السبت، 25 فبراير 2017
رئيس التحرير
د.صالح سالم النهام

الشيخ حسن حبنكة الميداني.. حياة حافلة بالعلم والدعوة والإرشاد

  ✍ سلامة عبدالقادر المحاميد - باحث شرعي: إن معرفة تراجم العلماء الربانيين والاطلاع على ...


 

 

المتواجدون على الموقع

المتواجدون الأن

124 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

 816 816

د.زهرة: الإسلام صنع حضارة متكاملة وكلما ابتعد أتباعه عن هويتهم ازدادوا تخلفًا

د.إسلام السعدني: حل أهم 3 مشكلات إدارية يكمن في الصحوة الدينية والروحية

د.شحاتة: على الأمة استعادة قيمها الإيمانية والأخلاقية وتفعيل فقه الأولويات

د.موسى: أول كلمات القرآن "اقرأ" تتضمن أهم مقومات النجاح وهو "اقتصاد المعرفة"

د. زين العابدين: ينقصنا "الأمن الاجتماعي".. وثلاثة مبادئ تحققه

د. الرخاوي: ليس في السعي إلى التعلم من تجارب الآخرين فقد للهوية أو تخلّ عن الجذور

الشاذلي: "الأنسنة" ركيزة مهمة في النهضة الآسيوية.. وتراجعنا لتغليب فكرة "الدولة"

القاهرة – نهلة محمود عبدالرحمن:

"نحن في ماليزيا نعتبر أنفسنا مثل أسلافنا المسلمين في العصر الذهبي؛ لأننا نلتزم رؤية ومدخلًا أصيلين ينسجمان مع روح الإسلام وجوهره. وكان لا بد أن تبدأ أولًا بتحقيق النمو، وفيما قمنا بتطبيق مختلف الحزم المعيارية اللازمة لتحفيز نمو الناتج المحلي الإجمالي اتخذنا المعالجات التي تكفل المساواة؛ الأمر الذي لم يحظ باستحسان الغرب الذي يؤمن بأن البقاء والثراء هما فقط للأقوياء على حساب الفقراء"..

تبرهن هذه الكلمات لرئيس وزراء ماليزيا الأسبق مهاتير محمد على أن التمسك بتعاليم الدين والالتزام به أهم أسباب تقدم الأمم ولحاقها بركب الحضارة، وقد آمن أسلافنا بحقيقة هذه الكلمات حين قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب: "كنّا أذّل قوم فأعزنا الله بالإسلام، فمهما نطلب العزة بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله". ولم تكن هذه مجرد عبارات إنشائية؛ لكنها عبّرت عن حقيقة تحول بها العرب المسلمون من مجرد قبائل متفرقة متناحرة إلى دولة قوية وأمة عظيمة يمتد سلطانها من بلاد فارس وحدود الصين شرقًا إلى مصر وإفريقيا غربًا، ومن بحر قزوين شمالًا إلى السودان واليمن جنوبًا.. "الوعي الإسلامي" تناقش عبر الصفحات التالية سر تقدم الأمم، أو سقوطها.

بداية، يؤكد د.عبدالغني زهرة أستاذ التاريخ الإسلامي بجامعة الأزهر على الدور التاريخي الذي لعبه الإسلام في حياة الشعوب وفي بناء الحضارات، والذي تمثل في حث الشعوب على النهوض بالعلم والتعليم وجعله فريضة، وهناك العديد من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة التى رفعت من شأن العلم والعلماء، ويكفى أن أول آية فى القرآن كانت دعوة للعلم، وجعل الرسول صلى الله عليه وسلم فداء أسرى بدر تعليم عشرة من أبناء المسلمين القراءة والكتابة، فأحدث بذلك ثورة تعليمية فى المجتمع الناشئ.

