الثلاثاء، 21 مايو 2019
رئيس التحرير
فهد محمد الخزّي

أمير الإنسانية .. تاريخ حافل بالعطاء

✍ محمود نصر الدين المعلاوي:      تأتي ذكرى الاحتفال بالأعياد الوطنية ...


 

 

المتواجدون على الموقع

المتواجدون الأن

156 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

1377177291

د.محمد إبراهيم الحلواني أكاديمي بكلية العلوم الإسلامية جامعة المدينة العالمية - مصر

حرص الإسلام على تقرير المساواة بين الناس في القيمة البشرية، فالناس سواسية كأسنان المشط، متساوون في أصل النشأة والتكوين، لا فرق بين ذكر وأنثى، ولا بين عربي وأعجمي، ولا بين أبيض وأسود..

فالناس ينحدرون من أصل واحد هو آدم عليه السلام، وآدم من تراب، وقد نوه الله عزوجل إلى ذلك قائلا: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً} (الإسراء:70)، فالإسلام لا يسمح بالنظام الطبقي التي تسيطر فيه طبقة على أخرى، ولا يسمح أيضا بتحكم فئة على أخرى بدافع العنصر أو اللون، بل إن الإسلام قد جعل التقوى معيارا حقيقيا للتفاضل بين الناس، قال الله عزوجل: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} (الحجرات:13)، فالناس جميعا لا يتفاوتون في أصلهم الإنساني، بل إن ميزان التفاضل هو الإيمان والتقوى.

التفاضل بالتقوى

إن الحضارة التي لا يستعلي فيها عرق على عرق ولا لون على لون هي الحضارة التي يصنعها الإنسان العاقل الكريم وتسعد بها الإنسانية الواعية، والحضارة التي يعلو فيها الأبيض ويمتهن فيها الأسود ويشقى فيها أصحاب البشرة السمراء، حضارة جاهلية ترتد بها الإنسانية إلى الوراء مئــات القرون، ولهـــذا عــــاب رسولنـــا الكريم صلى الله عليه وسلم على أبي ذر رضي الله عنه حينما عاير أخا له في الإسلام والصحبة بسواد لون أمه قائلا له: «إنك امرؤ فيك جاهلية»(1)، إن أبا ذر من الناحية الاجتماعية أرفع قدرا من غلامه ومع ذلك لامه النبي صلى الله عليه وسلم لوما شديدا بأن أثبت له صفة من صفات الجاهلية، وهذا ليس بالأمر اليسير عند صحابي جليل مثل أبي ذر رضي الله عنه(2)، ويظهر من هذا الموقف أيضا شفقته ورحمته بالخدم حيث قال صلى الله عليه وسلم: «إخوانكم خولكم»(3) ليستقر في قلب المسلم أن الخادم هو في الحقيقة أخ له، فالمسلم إذا تيقن أن الذي تحت يده هو أخوه على الحقيقة فكيف سيعامله؟

نزعة جاهليـــة

إن الافتخار بالآباء والاعتزاز بالأنساب يشعل العداوات ويفرق الجماعات، يولد الضغائن ويزرع الأحقاد، والمسلم أخ للمسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره، لقد جاء نبينا صلى الله عليه وسلم إلى المدينة فوجد قبيلتي الأوس والخزرج متناحرتين، تقوم بينهما المعارك لأتفه الأسباب، تغلغلت فيهم أسباب العصبية والنعرات الجاهلية، فصاروا بنور الإسلام وعدل الإيمان إخوة متحابين متآلفين، جمعهم الإسلام بعد فرقة، وألف بين قلوبهم بعد وحشة، كانوا في الدنيا أصحابا وفي الآخرة خلانا، سادوا الدنيا بالدين ونشروا الإسلام في ربوع الأرض، ولهذا أثنى الله عليهم في كتابه وذكرهم بحالهم إبان الفرقة والنزاعات الظالمة حيث يقول الحق سبحانه وتعالى: {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} (آل عمران:103)، وقد امتن الله تعالى على المؤمنين بهذه الوحدة فقال تعالى: {وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (الأنفال:63) إن أعداء الإسلام بمكرهم الدفين وحقدهم المتين على الإسلام وأهله لم يألوا جهدا في التفرقة وإثارة النزاعات والعصبيات؛ لأنهم يدركون أن هذا طريق التمزق والاختلاف والضعف والوهن للمسلمين، ويصدق ذلك واقعهم المعاصر في أرض العراق وإثارة الأحقاد والطائفيات، {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} (الأنفال:30)، وقد أمر الله عزوجل أمتنا الإسلامية أن تسعى إلى جمع الكلمة ووحدة الصف ولكن هذه الوحدة المنشودة لابد أن تكون اجتماعا على الحق والخير واستمساكا بشرع الله عزوجل، ولأن العصبية الجاهلية كانت من أهم أسباب الفرقة والتقاتل بين الناس فقد عمل الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم على إزالتها، حذر منها، وسد منافذها، ولا بقاء لديننا وأمتنا مع بقاء هذه العصبيات، لا فخر لنا إلا بطاعة الرحمن، ولا عز لنا إلا بالإيمان، ومهما ابتغينا العزة بالأنساب والألوان فلا عز لنا.

