الأربعاء، 26 سبتمبر 2018
رئيس التحرير
فهد محمد الخزّي

إبراهيم الشطي.. رحيل «الموسوعة التاريخية» للكويت

الكويت - الوعي الشبابي                ...


 

 

المتواجدون على الموقع

المتواجدون الأن

135 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

smile by sul6anet

خلف أبوزيد - باحث دراسات إسلامية – مصر:

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، بسام المحيا، سمح النفس، طاهر القلب، يلاقي من يلاقيه ببشر وترحاب، فلا عجب أنه كان يتفكه حينا، ويطرب للفكاهة أحيانا، بالإضافة إلى أنه كان أكثر الناس تبسما في وجوه أصحابه، ومن حديث عبدالله بن الحارث رضي الله عنه:

«ما رأيت أحدا أكثر تبسما من رسول الله صلى الله عليه وسلم» (رواه الترمذي)، وعن أنس بن مالك «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان من أفكه الناس، كما كان ضحك أصحابه عنده التبسم اقتداء به، وتوقيرا له» (1).

الضحك والابتسام في اللغة

والضحك في اللغة مصدر ضحك، وهو انبساط الوجه، وبدو الأسنان، والفرق بينه وبين التبسم، أن التبسم هو مبدأ الضحك، فأول الضحك يكون تبسما، ويكون غالبا للسرور، قال تعالى: {فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ} (النمل:19).

{وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ} (عبس:38-39) وغيرهما من الآيات القرآنية الكريمة التي جاء فيها ذكر التبسم والضحك، بهدف السرور والتفكه. والضحك كما يقول ابن حجر العسقلاني أعم من التبسم، فإن كان بصوت بحيث يسمع من بعد فهو القهقهة، وإلا فهو الضحك، وإن كان بلا صوت فهو التبسم، وتسمى الأسنان في مقدم الفم الضواحك، وهي الثنايا والأنياب، وما يليها، وتسمى أيضا النواجذ وهي التي تظهر عند الضحك، فقد جاء في الحديث عن عامر بن سعد رضي الله عنه قال: «لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه» (أخرجه الترمذي في الشمائل)، والنواجذ جمع ناجذة، والناجذ هو آخر الأضراس في الفم، التي لا تظهر إلا إذا كان الضحك فيه شيء من السعة، والمعنى أنه استغرق في الضحك حتى بانت آخر ضروسه.

ابتسامته في وجوه أهل بيته

لقد جعل صلى الله عليه وسلم، من الابتسامة حياة، يبتسم حتى في المواقف الصعبة، فقد كان بساما، ضحوكا فيه هيبة، وهيبته لا تمنعه أن يضحك، ولا تمنعه أن يبتسم، وكان لا يزيد على رفع الصوت، أي لا يقهقه، ولا يرفع صوته في الضحك، ما في قلبه يرتسم على وجهه، كانت الابتسامة يحيا بها النبي صلى الله عليه وسلم في مواقفه المختلفة، وأول ابتسامته كانت لأهل بيته، فقد سئلت السيدة عائشة رضي الله عنها، كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم، إذا خلا مع نسائه؟، قالت كالرجل من رجالكم، إلا أنه كان مـن أكرم النـاس وألين ضحكا (2)، وورد عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: كسا النبي صلى الله عليه وسلم إحدى نسائه ثوبا واسعا، قال: «البسيه واحمدي الله، وجري مـــن ذيلــك هذا كذيل العروس» (3) وعن عائشة رضي الله عنها، قالت: خرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم، في بعض أسفاره، وأنا جارية لم أحمل اللحم، ولم أبدن، فقال للناس: «تقدموا»، فتقدموا، ثم قال لي: «تعالي حتى أسابقك»، فسابقته، فسبقته، فسكت عني، حتى إذا حملت اللحم، وبدنت، ونسيت، خرجت معه في بعض أسفاره، فقال للناس: «تقدموا» فتقدموا، ثم قال لي: «تعالي حتى أسابقك» فسابقته، فسبقني، فجعل يضحك ويقول: «هذه بتلك» (4).

