتماعية تكون نظرة نسبية؛ فما يمكن أن تعتبره سلوكا متطرفا في بيئة ما قد يكون اعتدالا واستقامة وسلوكا في بيئة أخرى، والعكس صحيح تماما، فما يمكن أن يكون اعتدالا واستقامة في مجتمع ما يكون تطرفا وانحرافا في مجتمع آخر، فعل سبيل المثال: تقبيل المرأة عند اللقاء في الغرب سلوك مقبول ومتحضر، وعندما يرفضه المسلم يوسم بالرجعية والتطرف، وفي حالة تقديمنا للمألوف الاجتماعي على الحكم الشرعي يأتي حكمنا خاطئا، ولذلك قبل الحكم على سلوك ما بأنه متطرف لابد من رده إلى أصوله الشرعية.

وعندما حدث تطرف من بعض الناس في العبادة والابتداع فيها بما لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو بين أظهرهم ما زال حيا، بين لهم موقف الإسلام من أداء العبادات بالطريقة التي يريدونها، ففي الحديث: عن حميد بن أبي حميد الطويل أنه سمع أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم فلما أخبروا كأنهم تقالوها، فقالوا: وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبدا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم فقال: «أنتم الذين قلتم كذا وكذا.. أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني» (البخاري).

وبعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وفي خلافة الصديق أبي بكر رضي الله عنه، حدثت حركة ارتداد عن الدين ومحاولة منع الزكاة باعتبارها جزية كانت تؤدى للنبي صلى الله عليه وسلم، واجه ذلك بحكم الشرع وكانت معاركه معهم حفاظا على دين الله وأركانه.

وببعد بعض المسلمين عن فهم الدين فهما صحيحا كما فهمه الصحابة عن الرسول صلى الله عليه وسلم وكما فهمه السلف عن الصحابة، رضوان الله عليهم أجمعين، ظهرت الفرق الضالة التي خرج كثير منها عن الإسلام وأحدثوا في ديننــا ما لــــيس فيه كما حذر النبي صلى الله عليه وسلم، ففي الحديث: عــن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: صلى لنا النبي صلى الله عليه وسلم الفجر، ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة ذرفت لها الأعين، ووجلت منها القلوب، قلنا أو قالوا: يا رسول الله، كأن هذه موعظة مودع فأوصنا، قال: «أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن كان عبدا حبشيا، فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة وإن كل بدعة ضلالة» (أحمد وأبو داود).

واقع التطرف في العالم الإسلامي

من دون تهوين أو تهويل نعترف بأن التطرف المنسوب إلى الدين من الظواهر المنتشرة بين المسلمين على اختلاف أعمارهم وتخصصاتهم، ويكون في شكل جماعات وأحزاب اتخذت من الشريعة الإسلامية مرجعية لها، ووضع لها قادتها ومنظروها الأطر الفكرية والايديولوجية التي ترمي من خلالها إلى إقامة مجتمع إسلامي يكون انعكاسا لهذه الأفكار وممهدا لإقامة دولة الخلافة واستعادة مجد الأمة، كما أن لهذه الجماعات هيكلها وبناءها الداخلي اللذين يحددان العلاقة بين أعضائها، وفي معظم الأحيان تكون هذه الجماعات مجتمعا في ذاتها، منغلقة على نفسها؛ اجتماعيا واقتصاديا وتعليميا، وعلاقتها بالمجتمع في حدود ما يحقق مصالحها.

كما نلاحظ أن معظم هذه الجماعات تقيم لها نظاما موازيا للنظام الرسمي للدولة، تنشئ أعضاءها وتربيهم من خلاله، فلها نظامها التربوي، ومقرراتها التعليمية، ومؤسساتها الاقتصادية والعسكرية والسياسية والإعلامية، فهناك من الجماعات من يمتلك نظاما إعلاميا قويا مسموعا ومقروءا ومرئيا «إذاعات - صحف - قنوات فضائية - مواقع إلكترونية»، ونظامها الديني؛ فلها دعاة وفقهاء ومفتون يفتونهم ويؤصلون لفكر الجماعة وينشرونه، مع التشدد في رفض المخالف والإنكار عليه.