الخيرية للمتقين

إن العبيد في ديننا الإسلامي أعظم قيمة وأرق أفئدة وأعظم بركة من السادة الذين يتجبرون على الحق ويستضعفون الناس، وقد طلب وجهاء قريش ومن كانوا يحسبون أنفسهم سادة قومهم من النبي صلى الله عليه وسلم أن يطرد الفقراء والمساكين وضعفاء الناس الذين التفوا حوله وآمنوا به بحجة أنهم يريدون أن يستمعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ولكنهم لا يجلسون مجلسا يكون فيه هؤلاء محل الرعاية من الرسول الكريم(4)، لكن الله أمر رسولنا الكريم أن يصبر ويجاهد نفسه معهم حيث يقول الحق سبحانه وتعالى: {وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ} (الأنعام:52)، إن المبادئ لا يضحى بها ولو من ناحية الشكل ومن دخل في دين الله فليخلع عن نفسه أردية الجاهلية كلها ولا يشعر بأنه أرجح من غيره لامتيازات مبهمة مدعاة، صنع الإسلام من العرب أمة جديدة، وصب أوضاعها الاجتماعية في قالب سماوي راق، فخرجت على الناس تحمل رسالة الحق والخير، وتريهم من نهج حياتها وطريقة التعامل بين أبنائها أن الإنسان العربي كائن آخر، كائن ينفي عقله الخرافات، ويطرد قلبه الرذائل، ويرفض سلوكه الهوان، وينطلق على ظهر الأرض مدفوعا ببواعث الصدق والعدالة، متحريا مرضاة الخالق وكرامة المخلوق مسترسلا مع نداء الطبيعة البشرية المتعشقة للكمال والسيادة، نداء الفطرة الأصلية، وهل الإسلام إلا هذه الفطرة؟(5).

النظرة الإنسانيــة

لقد كرم الإسلام الإنسان طفلا وشيخا، رجلا وامرأة، مسلما وغير مسلم، حيا وميتا، دون النظر إلى لونه أو جنسه أو انتمائه العرقي أو معتقده الديني لأن مقياس نظرة الإسلام هو الإنسانية نفسها، وأمام هذه النظرة تسقط كل الاعتبارات حتى الاختلافات العقائدية، ومن أبرز الأمثلة التي تؤكد هذا ما رواه جابر ابن عبدالله رضي الله عنه قال: «مر بنا جنازة فقام لها النبي صلى الله عليه وسلم وقمنا به فقلنا: يا رسول الله إنها جنازة يهودي قال: «إذا رأيتم الجنازة فقوموا»(6)، ما أروع الموقف وما أروع التعليل نفسه، ونحن نحب أن نبني علاقتنا بالآخرين على هذه السماحة، معتقدين أن ديننا هو الذي يأمرنا بهذا البر لمن عايشنا مسالما ولم يعتد علينا أو يظاهر المعتدين، وكما تهدر الفوارق الدينية أمام القانون تهدر الفوارق الطبقية، فلا تمييز لحاكم على محكوم، ولا لغني على فقير، ولا لكبير على صغير، هذه المثل العليا والقيم العظمى التي طبقها المسلمون في العصور الأولى جعلت الناس يدخلون في دين الله أفواجا، وحينما تخلى المسلمون عن هذه القيم وأقبلوا على متاع الدنيا الزائل ضعفوا ووهنوا وصاروا أذلة بعد عزة وضعفاء بعد قوة، فالله نسأل أن يعيد لأمتنا عزها ومجدها وقوتها، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

الهـــوامش

1- أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان، باب المعاصي من أمر الجاهلية، رقم (30)، عن المعرور بن سويد، دار طوق النجاة، ط: أولي، 1422هـ.

2- أحمد بن عبدالفتاح زواوي، شمائل الرسول صلى الله عليه وسلم 1/381، دار القمة، الإسكندرية.

3- خولكم: خدمكم أو عبيدكم، أحمد بن محمد القسطلاني، إرشاد الساري 1/116، المطبعة الأميرية، مصر، ط:7، 1323هـ.

4- عبدالله بن عبدالمحسن التركي، حقوق الإنسان في الإسلام ص61، وزارة الشؤون الإسلامية، السعودية، ط: أولى، 1419هـ.

5- محمد الغزالي، حقوق الإنسان ص13، دار نهضة مصر، ط: الأولى.

6- أخـــرجه البخـــاري في صحيحه، كتاب الجنــــائز، بـــــاب من قــام لجنازة يهودي، رقم (1311).

 

أضف تعليق


كود امني
تحديث

إدارة نظم المعلومات تكرم موظفيها المتميزين بحضور وليد العمار

الكويت – الوعي الشبابي: نظمت إدارة مركز نظم المعلومات في وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية ...

تفعيل دور المرأة.. رؤية إسلامية

✍ السنوسي محمد السنوسي - باحث وصحفي - مصر:    مازالت قضية المرأة تطرح نفسها على ...

طلقني.. كلمة تكتب النهاية أم البداية؟

القاهرة - محمد عبدالعزيز ...

اتصل بنا

  • صندوق البريد: 23667 الصفاة 13097 - الكويت
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
  • 22467132 - 22470156

عندك سؤال