وفي الوقت ذاته، اهتم الإسلام بجميع الجوانب الحضارية، السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، ولم يهمل جانبًا لحساب جانب آخر، فوضع علماؤه أنظمة سياسية مرنة تناسب كل العصور، وأخذ منها كل مجتمع ما يناسب ظروفه، ودعا إلى النهضة الاقتصادية الشاملة، وحقق التوازن الاجتماعى بين الطوائف من خلال تشريعاته، التى حفظت للمجتمع وحدته وتماسكه، ويكفى فى هذا المجال فريضة الزكاة، التى نزعت الغل من نفوس الفقراء، وجعلت الأغنياء يحسون بمعاناة الفقراء، ويأخذون بأيديهم للمشاركة فى بناء المجتمع.

ولم يغفل الإسلام عن الاهتمام بجميع فئات المجتمع، خاصة المرأة لتشارك مع الرجل فى بناء الحضارة والنهضة، وهذا لا يتأتى لها إلا إذا حصلت على حقوقها من العلم والاستقلال المالى الذي كفله لها الإسلام، ففى الحديث الشريف قال صلى الله عليه وسلم: "أَيُّمَا رَجُلٍ كَانَتْ عِنْدَهُ وَلِيدَةٌ فَعَلَّمَهَا فَأَحْسَنَ تَعْلِيمَهَا، وَأَدَّبَهَا فَأَحْسَنَ تَأْدِيبَهَا.. فَلَهُ أَجْرَانِ" رواه البخارى.

وتابع د.زهرة قائلا: لم يكن الإسلام دينًا منغلقًا أو ظلاميًا، بل حث على التفاعل مع الحضارات الأخرى واقتباس ما ينفع المسلمين، فانفتح المسلمون على الأمم كافة، وتحاوروا معها كما أمرهم ربهم فى قوله تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَن)، وهذا ما جعل المسلمون يبدأون من حيث انتهى الآخرون، وفى كل العصور عندما يتمسك شعب مسلم بهذه المبدئ يحقق النهضة والتقدم، وكلما ابتعد عن هويته الإسلامية ازداد تأخراً وتخلفًا عن ركب الحضارة، والنماذج كثيرة فى عصرنا الحاضر.

كما يؤكد أن هناك خطوات عملية إذا أردنا أن نقتدي بأسلافنا لنحقق التقدم وذلك بالسير على الهدى النبوى فى بناء الأمة من خلال نبذ العصبيات بأشكافها وأنواعها كافة، وتحقيق وحدة الأمة وتكاتف أبنائها، كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم عندما كتب الصحيفة التى تعد أول دستور فى الإسلام يحدد الحقوق والواجبات، ويوحد أهداف الأمة فى البناء والتنمية، وهو ما دفع المسلمون بعد ذلك إلى بناء دولة عظمى، وحضارة متقدمة سادت الأمم كلها قروناً عديدة.

أيضًا ينبغي تحقيق الأمن والاستقرار للشعوب لتتمكن من تحقيق النهضة وذلك انطلاقاً من حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: (مَن أصبح آمنًا في سِرْبِه، مُعافًى في جسده، عنده قوتُ يومه، فكأنما حِيزَتْ له الدُّنيا بحذَافِيرها).

كما يجب السعي بجد لتحقيق العدالة الاجتماعية بجميع أنواعها، مع ترسيخ القيم الإسلامية الأساسية التي لا يمكن أن تقوم الحضارات أو تدوم بدون المحافظة عليها، مثل: الحرية والعدل والمسؤولية المشتركة.

نتيجة بحث الصور عن  تقدم الأمم

دافع روحاني

بدوره، يتطرق د.إسلام السعدني الاستشاري في علم الإدارة إلى أهم المشاكل الإدارية التي تقف عقبة أمام أي تقدم مرجو حدوثه، مشيرًا إلى ثلاث مشاكل رئيسة، أولها غياب منظومة إعداد الكوادر المؤهلة والذي يؤدي لوجود كوادر غير مؤهلة تتولى مناصب تفوق إمكاناتها وقدراتها، والمشكلة الثانية غياب آليات التواصل بين الرئيس والمرؤوس وبين الإدارات وبعضها البعض، ما يؤدي إلى وقوع المشاكل وحدوث إحباطات في نفوس العاملين، أما المشكلة الأخيرة فهي غياب المحرك والدافع الذاتي للعمل الذي يحثهم على الإلتزام والإتقان وهذه مشكلة عامة في العالم كله لكن هناك دور للدين وهو المحرك الروحي.

