الأحد، 21 أكتوبر 2018
رئيس التحرير
فهد محمد الخزّي


 

 

المتواجدون على الموقع

المتواجدون الأن

97 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

00 22

د. محمد حسن بدر الدين - باحث في الفكر الإسلامي - تونس:

من فضل الله على عباده أن جعل القرآن الكريم هاديا لعقولهم، ومنيرا لدروبهم، بما اشتمل عليه من بيان يتعلق بالله سبحانه وصفاته وآياته، ومعرفته حق المعرفة: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} (الحج:62)، ثم بما اشتمل عليه من آداب وقصص وتاريخ وأخلاق وتزكية، هي السبيل إلى النور والخير ذلك لأنه: {يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ} (الأحقاف:30).

وقد عمل الرسول صلى الله عليه وسلم، على تطبيق ما جاء في القرآن الكريم، من تلك الأنوار والبصائر، ونقلها إلى نفوس الصحابة، عبر منهاج دقيق ومتدرج، عبّر عنه أحد الصحابة الكرام بقوله: لما نزلت هذه الآية: {الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ} (الأنعام:82) شق ذلك على الناس، وقالوا: يا رسول الله، فأينا لا يظلم نفسه؟! «قال صلى الله عليه وسلم: إنه ليس الذي تعنون، ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح: {يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} (لقمان:13)؛ إنما هو الشرك» (1).

فمن خلال هذا المثال، نفهم أن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم كان يعتمد القرآن دليلا ومرشدا ومجيبا عن أسئلة الناس ومشاغلهم، حتى في بعض مواقع اللبس في فهم بعض مفردات القرآن نفسه، أو فهم المراد من آية منزلة أو مسألة شائكة. وقد عبر الصحابي الجليل عبدالله بن مسعود رضي الله عنه، عن مركزية القرآن في حياة الصحابة، فقال: «إن القلب الذي ليس فيه من كتاب الله شيء، خرب كخراب البيت الذي لا ساكن له» (مسند الدارمي).

وهو يقصد لا محالة حفظ القرآن وتذوق معانيه وتدبر آياته، وتطبيق أحكامه في السر والعلن، لأن المعرفة المتمكنة التي مكانها القلب، إنما هي منزل القرآن، ومنبع الإلهام والحكمة، وموطن النور والحق.

ومن المؤكد أن ابن مسعود رضي الله عنه، قد استعار ذلك اللفظ وتلك المعاني من إرشاد النبي الكريم صلى الله عليه وسلم وتوجيهاته، فقد روى ابن عباس رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الرجل الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخرب» (مسند الدارمي).

وفي هذا المقال تدقيق وتعريف بذلك المنهج النبوي، من خلال بعض الأمثلة والملامح.

المعرفة بالله عزوجل

أول عمل قام به الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، أنه غرس التوحيد والإيمان بالله في قلوب الصحابة ونفوسهم وعقولهم. وقد كان إيمانهم في البداية غير متكامل في الفهم والتمثل لعظمة الله وبدائع قدرته، مثل كل العرب في ذلك الوقت. وقد وردت في كتاب الله إشارات إلى طبيعة ذلك الإيمان في مثل قوله تعالى: {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ} (العنكبوت:61).

لكن التأسيس النبوي كان مبنيا أيضا على التعمق في آيات أخرى، ومستوى أرقى من مجرد التصديق والإقرار، مثل الالتفات إلى مستوى الخلق المباشر، والآيات الدالة عليه من خلال الآثار المشاهدة، والتي عبر عنها قوله تعالى: {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} (الأنعام:59).

عمد الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم إلى تعليم الصحابة استحضار عظمة الله وتحقيق مقامات الخشية والخشوع والمحبة، ومعرفته سبحانه معرفة صحيحة ومتكاملة العناصر، والاتعاظ بالتجارب من حولهم. والتدبر في معاني القرآن. وعلمهم كيف التفت القرآن إلى جانب ذلك الإيمان الفطري البسيط، وانتقل به إلى مستوى أرقى، وأرشدهم إلى ما احتوته «سورة لقمان»، مثلا، من جمع بين السؤال والجواب، وربط بين الحاصل المعرفي الابتدائي وبين المتحصل الجديد، من خلال التربية على التأمل والتدبر في آيات الله الدالة على العظمة والكمال والجلال: {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} (لقمان:25-28).

