الجمعة، 16 نوفمبر 2018
رئيس التحرير
فهد محمد الخزّي

الدكتور محمد كمال شبانة.. عاشق الأندلس

✍ أبو الحسن الجمال - كاتب ومؤرخ مصري            ...


 

 

المتواجدون على الموقع

المتواجدون الأن

88 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم

عبدالعزيز صالح العسكر:

آية واحدة في كتاب الله تعالى أوضحت طريقا ورسمت منهجا وبينت معالم؛ تلك هي قوله: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ} (الحج:78).

وكم نحتاج إلى الإلمام بما ورد في الآية من توجيهات وأحكام صفحات ووقفات؛ ولكننا نكتفي بوقفات يسيرة لعل فيها ما يعين على تدبر القرآن والتأثر بمواعظه وتوجيهاته.

الوقفة الأولىمع قوله تعالى: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ}؛ قال المفسرون: عنى به جهاد الكفار. وقيل: هو إشارة إلى امتثال جميع ما أمر الله به، والانتهاء عن كل ما نهى الله عنه؛ أي جاهدوا أنفسكم في طاعة الله وردوها عن الهوى، وجاهدوا الشيطان في رد وسوسته، والظلمة في رد ظلمهم، والكافرين في رد كفرهم.

قال الشيخ السعدي: «والجهاد بذل الوسع في حصول الغرض المطلوب. فالجهاد في الله حق جهاده هو القيام التام بأمر الله، ودعوة الخلق إلى سبيله بكل طريق موصل إلى ذلك، من نصيحة وتعليم وقتال وأدب وزجر ووعظ وغير ذلك» (تيسير الكريم الرحمن، ص547).

وما ذهب إليه الشيخ السعدي يرجحه أكثر المفسرين، وهو العموم لمفهوم {وَجَاهِدُوا}، ولا يرد ذلك ما أشار إليه بعض المفسرين من أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} (التغابن:16)، لأن هذا الأمر في سورة الحج {حَقَّ جِهَادِهِ} أصلا ما ارتفع عنه الحرج، والله تعالى لا يأمر أصلا بما لا يطاق. والله تعالى أعلم.

الوقفة الثانيةفي قوله: {هُوَ اجْتَبَاكُمْ}؛ أي: اختاركم وخصكم، وهذا تكريم من الله ونعمة كبرى؛ إذ إن من خلق الله تعالى كفارا، ومنهم مسلمون منحرفون عن الصراط المستقيم، ومنهم كسالى خاملون أقعدهم ضعف النفس وربما ضعف اليقين عن الأعمال الصالحة أو سقطوا عند مرورهم ببعض العقبات في طريق الاستقامة والصلاح والإصلاح.

هو سبحانه اجتباكم فتذكروا هذه النعمة وأدوا شكرها واستقيموا على منهج الله، وليكن يوم أحدكم خيرا من أمسه وغده خيرا من يومه.

الوقفة الثالثةمع قوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ معنى: حرج: ضيق. وللعلماء في الحرج الذي رفع أقوال: أولها: ما رواه عكرمة (الإمام التابعي): «هو ما أحل من النساء مثنى وثلاث ورباع وما ملكت يمينك».

الثاني: أن المقصود في رفع الحرج: قصر الصلاة والإفطار للمسافر وصلاة الإيماء لمن لا يقدر على غيره، وحط الجهاد عن الأعمى والأعرج والمريض والعديم الذي لا يجد ما ينفق في غزوه، والغريم ومن له ولدان.

الثالث: ما رواه ابن عباس والحسن البصري: أن هذا في تقديم الأهلة وتأخيرها في الفطر والأضحى والصوم؛ فإذا أخطأت الجماعة هلال ذي الحجة فوقفوا قبل يوم عرفة بيوم أو وقفوا يوم النحر أجزأهم، وكذلك الفطر والأضحى لما رواه حماد بن زيد عن أبي هريرة ] قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فطركم يوم تفطرون وأضحاكم يوم تضحون». قال الإمام القرطبي: «باجتهادكم من غير حرج يلحقكم».

الرابع: ما ورد في أعمال يوم النحر؛ فقد روى أئمة الفقه والحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل يوم النحر عن أشياء؛ فما يسأل عن أمر مما ينسى المرء أو يجهل من تقديم الأمور بعضها قبل بعض وأشباهها إلا قال: «افعل ولا حرج».

وليس بين هذه الأمور تعارض، فقد رفع الله الحرج والضيق عن أمة محمد صلى الله عليه وسلم في تلك الأمور كلها، ويسر عليهم أداء عباداتهم ومناسكهم وما فيه عفافهم وتحصين فروجهم وحفظ محارمهم، والله تعالى أعلم.

