الأحد، 21 أكتوبر 2018
رئيس التحرير
فهد محمد الخزّي


 

 

المتواجدون على الموقع

المتواجدون الأن

116 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

مفهوم الوسطية والاعتدال

د.سليمان علي سليمان بدر – باحث دراسات إسلامية:

الإسلام دين السماحة واليسر، دين التكامل مع الآخرين، لكن للأسف الشديد مال البعض من أبنائه عن الطريق الصواب والفهم السديد وظنوا - وظنهم خاطئ - أن الإسلام دين إقصاء يأمر بالابتعاد عن المخالفين لنا في العقيدة، بل إن حسن المعاملة لهم وبرهم دليل على الولاء لهم، فوقعوا في شبهات واشتبهت عليهم أمور ليست بخفية بل واضحة وضوح الشمس في كبد النهار، وكان عندهم غلو في القول بالولاء والبراء.

وأول شيء في الموالاة الحب في الله سبحانه وتعالى والبغض في الله، فلابد للمؤمن أن يحب المؤمنين، وأن يحب الله عزوجل حب العبادة، وأن يحب الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين حبا في الله سبحانه وتعالى، فهذا الحب تابع وأثر من آثار حب المؤمن لربه عزوجل. فإن كان هذا التقرب والود مقصودا به الله ورسوله والمؤمنين، فهو الموالاة الشرعية الواجبة على كل مسلم، وإن كان المقصود هم الكفار والمنافقين، على اختلاف أجناسهم، فهو موالاة كفر وردة عن الإسلام. فالموالاة إذا كانت بين المؤمن وربه أو بين المؤمنين بعضهم وبعض فهي الموالاة المحمودة المأمور بها شرعا، وهي التي تورث العز في الدنيا وتكسب الفوز والنجاة في الآخرة، أما إذا كانت الموالاة بين الكفار والمنافقين بعضهم وبعض أو بينهم وبين الشيطان، أو تلك التي يكون الكافر أو الشيطان طرفا فيها، فهي الموالاة المذمومة المنهي عنها، وهي التي تورث ذل الدنيا وغضب الله وعقابه في الآخرة، وهذه الأخيرة يتبرأ منها أطرافها ولا يغني بعضهم عن بعض شيئا في الآخرة (1).

وقد أوصانا ديننا الحنيف بالتعامل مع أهل الكتاب المسالمين لنا معاملة طيبة ومن هذه المعاملات:

1- كف الأذى والظلم، وعدم التعدي عليهم، وهذا مما يصدق عليه ما رواه عبدالله بن عمرو، رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عاما» (2). هكذا يتحدد الوعيد على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن قتل المعاهد من أهل الكتاب.

2- التزام أصول الأخلاق في الإسلام معه، من الصدق والأمانة، والعدل والإنصاف، والرحمة في مواضعها الشرعية، وما إلى ذلك من أصول الأخلاق الحميدة.

3- جواز إيصال البر والمعروف الإنساني إليه، ومن ذلك جواز الهدية والإغاثة، ونحو ذلك من أعمال الأخلاق الحسنة، بضوابطها الأخلاقية الشرعية. هذا وقد أباح الله سبحانه في القرآن الكريم تناول طعام أهل الكتاب وتزوج نسائهم في قوله تعالى: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ} (المائدة:5). توجهنا الآية الكريمة إلى حل التعامل مع أهل الكتاب (اليهود والنصارى) وتبادل المنافع معهم وإباحة طعامهم ضيافة وشراء بل والتزوج من نسائهم (٣).

4- عدم جواز سبهم وشتمهم ورميهم ظلما وباطلا بالزنى أو بغير ذلك، فقد ورد عن واثلة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قذف ذميا حد له يوم القيامة بسياط من نار» (٤).

ولقد أمر الإسلام أيضا بحسن المعاملة مع غير أهل الكتاب، فالإسلام لم يكن دين جفاء ولا غلظة قط إنما هو دين مودة ورحمة، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقبول الهدية من المشركين، ليس ذلك فقط، بل وأمر بإهدائهم، ولذلك أدلة منها.

1- عن أسماء بنت أبي بكر، رضي الله عنهما، قالت: قدمت على أمي وهي مشركة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستفتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، قلت: وهي راغبة، أفأصل أمي؟ قال: «نعم، صلي أمك» (٥). فدل هذا الحديث على: جواز الهدية للمشركين، لاسيما إذا كانوا من ذوي القربى. ومشروعية صلة الرحم الكافرة كالرحم المسلمة. واستدل بعضهم على وجوب النفقة للأب الكافر (٦).

