الأحد، 24 مارس 2019
رئيس التحرير
فهد محمد الخزّي

أمير الإنسانية .. تاريخ حافل بالعطاء

✍ محمود نصر الدين المعلاوي:      تأتي ذكرى الاحتفال بالأعياد الوطنية ...


 

 

المتواجدون على الموقع

المتواجدون الأن

173 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Untditle itle

د. صلاح فضل توقه باحث أكاديمي:                                                 :

في لحظة فارقة من تاريخ البشرية امتن الله سبحانه وتعالى على الأمة ببعثة النبي صلى الله عليه وسلم عربيا أميا لا يقرأ ولا يكتب، بعث وسط أمة تقدس الكلمة وتنفرد بين الأمم بأنها كانت تقيم لها معرضا ضمن فعاليات سوق عكاظ، والذي كان بمثابة مجمع أدبي لغوي رسمي، له محكمون تضرب عليهم القباب، فيعرض شعراء كل قبيلة عليهم شعرهم وأدبهم، فما استجادوه فهو الجيد، وما بهرجوه فهو الزائف.

حيث كان الخطاب الرباني الذي نزل به أمين الوحي جبريل في أول لقاء مع النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم: {اقْرَأْ} هذه الكلمة كانت الإرهاصات الأولى للرسالة المحمدية وإيذانا بميلاد أمة ذات حضارة تكون فيها القراءة عمودا من أعمدتها، ومفتاحا للرقي والتقدم الحضاري وسيادة الأمم وريادتها.

{اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} (العلق:1-5).

خصائص القراءة من منظور إسلامي

تميزت القراءة بخصائص، تدل على منزلة القراءة ومكانتها ومن أبرزها ما يلي:

1- هي أول ما أمر الله به عبده ورسوله وصفيه محمدا صلى الله عليه وسلم، وهي أول أمر كلف الله به عباده المؤمنين، وهذا يدل على أهمية هذا الأمر وخصوصيته من بين سائر ما أمر الله عزوجل به. والمبادرة إليها تعتبر من أعظم أبواب المسارعة للخيرات، وهذا يؤكد مبدأ العلم قبل القول والعمل، كما قال تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ} (محمد:19).

2- أن القراءة اختص الله بها الإنسان دون سائر الحيوانات، فالخطاب له دون غيره في قوله تعالى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} (العلق:1)، وذلك لأن القراءة من لوازم العقل والإدراك، وهي داخلة في معنى التكريم الذي شرف الله به بني آدم في قوله تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً} (الإسراء:70).

3- أنها عملية اختيارية تعليمية، ترك للإنسان تخير ما يقرأه، ولكنه رغب في قراءة ما ينفعه في الدنيا والآخرة كما في قوله تعالى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} (العلق:1)، بعكس ما يسمعه الإنسان أو يشمه ونحوهما فإنها كثيرا ما تفرض عليه، والإنسان مفطور عليها، ودائما ما يفعله الإنسان باختياره يجد فيه المتعة واللذة، ولذا كثير من الناس يجدون أنفسهم في القراءة، بل أصبحت هواية عند بعض الناس في كل الأوقات ومختلف الأحوال.

4- أنها تتم بتفاعل روحي وعقلي وعضوي، فهي عملية متداخلة معقدة يتعرف الإنسان من خلالها عظمة خلقه ودقته؛ ولذا ذكر بعدها الخلق، كما قال تعالى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} (العلق:1)، ويستمتع الإنسان من خلالها بنعم كثيرة أكرمه الله بها، من سمع وبصر ولسان وعقل، ولذا ذكر كرمه بعد الأمر بها، قال تعالى: {اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ} (العلق:3)، فهي معرفة ومبصرة للإنسان بقدرة الله، ونعمه، وكرمه عليه، بل وعلمه وحكمته ورحمته بالإنسان، إذ علمه كيف يقرأ، وهيأ له الأسباب التي تؤهله لفعل هذا الأمر الإلهي.

