الجمعة، 16 نوفمبر 2018
رئيس التحرير
فهد محمد الخزّي

الدكتور محمد كمال شبانة.. عاشق الأندلس

✍ أبو الحسن الجمال - كاتب ومؤرخ مصري            ...


 

 

المتواجدون على الموقع

المتواجدون الأن

92 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Untittitltited

د. خالد برادة – كاتب وباحث أكاديمي:

ليس من اللائق بالمفكر المسلم أن ينزوي بعيدا عن معرفة الآخر (الذي ما فتئ يدرس حالة الشرق، ويكتشف تفكير رجاله) لتجلية حقيقة الفكر الغربي، ولتبصير أمته به؛ حتى لا تبقى هدفا للاستشراق. ومن هنا انبرى كثير من الباحثين إلى الدعوة لإقامة علم معادل له، ألا وهو الاستغراب (1).

ومن ثم فإننا نعد علم الاستغراب معادلا موضوعيا للاستشراق، حيث يسعى إلى أن يجعل الغرب موضوعا للعلم، كما جعل الاستشراق من الشرق موضوعا له؛ وإن كان الاستشراق لا يدرس الشرق بشكل موضوعي، حيث إنه يدرسه دراسة ذاتية، بعيدا عن الحياد العلمي؛ ولئن كنا قد ذكرنا هاهنا أن الاستشراق معادل للاستغراب، فلسنا نعني بذلك أن نعامل الغرب بمثل ما يعاملنا به، بل تنبغي مراعاة العدل الذي أمرنا به الله تبارك وتعالى، فهو القائل: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ }(المائدة:8)، فكان توجيه القرآن الكريم المسلمين إلى التعامل مع الآخر المخالف توجيها إلهيا عادلا، موجها إلى العدل.

ومن ثمَّ فقد بلغ القرآن الكريم ذروته من العدالة والبلاغة؛ وقد فطن أبوالحسن الرماني (ت384هـ) إلى أن من الكلام الحسن ما هو دون بلاغة القرآن، لأنه لا يؤذن بالعدل، كما آذنت بلاغة القرآن الكريم (2)؛ وذلك عندما وازن بين قول الله تعالى: { فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ }(البقرة:194) وبين قول عمرو بن كلثوم:

ألا لا يجهلن أحد علينا         فنجهل فوق جهل الجاهلينا

حيث إن هذا البيت الشعري قد أزرى بصاحبه؛ فضلا عن أنه لم يرتق إلى ذروة بلاغة القرآن الكريم وعدالته.

ولقد تنبَّه بعض المثقفين العرب، الذين دعوا إلى دراسة الغرب (3)، إلى الحياد العلمي في المنهج الإسلامي القرآني، فدعوا إلى عدم التعامل مع الغرب بمثل ما يعاملنا به، وذلك من باب الصدع بالأمر الإلهي الوارد في الآية الآنف ذكرها من سورة المائدة.

إن من شأن الاستغراب الصادر عن المسلمين أن يكون صورة مثلى عما ينضح به دينهم الداعي إلى التعامل مع الآخر بالحسنى، حيث لا نريد للاستغراب أن يتعامل بنفس منطق الاستشراق، بل ينبغي أن يكون أرقى منه، ومتميزا عنه، لأن لدينا حصانة أخلاقية، تمنعنا من ردود الأفعال، هذه الأخلاق التي من شأنها أن «تبعدنا بمسافة كبيرة عن تشويه الآخر والاعتداء عليه أو استعماره، كما حدث من الجهة الأخرى في الماضي القريب» (4)؛ فليس إذن للاستغراب مطامع مثلما كان للاستشراق، وليس له إلا هدف دراسة الغرب دراسة موضوعية، بعيدة عن التحيّز والأهواء الدنيّة.

إن عقيدة المثقف المسلم تمنعه من أن يتعامل بالهوى وردود الأفعال التي لا تثمر إلا علقما، ولكن ينبغي ألا نغفل عن بعض القضايا التي انطلق منها الاستشراق لدراستنا، حيث إن آلياته التي اتخذها، هي التي مكنته من الاشتغال بأريحية، ومن ذلك أن المستشرق كان يتخصص في إحدى لغات الشرق وآدابه؛ فكذلك ينبغي للمستغرب أن يفعل، ومرد ذلك أن الغرب ليس غربا واحدا، فهناك الغرب الأدنى، والغرب الأوسط، والغرب الأقصى؛ فضلا عن أن موقف الغرب ليس واحدا من الإسلام، وكذلك ينبغي أن يكون موقفنا تجاه الغرب، حيث إن منهم منصفون معترفون للإسلام بعظمته، منافحون عنه وعن المسلمين، وهؤلاء هم الذين يمثلون، بتعبير الأستاذ أنور الجندي، غزوة جديدة للفكر الإنساني (5)؛ وقد تعالت أصوات الكثير منهم بالحق، منصفة للمسلمين، ومن ذلك الكتاب الصادر حديثا بعنوان: «من أجل المسلمين» (6).

ولعل أهم ما ركز عليه الاستشراق هو البعد الديني، فلا غضاضة أن يركز الاستغراب على ذلك أيضا، من منطلق اهتمامه بالدين الذي يعتنقه القوم الذين سيوليهم بالدراسة؛ لأننا نريد بالاستغراب أن نتمكن من فهم الغرب عن قرب، وعن كثب، سعيا منا إلى فهمه، وعدم النظر إليه نظرة إكبار أو احتقار؛ بل أن نعتبر الاستغراب، كما ذهب إلى ذلك الدكتور حسن حنفي، هو «الوجه الآخر والمقابل، بل والنقيض من الاستشراق، فإذا كان الاستشراق هو رؤية الأنا (الشرق)، من خلال الآخر (الغرب)، يهدف علم الاستغراب إلى فك العقدة التاريخية المزدوجة بين الأنا والآخر، والجدل بين مركب النقص عند الأنا، ومركب العظمة عند الآخر» (7).

