الأحد، 19 غسطس 2018
رئيس التحرير
فهد محمد الخزّي

العلامة أبوبكر الجزائري.. في ذمة الله

المدينة المنورة – الوعي الشبابي: شهد فجر اليوم الأربعاء الرابع من ذي الحجة 1439هـ الموافق ...


 

 

المتواجدون على الموقع

المتواجدون الأن

110 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

hqde ault

فيصل سليمان حسن - إعلامي وباحث أكاديمي:

إذا كان علم التنمية البشرية Human Development في حقيقة مبادئه وأصوله وتوجهاته وغاياته، مشروعا عمليا يستهدف النهوض بقدرات المرء وإمكاناته وظروفه واستغلالها أمثل استغلال، في سبيل التمتع بمستوى معيشي لائق؛ صحيا وتعليميا واجتماعيا واقتصاديا وحقوقيا ومعرفيا...

بما يمكنه من أن يكون نموذجا إيجابيا منتجا نافعا له ولغيره، فإنه بهذا المعنى والفهم، يمكن أن يعد من أهم العلوم التي دعا الإسلام الحنيف إلى تبنيها والأخذ بها في سبيل تنمية المسلم روحيا ومعرفيا وحياتيا وأداء رسالته على النحو الأكمل.

 

والحقيقة أن الأدلة الموثوق بها التي تدعم ما ذهبنا إليه كثيرة جدا، ويكفي هنا أن نذكر عميد الأدلة المتمثل في الأمر الإلهي الشهير «اقرأ» في سورة العلق {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} (العلق:1-5)، التي تعتبر عند جمهور العلماء أول ما نزل من القرآن الكريم على الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم. فلو تأملنا بالتحليل العميق ما ينطوي عليه هذا الأمر الإلهي بظروفه وحيثياته من دلالات وإشارات وتوجهات وأهداف لقلنا: إنه لا تخفى الأهمية الكبرى المصيرية الحاسمة لإطلاق الأمر الإلهي «اقرأ» إيذانا ببدء اختيار الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم لتبليغ الرسالة السمحة، ونشر الإسلام بمنظومته التشريعية والمعرفية والقيمية السامية، فنجاح هذه المهمة الكبرى لا يكون إلا بمعرفة وتدبير وتنمية القدرات والإمكانات واستغلالها بالصورة المثلى، وهذا لا يتحصل إلا بالقراءة والقلم؛ باعتبارهما الأداتين اللازمتين لتحصيل المعارف والعلوم والطرائق والأساليب.. وهذا كله يشكل مقولات جوهرية في التنمية البشرية.

ولعل اللافت للنظر هنا أن يقترن الأمر الإلهي (القراءة وتحصيل المعارف والعلوم) باسم الرب الخالق، سبحانه وتعالى، مبدأ ومصدرا وتوجها، لأنه جل جلاله مصدر العلم، يستمد منه الإنسان كل ما علم، وكل ما يعلم وكل ما يفتح له من أسرار هذا الوجود، ومن أسرار هذه الحياة، ومن أسرار النفس البشرية، وينبغي أن يتوجه المرء إليه، لأن كل ما في هذا الوجود من حركات وسكنات وأحداث وأشياء وأحياء وجماد وغير ذلك إنما باسم الله يسير وإليه يتجه ويصير، وهو وحده العليم بما في ذلك كله، وأتاح بعضا من هذا العلم للإنسان الذي لم يكن له شيء منه.

نستطيع القول إن القرآن الكريم يكتنز شيئا كثيرا من مفاهيم التنمية البشرية ومبادئها ودروسها واتجاهاتها، ويحسن بنا أن نقدم سورة «الكهف» نموذجا تمثيليا، نظرا لما تكتنزه من دروس تنموية ترتقي بالنفس البشرية وإمكاناتها وقدراتها، وتمكنها من بناء حياة أرقى لها ولغيرها وأداء رسالة حضارية سامية.

إن نظرة متأنية نسلطها على سورة «الكهف» من منظور مفاهيم التنمية البشرية ومبادئها ودروسها واتجاهاتها، تمكننا من اقتناص الكثير من الدروس القيمة نختار أربعة منها، وهي الأكثر أهمية وإلحاحا فيما نعتقد:

التنمية البشرية والشباب

لحكمة كان اختيار الله سبحانه وتعالى الإخبار أن أهل الكهف هم فئة شبابية اختاروا الإيمان والتوحيد وهربوا به من دار قومهم إلى كهف الجبل فزادهم الله إيمانا به وبصيرة بدينهم، قال تعالى {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى} (الكهف:13). فمما لاشك فيه أن الباري سبحانه يقدم نموذجا يحتذى عن كيفية الاستثمار بالشباب ووجوب دعمهم باعتبارهم أقبل للحق، وأهدى للسبيل، ولهذا كان أكثر المستجيبين لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم شبابا، كما يرى ابن كثير (1).