5- أنها من المهارات التي لا يمكن أن يكتسبها الإنسان إلا عن طريق التعلم والتدرج عبر الليالي والأيام، يتعرف الإنسان من خلالها عجزه وضعفه وهو يواجه في بداية أمره صعوبة في نطق الحروف وربطها، ثم ترتيب الكلمات وحفظها، سواء كانت مكتوبة أو منطوقة، ولذا صارت القراءة من دلائل النبوة، إذ إن النبي صلى الله عليه وسلم وحده هو الذي تعلمها بقوله تعالى له: {اقْرَأْ} فتعلمها مباشرة بتعليم الله له، ونحن نتعلمها من بعضنا عبر طرق التعليم المعروفة، وهذا يدل على كمال قدرته جل وعلا، فالله عز وجل أمره بين الكاف والنون، فقد صار النبي صلى الله عليه وسلم قارئا بأمره تعالى له {اقْرَأْ} وهذا خلاف عادة البشر المعروفة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «وكون محمد صلى الله عليه وسلم كان نبيا أميا هو من تمام كون ما أتى به معجزا خارقا للعادة، ومن تمام بيان أن تعليمه أعظم من كل تعليم، فغيره يعلم ما كتبه غيره، وهو علم الناس ما يكتبونه، وعلمه الله ذلك بما أوحاه إليه»(1).

6- التأثير المباشر والسريع والكبير على الإنسان، فإذا كانت القراءة سليمة كانت النتائج سليمة والعكس بالعكس، ولهذا يقولون: «قل لي ماذا تقرأ أقل لك من أنت»، ومن هنا شرع تزكية النفس من خلال قراءة القرآن والأذكار وغيرها، وكان تأثير القرآن إذا تلي كبيرا على النفوس، قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} (الأنفال:2)، فالقراءة تحدث تأثيرا فكريا وثقافيا ونفسيا، بل واجتماعيا وأخلاقيا كبيرا، لأن القارئ يتأثر بالمقروء، وبمن يقرأ لهم، حتى ولو لم يرهم أو يعش في عصرهم، ومن هنا فمن أكثر قراءة القرآن مثلا زاد ارتباطه وحبه ومعرفته وتعظيمه لله عزوجل، ومن أكثر قراءة أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم ازدادت محبته وتوقيره ومعرفته برسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن أكثر القراءة لعالم معين تأثر في الغالب بأفكاره، وأصبح له ميل قلبي ومحبة داخلية له.

ومن هنا تظهر أهمية القراءة وما تحدثه من تغيير وتطوير في عقل الإنسان وفكره، وينبغي لكل مرب أن يهتم ويلتفت بشدة لما يقرؤه طلابه وأولاده.

7- أنها أنيس وصاحب للإنسان في الوحدة والغربة، يجد من خلالها الإنسان متعته، وتذهب عنه الحزن، وتشرح صدره، وتصلح باله، أو تكون عوضا له عما فقده بفراق أصحابه، إذ يجد الإنسان من خلالها عيون الحكم، وخلاصات النتائج والأفكار، وتذهب عنه الركود النفسي، لأن القراءة تنشط العقل، وتؤدي إلى المحافظة على الوقت، وتجعل الإنسان أكثر وعيا وإدراكا، لذا تجد أغلب القراء أقل الناس نوما وكسلا؛ بل حتى وانحرافا، وأكثرهم تبصرا بأمور الدين والدنيا، وذلك لأنها تبعد الإنسان عن فضول الخلطة، والنوم والكلام، لأنه يكون في حالة ذكر دائم لله عزوجل، قال تعالى: {الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} (الرعد:28)(2).

حال العرب مع القراءة قبل الإسلام

اتصف العرب قبل الإسلام بأنهم أمة أمية، وأكدها القرآن الكريم بقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} (الجمعة:2) والنبي صلى الله عليه وسلم نفسه كان أميا لا يقرأ ولا يكتب، قال تعالى: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ} (الأعراف:157).

وجاء في الحديث: عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا، يعني مرة تسعة وعشرين ومرة ثلاثين» (متفق عليه).

وعلى هذا يمكن توصيف حال العرب مع القراءة قبل الإسلام من خلال النقاط التالية:

1- أن الأمية كانت تضرب أطنابها في بلاد الحجاز، والأمية في البادية يكاد يكون عليها الإجماع تاما، أما وجود فئة من القادرين على القراءة والكتابة في الحضر، وبين بعض البدو أمر لا يمكن نكرانه.