ويتطرق إلى الحلول من وجهة نظره موضحًا أنه يجب أولا أن ننظر إلى أنظمة الإدارة العالمية الناجحة ونقتبس منها ما يلائم مجتمعنا من ملامح هذه التجارب ونطبقها في أنظمتنا الإدارية.

أما عن مشكلة الكوادر فيمكن حلها بالتدريب والتطوير والتعليم المستمر للكوادر الموجودة حاليًا وترقية المتميز منهم بعد الحصول على هذه التدريبات، ومن ثم متابعة الأداء ومراقبته، ما سيدفع هذه الكوادر للتحسين المستمر في الأداء، ويجب أن يكون لكل مؤسسة خطة تدريبية محددة الأهداف تتماشى مع احتياجاتها.

أما المشكلة الثالثة فهي ما تحتاج بحق للصحوة الدينية والروحية التي ستمثل المحرك والدافع للعمل والإتقان، فالموظف الذي لديه تكليف معين في عمله ربما ينفذه بشكل غير لائق لمجرد إخلاء مسئوليته لكن إذا امتلك الدافع الداخلي والمحرك الروحي فإنه سيتقن عمله وسيحدث فارقًا بإذن الله.

المشكلة الحقيقية

إلى ذلك، يوضح د.حسين حسين شحاتة، الأستاذ بجامعة الأزهر والخبير الاستشاري في المعاملات المالية الشرعية، أن مشكلة الأمة الإسلامية ليست في نقص الرجال أو الخامات أو المال أو أساليب التقنية؛ بل إن المشكلة الحقيقية ضعف القيم الإيمانية والأخلاقية؛ حيث انصب الاهتمام على المال والمنصب والجاه ونسوا الآخرة، كما أن أهم أسباب التخلف في مجال الاقتصاد انتشار الغش والتزوير والتدليس والاحتكار والربا والجوْر والمغالاة والميْسر والقمار والاحتيال والرشوة ونحو ذلك.

ويضيف أنه وعلى الرغم من كل هذه المشكلات فإن هناك عناصر قوة اقتصادية للأمة الإسلامية، تتمثل في العنصر البشري والموارد الطبيعية؛ فالأمة لديها المعادن والغازات ووسائل النقل والانتقال, ولديها الطرق وسبل الاتصالات؛ ففي السودان ومصر والعراق والشام الأرض الخصبة والمياه، وفي السعودية ودول الخليج البترول والمعادن والمال، وفي ماليزيا وباكستان وإيران وتركيا التكنولوجيا، وكذلك الحال في بقية الدول الإسلامية.

كما يوجد المال، وهو قوام الحياة، والأسواق الكبيرة التي يتعامل فيها أكثر من مليار ونصف المليار من المسلمين, وللأسف المعاملات البينية بين الدول الإسلامية لا تزيد على 10%.

كما أكد أهمية التكافل الاقتصادي بين الدول الإسلامية، الذي يعتبر أحد أساسيات تحقيق التعاون والتكامل الاقتصادى بين أقطار الأمة الإسلامية ومرحلة أساسية من مراحل السوق الإسلامية المشتركة التي هي أمل الأمة وتحرير اقتصادياتها من التبعية لأعدائها. ومن أهم أسلحة مواجهة هيمنة العولمة والجات والمنقذ لثروات المسلمين، وحتى يتحقق المبدأ القائل "يجب أن تكون خيرات المسلمين للمسلمين".