2- أهدى عمر بن الخطاب رضي الله عنه حلة إلى أخ له مشرك بمكة، كانت قد جاءته من النبي صلى الله عليه وسلم (٧).

3- أباح الله قبول الهدية من المشركين والكافرين، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لصاحب الغنم المشرك عندما أراد أن يأخذ منها شاة: «بيعا أم عطية؟»، أو قال: «أم هبة؟». قال: لا، بل بيع، فاشترى منه شاة (٨). فدل هذا الحديث على أن الشراء والبيع من الكفار كلهم جائز، إلا أن أهل الحرب لا يباع منهم ما يستعينون به على إهلاك المسلمين من العدة والسلاح، ولا ما يقوون به عليهم (٩).

4- أهدى ملك أيلة للنبي صلى الله عليه وسلم بغلة بيضاء، وكساه بردا وكتب له ببحرهم (١٠) (١١).

فالنبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث قد قبل الهدية من الكافر وأهدى إليه أيضا؛ وهكذا فإنه تجوز الهدية إلى الكافر، ويجوز قبول هديته، من حيث المبدأ، ما لم يقترن ذلك بما يجعله محرما كأن تكون على حساب شيء من الخلق والدين. وهذا حكم مطرد حتى بالنسبة إلى المسلم. على أن من اللازم أن يتنبه المسلم إلى الحذر من تحول تعامله مع أهل الكتاب أو الكافرين إلى موالاة أو محبة أو تفضيل لهم وتقديم لهم على المسلمين أو مجاملة لهم في مسائل الكفر أو إطراء لهم أو لعباداتهم أو تهنئة بأعيادهم، ونحو ذلك مما هو من شعائر دينهم، أو ملازم للكفر (١٢).

واقع المسلمين اليوم

اتفق العلماء، رضوان الله عليهم، على أن إعانة المشركين أو غيرهم على المسلمين أمر يخرج عن الملة لو قام به أحد من المسلمين بقصد الإضرار العمد بالمسلمين.

بينما اختلفوا في بر غير المسلمين ومودتهم إن لم يقصد الإضرار بالمسلمين إلى قولين.

القول الأول: أن التقرب منهم ليس فيه شيء، بل إن التقرب منهم هو ما يدعو إليه الإسلام. فإذا نظرنا إلى السلف الصالح وجدناهم فهموا الولاء والبراء أفضل منا. مستدلين على قولهم بقولهم تعالى:

{لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} (الممتحنة:8).

أي: لا ينهاكم الله العليم الحكيم عن مخالطة المشركين الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتحسنوا معاملتهم وتكرموهم. وعن أن تقسطوا إليهم. ولا تجوروا عليهم في حكم من الأحكام (١٣).

ومنها أن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يهدر أي تفرقة بين مسلم وغير مسلم، ويتضح هذا عندما أمر أن يقتص أحد أقباط مصر من ابن عمرو بن العاص (والي مصر) عندما ضربه (١٤).

القول الثاني: يرى الابتعاد عن غير المسلمين وأن التقرب منهم كفر. وقال: إن مظاهرة المشركين وإعانتهم على المسلمين من نواقض الإسلام (١٥).

مستدلين على ذلك: من القرآن الكريم:

1-{وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاء} (المائدة:81).

ووجه ذلك: أن الإيمان المذكور ينفي اتخاذهم أولياء ويضاده، ولا يجتمع الإيمان واتخاذهم أولياء في القلب فلا بد من اتخاذهم عدوا (١٦).

2-{لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (المجادلة:22).

فالمقصود من هذه الآية الكريمة النهي عن موالاة المنافقين وأشباههم، فلا يجتمع هذا وهذا، فلا يكون العبد مؤمنا بالله واليوم الآخر حقيقة، إلا إذا كان عاملا على مقتضى الإيمان ولوازمه، من محبة من قام بالإيمان وموالاته، وبغض من لم يقم به ومعاداته، ولو كان أقرب الناس إليه (١٧).

وأجيب عن ذلك: أن الآية الأولى آية عامة في حق من قاتل ومن لم يقاتل، بينما الآية المذكورة في الدليل الثاني خاصة بمن لم يقاتل، بينما الأدلة القاضية بالجواز مكررة (١٨).

والراجح منهما: أن الولاء والبراء ما داما من الإسلام، وهو وسط وسمح ورحمة. لا يشك في هذه النتيجة مسلم، ولا غير مسلم إذا كان منصفا فلذلك أقول: إنه لا مانع من مودتهم وبرهم بناء على النصوص الإسلامية إن كان ذلك بلا إضرار متعمد للإسلام والمسلمين وبلا انزلاق لهويتهم ولدينهم.