2- أن القراءة والكتابة وعدد المتعلمين كان بقدر حاجة العرب إلى التعليم وبقدر حاجتهم إلى من يقرأ ويكتب، فلم تكن القراءة عندهم بالأمر المهم، وكان إقبال الفقراء على تعلم القراءة والكتابة بقدر فطنتهم وذكائهم لا بقدر حاجتهم، وبالنسبة للأغنياء فقد كانت حاجتهم إليها في تصريف شؤونهم التجارية.

3- أن العرب لم يكونوا أهل كتاب يطلب منهم قراءته والتعبد به كحال اليهود والنصارى، وهذا من عوامل زهدهم في تعلم القراءة والكتابة أيضا.

4- أن العرب من أهل البادية كانوا يعتبرون تعلم القراءة والكتابة عيبا واجب كتمه ومن الروايات الدالة على ذلك ما جاء عن عيسى بن عمر قال: «قال لي ذو الرمة: ارفع هذا الحرف، فقلت له أتكتب؟ فقال بيده على فيه، أي: اكتم عني فإنه عندنا عيب»(3).

أثر الإسلام في الحث على تعلم القراءة والكتابة

أعلى الإسلام من قيمة العلم والعلماء وجاء ذلك في آيات الذكر الحكيم نذكر منها قوله تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء} (فاطر:28). وقوله تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} (المجادلة:11).

ومما جاء في السنة: عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من سلك طريقا يطلب فيه علما؛ سلك الله به طريقا من طرق الجنة، والملائكة تضع أجنحتها رضا لطالب العلم، وإن العالم يستغفر له من في السموات، ومن في الأرض، والحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، إن العلماء ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، وأورثوا العلم، فمن أخذه؛ أخذ بحظ وافر» (رواه أبو داود)(4).

وإذا كان هذا من فضل العلم والعلماء في الإسلام، فإن القراءة هي السبيل الموصلة للعلم في كل المجالات لاسيما أشرفها علوم الشريعة، ولأهمية القراءة كان الأمر الأول الموجه للأمة ممثلة في شخص النبي صلى الله عليه وسلم: {اقْرَأْ} في إشارة لأهمية القراءة والتعليم، وفي تأكيد على أهمية القراءة تأتي السورة الثانية في ترتيب النزول وهي سورة «القلم» حيث اسم السورة القلم وهو أداة الكتابة وتبدأ السورة بحرف «ن» وهو من حروف الأبجدية العربية التي لابد من إتقانها لإجادة القراءة والكتابة، ثم يقسم سبحانه وتعالى بـ «القلم» تعظيما لشأن وقيمة الكتابة.

ومن المواقف العملية التي وردت في كتب السنة والسير، والتي يستدل بها على مكانة القراءة والكتابة والحث على تعلمهما:

أولا: اتخاذ النبي صلى الله عليه وسلم كتابا للوحي من الصحابة رضوان الله عليهم، فأي شرف وأية مكانة أن يكون الرجل من كتاب الوحي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد اختلف أهل السير في تحديد عدد كتاب الوحي، فمنهم من جعلهم ثلاثة عشر، ومنهم من جاوز بهم العشرين، وجعلهم ابن كثير ثلاثة وعشرين كما في البداية والنهاية.

ثانيا: اختيار النبي صلى الله عليه وسلم للصحابي الجليل مصعب بن عمير رضي الله عنه، ليكون رسوله ومبعوثه إلى المدينة المنورة قبل الهجرة، معلما لأهلها أمور دينهم، وممهدا لهجرة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة، رغم أن في صحابة النبي صلى الله عليه وسلم من هم أسبق إلى الإسلام وأكبر سنا من مصعب، إلا أن كفة مصعب رجحت عليهم لمعرفته بالقراءة والكتابة.

القراءة والحضارة

تتميز الحضارة الإسلامية بأنها ربانية، بناؤها الفكري مستمد من قواعده من الكتاب والسنة المطهرة، وهذا البناء الفكري على عظمته وشموخه يحتاج إلى وسائل تطبيقية واقعية تساهم في بناء الحضارة الإسلامية بناء واقعيا مشاهدا ومن هذه الوسائل: السعي إلى معرفة حقائق الأمور وخصائص الأشياء، وسائر صفاتها والأعمال ونتائجها عن طريق التعلم والتعليم، وتجمع هذه الوسيلة طائفة من عناصر البحث، منها الشغف بالعلم، وحب البحث والمتابعة لإدراك حقائق الأمور، ومنها حث الحضارة الإسلامية على العلم، وتمجيدها للعلماء والمتعلمين، ومنها بيان طرق اكتساب المعارف والعلوم، وموقف الإسلام منها(5).