مواجهة التطرف

النجاح في مواجهة التطرف الديني لن يكون إلا برد الأفكار المتطرفة إلى الشريعة وتحكيمها في مدى صحة هذه الأفكار وشرعيتها، واستنباط الحكم الشرعي عليها من خلال القرآن والسنة وتقديمه على ما سواه، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} (النساء:59)، وفي الحديث: عن عبدالله بن عمر، رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم: «على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره، إلا أن يؤمر بمعصية، فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة» (مسلم).

وعلى هذا، فمن الخطأ أن نواجه التطرف الديني خارج نطاق الحكم الشرعي، والحكم عليه من خلال التوجهات العلمانية أو القوانين الوضعية، أو من خلال الرؤية الأمنية.. فهذه جميعها عاجزة وقاصرة عن فهم ظاهرة التطرف الديني والحكم عليها، ولعل تغليب هذه التوجهات مع محاولات التوظيف الدعائي والسياسي والانتقامي لظاهرة التطرف لتحقيق مكاسب معينة، من أسباب الفشل في مواجهة التطرف الديني، بل قد تأتي بنتائج عكسية تؤدي إلى انتشار الفكر المتطرف وتوغله، لاسيما في عقول الشباب.

فمواجهة التطرف الديني والحكم على أفكاره يجب أن يكون مردهما إلى أهل العلم، وهذا يتطلب انتهاج مبدأ الحوار مع معتنقي الفكر المتطرف والاستماع إليهم مع توفير البيئة الحاضنة لذلك التي توفر لهم الطمأنينة والأمن حتى يخرجوا ما بداخلهم خلال الجلسات الحوارية، وإفساح المجال لهم لعرض كل ما يريدونه من أفكار من دون تضييق عليهم في ذلك، مع التأكيد على خضوع الجميع لحكم الشرع، فلا يصح أن نواجه التطرف الديني الفكري فقط ولا نواجه موجات الإلحاد والتشوية والطعن في ثوابت الدين، وأيضا لا يصح أن نغض الطرف عن مواجهة ظاهر التطرف الاجتماعي والسلوكيات الخاطئة، ويبدو أننا نرضى بها على أساس أن المسكوت عنه مرضي به.

هذا من الجانب الشرعي، أما من الجوانب النفسية والاجتماعية، فيعمل علماء النفس والاجتماع على وضع حلول للأسباب النفسية والاجتماعية التي تؤدي إلى اعتناق مثل هذه الأفكار، ومن ثم مناقشتها مع أهل العلم الشرعي لوضع خطط وبرامج لمواجهة التطرف الديني على كل المستويات.

ويجب ألا نغفل أيضا أن احتضان الحكومات للشباب وإفساح المجال لهم للتعبير عن ذواتهم وتوظيف طاقاتهم في بناء أوطانهم تحفيز لاستقامة الشباب ورفضهم لكل فكر مخالف لصحيح الشريعة هادم للإنسان ومخرب الأوطان.

الهامش

1- ذياب البداينة: (نحو اثني عشر أنموذجا نظريا في تفسير التطرف: الأنموذج العام في تفسير التطرف) مجلة دراسات وأبحاث، مركز ابن خلدون للدراسات والبحوث - الأردن، العدد 26، 2017م، ص:30.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

إدارة نظم المعلومات تكرم موظفيها المتميزين بحضور وليد العمار

الكويت – الوعي الشبابي: نظمت إدارة مركز نظم المعلومات في وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية ...

تفعيل دور المرأة.. رؤية إسلامية

✍ السنوسي محمد السنوسي - باحث وصحفي - مصر:    مازالت قضية المرأة تطرح نفسها على ...

طلقني.. كلمة تكتب النهاية أم البداية؟

القاهرة - محمد عبدالعزيز ...

اتصل بنا

  • صندوق البريد: 23667 الصفاة 13097 - الكويت
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
  • 22467132 - 22470156

عندك سؤال