بساما في وجوه أصحابه

لقد كانـــت البســـمة إحدى صفات النبي صلى الله عليه وسلم، والتي تحلى بها ولم تعد تفارق محياه، بل صارت عنوانا له وعلامة عليه، وباستقراء كتب السنة، نجد أن أكثر أحواله صلى الله عليه وسلم هي الابتسامة، وفي بعض الأحيان كان يزيد عن ذلك، فيضحك باعتدال، دون إكثار فيه، أو علو في الصوت، وهذه هي سنة الأنبياء، كما قال الإمام الزجاج «والتبسم أكثر ضحك الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام»، وقد اتجه صلى الله عليه وسلم بهذه الروح المرحة إلى أصحابه، روى الإمام أحمد، أن صهيب بن سنان رضي الله عنه، قدم على النبي صلى الله عليه وسلم، وبين يديه تمر وخــــبز، فقال له: «ادن فكل، فأخذ يأكل التمر، فـــــقال له النبي صلى الله عليه وسلم: إن بعينك رمدا، فقال: يا رسول الله، إنما آكل من الناحية الأخرى، فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم» (رواه أحمد).

وفي الحــديث أن رجـــلا اســتَحْمَل النبي صلى الله عليه وسلم فقال إني حاملك على ولد ناقة، فقال: يا رسول الله! ما أصنعُ بولد الناقة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «وهل تلد الإبلُ إلا النوقَ؟» (رواه أبوداود والترمذي)، وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم «يا ذا الأذنين السميعتين الواعيتين لما سمعت» وهي دعابة وفــكاهة من النبي صلى الله عليه وسلم، تدل على ذكاء أنس بن مالك، وأخرج أحمد عن أنس رضي الله عنه، «أن رجـلا من أهل البادية، كان اسمه زاهرا رضي الله عنه، وكان يهدي النبي صلى الله عليه وسلم الهدية من البادية، فيجهزه النبي صلى الله عليه وسلم، إذا أراد أن يـــخرج، وكـان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحبه، وكان رجلا دميما، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبيع متاعه، فاحتضنه من خلفه، ولا يبصره الرجل، فقال: أرسلني من هذا؟ فالتفت فعرف النبي، حين عرفه، وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من يشتري العبد؟ فقال يا رسول الله، إذن والله تجدني كاسدا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن عند الله لست بكاسد» (رواه الترمذي وابن حبان في صحيحه).

وكما كان النبي صلى الله عليه وسلم يداعب ويمازح أصحابه، فقد قبل أيضا مزاح أصحابه معه، فقد كان هناك صحابي، يسمى نعيمان، عرف بشدة حبه للتفكه والمرح والابتسام، ومن مواقفه الطريفة مع النبي صلى الله عليه وسلم، «أنه سمع أن أعرابيا، جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فدخل المسجد، وأناخ ناقته بفنائه، فقال بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، لنعيمان، لو نحرتها فأكلنا، فإنا قد قرمنا (اشتهينا اللحم)، ويغرم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمنها، قال فنحرها نعيمان، ثم خرج الأعرابي، فرأى راحلته قد نحرت فصاح: واعقراه يا محمد، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «من فعل هذا»؟ قالوا: نعيمان، فأتبعه يسأل عنه فوجده في دار ضباعة بنت الزبير ابن عبدالمطلب، وقد اختفى في خندق، وجعل عليه الجريد والسعف، فأشار إليه رجل، ورفع صوته يقول: ما رأيته يا رسول الله، وأشار بأصبعه حيث هو، فأخرجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد تغير وجهه بالسعف الذي سقط عليه، فقال له: «ما حملك على ما صنعت؟» قال الذين دلوك علي يا رسول الله، هم الذين أمروني، قال: فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يمسح على وجهه ويضحك، قال: ثم غرمها رسول الله صلى الله عليه وسلم» (5). فنرى من خـــــلال هـــذا الموقــــف كـــيف تقــبل النبي صلى الله عليه وسلم مزاح نعيمان، وفكاهاته معه دون تبرم أو ضيق، وهذا كان شأن النبي صلى الله عليه وسلم، مع أصحابه الذين كان يبتسم في وجوههم، ويعفو عنهم، ويسامحهم.