والقراءة هي السبيل الموصلة إلى كل هذه الأمور فهي مفتاح العلم والتعلم والتعليم، وقد أبدعت الحضارة الإسلامية في تعاملها معها عن طريق مأسستها.

مأسسة القراءة

تجاوبت الحضارة الإسلامية مع إعلاء الإسلام لقدر العلم والعلماء، وحثه على طلب العلم، وثنائه على طلابه وتشجيعهم على مواصلة التعلم، من خلال توفيرها لمؤسسات تعليمية لتعليم وتعلم شتى فروع العلم والمعرفة وفي مقدمتها القراءة والكتابة، وتعتبر المدارس والمكتبات دليلا على ذلك.

أ- المدارس:

أبدعت الحضارة الإسلامية في تعاملها مع القراءة فعملت على توفير البيئة المكانية المناسبة لتعلم القراءة، ويعتبر المسجد هو المؤسسة الأولى للتعلم والتعليم، وكان يلحق بالمسجد «كُتَّاب» لتعليم أبناء المسلمين القرآن الكريم، ومبادئ القراءة والكتابة، وبنمو وتوسع دولة الخلافة الإسلامية عبر مختلف العصور، وازدهار حضارتها، أنشئت المدارس النظامية والتي كانت معلما بذاتها يشهد على ما أولته دولة الخلافة للعلم والتعليم حيث أوقفت عليها الأوقاف للأنفاق عليها لضمان سير العملية التعليمية بها وعدم توقفها، كما وضعت لها الأنظمة التربوية والإدارية التي تضبط أداء الطلاب، وتنظم عمل المعلمين.

ب- المكتبات:

عرفت الحضارة الإسلامية أنواعا متعددة من المكتبات لم تعرفها أي حضارة أخرى، ولقد انتشرت هذه المكتبات في جميع أرجاء الدولة الإسلامية؛ مما يؤكد على تأصل حب العلم لدى أبناء هذه الحضارة.

وكان من جملة ما عرفته الحضارة الإسلامية من مكتبات:

• المكتبات الأكاديمية: ومن أهمها مكتبة بغداد «بيت الحكمة».

• المكتبات الخاصة: انتشرت في جميع أنحاء العالم الإسلامي بشكل واسع وجيد، ومن أمثلتها: مكتبة الخليفة المستنصر.

• المكتبات العامة: وهي مؤسسات ثقافية يحفظ فيها تراث الإنسانية الثقافي وخبراتها؛ ليكون في متناول الجميع دون تمييز؛ وكان من أمثلتها: مكتبة قرطبة، وأيضا مكتبة بني عمار في طرابلس الشام.

• المكتبات المدرسية: حيث أولت الحضارة الإسلامية اهتمامها لإنشاء المدارس من أجل تعليم الناس جميعا، وقد ألحقت المكتبات بهذه المدارس، وهو الشيء الطبيعي المكمل لهذا الرقي والازدهار.

• مكتبات المساجد والجوامع: ويعتبر هذا النوع من المكتبات الأولى في الإسلام؛ حيث نشأت المكتبات في الإسلام مع نشأة المساجد، ومن أمثلتها: مكتبة الجامع الأزهر، ومكتبة الجامع الكبير في القيروان(6).

ثمرات القراءة

من البديهي أن ممارسة الكتابة تتطلب وجود نص مكتوب، حيث إن القراءة والكتابة وجهان لعملة واحدة لا ينفكان، وبدون إحداهما لا تصلح الأخرى، وإذا كان الإسلام قد حض على القراءة فإنه حض أيضا على الكتابة لتكتمل جوانب العملية المعرفية، فجاء في الحديث: عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «قيدوا العلم بالكتاب».

وفي رواية للحاكم عن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «قيدوا العلم قلت: وما تقييده؟ قال: كتابته» (رواه الطبراني والحاكم).