أما عن الإجراءات العملية لتحقيق ذلك فأوضح أنه يجب أن تكون هناك أولوية التعامل مع الدول الإسلامية وفقًا لفقه الأولويات، واستثمار أموال المسلمين في بلادهم وفقًا للصيغ الإسلامية، وتحقيق الأمن الشرعي للمال ليؤدي وظيفته التي خُلِق من أجلها، وضرورة تحقيق الأولوية في فرص العمل للمسلمين لعلاج مشكلة البطالة، ورفع قيود التجارة وما في حكمها بين الأقطار الإسلامية، وإنشاء الوحدات الاقتصادية الكبرى بمساهمة الدول الإسلامية، وأهمية التدرج في تطوير السياسات الاقتصادية والنقدية والمالية بين أقطار الدول الإسلامية وتوحيدها، وضرورة إنشاء نظام المعلومات الاقتصادية وشيكات الاتصالات والاقتصادية بين الأقطار الإسلامية، ودعم المؤسسات والهيئات والمنظمات الاقتصادية والمالية الإسلامية العالمية وتحريرها من القيود السلطوية، وأخيرا التفكير في تحرير العملات النقدية في البلاد الإسلامية من التبعية المطلقة للدولار الأمريكي.

نظرية إسلامية

فيما يتحدث د.محمد موسى، أستاذ الاقتصاد بكلية التجارة جامعة الأزهر، عن أهمية الرجوع إلى جذورنا لمعرفة أهم مقومات النجاح والتقدم التي اتبعها المسلمون الأوائل، متمثلة في قول الله عز وجل "اقرأ"؛ فهذا أول تكليف بتحصيل العلم، وهذا ما تتبعه الدول المتقدمة فيما يعرف بـ"اقتصاد المعرفة".

وعن أبرز الحلول الاقتصادية التي يمكنها أن تحقق النهضة في عالمنا الإسلامي، قال: أولًا يجب إنشاء ما يعرف بـ"وزارة التحول الديموغرافي"، التي تهدف بشكل أساسي إلى عمل حصر كامل للمصادر الاقتصادية في المجتمع بكل أنواعها. ثانيًا تحديد أهداف المجتمع، ثالثًا عمل استراتيجات اقتصادية لاستغلال المتاح من الموارد لتحقيق نهضة المجتمع.

كما أكد أن ما يحتاجه الاقتصاد الإسلامي الآن أن يتم اقتراح نظرية اقتصادية إسلامية مميزة لتطبيقها، وليس مجرد دراسات مقارنة مع نظم اقتصادية أخرى. وأوضح أنه لكي تستقر الأحوال الاقتصادية والاجتماعية في أي دولة لا بد من تحقيق العدالة الاجتماعية التي تقوم على التوزيع العادل للدخل والثروة بين أفراد المجتمع كافة دون تمييز، وهذا ما نجده في دولة ذات تعداد سكاني هائل مثل الصين، في حين تميّز النظامان الاقتصاديان الماليزي والإندونيسي بما يمكن إطلاق عليه "فن ضخ الأموال"، وهو أن تقوم الدولة بتجميع مصادر الأموال من الأغنياء والفقراء؛ فتمتلك الدولة الأموال كافة وتقوم بعمل مشاريع مهمة للأمة، ثم تبيعها للأفراد والشباب ليستكملوا، وهكذا؛ فهذه الطريقة تحقق الرواج الاقتصادي وتمكّن الدولة من القيام بما تحتاجه من مشاريع تخدم أهلها ثم تساهم في توفير فرص عمل للشباب والقضاء على البطالة؛ ما يحقق في النهاية العدالة الاجتماعية.

ثلاثة مبادئ

أما د.زين العابدين علي رئيس قسم الخدمات الاجتماعية الأسبق بجامعة حلوان فتطرق إلى إندونيسيا وماليزيا موضحًا أنهما دولتان ذاتا أعراق متعددة. على سبيل المثال: ماليزيا بها السكان الأصليون "المالاويون"، ولاحقًا أصبح يسكنها مهاجرون قادمون من الهند والصين؛ إلا أن المهاجرين كانوا أكثر تطورًا، ما دفع الدولة إلى اتخاذ خطوات تتضمن منح المالاويون فرصًا أكبر وتدريبهم على حياة ذات صلة بالتطور الاقتصادي؛ لتحقيق السلام الاجتماعي والتقريب بين الفجوات الطبقية؛ لكن معظم الدول الإسلامية والعربية لا يقلقها هذا التنوع الضخم من الأعراق، وفي ذات الوقت ينقصها ما يعرف بـ"الأمن الاجتماعي"، الذي يعني "الشعور بالعدالة والمساواة وتكافؤ الفرص".