ومما أكد عليه العلماء في هذا الموضوع ونبه إليه المفسرون من الذي رفع عنه الحرج، وهل هي عامة أو يخصصها شيء؟

وممن نبه إلى ذلك الإمام القرطبي، رحمه الله، فقد قال: «قال العلماء: رفع الحرج إنما هو لمن استقام على منهاج الشرع، وأما السلابة والسراق وأصحاب الحدود فعليهم الحرج، وهم جاعلوه على أنفسهم بمفارقتهم الدين» (الجامع لأحكام القرآن، ج12، ص67). ومما يعجب له المرء في زماننا أن نرى من يستشهد بآيات القرآن الكريم في غير مواضعها، ومن ذلك: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}، وقول الله تعالى: {لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} (البقرة:286)، وقول الله تعالى: {إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} (الشرح:6)، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «الدين يسر».

وفي ذلك جهل ومغالطة وتمييع لشرائع الدين، والواجب أن يؤخذ تفسير الآيات من علماء التفسير وأئمة الفقه في الدين، وويل لمن فسر آيات القرآن الكريم وفقا لمزاجه وهواه.. ثم إن أحكام الإسلام وضحت وبينت ولم يبق فيها مجال للاجتهاد والرأي.

والتيسير لا يجعل الحرام حلالا ولا الواجب سنة إلا وفق ما بينه علماء الفقه من أئمة الصحابة والتابعين.

وحينما يصلي مسلم جالسا من غير عذر فإنه يأثم، وحينما لا يخرج زكاة ماله كاملة يأثم، وحينما يؤخر الصلاة عن وقتها لغير عذر يأثم.. وهكذا كل مخالفة لشرع الله في حلال أو حرام، وكسل النفوس وضعفها وتحكم الشهوات وتسلط الشبهات توقع الناس في ضلالات لا حد لها، ولا عذر لمعتذر أو مفرط بأن الدين يسر. وقد قال نبينا محمد صلى الله عليه وسلم: «فمن رغب عن سنتي فليس مني». وليس اليسر –كما أسلفنا- فيما يخالف شرع الله وينشر البدع والخرافات وتمييع شرائع الدين.

وكم سقط وندم كثير من المفرطين حينما استجابوا لهوى نفوسهم وفرطوا في أداء الصلاة والزكاة والصيام والحج وغيرها بدعوى اليسر وتتبع الرخص - فيما يزعمون - والله تعالى المستعان. قال الإمام ابن كثير في تفسير هذه الآية «أي: ما كلفكم ما لا تطيقون وما ألزمكم بشيء يشق عليكم إلا جعل الله لكم فرجا ومخرجا». ثم ذكر قصر الصلاة في السفر والخوف واستقبال القبلة والرخصة فيه، ثم قال: «إلى غير ذلك من الرخص والتخفيفات في سائر الفرائض والواجبات» (تفسير القرآن العظيم، م3، ص1922-1923).

الوقفة الرابعةمع قوله تعالى: {مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ وَفِي}، قال مجاهد: «الله سماكم المسلمين من قبل في الكتب المتقدمة وفي الذكر». وروى النسائي، رحمه الله، في تفسير هذه الآية، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من دعا بدعوى الجاهلية فإنه من جثى جهنم. قال رجل: يا رسول الله، وإن صام وصلى؟ قال: نعم، وإن صام وصلى فادعوا بدعوة الله التي سماكم بها المسلمين المؤمنين عباد الله» (ذكره ابن كثير، م3، ص1923).

ومن هذا يتضح أن اسم الإسلام اسم شرف لهذه الأمة {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ} (آل عمران:19)، {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ} (آل عمران:85)، سمى الله هذه الأمة بهذا الاسم: المسلمون. ولا نشرف بغيره ولا ننتمي لسواه؛ فهو يجمعنا ويوحدنا وبه نلقى الله تعالى.

الوقفة الخامسةمع قوله تعالى: {لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ} وكما ورد في قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} (البقرة:143). قال الإمام ابن جرير الطبري في تفسيره «جامع البيان»: «وكذلك جعلناكم أمة وسطا عدولا شهداء لأنبيائي ورسلي على أممها بالبلاغ أنها قد بلغت ما أمرت ببلاغه من رسالاتي إلى أممها. ويكون رسولي محمد صلى الله عليه وسلم شهيدا عليكم بإيمانكم به، وبما جاءكم به من عندي». وقال ابن كثير: «إنما جعلناكم هكذا أمة وسطا عدولا خيارا مشهودا بعدالتكم عند جميع الأمم لتكونوا يوم القيامة شهداء على الناس، لأن جميع الأمم معترفة يومئذ بسيادتها وفضلها على كل أمة سواها، فلهذا تقبل شهادتهم عليهم يوم القيامة في أن الرسل بلغتهم رسالة ربهم، والرسول يشهد على هذه الأمة أنه قد بلغها ذلك» ص1923. قلت: والله إننا نشهد اليوم اعتراف الأمم بالمسلمين وعدالتهم ووسطيتهم، والناس اليوم يدخلون في دين الله أفواجا. ورأينا ولله الحمد صور صلاتهم عيد الفطر في عواصم قارتي أوروبا وآسيا يملأون الساحات والطرقات، إذ فرغت لهم في مشاهد يهتز لها الجنان ويزداد يقينا بسمو هذا الدين وانتصاره وعزته.