وكان أول ما تمت كتابته وتدوينه على عهد النبي صلى الله عليه وسلم هو القرآن الكريم وكان هذا هو التدوين الأول، وفي عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه كان التدوين الثاني، فقد أمر بجمع ما كتبه الصحابة من سور وآيات القرآن في مصحف واحد ولكن دون ترتيب للسور، وفي عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه، كان التدوين الثالث للقرآن في مصحف واحد بالصورة التي بين أيدينا الآن، وعلى هذا فإنه إذا كان أول كلمة وأمر في القرآن كان بالقراءة، فإن أول كتابة وتدوين كان للقرآن الكريم، ليبدأ معه المسلمون عهدا جديدا من القراءة والكتابة في كافة العلوم.

وقد كان لوجود القرآن الكريم مكتوبا بين دفتي المصحف الشريف أكبر الأثر في ظهور علوم القرآن وتدوينها وأول ما دون منها هو علم التفسير.

وبالنسبة للسنة المطهرة، فقد بدأ الصحابة في تدوينها في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ففي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: «ليس أحد من أصحاب رسول الله أكثر حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مني إلا عبدالله بن عمرو فإنه كان يكتب ولا أكتب» (رواه الترمذي).

وأما تدوين السنة تدوينا عاما، فقد بدأ في عهد الخليفة عمر بن عبدالعزيز، وهذا التدوين للقرآن والسنة كان سببا في خروج كل العلوم الشرعية وما يرتبط بها، والتي بدورها أنتجت للأمة مئات الألوف من الكتب والمجلدات والمصنفات في شتى علوم الشريعة والتي حفظت على الأمة دينها وعقيدتها، وتوارثها المسلمين جيلا بعد جيل، وكانت وما زالت بمثابة الجامعة التي تخرج فيها كل علماء الأمة حتى وقتنا الحاضر.

حال الأمة اليوم مع القراءة

من العلامات الحضارية المميزة للأمة الإسلامية أنها «أمة اقرأ» وكانت هذه الصفة غالبة عليها أفرادا وجماعات، ولكن عندما تخلت عن دينها وراحت تبحث عن العزة والسمو في ظل حضارات مادية ملحدة، ضلت وذلت، ففي الحديث: عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لتتبعن سنن الذين من قبلكم شبرا بشبر، وذراعا بذراع، حتى لو دخلوا في جحر ضب لاتبعتموهم. قلنا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟» (رواه البخاري).

والحياة في حجر ضب الحضارة الغربية، أدت بكثير من المسلمين إلى الانبهار بثقافة الغرب وإنتاجه العلمي، والزهد في تراث المسلمين وإنتاجهم الفكري والعلمي، فنرى فريقا كبيرا من أبناء المسلمين يقبل منبهرا على قراءة كل ما ينتجه الغرب والمرتكن إلى قيم وأفكار وفلسفات تعلي من القيم الدنيوية النفعية فيعتنق هذه الفلسفات والأفكار ويتخذها منهج حياة، رغم أنها تنافي عقيدة المسلمين.

وفريق ثان من أبناء المسلمين توقف عند ما خلفه لنا عظماء الأمة من تراث فكري وعلمي وبقي على حالة دون محاولة للاستفادة من هذا التراث العظيم والتعامل من خلاله مع متغيرات ومستجدات العصر الذي نعيشه.

وفريق ثالث دفعه الحماس إلى نصرة الدين وسيادة الأمة إلى الالتزام بقراءة الإنتاج العلمي الذي يخص أشخاصا بعينهم فيعتنق أفكارهم، ويرى فيها المشروع الحق الذي لا محيد عنه.

وهؤلاء جميعا في حاجة إلى الرجوع إلى المنظور الإيماني للقراءة المستمد من القرآن والسنة، والالتزام بموجهاته حتى تثمر القراءة فقها وفهما شرعيا وكونيا يقوم عليه المشروع الحضاري المأمول لتقدم المسلمين وسيادتهم، ومن أهم الموجهات الإيمانية للقراءة قوله تعالى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} (العلق:1-5) يتبين من خلال الآيات أن القراءة يجب أن تكون باسم الرب ومع الرب، فهو استحضار دائم للعناية الربانية بهذا المخلوق الذي خلق وهو لا يعلم شيئا قال تعالى: {وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (النحل:78).

