السبت، 15 ديسمبر 2018
رئيس التحرير
فهد محمد الخزّي

الدكتور محمد كمال شبانة.. عاشق الأندلس

✍ أبو الحسن الجمال - كاتب ومؤرخ مصري            ...


 

 

المتواجدون على الموقع

المتواجدون الأن

72 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

uhd

د. جمال الدين الفاروقي - باحث دراسات إسلامية - الهند:

«تدرس لتعلم، تدرس لـتعمل، تدرس لـتكـون».. لم يكـن في حسبان منظمـة «يونسكو» حين أعلنت التعليمات التربوية الهادفة، المتمثلة في هذه المقولة، أنها ترجع بمغـزاها إلى ما كان يرشـد إليه الرسول صلى الله عليه وسلم قبل أربعة عشـر قـرنا.

وقد كان عليه الصلاة والسـلام أفضل معلـم شهـده العالم في القـديم والحديث، وإن مهمة البعثة بلحمتها وسداها تجسد مسؤولية التعليم التي يقـوم بها المعلم. والتعليم في المنظـور الإسـلامي أوسع وأشمـل مما نسمعـه اليوم في المجالات الأكاديمية. وهو لم يعد ينحصـر في تحويل المعلومات وتكييفها وتبادلها بين المعلم والمتعلم، بل أكثر من ذلك، فيشمـل كل ما له شـأن في رقـي الإنسـان ونمائه وتطوره، عقليا وذهنيـا وفكـريا. وهناك عنصر آخـر أهم من هذا كله وهو الجانب الروحي الذي يحـرك آليات التعليم ويترك في الطالب آثـارا طيبة، وهو الوحيد الذي يجعل الإنسان إنسانا كاملا، وفي حالة غيابه يسـود الانحلال الخلقي في المجتمع مما نرى سلبياته في العالم المعاصر. وبعبارة أخـرى يمكـن القـول إن التعليم في المنظـور الديني يهـدف إلى قيادة المرء من السفـاهة إلى الرشـد، ومن الإثارة إلى التوجيه، ومن دروب التشاؤم إلى ساحات التفاؤل والآمال، ومن خـذلان النفس إلى الثقـة بها والاعتماد عليها.

شخصية الرسول التعليمية

هذه المعاني بكل أبعادها وأهـدافها تتمثل في شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم؛ باعتباره معلما مثاليا. ونجـده أمام الصحابة، رضوان الله عليهم، وهم بمنزلة الطلبة، في مـوقف المـربي والوالد الواعي والموجه التربوي. وتنطلق مهمة التعليم أساسا من رسالة البعثة الربانية، كما تشـير إليه الآية: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} (الجمعة:2). هذه الآية تمثل الركيزة الأساسية لعملية التعليم. ولابد أن يكـون المعلم المثالي يحمل إلى طلابه من العلم والحكمة ما يصلح لهم شؤونهم ويزكيهم فرديا واجتماعيا. وملامح المعلم الناجح أيضا جاءت في قوله تعالى: {لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} (التوبة:128). هذه الصفات الأربع (الشفقـة على الآخرين والحرص الدائم والرأفة والرحمـة) المشار إليها في الآية الكريمة، تخلق علاقة قلبية بين المعلم والمتعلم، تلك العلاقة الوثيقة التي تدوم وتبقـى، ليس في رحاب المدارس والجامعات فقط، بل كل أطوار الحياة تنشطها هذه العلاقة، وليست ثمارها مجرد العلوم التي يتلقاها الطالب من خلال هذه العلاقات، الذي لا يحتاج اليوم إلى العكوف أمام الأستاذ للتحصيل العلمي، فبمجرد الضغط على مفاتيح الكمبيوتر يجلب إليه كل أنواع العلوم في ثوان ودقائق. والأستاذ المثالي هو الذي يوحي إلى طالبه دائما تجاربه ويرشـده إلى التعليم الذاتي والتلقائي، وهذا التفاعل يلمس فيه الطالب من العواطف الإنسانية ما لا يجده في بيئته المنزلية.

موقفـه التعليمي

المسلم من مهـده إلى لحـده يجب أن يكـون مشـتاقا إلى العلم، وكل المهارات التي أودعها الله تعالى في فطـرته تجعله يقظا نشيطا نحو العلوم، وإيمانه هو المحـرك الأساسي لهذه المهارات. وهو يستطيع بباصرته وبصيرته أن يجمع العلوم ويحللها ويوازن بينها ويقيمـها ويختار منها الأصح والأفضل. والنبي يوضح كيف تتم هذه العملية وهو يقول: «اغـد عالما أو متعلما أو مستمعا أو محبا، ولا تكن الخامس فتهلك» (1). وبشرية اليوم يتخبطون في تصرفاتهم ويعمهون في طغيانهم، ليس من أجل فقـدان العلوم، بل إنهم انحطوا إلى الدرجـة الخامسة التي حـذر منها الرسـول، مما أرداهم ووصل بهم إلى هوة الهلاك والوبال.