إن الاستغراب يتيح لنا أن ننطلق من الذات المسلمة، وإعادة الاعتبار لها، لتنفض عن نفسها النظرة الدونية التي تكرست لديها، نظرا لعوامل متعددة، أبرزها الاستلاب الحضاري، والاستتباع الثقافي. ولعل علم الاستغراب هو الآلة الناجعة للتحرر من امتداد السيطرة الغربية، التي تطوقت بها الأعناق العربية ردحا من الزمن؛ فالاستغراب هو مفتاح التحرر من الانبهار بالغرب، لإعادة الثقة بالذات المسلمة، التي عانت من نير الجمود الفكري، والاستلاب الثقافي الذي مُنيت به؛ فلقد آن الأوان ليصير الغرب مدروسا، بدل أن يبقى دارسا ومسيطرا على العرب والمسلمين؛ وأملي أن يسعى الباحثون في الفكر الإسلامي إلى الالتفات لعلم الاستغراب، وإيفائه نصيبا وافرا من الاهتمام.

الهوامش

1- يلفت انتباهنا أن مصطلح «الاستغراب» لم ينل ما يستحقه من العناية اللازمة بتعريفه. ومرد ذلك إلى اهتمام كثير من المفكرين بالاستشراق، الذي أفردوا له الوجهة، وإن لم يتفقوا حول تعريف لهذا الأخير كذلك؛ غافلين عن أن يهتموا بالغرب لتتسنى لهم معرفة بنية تفكيره، ونقد مركزيته وهيمنته، وليس للانبهار به. ومن التعاريف الاصطلاحية للاستغراب، التي جاد بها بعض المهتمين به، نجد تعريف الدكتور أحمد سمايلوفتش، الذي يرى أن كلمة استغراب «مشتقة من كلمة «غرب»، وكلمة غرب تعني أصلا غروب الشمس، وبناء على هذا يكون الاستغراب هو علم الغرب». انظر: فلسفة الاستشراق وأثرها في الأدب العربي المعاصر، د. أحمد سمايلوفتش، دار الفكر العربي، القاهرة، 1418هـ/1998م، ص 37.

2- انظر: النكت في إعجاز القرآن، أبوالحسن علي بن عيسى الرماني، ضمن ثلاث رسائل في إعجاز القرآن، تحقيق: محمد خلف الله، ومحمد زغلول سلام، سلسلة ذخائر العرب، (16)، دار المعارف، مصر، ط3، 1976م، ص100.

3- دونك مثلا: الدكتور أحمد الشيخ في: من نقد الاستشراق إلى نقد الاستغراب: حوار الاستشراق، المركز العربي للدراسات الغربية، القاهرة، 1419هـ/1992م، ص288؛ والدكتور علي إبراهيم النملة، في كتابه: الاستغراب: المنهج في فهمنا الغرب، كتاب المجلة العربية، (223)، العدد462، رجب 1436هـ/مايو 2015م، ص 19 و20.

4- انظر: كلمة أحمد الشيخ في ندوة المركز العربي للدراسات الغربية عن آفاق الاستغراب المنشورة في: من نقد الاستشراق إلى نقد الاستغراب: المثقفون العرب والغرب، أحمد الشيخ، المركز العربي للدراسات الغربية، القاهرة، ط 1، يناير2000م، ص288.

5- لقد أشاد أنور الجندي بأعلام من الغرب أنصفوا الإسلام وحضارته، واعترفوا له بما يجب الاعتراف به، واعتبرهم ممن جهر بكلمة الحق (انظر كتابه: الإسلام في غزوة جديدة للفكر الإنساني، ص105)؛ وقد أوضحت اهتمامه، رحمه الله، بشهادات الغربيين حول الإسلام، وتنويههم به، واعترافهم له بما يجب الاعتراف به؛ وذلك في معرض مقالي عن هذا المفكر المقتدر، الذي وسمته بعنوان: الحضارة الغربية في رؤية الأستاذ أنور الجندي، المنشور في شبكة الألوكة، على الرابط: http://www.alukah.net/culture/0/90397

6- هو من تأليف الصحفي الفرنسي إيدوي بلينيل، وقد لاقى الكتاب صدى واسعا في فرنسا، لأهمية الموضوع الذي دبجه صاحبه؛ وقد ترجمه إلى العربية عبداللطيف القرشي، وتفضلت مجلة الدوحة بإهدائه إلى قرائها ضمن كتاب الدوحة، رقم 49، العدد 92، يونيو 2015م.

7- مقدمة في علم الاستغراب، حسن حنفي، الدار الفنية، القاهرة، 1411هـ/1991م، ص29.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

أطفالنا... وحسن الظن بالله

✍ مرهف حسين أسد - كاتب وباحث إسلامي سوري            ...

طلقني.. كلمة تكتب النهاية أم البداية؟

القاهرة - محمد عبدالعزيز ...

اتصل بنا

  • صندوق البريد: 23667 الصفاة 13097 - الكويت
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
  • 22467132 - 22470156

عندك سؤال