فالإنسان مدين لله في خلقه وعلمه ومعرفته، وهو بذلك غير مستغن عن الله عزوجل، بل دائما، في حاجة إلى المدد الإلهي والفتح الرباني، ومن ظن أنه مستغن عن الله في تحصيله المعرفي فهو طاغ في الأرض ظالم لنفسه.

فالقراءة باسم الرب ومع الرب تنتج حضارة ربانية قرآنية، حضارة قلبها التوحيد وطابعها التزكية وهدفها العمران والصلاح في الأرض، والقراءة المستغنية عن الله هي قراءة إلحادية تكفر نعم الله، إلا أنها رغم ذلك تنتج حضارة ولكن ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب لأنها مفتقرة إلى الرشد الرباني القرآني.

فالربانية في القراءة باسم الرب ومع الرب هي بمثابة عاصم من الوقوع في حبائل الشيطان وسبله ومكايده، إن هذه الربانية تهدي إلى الرشد والصلاح وتسير بالإنسان سويا على الصراط المستقيم(٧).

وهذا يؤكد على دور علماء الشريعة في توضيح الضوابط الشرعية التي تنظم عملية القراءة ومناهجها بما يتوافق مع الدور الذي يؤديه المسلم في مجتمعه، فقراءة العالم تختلف عن قراءة طالب العلم، وما يقرؤه السياسي أو الاقتصادي يختلف عما يقرأه التاجر أو الطيب وهكذا.

كما يجب ضبط المحتوى العلمي ضبطا شرعيا بما لا يتعارض مع الثوابت العقدية ومع ما هو معلوم من الدين بالضرورة، وهذا لا يتعارض مع حرية الفكر أو القراءة والكتابة.

كما يقع على عاتق الحكومات الإسلامية تشجيع القراءة عن طريق طرح جوائز ومسابقات للكتابة والبحوث في كافة المجالات، وتيسير كافة السبل المؤدية إلى ذلك مثل: نشر الكتب المفيدة، وإنشاء المكتبات العامة، وإطلاق مشاريع المكتبات والفهارس الإلكترونية عبر الشبكة العنكبوتية، هذا مع تفعيل مناهج القراءة في مختلف المراحل الدراسية بصورة تؤدي إلى تخريج أجيال تقدر قيمة القراءة وتتعامل معها من منظور إيماني حضاري.

الهوامش

1- مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (١٦/٢٦٦ـ٢٦٧).

2- طه عابدين طه: فقه القراءة من منظور قرآني، موقع ملتقى أهل الحديث، www.ahlalhdeeth.com

3- استنبط الباحث هذه المعلومات وعرضها بأسلوبه من: سامي جودة: القراءة والكتابة عند العرب قبل الإسلام وعصر النبوة، مجلة آداب ذي قار، العدد(6)، المجلد(2)، حزيران، يوليو (2012م).

4- حسنه ابن حجر في تخريج مشكاة المصابيح، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود.

5- عبدالرحمن حسن حبنكة: الحضارة الإسلامية، أسسها ووسائلها وصور من تطبيقات المسلمين لها ولمحات من تأثيرها في سائر الأمم (ص:272).

6- المكتبات في الحضارة الإسلامية -بتصرف واختصار من الباحث - موقع قصة الإسلام –www.islamstory.com

٧- نعيمة لبداوي: من تجليات مفهوم القراءة في القرآن الكريم – موقع مركز الدراسات القرآنية www.alquran.ma

أضف تعليق


كود امني
تحديث

مشاري الظفيري يتصدر الجولة الاولى لـ(رالي قطر) ووزير الشباب يهنئه

الدوحة – الوعي الشبابي: هنأ وزير الاعلام ووزير الدولة لشؤون الشباب محمد الجبري اليوم ...

المناخ الأسري.. الواقع والمأمول

✍ عثمان حسين - مصر:         المتأمل في واقع المناخ ...

طلقني.. كلمة تكتب النهاية أم البداية؟

القاهرة - محمد عبدالعزيز ...

اتصل بنا

  • صندوق البريد: 23667 الصفاة 13097 - الكويت
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
  • 22467132 - 22470156

عندك سؤال