والحقيقة أن هذا الدرس ينطوي على أهمية بالغة عند منظري وفلاسفة التنمية البشرية ويفسر إصرارهم على وجوب الانطلاق من الشباب في أي مشروع تنموي نهضوي، ذلك لأن النهوض بقدرات الشباب ومهاراتهم وتنميتها نظريا وعمليا واستغلالها على النحو الأمثل وتزويدهم بالدعم بصوره المتعددة من شأنه أن يحول الشباب إلى طاقة خلاقة ويفجر مواهبهم وإمكاناتهم في مشروعات تنموية ابتكارية تساهم بصورة عملية في تطوير بلدانهم وتأمين احتياجات التنمية الشاملة، فضلا عن أهمية ذلك في تأكيد ذوات الشباب كمبدعين مفيدين لأنفسهم ولأوطانهم، ما ينأى بهم عن البطالة بسلبياتها المادية والنفسية والسلوكية، ويجنبهم الانسياق وراء تيارات وحركات مدمرة.

  

الصبر والمثابرة

حيث يدعو الباري رسوله الأكرم صلى الله عليه وسلم إلى مجالسة الفئة المؤمنة الصادقة من أصحاب الذكر والتسبيح والتهليل {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ} (الكهف:28). بغض النظر عن أحوالهم الاجتماعية (فقراء، أغنياء، ضعفاء...)، لأنهم يريدون وجه الله سبحانه وتعالى بصورة خالصة، ولأن العبرة في الإيمان والصدق والعقيدة والخبرة وليست في المكانة والوجاهة كما يراها «أشراف قريش» الذين يُروى أن الآية نزلت فيهم حين طلبوا من النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم أن يجلس معهم وحده ولا يجالسهم بضعفاء أصحابه كبلال وعمار وصهيب وابن مسعود وليفرد أولئك بمجلس على حدة فنهاه الله عن ذلك (3).

وهذا معناه في التنمية البشرية أن المشروع التنموي الناجح يتطلب أن يختار صاحبه أنصارا ومستشارين وفريق عمل ذوي كفاءة وخبرة (بغض النظر عن واقعهم الاجتماعي: فقراء، أغنياء...) مؤمنين بالأهداف المنشودة وأساليب العمل وطرق التنفيذ الناجح، صادقين في نواياهم وأعمالهم ونصائحم، ومرادُهم النجاح والخير والحق {يُرِيدُونَ وَجْهَهُ}، وليسوا من ذوي الوجاهة والرياء والأشكال والأفكار المزيفة.

التنمية العقدية

من أطيب المحاور وأبلغها وعظا وإرشادا قصة صاحب الجنتين اللتين جعلهما الله سبحانه حافلتين بأبهى صنوف الحياة الدنيوية (الأعناب والنخل والثمار، النهر...)، ما جعله يشعر بالغرور والتكبر أثناء محاورته صاحبه، قائلا له: {أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِّنْهَا مُنقَلَبًا} (الكهف:34-36). فالنظرة هنا سطحية مادية زائفة.

ويرى ابن كثير أن هذا الرجل «لما رأى فيها من الزروع والثمار والأشجار والأنهار المطردة في جوانبها وأرجائها، ظن أنها لا تفنى ولا تفرغ ولا تهلك ولا تتلف وذلك لقلة عقله، وضعف يقينه بالله، وإعجابه بالحياة الدنيا وزينتها، وكفره بالآخرة» (3).

وهنا يأتي الرد من صاحبه المؤمن {قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا لَّكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا} (الكهف:37-38). وهذا معناه في التنمية البشرية أن التنمية العقائدية السليمة خير وأوفى من أي نوع تنموي آخر؛ لأنها تشكل المخزون الصحيح الذي تنطلق منه كل الأفكار والاتجاهات والميول والمواقف والتصرفات على الطريق الصواب الناجح الموصل إلى النجاح والفلاح المنشود {هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا} (الكهف:44).

الصبر لاكتساب المهارات

ولعلنا نجد ذلك واضحا جليا في قصة سيدنا موسى (عليه السلام) مع العبد الصالح والذي تذهب أغلب الروايات المعتبرة والتفاسير القيمة إلى أنه الخضر عليه السلام، فقد آتاه الله من رحمته وعلمه من لدنه ما لم يكن لدى النبي موسى (عليه السلام) الذي عرض عليه أن يتبعه شريطة أن يعلمه الرشاد مما علمه له الله سبحانه وتعالى، فما كان من العبد الصالح إلا أن اشترط عليه الصبر لتنفيذ هذه المهمة، ذلك لأنه يعلم أن ما سيأتي من مواقف وأحداث تنطوي على بعض الغرابة لم يحط بعلم خلفياتها موسى (عليه السلام)، ما يجعل صبره عليها مستبعدا: {قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا} (الكهف:66-70).