لقد عمل الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم على غرس هذه المعاني في نفوس أتباعه، وحول نظرتهم الأولى حول الخالق عزوجل وقدرته وحقيقة الخلق والوجود، إلى التأمل في ملكوت السموات والأرض، والتدبر في صور عظمته انطلاقا من النظر إلى الأنفس والآفاق. وقد وصلت بهم التربية النبوية إلى مستويات وعي إسلامي راقية، بلغت درجة عالية من اليقين والثبات، وعميق الإيمان: النظري ثم العملي، بعد أن أكمل الرسول صلى الله عليه وسلم تعريفهم بالله سبحانه.. وقد تحول الإيمان بعد ذلك إلى مستويات الجهاد بالأموال والأنفس: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} (الحجرات:15).

نظرة متكاملة

كانت نظرة العرب إلى الكون والطبيعة والآخرة، نظرة ناقصة ومبنية على معرفة ضئيلة ومحدودة لا تنفذ إلى جوهر الحقائق. وقد سماهم الإمام الشهرستاني (ت: 548هـ) معطلة العرب، لأنهم لم يهتدوا إلى الإقرار بالخالق والدار الآخرة، رغم أن صنفا منهم أقروا بالخالق وابتداء الخلق ونوع من الإعادة، إلا أنهم أنكروا الرسل، وعبدوا الأصنام، وزعموا أنهم شفعاؤهم عند الله في الدار الآخرة، وحجوا إليها، ونحروا لها الهدايا، وتقربوا إليها بالمناسك والمشاعر (2).

فجاء القرآن الكريم بثقافة بديلة، تقوم على تصحيح المفاهيم، والهداية إلى الحق، تكفّل النبي الكريم صلى الله عليه وسلم في سنته بتفسير معالم تلك الهداية وتطبيقها في الواقع، على أربعة أنماط من العمل على الأقل:

الأول: التهذيب الأخلاقي، ويحتوي على الحكم والآداب والنصائح، مثل: مدح الصدق والعدل والإحسان، وذم الكذب والظلم والفسوق والعصيان، فعن عبدالله بن عمرو: «قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الناس أفضل؟ فقال: كل مخموم القلب، صدوق اللسان. قالوا: صدوق اللسان نعرفه، فما مخموم القلب؟ قال: هو التقي النقي، لا إثم فيه، ولا بغي، ولا غل، ولا حسد» (ابن ماجه).

والثاني: التصحيح العقائدي، وهو يشتمل على تقرير أصول العقائد المذكورة في القرآن الكريم، مثل: التوحيد والصفات الإلهية، والرسالة والبعث والجزاء.

والثالث: بيان الأحكام وتقرير التشريعات التي بني عليها نظام الإسلام، باعتباره منهجا شاملا ومتكاملا، فالدين في نظر الإسلام ليس مسألة شخصية، ولا مسألة فردية، وإنما هو مسألة متعددة الأبعاد، تمس الجانب الشخصي والاجتماعي والثقافي والاقتصادي (3).

والرابع: الربط بين الهدف والسلوك، حيث يتم المزج بين الأعمال والنيات، وبين المبادئ والممارسات. وقد تفنن الصحابة الكرام في تطبيقها عملا بقوله تعالى في سورة النساء: {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا وَإِذاً لَّآتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّا أَجْراً عَظِيمًا وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا} (النساء:66-68).

وفي رواية أبي عبدالرحمن السلمي، صورة ناصعة لهذا المبدأ، حيث قال: «حدثنا الذين، كانوا يقرئوننا أنهم كانوا يستقرئون من النبي صلى الله عليه وسلم، فكانوا إذا تعلموا عشر آيات، لم يخلفوها حتى يعملوا بما فيها من العمل، فتعلمنا القرآن والعمل جميعا» (4).