حتى مع الأطفال

وعرف عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه كان يلاقي من يلاقيه ببشر وترحاب، لا يعبس في وجه أحد، يستوي في ذلك الصغير والكبير، فقد خرج صلى الله عليه وسلم إلى طعام دعي إليه، وفي الطريق وجد الحسين، يلعب ومعه ثلاثة من الصغار، فترك النبي القوم، وذهب نحو الحسين ومد يده نحوه، يلاعبه ويضاحكه، ثم حمله بين يديه، وكان الصحابة ينظرون فعل النبي، وعن أنس بن مالك، أن النبي صلى الله عليه وسلم، دخل على أبي طلحة رضي الله عنه، فرأى ابنا له يكنى أبا عمير حزينا، قال وكان إذا رآه مازحه النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: «ما لي أرى أبا عمير حزينا»؟ قالوا: مات يا رسول الله نغره، الذي كان يلعب به، قال فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «يا عمير ما فعل النغير» (أخرجه البخاري في الأدب) «والنغير هو تصغير النغر، وهو طائر يشبه العصفور، أحمر المنقار».

يلاطف العجائز وكبار السن

وامتدت هذه الفكاهة النبوية لتشمل كبار السن، الذين أصابهم قبس من هذه المداعبة النبوية، فعن الحسن رضي الله عنه قال، أتت عجوز النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله، ادع الله أن يدخلني الجنة، فقال: «يا فلانة، إن الجنة لا تدخلها عجوز»، فولت تبكي، فقال: «أخبروها أنها لا تدخلها وهي عجوز»، إن الله تعالى يقول: {إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاء فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا} (الواقعة:35-36) (أخرجه الترمذي في الشمائل)، وهذه امرأة يقال لها أم أيمن الحبشية، جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: إن زوجي يدعوك، فقال: «من هو؟ أهو الذي بعينيه بياض؟» فقالت: ما بعينيه بياض، فقال: «بلى بعينيه بياض»، فذهبت المرأة إلى زوجها فوجدته نائما، فأخذت تفتح عينيه لترى هل بهما بياض أم لا، وأراد صلى الله عليه وسلم، البياض المحيط بالحدقة (6).

أخيرا

وفي النهاية نقول: إن مواقفه صلى الله عليه وسلم، رائعة تملأ الوجوه بالابتسامة، وتحيط القلوب بالبشر والسرور، فقد كان عليه الصلاة والسلام، لا يتحدث بحديث إلا تبسم، أي إذا سمعته يتكلم، فلابد أن تجد الابتسامة في ثنايا كلامه، وإذا مزح غض بصره، وكان فيه دعابة، ويروى عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «وأنا أمزح ولا أقول إلا صدقا» وقد أدرك الصحابة رضوان الله عليهم مغزى كلماته هذه، فعرفوا أن الابتسام خير من العبوس، والانشراح خير من الانقباض، فكانوا دائما مبتسمي الوجوه، منشرحي الصدور، عند تعامل بعضهم مع بعض، أسوة بنبيهم عليه الصلاة والسلام، الذي قال: «ولا تحقرن من المعروف شيئا، ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق»، وقال: «تبسمك في وجه أخيك صدقة»، وروي عن ابن عباس رضي الله عنه قال: «مزح صلى الله عليه وسلم، فصار المزاح سنة، وكان يمزح فلا يقول إلا حقا».

الهوامش

1- ذكره الإمام أبوحامد الغزالي في كتاب «إحياء علوم الدين، الجزء الثالث»، ص 325، الناشر دار الندوة الجديدة، بيروت.

2- كذلك في البداية والنهاية، لابن كثير، الجزء السادس، ص 44.

3- أخرجه ابن عساكر، وضعفه ابن عباس.

4- كذلك في صفة الصفوة، الجزء الأول، ص 68.

5- الإصابة الجزء الثالث، ص 570، عن حديث الزبير بن بكار، عن ربيعة بن عثمان.

6- الوفا بأحوال المصطفى، لابن الجوزي، الجزء الثاني، ص 109.

 

أضف تعليق


كود امني
تحديث

اتصل بنا

  • صندوق البريد: 23667 الصفاة 13097 - الكويت
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
  • 22467132 - 22470156

عندك سؤال