وخلاصة القول:

إن سماحة الإسلام مع أهل الكتاب وغيرهم شيء، واتخاذهم أولياء شيء آخر، ولكنهما يختلطان على بعض المسلمين، الذين لم تتضح في نفوسهم الرؤية الكاملة لحقيقة هذا الدين ووظيفته، بوصفه دينا منهجيا واقعيا، يتجه إلى إنشاء واقع في الأرض، وتعميرها بما أمر به الله وفق التصور الإسلامي الذي يختلف في طبيعته عن سائر التصورات التي تعرفها البشرية وتصطدم من ثم بالتصورات والأوضاع المخالفة، فالبعض يختلط عليه حسن المعاملة معهم ومفهوم الولاء والبراء، فيخلطون بين دعوة الإسلام إلى السماحة في معاملة أهل الكتاب والبر بهم في المجتمع المسلم الذي يعيشون فيه مكفولي الحقوق، وبين الولاء الذي لا يكون إلا لله ولرسوله وللجماعة المسلمة. ناسين ما يقرره القرآن الكريم من أن أهل الكتاب. بعضهم أولياء بعض في حرب الجماعة المسلمة.

ومن ثم تكون أهم النتائج والتوصيات:

إن المسلم مطالب بالسماحة مع أهل الكتاب وغيرهم، ولكنه منهي عن الولاء لهم بمعنى التناصر والتحالف معهم. كما أنه من الواجب علينا أن نتفهم النصوص الإسلامية فهما شاملا لجميع مناحي الحياة. بمعنى أن لا نأخذ نصا ونغض الطرف عن نص آخر.

الهوامش

1- نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، الناشر: دار الوسيلة للنشر والتوزيع جدة، ط: الرابعة 8/3686، بتصرف.

2- صحيح البخاري، كتاب الجزية فرض الخمس، ب إثم من قتل معاهدا بغير جرم (رقم 3166) 9/381، ط دار الغد العربي.

3- مختصر تفسير ابن كثير (ت:774هـ) للصابوني، ط: دار التراث العربي، 1/487، بتصرف.

4- المعجم الكبير لأبي القاسم الطبراني (ت:360هـ)، دار النشر: مكتبة ابن تيمية، القاهرة 22/57.

5- فتح الباري، كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها، باب الهدية للمشركين، رقم (2620)، 8/147.

6- منار القاري شرح مختصر صحيح البخاري لحمزة محمد قاسم، الناشر: مكتبة دار البيان، 4/19.

7- فتح الباري، ك الجمعة، ب يلبس أحسن ما يجد، رقم (884)، 3/333.

8- فتح الباري، ك البيوع، ب الشراء والبيع مع المشركين وأهل الحرب، رقم (2216)، 7/153.

9- شرح صحيح البخاري لابن بطال (ت:449هـ)، دار النشر: مكتبة الرشد- السعودية، 6/338.

10- (كتب له ببحرهم) أي جعله حاكما على بلدهم وأرضهم.

11- فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ك الهبة، ب قبول الهدية من المشركين، 8/141.

12- الأخلاق الفاضلة قواعد ومنطلقات لاكتسابها للدكتور عبدالله بن ضيف الله الرحيلي، وكالة المطبوعات والبحث العلمي، ص282.

13- الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبية لنعمة الله بن محمود النخجواني (ت:920هـ)، دار ركابي للنشر ـ الغورية، 2/407، التفسير الوسيط لمحمد سيد طنطاوي، دار نهضة مصر،14/335، بتصرف.

14- إيضاح طرق الاستقامة في بيان أحكام الولاية والإمامة لابن المبرد (ت:909هـ)، الناشر: دار النوادر، سوريا، ص:176.

15- الأحكام الشرعية للثورات العربية لعلي ابن نايف الشحود، ص: 842، التنبيهات المختصرة شرح الواجبات المتحتمات المعرفة على كل مسلم ومسلمة لإبراهيم بن الشيخ صالح بن أحمد الخريصي، الناشر: دار الصميعي للنشر والتوزيع، ص:21.

16- الولاء والبراء بين الغلو والجفاء في ضوء الكتاب والسنة لحاتم بن عارف بن ناصر الشريف العوني، ص:8.

17- التفسير الوسيط لطنطاوي 14/274، تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان لعبدالرحمن السعدي (ت:1376هـ)، مؤسسة الرسالة، ص:848، بتصرف.

18- نيل الأوطار للشوكاني (ت:1250هـ)، 4/286، بتصرف.

 

أضف تعليق


كود امني
تحديث

اتصل بنا

  • صندوق البريد: 23667 الصفاة 13097 - الكويت
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
  • 22467132 - 22470156

عندك سؤال