ومن أجمل صور هذا الإحكام بين الإيمان والعمل، أو بين الظاهر والباطن، ما ورد في الآية التاسعة من سورة الزمر، في قوله تعالى: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ} (الزمر:9).

فالآية تتحدث عن قيام الليل، وتعرض صورة من صور التواصل مع الله تبارك وتعالى، عبر حركتين منسجمتين ومتحدتين، هما: الحركة الظاهرة المشتملة على السجود والقيام {سَاجِدًا وَقَائِمًا} والحركة الباطنية والروحية التي قوامها الخوف والرجاء {يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ}.

موعظة وتذكير وعبرة

ورد مصطلح الفرقان في سبعة مواضع من القرآن الكريم، منها قوله تعالى: {يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} (الأنفال:29)؛ وهو من الألفاظ المفاتيح في فهم الفرق بين الشيء ونقيضه، والتمييز بين الحق والباطل. وقد بعث الله الرسول صلى الله عليه وسلم ليعلم الناس معاني التقوى والتزكية، بتنفيذ أوامره وترك نواهيه، لأن من أهم الحوافز الموقظة للمدارك والقدرات الكامنة في النفس الإنسانية: التقوى وخشية الله تعالى.

ويكاد الفرقان يكون مرادفا لما سماه القرآن بصيرة، فهو نور يهدي إلى الحق، ويؤهل المؤمن كي يرى الأشياء كما هي، من غير انخداع بالمظاهر المزيفة والقشور الظاهرية. ولمثل هذه الأسباب جمع القرآن الكريم بين مقصدي التشريع والموعظة، وبين القصص والاعتبار، فهدفه الأساسي هو التذكير والموعظة وليس عرض المعلومات والمعارف.

فالتذكير يوقظ المشاعر، ويحرك الوجدان ويدفع إلى المبادرة والعمل الصالح وطاعة الله. فالتذكير بالمرض والموت ويوم الحساب على سبيل المثال، دوافع إلى الاعتبار والتوبة ومراجعة النفس.

ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يطبق دائما هذا المنهج التذكيري، فيقول في موقع: «اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة» (متفق عليه)، وفي موقع آخر يقول: «موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها، ولغدوة في سبيل الله أو روحة، خير من الدنيا وما فيها» (صحيح البخاري).

ومن المؤكد أن هدف هذا الوعظ، وهو من ملامح المنهاج النبوي في التربية والهداية، موجه إلى من يعقل ويتذكر ويفكر في طبيعة هذه الحياة، وما يعتريها من مصائب ومنغصات، حتى يفيء المرء إلى ربه، قبل فوات الأوان، وحتى تستيقظ لديه عواطف الخشوع والخضوع، فتزكو نفسه ويبتعد عن الفحشاء والمنكر. وبذلك يستفيد الفرد والمجتمع معا، وتسود مظاهر الصلاح والبر والإحسان، التي أمر الله بها في مثل قوله تعالى: {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} (النحل:90).

وبهذا يكون الفرقان كتابا صالحا لكل زمان، وأسوة عملية كاملة في كل مكان.

الهوامش

1- ابن كثير (ت: 774هـ)، تفسير القرآن العظيم، تحقيق: سامي بن محمد سلامة، دار طيبة للنشر والتوزيع، الطبعة الثانية، الرياض، 1420هـ، 1999م. ج 3، ص 294.

2- عبدالكريم الشهرستاني، الملل والنحل، مؤسسة الحلبي، القاهرة، 1968م، ج 3، ص 79.

3- أحمد أمين، يوم الإسلام، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، 1952. ص 17.

4- الطبري (ت: 310هـ) جامع البيان في تأويل القرآن، تحقيق: أحمد محمد شاكر، مؤسسة الرسالة، الطبعة: الأولى، بيروت، 1420هـ/2000م. ج 1، ص 80.

 

أضف تعليق


كود امني
تحديث

اتصل بنا

  • صندوق البريد: 23667 الصفاة 13097 - الكويت
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
  • 22467132 - 22470156

عندك سؤال