وتأتي الأحداث التي قام بها المعلم: الخضر، عليه السلام، أمام مرأى ومتابعة من المتعلم المتتلمذ: النبي موسى عليه السلام، (خرق السفينة، قتل الغلام، إقامة الجدار) فلم يصبر واتخذ منها موقف الرفض والتعبير عن الغرابة والاندهاش، لأنه لم يحط علما بحقائقها وخلفياتها وآثارها، ما عرضه للإخلال بالشرط (الصبر في طلب العلم) لكن لازمة واحدة التزمها المعلم: الخضر، عليه السلام، {قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا}، كانت كفيلة بإعادة المتعلم المتتلمذ: النبي موسى عليه السلام، إلى الصبر باعتباره مفتاح التتلمذ لاكتساب المعارف والمهارات والخبرات.. وحقا تمكن بالتزام الصبر من الوقوف على خلفيات الأحداث (خرق السفينة، قتل الغلام، إقامة الجدار)، وبيان مشروعيتها وبلاغة الحكمة فيها.

ونستطيع أن نستنتج من ذلك درسا بليغا في فن التتلمذ ولزوم وجود الصبر أساسا من أهم أسسه، وهذا ما يفسر إصرار خبراء التنمية البشرية المعاصرين على ضرورة أن يتحلى الإنسان والطالب والساعي بالقيم الأخلاقية السامية ولاسيما الصبر إن أراد السير في سبيل العلم واكتساب المهارات والمعارف والخبرات التي تعد الطريق الوحيد لتحقيق الذات والمجد المنشود، وقديما قال الشاعر يقرِّع خَاملا متكاسلا يدعي السعي إلى المجد (4):

دببت للمجد والساعون قد بلغوا

جهـد النفـوس وألقوا دونه الأزرا

وكابدوا المجد حتى مل أكثرهم

وعانق المجد من أوفى ومن صبرا

لا تحسب المجد تمرا أنت آكله

لـن تبلغ المجـد حتى تلعق الصبرا

ومدار الأبيات التقريع والتوبيخ للخامل المتكاسل الذي يطلب المجد؛ فهو يدب دبيب العجائز، والدبيب السير فيه بطء وتكاسل، فيما الساعون إليه ألقوا الأزر (جمع إزار) في كناية عن الاجتهاد في طلب العلم بجد وهمة عالية، فهم، لا أنت، الذين سينالون المجد ويعانقونه بما تحملوا من مشاقه وصبروا على شدائده دون ملل، و«الصبِر» بـ (كسر الباء)، في البيت الأخير عصارة شجر مر، ومعنى الأبيات: لا تزعم أيها البليد المتكاسل الخامل أن المجد طريقه سهل يسلكه أمثالك، إنما صعب شاق يناله أهل النجدة وأصحاب الهمم العالية الذين يصبرون على تجرع المرارات ويتابعون للوصول إليه.

الهوامش

1- تفسير ابن كثير، سورة الكهف/ الآية 13 وما يليها.

2- تفسير ابن كثير، سورة الكهف/ الآية 28 وما يليها.

3- تفسير ابن كثير، سورة الكهف/ الآية 36 وما يليها.

4- اختلف الرواة وكذلك المصادر في تحديد قائل هذه الأبيات التي يعتبر البيت الأخير فيها مثلا سائرا شهيرا، وتم تداولها في مصادر ومراجع كثيرة، غير أن الأكثر صحة وتناسبا أنه الشاعر «حوط بن رئاب الأسدي» وفق ما ورد في «ديوان الحماسة للتبريزي» و«شرح الحماسة للمرزوقي» و«سمط اللآلي في شرح أمالي القالي» للبكري، تحقيق: عبدالعزيز الميمني الراجكوتي.

 

أضف تعليق


كود امني
تحديث

الكويتية غالية الحيص تفوز بجائزة التميز بهاكاثون الحج

الكويت – الوعي الشبابي: أعلنت اللجنة المنظمة لمسابقة هاكاثون الحج الخاصة بتقنية البرمجة ...

تقرير: "الخبز الأبيض" يزيد خطر إصابة النساء بالاكتئاب

الجزائر – الوعي الشبابي: كشف تقرير حديث لـ"الجمعية الوطنية للتجار والحرفيين" أن ...

خلف الأضواء.. موهبة أدبية كبيرة تختبئ وراء كاتبة شابة

  القاهرة – محمد عبدالعزيز يونس: "ليست الكلمات هي كل ما يُقال ويُسمع.. كلا! فما قيمة ...

اتصل بنا

  • صندوق البريد: 23667 الصفاة 13097 - الكويت
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
  • 22467132 - 22470156

عندك سؤال