الجمعة، 16 نوفمبر 2018
رئيس التحرير
فهد محمد الخزّي

الدكتور محمد كمال شبانة.. عاشق الأندلس

✍ أبو الحسن الجمال - كاتب ومؤرخ مصري            ...


 

 

المتواجدون على الموقع

المتواجدون الأن

93 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

727086 513x340

محمود أحمد حسنين - باحث روائي مصري:

إن كان في مقدور الإنسان العادي الانفلات بذاته إلى عوالم أخرى، فقد تسوقه قريحته إلى عوالم الروحانية والصفاء الذهني، ولا يأتي ذلك له إلا في حضرة العقيدة الإسلامية، والحضرة في بيت الله والعلو بالروح إلى السكينة الربانية.

نجد المؤمن يطوف بالبيت، تنقى نفسه مما علق بها من دنيا الأوهام، فتنساب الطمأنينة إلى نفسه وتسلبه حياة البذخ ليقف أمام خالقه كما جاء إلى الحياة من دون زينة ولا ثراء؛ الجميع سواسية. وكأن الحج رحلة دنياوية ليصفي بها المؤمن نفسه من الضغائن ومنغصات الحياة، حتى يصل إلى آخر أركان الحج ويقف بعرفة، ذلك المشهد الذي يزيل به المؤمن من نفسه كل آثار الحياة، ويقف يلهج لسانه بالدعاء والتضرع. إنها الرحلة التي لا يوجد مسلم على وجه البسيطة لا يتمناها؛ رحلة الاشتياق الإلهي، قال تعالى: {فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُواْ اللّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ} (البقرة:198).

يذكر أن الحج وعرفة قد جمعت فيهما أهم ركائز الإسلام وأركانه، فنجد التوحيد والصوم والصلاة وإنفاق المال والفداء والوقوف سواسية تتساوى القامات والنفوس وتخضع لله رب العالمين. ويعتبر جبل عرفات أبعد المشاعر المقدسة عن مكة، وعلى الرغم من ذلك فهو منسك الحاج المرتبط به الحج كما قال رسولنا الكريم: «الحج عرفة».

وقال الترمذي: والعمل على حديث عبدالرحمن بن يعمر عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم، أنه من لم يقف بعرفات قبل طلوع الفجر فقد فاته الحج، ولا يجزئ عنه إن جاء بعد طلوع الفجر، ويجعلها عمرة وعليه الحج من قابل. وعن وكيع قال: «هذا الحديث أم المناسك». كما جعل ارتباط الحج بالوقوف على جبل عرفات هو ارتباط باستحضار التطلع إلى الصفاء ورسوخ العقيدة، فلقد كان عرفات موقع التعارف لأبينا آدم بأمنا حواء، وجعل التآلف والترابط بينهما هو من أسس العلاقة الإنسانية، فجمعكم بيوم عرفة هو للترابط والتآلف بين عامة المسلمين. ولا يمكن لبشر أن يتخل تجمع البشر بهذا العدد الهائل بخشوع وطمأنينة ورغبة واحدة تتمثل في التضرع والدعاء والقبول من عند رب العالمين.

تسمية عرفة

اختلف في سبب تسمية عرفة وعرفات على أقوال منها: أنه من العرف، بمعنى الرائحة الذكية، وذلك لأن منى تصبح رائحتها لكثرة الذبح متغيرة. أما عرفات فلا يصيبه ذلك، أو لأنه مطيبة بالتقديس، فهو واد مقدس معظم، لأنه من شعائر الله. وقيل: لأن الناس يجتمعون فيه فيتعارفون.

وقيل: لأن العباد يتعرفون إلى ربهم بالطاعات والعبادات.

وقيل: من الصبر، لأن العارف والعروف هو الصبور.

وقيل: لأن الله بعث جبريل، عليه السلام، إلى إبراهيم، فحج به، حتى إذا أتى عرفة، قال: عرفت؟ (وكان قد أتاه مرة قبل ذلك). قال له: عرفت.

وقيل: لأن آدم وحواء تعارفا بعد الهبوط إلى الأرض.

وسميت عرفة بهذا الاسم، لأنها المكان الذي تعارف فيه آدم وأمنا حواء بعد هبوطهما إلى الأرض.

وهذا المكان محدد بحدود شرعية، لا يجوز الوقوف خارجها، ومن أهم هذه الحدود حد طبيعي هو وادي عرفة. وهو وادي جاف يقع غرب عرفة، وهو الحد الأساسي لها. ثم إن باقي المكان يتخذ شكل قوس واسع محدد بالجبال من جميع الجهات، بينما تتميز أرضه بالانبساط.

القسم بعرفة

يوم عرفة من الأيام الفاضلة، تجاب فيه الدعوات، وتقال العثرات، ويباهي الله فيه الملائكة بأهل عرفات. وهو يوم عظم الله أمره، ورفع على الأيام قدره. وهو يوم إكمال الدين وإتمام النعمة. ويوم مغفرة الذنوب والعتق من النيران. إنه يوم أقسم الله به، والعظيم لا يقسم إلا بعظيم، فهو اليوم المشهود في قول القرآن: {وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ} (البروج:3)، فعن أبي هريرة أن النبي قال: «اليوم الموعود يوم القيامة، واليوم المشهود يوم عرفة، والشاهد يوم الجمعة» (رواه الترمذي وحسنه الألباني).

وهو الوتر الذي أقسم الله به في قوله: {وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ} (الفجر:3).

قال ابن عباس: الشفع يوم الأضحى، والوتر يوم عرفة، وهو قول عكرمة والضحاك، هذا من جلال اليوم وعظيم قدره عند رب العرش العظيم.