ويؤكد د.زين أهمية تحقق ثلاثة مبادئ إذا أردنا لهذا الأمة أن تنهض وتبدع، وهي المساواة والعدالة وتكافؤ الفرص؛ وإذا تحققت هذه المبادئ بالتوازي مع القضاء على الفساد والرشوة والمحسوبية من المجتمع سيشعر المواطن أنه صاحب هذا الوطن؛ مما سيدفعه إلى الإنتاج والإبداع.

كما يؤكد أن أحد أهم أسباب التأخر في مجتمعاتنا انتشار بعض الطاقات السلبية، التي تؤدي بدورها إلى قناعات غير سليمة تدفع الشباب إلى الشعور بالاغتراب عن وطنهم بسبب ضياع حقوقهم لصالح أصحاب السلطة والنفوذ وغياب المساواة.

ويتابع د.زين العابدين: دول النمور الآسيوية استفادت من التجربة اليابانية، ليس من جانب نقل التكنولوجيا فقط؛ بل من خلال الاستحواذ على نصيب كبير من الاستثمارات الخارجية لليابان. وقد كان لاحترام قيم العمل وإتقانه دور كبير في جذب هذه الاستثمارات.

وبالنسبة إلى التغيير المجتمعي الذي تحتاجه الدول الإسلامية لكي تنتقل من "مستورِدة" إلى "مصدِّرة"، ومن "مستهلِكة" إلى جاذبة للاستثمار والصناعة، يؤكد د.زين العابدين ضرورة أن تعلي قيمة احترام العمل، وهذا دور الحكومات والمؤسسات قبل الأفراد؛ فالإنسان عندما يجد نفسه يعمل في التخصص الذي تعلّمه وتميز فيه، ويحصل على التقدير المادي المساوي للمجهود المبذول، وإذا تم تقديره بناءً على مستويات التميز والكفاءة والقدرات الخاصة بكل فرد؛ فإنه بلا شك سيتقن عمله، بل سيعمل ليلًا ونهارًا؛ إلا أن الواقع المؤسف أن التقدير المناسب غائب عن كثير من المهن والوظائف الهامة في المجتمع، ما يسهم في تخريج أجيال وإنتاج غير متميز للأمة، في حين أن التقدير المادي لمهن ومجالات بعينها مبالغ فيه، وهنا يأتي دور المساواة الغائبة؛ التي تعد أهم أسباب تخلف الأمة عن ركب الحضارة.

تجارب الناجحين

من جانبه، يقول د.محمد يحيى الرخاوي، استشاري علم النفس، إن من أهم أسباب التأخر التي وصلت إليها الأمة الاكتفاء بالحديث عن أهمية القيم التي يجب أن نربيها في أبنائنا، وعدم تنفيذ هذه القيم على أرض الواقع، في حين أن من حقّقَ التقدم بالفعل - كرئيس الوزراء الأسبق "مهاتير محمد" وهو صانع النهضة الماليزية - قد التزم بأهم القيم، وهي احترامه لقيمة النجاح واتباعه للناجحين؛ بإرساله البعثات للتعلم ممن حققوا النجاح والتقدم في المجالات المختلفة، وهذا أكثر ما أفاد التجربة الماليزية، كما أن هذه التجربة ليست الأولى؛ فقد صنع محمد علي في مصر نهضة ما زالت مصر تحيا على آثارها حتى الآن؛ وذلك بالاستفادة من تجارب الناجحين وإرسال البعثات إلى كل من يمكننا التعلم منه، وليس في السعي إلى التعلم من تجارب الآخرين فقد للهوية أو تخلّ عن جذورنا الحضارية، فهذا ليس واردًا. وجدير بالذكر أن الغرب في بداية نهضتهم كانوا يترجمون مجالات عدة عن العرب وعن غيرهم ليحصلوا العلم النافع، والتجربتان الماليزية والإندونيسية مثال ناجح لما فعلته الدول الإسلامية في هذا الشأن.