وهنا ملمح مهم تجب الإشارة إليه؛ فإن من شبهات المفرطين والمتعالين ما يثيرونه حول قول الله تعالى {أُمَّةً وَسَطًا}، فيفهمون أن الوسطية توسط بين الحق والباطل، وتفريط في شيء من الحق للتقارب مع الباطل وأهله على اختلاف أديانهم ومذاهبهم.. وهذا مما ينبغي الحذر منه؛ فليس بين الحق والباطل تقارب، سواء كان الباطل دينا سابقا أو مذهبا باطلا أو تنظيما ضالا.. والوسطية في ديننا الاعتدال بين الإفراط والتفريط، بين التشدد والتميع والتساهل.. وكل ذلك في حدود ما شرعه الله وفصلته سنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

الوقفة السادسةمع قوله تعالى: {النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ}، الصلاة عبادة بدنية قلبية، هي عمود الدين وقوامه. والقرآن الكريم يورد الصلاة مرتبطة بلفظ واحد فقط «الإقامة»: «أقيموا، أقم، يقيمون». فهل الإقامة هي الأداء؟ وما الفرق بينهما؟

الأداء: أفعال وحركات تؤدى بأي حال كانت، لا يلزم فيها حضور قلب ولا خشوع ولا نية، فهل هذا هو مقصود الصلاة؟ وهل هي الشعيرة التي أمر الله بها؟

نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية تنفي ذلك وتحذر منه، فالقرآن الكريم يأمرنا بلفظ «أقيموا» و«يقيمون»، كما ذكرنا أعلاه، فما الإقامة؟ قال الشيخ أبو السعود: «إقامتها عبارة عن تعديل أركانها، وحفظها من أن يقع في شيء من فرائضها وسننها وآدابها زيغ. من إقامة العود، إذا قومه وعدله. وقيل عن التشمر لأدائها عن غير فتور ولا توان، من قوله قام بالأمر وأقامه إذا جد فيه واجتهد، وقيل عن أدائها عبر عنه بالإقامة لاشتماله على القيام، (تفسير إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم، للقاضي أبي السعود محمد بن محمد العمادي الحنفي، ج1، ص45).

وعن عمار بن ياسر ] أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن العبد ليصلي الصلاة لا يكتب له نصفها ولا ثلثها ولا ربعها ولا خمسها ولا سدسها ولا عشرها». وكان يقول: «إنما يكتب للعبد من صلاته ما عقل منها» (أخرجه أحمد بإسناد صحيح. وروى نحوه أبوداود والنسائي وابن حبان).

إذن الصلاة التي تنهى عن الفحشاء، الصلاة التي تحيي القلوب، الصلاة التي هي علامة الإيمان وصدق اليقين.. هي الصلاة المقامة وليست المؤداة؛ فالمؤداة لا تزيد على كونها حركات بلا معنى ولا أثر ولا تكتب لصاحبها «ارجع فصل فإنك لم تصل» (كما ورد في حديث المسيء في صلاته). وقرينة الصلاة الزكاة، وهي عبادة تؤدى من المال وفق نصابها وشروطها، وهي طهرة للمال ونماء له.. وتركها وعدم إخراجها مؤذن بضياع المال في الدنيا وتحويله في الآخرة إلى صفائح من نار تكوى بها أجسام البخلاء الأشحاء الذين منعوها.

الوقفة السابعةمع قوله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ}. التجئوا إلى الله وتمسكوا بشرعه ووحدوا صفوفكم على دينه وتوحيده، فأنتم الفقراء إلى الله مهما بلغت قوتكم، وإنكم بلا عونه وتأييده تعالى ضعاف متفرقون منهزمون.

اعتصموا بالله في الرخاء والشدة، في العسر واليسر، في المنشط والمكره، واحذروا الفرقة والشتات، احذروا الوحدة على غير دينه، سواء كانت عصبية لعرق أو لمذهب أو لجنس أو غيرها. اعتصموا بالله وأنتم موقنون بنصره وتأييده مهما تكالبت عليكم الأعداء، وادلهمت الكروب، واشتدت عواصف الفتن؛ لأنه تعالى {هُوَ مَوْلَاكُمْ} ولا مولى لكم غيره؛ هو تعالى من نصر نبيكم صلى الله عليه وسلم على أعدائه، وأعز أمتكم فيما مضى من عهودها وعصورها.. ولن يصلح حال هذه الأمة إلا بمثل ما صلح به أولها.

إنه سبحانه وتعالى نعم المولى ونعم النصير.

نفعنا الله بالقرآن الكريم، وجعله نور قلوبنا وربيعها، وحفظنا به من الفتن ما ظهر منها وما بطن، ووقانا به من البدع والخرافات والزيغ والضلال إنه جواد كريم.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

أطفالنا... وحسن الظن بالله

✍ مرهف حسين أسد - كاتب وباحث إسلامي سوري            ...

طلقني.. كلمة تكتب النهاية أم البداية؟

القاهرة - محمد عبدالعزيز ...

اتصل بنا

  • صندوق البريد: 23667 الصفاة 13097 - الكويت
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
  • 22467132 - 22470156

عندك سؤال