يوم الميثاق

فعن ابن عباس قال: قال رسول الله: «إن الله أخذ الميثاق من ظهر آدم بنعمان (يعني عرفة) وأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها، فنثرهم بين يديه كالذر، ثم كلمهم قبلا، قال: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ} (الأعراف:172-173)» (رواه أحمد وصححه الألباني).

يوم عتق ومغفرة

إنه يوم مغفرة الذنوب والعتق من النار والمباهاة بأهل الموقف، ففي صحيح مسلم عن عائشة عن النبي قال: «ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدا من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء؟».

قال ابن عبدالبر: وهذا يدل على أنهم مغفور لهم؛ لأنه لا يباهي بأهل الخطايا إلا بعد التوبة والغفران والله أعلم.

وعن ابن عمر أن النبي قال: «إن الله يباهي ملائكته عشية عرفة بأهل عرفة، فيقول: انظروا إلى عبادي، أتوني شعثا غبرا» (رواه أحمد وصححه الألباني). وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية: فقال: «الشعث: هو اغبرار الرأس. والغبر: هو التراب، والغبرة: لونه».

فعلى المسلم أن يحرص على العمل الصالح، لاسيما في هذا اليوم العظيم، من ذكر ودعاء وقراءة وصلاة وصدقة، لعله يحظى من الله بالمغفرة والعتق من النار.

وذكر ابن القيم: «إنه في يوم عرفة يدنو الرب تبارك وتعالى عشية من أهل الموقف، ثم يباهي بهم الملائكة فيقول: «ما أراد هؤلاء؟ أشهدكم أني قد غفرت لهم». وتحصل مع دنوه منهم ساعة الإجابة التي لا يرد فيها سائل يسأل خيرا، فيقربون منه بدعائه والتضرع إليه في تلك الساعة، ويقرب منهم الله نوعين من القرب: أحدهما: قرب الإجابة المحققة في تلك الساعة، والثاني: قربه الخاص من أهل عرفة، ومباهاته بهم ملائكته، فتستشعر قلوب أهل الإيمان بهذه الأمور، فتزداد قوة إلى قوتها، وفرحا وسرورا وابتهاجا ورجاء لفضل ربها وكرمه، فبهذه الوجوه وغيرها فضلت وقفة يوم الجمعة على غيرها». وذكر السعدي في تفسيره للآية الكريمة: {وَلَيَالٍ عَشْرٍ} (الفجر:2) فقال: «في أيام عشر ذي الحجة، الوقوف بعرفة، الذي يغفر الله فيه لعباده مغفرة يحزن لها الشيطان، فما رئي الشيطان أحقر ولا أدحر منه في يوم عرفة، لما يرى من تنزل الأملاك والرحمة من الله لعباده، ويقع فيها كثير من أفعال الحج والعمرة، وهذه أشياء معظمة، مستحقة، لأن يقسم الله بها. قال الله تعالى: {وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ} (الحج:28)».

قال ابن عباس والشافعي والجمهور: هي أيام العشر. وقال النووي: «واعلم أنه يستحب الإكثار من الأذكار في هذا العشر زيادة على غيره، ويستحب من ذلك في يوم عرفة أكثر من باقي العشر». أما من لم يتيسر له الحج فهو كما قال أحد السلف: «من فاته في هذا العام القيام بعرفة فليقم لله بحقه الذي عرفه، ومن عجز عن المبيت بمزدلفة، فليبيت عزمه على طاعة الله وقد قربه وأزلفه، ومن لم يقدر على نحر هديه بمنى فليذبح هواه هنا وقد بلغ المنى، من لم يصل إلى البيت لأنه منه بعيد فليقصد رب البيت فإنه أقرب إلى من دعاه من حبل الوريد».

إلى عرفات الله

باختصار، فإن شعائر هذا اليوم تبدأ بعد أن يصلي الحجاج صلاة الفجر في منى فينتظرون إلى شروق الشمس، ثم يسلكون بعده طريقهم إلى عرفة وهم يرددون التلبية: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك»، ويقضون فيها النهار كله حتى غروب الشمس، حيث يدعون الله ويذكرونه ويبتهلون إليه كثيرا، مقتدين في ذلك بفعل النبي صلى الله عليه وسلم. وتتخلل اليوم خطبة يلقيها إمام الحجاج (كتب الفقه تفترض أن هذا الإمام هو خليفة المسلمين أو من ينوب عنه)، ويستمعون إليها عند زوال الشمس (الوقت الذي قبل صلاة الظهر بخمس دقائق - وهو وقت انعدام الظلال)، ثم يصلون خلفه الظهر والعصر جمعا وقصرا بأذان واحد وإقامتين.. هذا اليوم يمثل أهم أركان الحج في الإسلام، حتى وصفه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «الحج عرفة» (رواه الترمذي وأبو داود). وهذا أسلوب قصر وحصر وتخصيص للدلالة على أهمية هذا الركن.

المصادر

- صيد الفوائد.

- «زاد المعاد في هدي خير العباد»، ج1.

- «الأذكار».

 

أضف تعليق


كود امني
تحديث

أطفالنا... وحسن الظن بالله

✍ مرهف حسين أسد - كاتب وباحث إسلامي سوري            ...

طلقني.. كلمة تكتب النهاية أم البداية؟

القاهرة - محمد عبدالعزيز ...

اتصل بنا

  • صندوق البريد: 23667 الصفاة 13097 - الكويت
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
  • 22467132 - 22470156

عندك سؤال