ويؤكد الرخاوي أن الحالة النفسية التي تغمر شباب العالم الإسلامي من يأس أو إحباط بسبب واقع الأمة إنما هي استجابة طبيعية للمناخ العام الذي نحياه من تأخر في كل المجالات، والعلاج المفاجئ لهذه المشاعر في الحقيقة أن تستجيب إلى الشعور بالألم ولا تقاومه؛ فحين نشعر بالألم من الواقع - وربما بالانبهار بتجارب الناجحين - تدفعنا هذه المشاعر إلى تحقيق التغيير في الواقع الذي نحياه وأن نأخذ بمقاليد النجاح ونسعى إلى تحصيل العلم الموصل إلى تحقيق الإنجازات.

الشباب.. قوة العرب

ويرى كريم الشاذلي، الباحث في مجال العلوم الإنسانية، أن جزءًا مهمًا من النهضة الآسيوية أنها اتجهت إلى الإنسان، بينما تتجه في عالمنا العربي والإسلامي إلى فكرة "الدولة"، الفارق هنا أن النهضة المتوجهة إلى المواطن الإنسان تبدأ من النقطة الصحيحة؛ فلا يمكن أبدًا أن أطالب المواطن بالحلم والعمل ومجاراة طموحات الدولة بينما هو بالنسبة إليها ليس أكبر من عبء أو مشكلة وسبب كل أزمة، ويتم توجيه اللوم إليه ليل نهار دون النظر إلى احتياجاته وتفهمها، حتى وإن تأخر الحل أو تم تأجيله، المهم أن يشعر المواطن أن هناك من يشعر به ويعمل على حل مطالبه الإنسانية، وأنا أؤكد أن قذف الاتهامات بين الدولة والمواطن سيجعلنا ندور في فلك الإحباط على الدوام، وسيكون منتهى الحلم بعض الأبراج والكباري والزخارف، دون نهضة حقيقية يمكن أن ترتفع بها الأمة عاليًا.

ويؤكد أن لدينا نقطة قوة أخرى تفوق عدد السكان، وهي عدد الشباب. فالدول العربية لديها أكبر معدل شباب في العالم، الإحصائيات تؤكد هذا؛ لكنه شباب محبط، ولا توجد طريقة لاستغلال هذه الطاقة إلا بتلبية مطالبه وشحذ هممه عبر برامج إصلاح حقيقية، وتقدير مواهبه واحترام أحلامه، وجعله شريكًا أساسيًا في أي نهضة مقبلة؛ فالمسكنات لا تصلح، وعلى كل دولة أن تقوم بعمل إصلاحات جذرية تثبت من خلالها نيتها الحقيقية في الإصلاح؛ عبر مواجهة حقيقية مع الفساد بكل أشكاله، والنظر بعين الاهتمام إلى ثروتها البشرية، فكل الدول الناهضة أخبرتنا أن علاج البيروقراطية ومحاصرة الفساد الإداري كانا نقطة البداية الحقيقية.

أما فيما يخص تطوير القدرات والتدريب المستمر فيرى الشاذلي أن الدورات التدريبية مهمة بلا شك، قالًا: "أعلم أن هناك ثمة ريبة تجاه ما يقدّم؛ نظرًا لوجود كوادر غير مؤهلة لتقديم هذه الدورات، لكن هذا يدفعنا إلى تجويد التدريب عبر وجود معايير جودة ومراقبة مهنية لما يتم تقديمه، للأسف الموضوع غير منظم لدينا، وكثير مما يقدم مستورد ولا يلبي الاحتياجات النفسية والفكرية، ويطرح حلولًا مثالية لا تناسب الشباب؛ لكني مع هذا أجد أن الفوائد أكبر، يكفي أن مثل هذه الدورات جعلت الشباب أكثر شجاعة في التعبير عن مشاكلهم والحديث بوضوح عن أزماتهم، وحفّزت لديهم فكرة البحث عن حلول؛ وبالتالي لو تم تنظيم الأمر عبر تهيئة الكوادر التدريبية ووضع خطط تتناسب مع المشاكل الحقيقية للمجتمع فظنّي أننا يمكن أن نستفيد بشكل أكبر".