وكان مما تتميز به شخصيته صلى الله عليه وسلم السلوك التعليمي الهادف، وهو الذي يتمثل فيما يرويه ابن ماجه عن عبدالله بن عمرو بن العاص وهو يقول: «خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم من بعض حجره فدخل المسجـد، فإذا هو بحلقتين: إحداهما يقرؤون القـرآن ويدعـون الله تعالى، والأخرى يتعلمـون ويعلمـون، فقـال النبي صلى الله عليه وسلم: كل على خير، هؤلاء يقرؤون القـرآن ويدعـون الله، فإن شـاء أعطاهم وإن شـاء منعهم، وهؤلاء يعلمـون ويتعلمـون، وإنما بعثت معلما، فجلس معهم» (2). وهذا الحديث إن دل على شيء فإنما يدل على النزعات التلقائية التي كان يستلهمها الصحابة من إرشادات الرسول صلى الله عليه وسلم، والتي أصبحوا بها يقومون بالتعليم الذاتي؛ التعليم الأفضل والأكثر تأثيرا واستيعابا للمعلومات. كما أنه بنى منهجه التعليمي على أساس من الإيمان الذي يصقل العقل وينقـي الضمير. وأبرز آثار الإيمان يظهـر أولا في عملية التفكير في الإنسان كما يقول به القـرآن: {وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ} (التغابن:11). وانظروا كيف كان يدرب الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه على هذا المنهج التعليمي. يقول جندب بن عبدالله رضي الله عنه: «كنـا مع النبي صلى الله عليه وسلم، ونحن فتيان حزاورة، فتعلمنا الإيمـان قبل أن نتعلم القـرآن، ثم تعلمنـا القـرآن، فازددنا به إيمانا» (3). والرسول عليه الصلاة والسلام يرى ضرورة غـرس القيم والأخلاقيات في ضمير الطالب على أساس من الإيمان الذي هو المحور الأساسي في عملية التعليم، لأنه العاطفة القوية التي تستقـر في قلب الإنسان، ويثبـته في كل حركاته وسكناته. والتعليم العصري المادي لا يعطي الإنسـان سوى العلوم والمعارف التي يحصدها من الممارسات العقلية، والتي تسوقه في معظم الأحيان إلى حضيض الرذائل، فيتراكم الرجس والدنس في قلبه، والله يقول: {كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ} (الأنعام:125). ولا تستقيم عمليـة التعلم والتعليم ولا تستثمر إلا إذا كانت منطلقة من قلب ملؤه إيمان وإخلاص وخشوع وخضوع، وفي حالة فقـدانه يبقـى التلقين والتلقي.

التوجيه والتصحيح

وحين يقع الطالب في الأخطاء والزلات، عمـد الرسول إلى منهج مؤثـر، ولم يكن ذلك لهجة الزجـر والطعن ولا أسلوب التوبيخ والتهجـي، يدل عليه موقفـه مع معاوية بن الحكم، وهو يقول: «بينا أنا أصلـي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ عطس رجل من القـوم، فقلـت يرحمـك الله، فرماني القـوم بأبصارهم، فقلـت: واثكل أمياه! ما شأنكـم تنظـرون إلي؟ فجعلـوا يضربون بأيديهـم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يصمتونني سكـت، فلما صلـى رسول الله دعاني، فبأبي هو وأمـي، ما رأيت معلما قبلـه ولا بعـده أحسـن تعليما منه، فوالله ما كهـرني أو ضربني ولا شتمني، قال: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبيـر وقـراءة القـرآن» (4).

وهذا الحديث يجسد ملامح علم النفس التربوي الذي يركـز عليه علماء التربية، ولا تتم إلا إذا قام المعلم مقام الوالد الحنون أمام تلاميذه. وآنذاك تنشـأ العواطف والوجدان في قلوب النشء، وتأخذ بهم إلى المكـرمات الخالدة في الحياة. والرسول يصرح بموقفه هذا ويقول: «وإنما أنا لكـم بمنزلة الوالد أعلـمكم» (5).

كما أنه عليه السلام حثهم على الجمع بين العلم والعمل، وقد ورد في الحديث عن أبي عبدالرحمن وهو يقول: حدثنا من كان يقـرئنا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا يقترئون من رسول الله عشر آيات، فلا يأخـذون في العشـر الأخرى حتى يعلمـوا ما في هذه من العلم والعمل، قالوا فعلمنا العلم والعمل (6). والحرص على العمل والاستزادة منه يحافظ على رونق العلـم وبهائه ويزيد صاحبه مروءة وفضلا، والإهمال عن الأعمال تصـدأ به العلوم كما يصـدأ الفولاذ والحديد. وما أحوج شباب هذا العصر إلى النموذج النبوي الرائع.

والرسـول المعلم بهذه التربية خلق جيلا تسلحوا بالعلـم النافع والعمل الصالح، وصاغوا شخصيتهم على القيم والأخلاق الفاضلة، وحملوا إلى العالم رسالة الثقافة الربانية المتميزة التي تجمع بين أصالة الدين وحداثة الدنيا، واستطاعوا أن يعيشـوا في كل عصر ومصر محافظين على هويتهم مواكبين ركب الحضارة. والرسول هو المعلم الوحيد الذي استطاع إنقاذ البشـرية من الضلال الفكـري والفسـاد الخلقـي، مما جعل منهجه أسـوة حسنـة لمن كان يرجو الله واليوم الآخـر. ولن يصلح آخـر هذه الأمة إلا بما صلـح به أولها.

الهوامش

1- رواه البيهقـي، شعب الإيمان، 265/2.

2- سنن ابن ماجـه، 83/1.

3- سنن ابن ماجه، باب الإيمان، 23/1.

4- رواه مسلم، 20/5.

5- رواه أبو داود، رقم:49، 8/1.

6- مسنـد الإمام أحمـد، 410/5.

 

أضف تعليق


كود امني
تحديث

اتصل بنا

  • صندوق البريد: 23667 الصفاة 13097 - الكويت
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
  • 22467132 - 22470156

عندك سؤال