إنحطاط الخلق.. سر سقوط الأمم!

يتطرق د.علـي مهـران هشـام أستاذ التخطيط البيئي والعمراني, جامعة هوكايدو اليابانية، ومستشار للعديد من بيوت الخبرة والشـركات العربيـة والدوليـة، إلى كتاب "سر تطوّر الأمم" لمؤلفه المؤرخ الفرنسي غوستاف لوبون أحد أهم فلاسفة علم الاجتماع الفرنسين، والذي تطرق فيه إلى أسباب قيام وسقوط الحضارات؟ ولماذا تذبل بعد أن تبلغ أوج مجدها؟ وهل تنتقل الحضارات من أمة إلى أخرى؟.

وأوضح د.علي أن الكتاب الذي يأتي من خمسة فصول هو دراسة للسنن النفسية لتطور الأمم وملخصّ لقراءات المؤلف في أسرار ولادة وموت الحضارات وإنتقالها، طارحًا العديد من الأسئلة والآراء حول أسس التقسيم النفسي للأمم من تأثير الأخلاق والأديان واللغات والفنون وإنعكاسها على مدنيتها وتهذيبها، وآلية إنتقال الفنون والعلوم بين الحضارات ودور ذكاء الشعوب وقدرات الأمة العقلية.

يناقش الكتاب أيضًا طبائع الشعوب النفسية ويعتبر فيه أن مظاهر روح الأمة ينبثق عن أخلاق هذه الأمم وله الدور الأساسي في تشكيل مدنيتها، كما يرى أن دراسة تاريخ الأمم مشتق من دراسة أخلاقها، وأورد المؤلف الأمثلة على ذلك في مختلف فصول الكتاب كما أسقط نظرياته على تطور الولايات المتحدة بأمركيا والجمهوريات الإسبانية وغيرها من الأمم.

ومن ثم طرح أسباب تغير الصفات النفسية للأمم وتأثير المعتقدات الدينية في تطور مدنية الحضارات، وانتهى إلى تلخيص أسباب ذبول الحضارات، فالأمة حسب رأي غوستاف لوبون "تحتاج إلى زمن طويل لتبلغ ذروة الكمال الممكن، لكنها لا تحتاج إلى زمن قصير لتنحط نحو الدرك الأسفل".

ويخلص إلى أن العامل الأقوي في سقوط جميع الأمم والحضارات التي يذكرها التاريخ بلا استثناء، هو تغيّر طرأ في "مزاجها العقلي" ترجع علّته إلى إنحطاط الخلق.

ويشير د.علي إلى أنه ومن خلال خبرته الطويلة في المجتمع الياباني أدرك أن الحضارة اليابانية استمدت العديد من أسسها من الحضارة الإسلامية سواء حسن التربية، التعليم التفاعلي، الإدارة الحازمة والإنسانية في الوقت ذاته، العدالة القاطعة التي لا تحابي فاسدًا أيًا كان وضعه الاجتماعي، وعدم الاستبداد بالرأي أو الانفراد بالقرار من خلال تطبيق المشورة، والتي خرجت أجيالا نجحت في الارتقاء بوطنها عاليًا بين الأمم.

 

 

 

أضف تعليق


كود امني
تحديث

الأوقاف تكرم حفظة القرآن الكريم

  الكويت – الوعي الشبابي: أكد وكيل وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية فريد عمادي أن من ...

وسائل ناجعة لتعزيز التفاهم بين الزوجين

  الكويت – الوعي الشبابي: لا بد وأن يسود التفاهم والانسجام بين الزوجين لكي يعيشا حياة ...

"أي بني".. 111 وصية من دُرر الويشي إلى أجيال الحاضر والمستقبل

  القاهرة – محمد عبدالعزيز يونس: بكلمات موجزة، وأسلوب ماتع بليغ، يجمع الكاتب د.عطية ...

اتصل بنا

  • صندوق البريد: 23667 الصفاة 13097 - الكويت
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
  • 22467132 - 22470156

عندك سؤال